تموز/يوليو 17
   صدر مؤخرا كتاب بعنوان (يهود العراق من أحضان الشيوعية الى مشانق البعث) من تأليف الدكتور سيف عدنان القيسي من اصدارات دار قناديل. صدر في 160 صفحة من القطع المتوسط في فصلين؛ يتناول الاول اثر اليهود في الحزب الشيوعي العراقي حتى عام 1950. والثاني يهود العراق مدة البعث الثانية (1968ـ 1975).
سلطت الكتابات التاريخية والرسائل الاكاديمية عن تاريخ يهود العراق الاضواء على الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولكنها لم تبحث بنحو كبير من العناية الجوانب الاخرى من نشاطاتهم التي تتصل بالمشروع السياسي التنظيمي والانتماء الى الاحزاب السياسية في العهد الملكي.. من اجل ذلك ركز الكاتب في هذه الدراسة على الجانب السياسي لكشف الانتماء الايديولوجي لليهود وانخراطهم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي السري ليجدوا ضالتهم في هذا الحزب الذي بدد لهم المخاوف الدينية والقومية والطائفية على الرغم من ان انتماءهم الديني جعلهم عرضة للملاحقة والاعتقال، بل الإعدام. وتعد حقبة الاربعينيات من ازهى سنوات صعود اليهود هرم الحزب بحيث تصدى اثنان منهم لسكرتارية الحزب ولم يكتفوا بذلك بل شكلوا عددا من المنظمات التي تعمل على تعزيز انتمائهم الوطني، بيد ان نشاط اليهود سرعان ما اصطدم بعقبة قانون اسقاط الجنسية عنهم عام 1950.
 كما تناولت الدراسة أوضاع اليهود منذ قيام ثورة 14 تموز 1958 وهي الحقبة التي تمتعوا خلالها بنوع من تخفيف القيود النسبية عنهم ولكن هذا الحلم هو الآخر لم يدم طويلا، ليعيش اليهود تحت ايديولوجية حزب البعث الذي بدوره ضيق الخناق عليهم ليكون ذلك دافعا كبيرا لمن تبقى منهم من اجل الهجرة عبر المناطق الكردية بتسهيلات من الحركة الكردية، نتيجة ما اصابهم من سياسة البعث.
في مقدمة الكتاب يشير الكاتب الى ما نالته الكتابة عن تاريخ الطائفة اليهودية من استحسان لدى شريحة الباحثين، لأنها بقيت من المواضيع التي ما زال يبحث عنها الباحثون جاهدين تسليط الضوء على تلك الطائفة التي شرخت طوعا او اجبارا عن جسد المجتمع العراقي، محاولين البحث عن الاسباب التي دفعتهم للهجرة، تاركين ارثا يمتد لحقب تاريخية مثل فيها اليهود جزءا لا يمكن نكران وجوده في جميع اركان العراق .. في بغداد والبصرة ثقله الاقتصادي وفي الموصل لا يقل دورهم عن باقي الطوائف الاخرى في الاهمية. وفي النجف وكربلاء مزارات دينية. وفي شمال العراق تتجاذب تجمعاتهم على هذا الطرف من الجبل او ذاك.. كلها تجليات تدفع الباحث للتوقف عن مكامن وجود اليهود ومن ثم مغادرتهم بهذا الحدث الدراماتيكي الذي دونته سجلات مغادرتهم للعراق.. وتشبث وبقاء الالاف المتعددة ممن بقي قلبه ينبض بأرض العراق خوفا من المجهول الذي ينتظره في حال مغادرته. ومن جانب آخر هناك نقطة يجب التوقف عندها وهي بروز ظاهرة القمع والاذلال المتعمد في التعامل مع ابناء البلاد عن طريق مظاهر الاستبداد السياسي والقمع العسكري محاولا إثارة الفرقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع العراقي بوسائل سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة كالحروب او الصراعات او الشلل الحزبية او العشائرية او الدينية او الطائفية او العنصرية ... الخ. وهذا ما وضع اليهود بين جملة من التناقضات الحكومية المتعاقبة التي رافقت دور اليهود في مسرح الحياة العامة والذي جعلهم بين خيارات صعبة بين البقاء وبين الهجرة لتجنب الوقوع في منزلقات خطرة غير محسوبة من قبل تلك الانظمة.
