تموز/يوليو 17

 (الثقافة الجديدة) تحاور  الدكتور عامر حسن فياض 

قراءة سياسية بعد عشرين عاما على الحرب والاحتلال.. والتغيير

أ. د. عامر حسن فياض، تولد بغداد – الكرخ عام 1952. حاصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة بغداد عام 1978، وعلى الدكتوراه من ذات الجامعة في تخصص الفكر السياسي الحديث عام 1990. عميد كلية العلوم السياسية ـ جامعة بغداد 2006 – 2011. عميد كلية العلوم السياسية/ جامعة النهرين 2011 ـ 2020، وعميد كلية الآمال حاليا. من مؤلفاته: جذور الفكر الاشتراكي والتقدمي في العراق 1980؛ الظاهرة القومية - مدخل الى الفكر القومي العربي 1997؛ جذور الفكر الديمقراطي في العراق الحديث 2002؛ مقدمة منهجية في الرأي العام وحقوق الانسان 2006؛ اشكالية السلطة في العقل الغربي عبر العصور 2012؛ ولايات الشر المتأسلم 2015؛ العراق وحلم الدولة 2018.
 
الثقافة الجديدة: تمرّ هذا العام، وبالتحديد مع صدور هذا العدد من (الثقافة الجديدة)، الذكرى العشرون على حرب العراق. ذكرى انهيار النظام الدكتاتوري والاحتلال.
لقد جاء هذ الحدث، في سياق عالم ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001. حينما شرعت الولايات المتحدة إلى جعل الإرهاب البوصلة المحددة لمفهومها عن الأمن الدولي. ففي تلك الفترة، كثيرا ما وصفت أروقة الادارة الامريكية واعلامها حرب العراق بأنها "جبهة مركزية في الحرب على الإرهاب".  باعتبار ان النظام العراقي ورأسه يشكلان تهديدا متزايدا على الولايات المتحدة وحلفائها، ويمثلان خطرا على المجتمع الدولي. وذلك لأن التبريرات الأساسية المزعومة لشن الحرب كانت تطوير صدام حسين لأسلحة دمار شامل. وكذلك علاقاته بالقاعدة.
دكتور عامر، في غضون هذه السنوات الطويلة بعد الحرب والاحتلال، ووصول إدارات متنوعة الى سدة الرئاسة الامريكية؛ حدث العديد من التطورات في النظام الدولي، والتوازنات السياسية العالمية في تغيير وتحول دائمين. فالعالم اليوم لم يعد يعيش أجواء الحرب على الإرهاب عام 2001 المشحونة.
ترى ما هي أبرز التحولات في الاستراتيجية الامريكية خلال هذين العقدين؟ وما هي التغييرات التي طرأت على موقع العراق بالنسبة للولايات المتحدة في ظل هذه التحولات؟ وكيف اثر كل هذا على الدور الذي تلعبه أمريكا في العراق والمنطقة؟
د. عامر: من حيث المبدأ ومنذ نهاية الحرب الباردة وانهيار تجربة الاتحاد السوفييتي السابق، ليس هناك تحولات استراتيجية في السياسة الأمريكية تجاه العالم، فالثوابت هي ذاتها وعنوانها زعامة العالم انفراديا والمصالح الأمريكية أولاً وأمن إسرائيل، بيد أنها تشهد متغيرات لا تلغي هذه الثوابت. وعلى هذا الأساس فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة أحسنت توريط الآخرين سواء حلفاء أو شركاء أو خصوم أو أتباع في الحروب والفتن ونهب ثروات الشعوب وصناعة رجال صدفة عبر يافطات مضللة لشيطنة هذا الطرف ورحمنة ذاك الطرف بحجة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وبذريعة مكافحة الإرهاب على حساب تدمير كل ما له صلة بالدولة الوطنية.
وقد كان العراق من الأطراف التي أحسنت التورط وعاشت التدمير بالاحتلال وحكم الديمقراطية بلا ديمقراطيين!