في الفصل الاول يشير الكاتب الى ما ناله تاريخ الحزب الشيوعي العراقي من اهتمام الباحثين وكتابة العديد من الرسائل والأطاريح العلمية عن تاريخ الحزب منذ تأسيسه والتي ركز غالبها على الجانب السياسي ودوره في الحركة الوطنية العراقية حتى عام 1979 . ولكونه ايضا شكل قطبا لأحد اهم القطبين الرئيسين في الحركة الفكرية وتمثل القطب الاخر بالتيار القومي. وبالرغم من الدراسات التي تناولت تاريخ الحزب لكنها لم تتناول جوانب اخرى مهمة للحزب الشيوعي العراقي كالبنية الاجتماعية والفكرية للحزب والاقليات التي انتمت لهذا الحزب، ومنهم اليهود الذين عدوا احدى تلك الاقليات المهمة التي كان لها تأثير في المسار الفكري للحزب في مدة تاريخية مهمة للحزب الشيوعي، وهي مدة الاربعينيات من القرن العشرين والتي اعطت تفسيرا واضحا عن اثر اليهود العراقيين في الحزب وتبنيهم للفكر اليساري.
وفي التوطئة يقدم الكاتب نبذة تاريخية عن الطائفة اليهودية التي تعتبر من اقدم الطوائف الدينية في العراق، وتمتعت بتفوق تجاري مقارنة بالطوائف الاخرى وهذا ما عزز مكانتهم التجارية على مدى قرون سحيقة، فضلا عن احتكارهم للسوق المالية فعرفت من بينهم اسر مالية عريقة.. ولم تقتصر اهتمامات اليهود على الجانب التجاري فحسب بل كان بعضهم معروفين على الصعيد الثقافي والفني، وكان منهم شعراء. وهذا التنوع يعود بالدرجة الاولى الى اتقانهم لغاتٍ متعددة اكتسبوها في مدارسهم الخاصة. درس الكثير منهم داخل العراق وخارجه وتخصصوا في الطب والهندسة والعلوم والتربية والحقوق والاقتصاد، ومارسوا المهن الحرة كالمحاماة والطب والصحافة، بل واندمجوا مع مواطنيهم وتكلموا وكتبوا بالعربية وكانوا جزءا من المجتمع العراقي.. في الحقيقة لم تحظ الحياة السياسية الحزبية باهتمام الطائفة اليهودية التي بدأت تظهر بالتوافق مع تشكيل الدولة العراقية لانشغالهم بالتجارة وادارتهم لاعمالهم الخاصة برغم ان اليهود كان لهم ممثلون في مجلسي الاعيان والنواب العراقيين واصبح لهم وزير في اول وزارة عراقية التي شكلها عبد الرحمن النقيب 1920. اسهم اليهود في ظل الانفتاح الذي لمسوه في عهد الملك فيصل الاول في الميدان السياسي عن طريق عملهم بوصفهم اعضاء ممثلين في مجلس النواب وموظفين حكوميين ومدنيين واسهموا في تعزيز الاقتصاد وادارة البنوك والحسابات والتعليم والثقافة. وهذا الامر ادى الى تذمر عدد من العراقيين من السيطرة الواضحة لليهود على الامور الاقتصادية والمالية في العراق.. وقد بدأ الخط البياني بالتراجع للطائفة اليهودية بعد وفاة الملك فيصل الاول بسبب ان من اخلفوه لم يحافظوا على التوازن الذي اوجده بسبب امتلاكهم المؤهلات وقادوا العراق الى هاوية التطرف واضطهاد الاقليات التي لها شأن مهم في العراق، فضلا عن ظهور احزاب ذات صفة قومية وهو ما جعل اليهود يفكرون بالوقوف بالضد من التيار الجديد، ليجدوا ضالتهم في الحزب الشيوعي العراقي الذي بدأ هو الاخر يخترق الشارع العراقي من طريق افكار المساواة التي بدأ يطرحها والتي لاقت استحسانا من ابناء الاقليات القومية والدينية .. وقد ادى اليهود أدوارا فاعلة في عملية انتشار وتكوين الاحزاب الشيوعية العربية ومنها الحزب الشيوعي العراقي ولكن انتماءهم بشكل فعلي لصفوف الحزب يعود الى بداية عقد الاربعينيات حتى اسقاط الجنسية العراقية عنهم في عام 1950. عمل عدد منهم في اطار الحركة الوطنية واسهم بعضهم في النشاطات الجماهيرية.. ومما زاد المخاوف في نفوس اليهود العراقيين هو انعكاس تدهور الاوضاع في فلسطين في بداية عقد ثلاثينيات القرن العشرين عليهم، وما قامت به المنظمات الصهيونية تجاه الفلسطينيين ووقوف العراق الى جانب عرب فلسطين ضد الصهيونية. وبانهيار انتفاضة مايس 1941 تعرض اليهود الى احداث سلب ونهب وبعث الحزب الشيوعي العراقي برقية بهذا الخصوص الى رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني وتعددت الروايات عن احداث الفرهود واسبابها وآثارها في اوضاع اليهود وفق ما يخدم الاهداف السياسية لمروجيها .. ان زيادة انتماء اليهود في صفوف الحزب كان لها بعدان؛ اولها الاعتماد على اليهود في اتخاذ بيوتهم ومحلاتهم مقرات للاجتماع ومحطات للبريد. والثاني ان اليهود من جانبهم عملوا على طرح بدائل للحزب الشيوعي السري وهو ايجاد واجهات علنية يعمل من طريقها ومنها طرحهم انشاء (دار الحكمة) للنشر والترجمة، مستفيدين من الثقافة والمؤهلات التي يملكها اليهود والدعم الذي قدمه التجار اليهود لتلك الدار التي بدأت طبع الكتب وترجمتها ولا سيما ان منها ذات التوجه الماركسي. عقد المؤتمر الاول للحزب في اذار 1945 واكدت مقررات المؤتمر واعماله تنظيميا اتساع قاعدة نشاط الحزب بين الناس، لا سيما انه ركز على جوانب اجتماعية وسياسية تتعلق بواقع العراق ومنه حقوق الاقليات القومية والدينية التي لاقت صدى في نفوسهم.
بعد السياسة الصهيونية التي بدأت تلوح في الافق لتأسيس دولة يهودية في فلسطين وهو ما دفع اعضاء الحزب الشيوعي من يهود ومسلمين لاقتراح تكوين منظمة تعمل على فضح اهداف الصهيونية. وفي الحقيقة ان تزايد النشاط الصهيوني في العراق كان له تأثير على اوضاع اليهود الذين وجدوا ضالتهم في الحزب الشيوعي ودخل الحزب من جانبه في صراع مع الصهيونية على النفوذ في اوساط الشباب. وتوصل الحزب الى تشكيل (عصبة مكافحة الصهيونية)، واصبحت غايتها الاكيدة مكافحة الصهيونية بين جماهير اليهود المخدوعة بها، واشراكهم في العمل السياسي من جهة وازالة التوتر الطائفي السائد حينذاك من طريق افهام الشعب الفرق بين الصهيونية واليهودية. وان الذي جذب الشباب اليهودي لصفوف العصبة كونها المنظمة الوحيدة المجازة التي اصبحت تمثل اليهود تنظيما سياسيا مستقلا لم يألفه اليهود منذ تأسيس الدولة العراقية فكانوا مقتنعين ان الصهيونية ليست المنهج الصحيح الذي يسلكونه، وفي الوقت ذاته سينهي عقدة الانتماء الى المنظمات الصهيونية المحظورة. وقدمت العصبة بعد استكمال الشروط طلب اجازة عمل الى وزارة الداخلية وحصلت الموافقة بموجب قانون