اي عالم نعيش في ظل عولمة متوحشة حيث عسكرة المياه بسلاح التعطيش، وعسكرة الكهرباء بسلاح القطع وعسكرة الانتقال بسلاح النزوح والتهجير وعسكرة القوت بسلاح حرق الزرع وعسكرة بطون الشعوب بسلاح التجويع وعسكرة الصحة بسلاح منع وصول الدواء وعسكرة المعابر بسلاح السرقة والفساد وعسكرة المرافئ بسلاح التفجير!!
اي عالم نعيش وقد اصبحت النقاوة السياسية النظيفة المتمثلة بالديمقراطية والحريات نقاوة وسخة متمثلة فقط بالليبرالية الرأسمالية المتوحشة.. واصبحت النقاوة الدينية النظيفة المتمثلة بالتسامح والتعايش ما بين الاديان نقاوة وسخة متمثلة بصراع الطوائف وغلبة الطائفية الجهوية الضيقة. واصبحت النقاوة الحضارية المتمثلة بالأمم نقاوة وسخة متمثلة بالعنصرية القومية!!
اي عالم نعيش ونحن ابتلينا ومبتلون الان بثقافة عولمة متوحشة جعلت من بلدان تحت الاحتلال ترفل بالانفتاح ومن بلدان ترفل بالاستقلال تعاني من العزلة والحصار!! ونحن ابتلينا بساسة رفعوا رايات الاستقلال دون ديمقراطية ومبتلون الآن بساسة يرفعون رايات الديمقراطية بلا استقلال.. وابتلينا بساسة حريات معدومة ومبتلون الآن بساسة حريات منفلتة.. وابتلينا بمستبد واحد في وطن واحد ومبتلون الآن بمستبدين في وطن واحد!! ابتلينا بإنتخاب متسلط واحد على كل الرقاب المتنوعين ومبتلون الآن بإنتخاب المتسلطين على رقاب تنوعاتهم!! وابتلينا بالقتل من الطرف الاول الرسمي الحكومي ومبتلون الآن بالقتل من الطرف الثالث الغامض المتخفي غير المعروف!! ابتلينا من حصارات البراني ومبتلون الآن من حصارات براني وجواني!! ابتلينا في عالم الامس بقسوة العيش في ماض يكره الحاضر ومبتلون اليوم في العيش بقسوة حاضر يكره المستقبل!!
اي عالم سياسي نعيش حيث تشويه الحق (القضية الفلسطينية) وتلميع الباطل (التطبيع مع العدوانية الإسرائيلية) لشيطنة كل ما له صلة بالقضية الفلسطينية ورحمنة كل ما له صلة بالعدوانية والعنصرية الصهيونية!! عالم يسكت عن ضم ارض وعن طرد ونزوح والغاء شعب ويصرخ للتعمير بالمستوطنات في ارض محتلة!! عالم الطوابير الخامسة التي بعد ان كانت ساكتة اصبحت مطبلة لمعزوفة شيطنة فلسطين ورحمنة الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين!!
نعم بالفواجع والمآسي والكوارث تتدافع وتتوحد كل طاقات ابناء الأوطان إلا اوطان العرب وطبقاتهم السياسية المتنفذة فأنهم يتباعدون ويتشرذمون وكل يغرد خارج السرب الوطني لينخفض منسوب الوطنية ويرتفع منسوب التوثب الوهمي غير المستور بأغطية العدمية الوطنية (الاستقواء بالأجنبي، اللجوء للمحاكم الدولية، النأي بالنفس، السلام مقابل السلام، ترجي الوصاية الدولية) وغيرها من موديلات جديدة تروّجها مصانع العولمة الرأسمالية المتوحشة!!