الاحزاب لعام 1946، واصبح يوسف هارون رئيسا للعصبة وعلى ذلك اوصى الحزب الشيوعي من جهته اعضاءه بالدخول في هذه العصبة وتشجيعها. وبينت العصبة في منهاجها ان هدفها هو مكافحة الصهيونية وفضح اعمالها ونواياها بين جماهير الشعب العراقي، ولا سيما بين اليهود. وتلك قضية حيوية لها خطورتها في حياتنا الوطنية. وكان للعصبة موقف مساند لمشاعر العرب المؤيد لحق عرب فلسطين، وكان اليهود بحاجة الى تقوية صلتهم بالعرب المسلمين؛ اذ رغبوا في ايجاد قواسم مشتركة مع مجاوريهم من المسلمين والتأكيد بانه لا صلة لهم مع الصهيونية، وذلك لحماية انفسهم وللاندماج في المجتمع الذي حاول ان يلفظهم. لم تستمر العصبة كثيرا في عملها بعد تقارير وردت من جهات امنية ضدها، واصدرت وزارة الداخلية قرارا بتعطيل عملها بعد ان نسبت اليها القيام بأعمال من شأنها الاخلال بالأمن العام ومن ثم اغلقت مقرها. ولعل من اهم اسباب غلقها حسب ما يذكره احد اعضائها هو ان اسمها كان يتسم بالغموض واتهمت بكونها منظمة صهيونية تكافح من اجل الصهيونية وليست ضدها. وبالفعل تم اعتقال كوادرها وسجنهم واعدامهم في ما بعد بسبب الصهيونية والانتماء للحزب الشيوعي العراقي.
ونتيجة لقرار وزارة الداخلية بإغلاق عصبة مكافحة الصهيونية والتي وجدت من الضروري ان يبينوا للرأي العام مدى قوتهم الشعبية ، دعت العصبة  بمؤازرة الحزب الشيوعي الى القيام بتظاهرة  للتنديد بما سماهم ( ارهاب وزارة ارشد العمري ) في 28 حزيران 1946 وانطلقت التظاهرة من شارع الرشيد واشتبكت مع الشرطة التي ادت الى اعتقال ما يزيد على 45 شيوعيا وقد قتل في تلك التظاهرة شاؤول طويق عضو الحزب الشيوعي العراقي، والذي سقط قرب السفارة البريطانية برصاص الشرطة الملكية، وكان طالبا في الصف الخامس الثانوي وهو يردد (لا مهادنات ولا مساومات نريد عراقا حرا مستقلا).
اعتقل سكرتير الحزب الشيوعي في 18 كانون الثاني 1948 وعانى الحزب ركودا لمدة من الزمن ولم يستعِد نشاطه الا بعد اشهر، حيث توضح ان الحزب بقي سليما وكان التعويل حسبما يذكر سالم عبيد نعمان على ما سماه الكادر الطليق في الحزب الذي كان بمستوى جيد جدا. وبعد الضربة التي تلقاها الحزب باعتقال قيادته اتبع اسلوب (التراجع المنظم) حتى يعيد الحزب نشاطه من جديد وقد وجد ضالته في وثبة كانون الثاني 1948، وكان للحزب دور فيها ما اشارت اليه التقارير الامنية. والحقيقة ان الوثبة لم تكن نتيجة تصميم سابق من احد او من جماعة او جماعات وانما حدثت عفوية نتيجة لتوقيع  معاهدة بورتسموث، وكان اعضاء الحزب نشطين في العمل فيها ولا سيما ان للحزب الشيوعي اعضاء كثيرين لهم خبرة وتجارب بين الطلاب والعمال وغيرهم. ومما تجدر الاشارة اليه هو ان اسهام اليهود في الوثبة لم تقتصر على الايديولوجيين الذين يؤمنون بالحزب الشيوعي بل تعداه ليشمل الطائفة اليهودية ككل وعلى رأسهم ساسون خضوري رئيس الطائفة اليهودية في العراق، وحاولوا تبديد الانطباع بأن اليهود لا يبدون اي اهتمام بمصير وطنهم وكيانه القومي.
اتضح موقف الحزب الشيوعي العراقي من قضية فلسطين منذ بداية تأسيسه والقائم على اساس الفصل بين الصهيونية واليهودية ويكون بذلك قد اختلف عن كل الاحزاب السياسية الاخرى في العراق من هذا الامر. ومن المعروف ان تناول قضية فلسطين من المواضيع الشائكة التي هزت كيان الحزب الشيوعي العراقي امام القوى القومية المنافسة له جماهيريا، ولا سيما في ظل وصول قيادات يهودية الى قيادة الحزب وفي ظل تغييب قادته في السجون ليصبح اليهود هم الطرف المعني في تلك القضية. واجه اليهود من الشيوعيين ارباكا بعد قيام الكيان الصهيوني وكان الارتباك مرتبطا بالتراجع المفاجئ للاتحاد السوفييتي عن سياسته القديمة وهو يمثل موقفا محرجا للشيوعيين العراقيين ككل فهؤلاء قد تربوا دوما على اساس العداء للحركة الصهيونية ولفكرة الوطن القومي الصهيوني في فلسطين العربية فضلا عن الشيوعيين اليهود الذين كانوا ينظرون الى الصهيونية على انها خطر يهدد اليهود انفسهم. وحين اعلان تقسيم فلسطين في عام 1947 وقف الحزب الشيوعي موقف المعارض لمن كانوا يؤمنون بقرار التقسيم ومنهم الشيوعيون اليهود الذين كانوا يؤمنون بالفكر الاممي المناهض للصهيونية.
نتيجة الاعتقالات التي طالت اليهود المنتمين للحزب الشيوعي او بسبب المخاوف التي اثيرت في نفوسهم بعد قيام (اسرائيل) هربوا الى ايران ومن ثم الى فلسطين سرا وعلانية بعد ان شرعوا بتصفية ممتلكاتهم، ولم يكن امامهم خيار آخر فأما العودة الى العراق ومحاكمتهم واما الفرار الى الكيان الصهيوني. وبهذه الطريقة وقع في احضان الصهيونية آلاف اليهود وهم في هجرتهم.
وحين صدر قانون اسقاط الجنسية العراقية عن اليهود في عام 1950 ومغادرة اغلب اليهود العراق حاول البعض ان يعطي مبررا لصدور هذا القانون بأن وراء صدوره هو للتخلص من اليهود الشيوعيين ويناقضه رأي ان هذا ليس صحيحا فان عدد الشيوعيين اليهود الذين تم اعتقالهم لا يتجاوز ( 245 ) عضوا، وهذا لا يبرر اخراج كل يهود العراق البالغ عددهم (130) الف يهودي. بل ان قانون اسقاط الجنسية العراقية عن اليهود لاحق اليهود الشيوعيين في سجونهم، لان الحكومة اسقطت الجنسية بدون استشارتهم او اخبارهم بذلك، وكان اغلب السجناء اليهود الشيوعيين قد تم نقلهم الى سجن نقرة السلمان الذي اصبح سجنهم بصرف النظر عن التهم التي وجهت لهم.