كل ذلك لأن القلة الرأسمالية المتوحشة والنخب السياسية المتنفذة وطوابيرهم الخامسة (حكماء) في نهب اموال الشعوب وفي نشر الفساد بالأوطان ونبذ الاخلاق والمنطق في السلوك والتفكير وفي التباهي بشطارتهم في الخيانة والعمالة والتبعية ناسين ومتناسين ان الحكمة السياسية الحقة هي فك اسر العقل السياسي من الارتهان للمشاريع الاجنبية المتجاوزة على الوطنية، وعدم الانفعال امام المتفاعل والتفاعل مع المنفعل دون ادخال الاحتلال في دائرة الشرعنة والمقاومة في دائرة الارهاب والتجريم ليكون القاتل حرا طليقا والضحية متضررا مقيدا .. وليكون الفاسد آمنا والنزيه خائفا.. وليكون ابناء الجوع متخمين بالزهد والصبر، وابناء الشبع متنعمين بالسحت والنهب.
انه عالم يحترم فيه الطالح ويثاب بينما الصالح لا يثاب ولا يحترم.. عالم ينصف فيه الظالم، والمظلوم فيه يقصف.. عالم يفلت فيه المعتدي من العقاب، والمعتدى عليه ينتظر المزيد من العقاب، وما علينا وسط هذه البانوراما غير المبهجة إلا توجيه انذار ختامي يفيد ان البلاد، في عالم العولمة المتوحشة، التي لا تكون لها سيادة وطنية قادرة على توفير اكتفاء ذاتي بالغذاء والدواء والمعرفة، سوف لا يكون لها مكان تحت شمس العالم الآتي.
نعم، تتحكم في العلاقات الدولية ومشتقاتها (السياسات الدولية، السياسات الخارجية، الدبلوماسية، السياسات الاستراتيجية، والجيواستراتيجية) معادلة الصراع والتعاون. والعراق كان ولا يزال أقرب الى دائرة الصراع منها الى دائرة التعاون في منظومة العلاقات الدولية؛ فمرّة يكون طرفا في الصراعات، والاخرى يكون جغرافية لها، وهو اليوم حلبة لصراعات اقليمية ودولية الامر الذي يسلب منه الارادة ويشل عنده القدرة في ان يلعب عمليا، دور الوسيط رغم ان كل ذلك لا يمنعه من ان يعلن، كموقف فقط، انه مستعد للعب هذا الدور.
وكذلك من مصلحة العراق ان يكون ساحة حوار بين المتخاصمين الإقليميين والدوليين كيما يتخلص من كونه ساحة صراع في ما بينهم. وان تشخيص الحال بهذا الشأن يشير الى ان وحدة الخطاب السياسي الخارجي للعراق تكاد تكون مفقودة لأسباب تتمثل في ان الاطراف السياسية العراقية المتنفذة والتي تمتلك صلاحيات اتخاذ القرار السياسي الخارجي لا تستقوي بذواتها ولا تستقوي ببعضها، بقدر ما يستقوي كل طرف منها بالخارج البراني.
وفي إطار تشخيص واقع الحال ايضا نرصد حالة تفيد بأن نظرة دول الجوار الى العراق هي نظرة استعلائية تتعامل مع العراق بوصفه كيانا لا بوصفه دولة بسبب وحدة الخطاب السياسي الخارجي المفقودة ولأسباب اخرى تتصل بالأرقام القياسية السلبية التي سجلها العراق على نفسه في السياسة ولواحقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يفوتنا التأكيد، ضمن الإطار التشخيصي لواقع الحال، ان نرصد الانشغال العبثي العراقي بأن اسس المشاكل هو الآخر الخارجي فقط، في حين ان هذا الآخر يتعامل معنا من منطلق مصلحته اولا، ومتى ما يجد فراغا في دواخلنا يتدخل لينصب نفسه فيه، وبالنتيجة فإن الملام ليس الآخر الخارجي هنا، بل الملام هو من صنع الفراغات او تسبب في صناعتها، وعجز عن سدها وطنيا.