في الفصل الثاني يستعرض الكاتب وضع اليهود في مدة البعث الثانية الممتدة للفترة من 1968 لغاية 1975، حيث بدأها حزب البعث باتخاذ اجراءات تساعد على كسب الرأي العام العراقي الى جانب النظام من جهة، ومن الجهة الثانية ممارسة القمع الشديد بما يرعب الخصوم ويسكت معارضي النظام او المتعاونين مع القوى المعارضة للنظام، وقد واصل استخدام هذا النهج المزدوج طيلة حكم البعث بالعراق مقترنا بسياسة التحالف مع طرف ضد طرف آخر، فكانت امامه فرصة بث الرعب عن طريق الممارسات القمعية ضد الفئة الاجتماعية الضعيفة بالبلاد وهم اليهود. مثلما بدأ العهد البعثي بتطهير الدوائر التي يبني سلطته عليها باشر المهمة ذاتها لتطهير الدوائر الواقعة خارجها والتي تثير شبهة المناورة، فلم يكد ينتهي عام 1968 حتى تم اعتقال مئات الضباط غير البعثيين ومعهم قرابة اربعين رجل اعمال يمثلون مصالح تجارية اجنبية في البلاد، والقي القبض على وزراء ومسؤولين كما اعلنت الحكومة عن وجود شبكات تجسس صهيونية كبرى تم اكتشافها في البصرة، وتم نقل المتهمين الى قاعدة عسكرية في بغداد، ومنها الى مركز تحقيق حزبي، ولم تكتف الحكومة بإثارة الرأي العام تجاه شبكات التجسس بل قامت بإجراء عملية مسح شامل لعدد اليهود العراقيين والذين يمثلون ثقلا اقتصاديا واجتماعيا.
كان نهج حكومة البعث الثانية مغايرا عن نهج حكومة الثامن من شباط 1963 بممارسة العنف واحاطة الاعمال بالكتمان والسرية الشديدين ضد القوى السياسية المناوئة او مع الشخصيات المطلوب تصفيتها. اشار ماكس فؤاد سوداني الى احوال اليهود في بداية وصول البعث قائلا: بدأت حملات الاعتقال في ايلول 1968 حيث اعتقل اربعة يهود واختفوا بدون اثر وبدأت الشائعات تدور حول انهم في قصر النهاية، بعد أسابيع سمعنا ان سبعة عشر يهوديا من البصرة قد تم القاء القبض عليهم وجلبهم الى بغداد بتهمة التجسس لصالح اسرائيل، عشرة منهم طلاب جامعيون، ووصل العدد بعد اسابيع لأكثر من ثلاثين شخصا. كان الاتهام بالصهيونية من الصنف السهل المريح لمطلقه فاكتشاف المؤامرة بعد هزيمة 1967 كفيل بأن يعطي الانقلاب معنى قوميا؛ فالحماسة اللفظية للقضايا العربية ولا سيما قضية فلسطين كانت تلح على تقديم براهين عملية والاهم في ذلك ان الحسابات السلطوية لا ترحم. اخذ مكتب العلاقات العامة التابع لحزب البعث على عاتقه فتح ملف التجسس واضاف اليه الكثير من الابرياء من معارضيه، الذين لا يرقى الشك اليهم، ولا سيما بعد الغارة الاسرائيلية على القوات العراقية المتمركزة في الاردن. وفي 9 تشرين الاول اذاعت الحكومة عن شبكة تجسسية في البصرة يقودها تاجر يهودي، وامتدت يد الاتهام لتشمل اسماء رجال اعمال وسياسيين منهم يهود وعراقيون، ومن بينهم عبد الرحمن البزاز وعبد العزيز العقيلي وصادق جعفر الحاوي. كانت اغلب التهم التي وجهت لليهود بانهم يعملون لحساب اسرائيل ويزودونها بالمعلومات الحساسة عن الجيش ومعداته العسكرية. ويشير احد اليهود العراقيين الى جلسات المحاكمة التي بثت بعض وقائع جلساتها الاولى بالتلفزيون والاذاعة العراقية حين قال: شاهدت ثمانية من المتهمين وجه لهم الادعاء العام تهما ملفقة واعترافات مزعومة، ومن ثم تلتها اربع جلسات اخرى لم تبث على الهواء، وسنحت لي الفرصة ان اقرأ مجددا بعض وقائع جلسات معظم المتهمين، وبسبب التعذيب اضطروا ان يتهموا واحدا الآخر بحسب التعليمات ما عدا اربعة منهم رفضوا الانصياع للتعليمات، واصروا على براءتهم على الرغم من التعذيب الذي تعرضوا اليه بحسب شهادة سجناء كانوا معهم. حاولت الحكومة ان تضفي على المحاكمات بعدا آخر عن طريق توجيه الرأي العام الشعبي الى المخاطر التي تحيط بالأمن القومي العراقي، وهي مسألة حساسة بالنسبة للكثيرين، ولا يمكن النقاش حولها، وسمحت لبعض وفود المنظمات الدولية اللقاء باليهود لمعرفة اوضاع معيشتهم، وكانت نتيجة الضغط الدولي والسخط العالمي ضد ممارسات الحكومة العراقية تجاه اليهود ان هدأت الاوضاع قليلا، واخذ اليهود يحصلون على جوازات سفر ويغادرون العراق بصورة منتظمة، فلم يرق للحكومة العراقية ذلك لتبدأ صفحة جديدة من الاعتقالات والاغتيالات بحقهم مجددا، وفتحت ابواب الهجرة عام 1971 فكان خريجو عام 1967 من الطلبة اليهود اول من ترك البلاد لكي يسعوا لمستقبل افضل مما حصلوا عليه في وطنهم العراق، وبدأت موجة من الاستنكارات الداخلية والخارجية نتيجة لما تعرض له يهود العراق من اعتقالات واعدامات، فكان الاستنكار الداخلي اقل حدة، بسبب موقف الحكومة المتشددة ضد المعارضة لكن المعارضة والاستنكار الخارجي اخذ بعدا اشمل، ولا سيما بعد قتل عائلة كشكوش وقد خدم اجراء اسقاط الجنسية عن يهود العراق الحركة الصهيونية في حقيقة الامر، لأنه حرم العراق من فنيين متمرسين لا ينكر دورهم في اقتصاد البلاد، ولا يمكن في الوقت نفسه نكران حاجة البلاد لهم فضلا عن انه ادى الى تعزيز الكيان الصهيوني. في الوقت ذاته بدأت منظمة مهاجري العراق في اسرائيل بالتحضيرات لحملة قضائية للحصول على تعويضات من حكومة العراق عن ممتلكاتهم التي اخذت منهم قبل ان يهاجروا الى اسرائيل منذ عام 1950. وحاولت الحكومة بعد ضغط الرأي العالمي ان تمنح المساواة للمواطنين اليهود في الحقوق والواجبات، وكانت الخطوة الاولى تطبيق قانون التجنيد الالزامي على الشبان اليهود، لكن دون تدريب على حمل السلاح وحاولت الحكومة العراقية ايضا تلافي بعض اخطاء قانون اسقاط الجنسية العراقية 1950 لينسجم مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإدانة الصهيونية وعدها شكلا من اشكال العنصرية الصادر يوم 10 تشرين الثاني 1975 ذلك يفسح المجال امام اليهود العراقيين الذين غادروا العراق الى اسرائيل بشتى الصور للعودة الى وطنهم مع اعادة ممتلكاتهم. وكان من بين اسباب صدور هذا القانون هو محاولة تخفيف الضغط العالمي على الحكومة العراقية بعد موجة الاعتقالات والاعدامات التي طالت اليهود 1969. وبدأت الحكومة العراقية تسلط الاضواء على اليهود من اجل التخلص من الضغط العالمي ومن اجل تكميم افواه المطالب بتعويض اليهود المسقط عنهم الجنسية العراقية واخذ قانون اعادة الجنسية العراقية لليهود بعدا اعلاميا اكثر منه واقعيا، وكان قرارا سياسيا من اجل لجم اصوات الافواه العالمية التي نددت بنظام البعث وموجة الاعتقالات التي طالت يهود العراق..  ليقرروا في نهاية المطاف الهجرة الى الخارج او الى اسرائيل عبر المناطق الكردية خوفا من الاعتقال وزج اسمائهم في شبكات التجسس وعرضهم على شاشات التلفاز والصحف وتعد مدة حكم البعث الثانية 1968 من المدد الحرجة منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتعد النقطة الثالثة وهي الاجتماعية الأهم لكونها غيّرت الكثير من بنية المجتمع العراقي ولتمس في بداية حكمهم الطائفة اليهودية عن طريق ما شهدته من هجرة لما تبقى من يهود العراق.