ما تقدم تشخيص لواقع يقتضي المغادرة، فما هي سبل الخروج للخلاص من هذا الواقع؟
المطلوب، خطاب سياسي خارجي عراقي موحد يقوم على داخل معافى وتوظيف سليم للقدرات واستخدام صحيح للموارد. والخطاب المنشود لا يقوم على الانتظار الموضوعي بل على المبادرة الوضعية لأن عملية الاصلاح والتغيير لا تنتظر توافر اوتوماتيكي للظروف موضوعيا، بل تقتضي المبادرة وضعيا، والمبادر هو نظام سياسي يمتلك الارادة والحزم القادرين على التوظيف الصحيح والاستخدام الصحيح للموارد، لا سيما ان العراق لا يعاني فقرا في الموارد الطبيعية، ولا شحا في الموارد البشرية، بيد انه يعاني ضعفا في القدرة على التوظيف الصحيح والاستخدام السليم للموارد الطبيعية والبشرية الامر الذي يجعل من الموارد الغنية عامل نقمة لا عامل نعمة.
ولما كانت العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية هي علاقة المولود بالرحم، فإذا كان الرحم معافىً فأن المولود معافى والعكس صحيح فأن الخطاب المنقذ من واقع يقتضي الإصلاح والتغيير ينبغي ان ينطلق من رحم معافى الا وهو الداخل العراقي، والعافية تتأتى من تشخيص ومعالجة عيوب الداخل التي تحمل عناوين العوز التشريعي والعجز الخدمي والعوق المؤسساتي والعمى بالأولويات والعطب المعرفي والعقم الإنتاجي والعبث بالمال العام والعشق للماضي وهي أبرز العيوب وليس كلها.
وتلك العيوب ينبغي أن تعالج من قبل رجال دولة يتمتعون بخصال أبرزها توسلهم نهجا تكميليا لا تصغيريا في العمل، يمتلكون ثقافة الاستقالة لا ثقافة الاستطالة في المناصب العامة، وثقافة المعارضة لا المحاصصة، ومن المتفاعلين لا الانفعاليين مع المختلف، ومن النازعين الى التسوية لا التصفية مع الاخر، ومن حملة ثقافة التعددية لا الشمولية الاحادية في اتخاذ القرار، ومن المدركين ان السياسة هي ليست حل مشاكل قائمة فحسب بل حل مشاكل قادمة ايضا ومن عشاق المستقبل.
إذا كانت تلك ركائز الخطاب السياسي العراقي، فسوف لن يكون خطاب نزوة نرغب فيها او امنية نحلم بها بل خطاب تفكير وسلوك معا، وخطاب برامج واجراءات معا، خطاب ينشد دخول العراق شريكا وطرفا فاعلا في دائرة التعاون لبناء السلم والامن والاستقرار في المنطقة والعالم.
 
الثقافة الجديدة: وسط ذهول الجميع، كانت فترة ثلاثة أسابيع أكثر من كافية لإنهاء النظام الدكتاتوري عام 2003. لكن، لم يكن هذا هو المعلم الأهم للحرب. بل أن انهيار الدولة وتقويض جميع مؤسساتها بهذا الشكل، ونهب منشأتها، واحداث ما سمي بـ "الحواسم"، كان أبرز معالمها.
 إن سقوط نظام البعث بهذا الشكل المذل يعد مصداقا لوجهة النظر التي تختصر أربعين عاما من تطور حكمه. في البداية ابتلع الحزب الدولة، ومن ثم سيطرت المدينة والعشيرة على الحزب. ورويدا رويدا اختزلت الدولة والحزب المدينة والعشيرة بالعائلة، وأخيرا لَخّصت إرادة واحدة، الجميع: الدولة والحزب، والعشيرة والعائلة. فالقائد يحتكر كل المناصب والالقاب: الرئيس والأمين العام والاب والشيخ والرمز. وعندما انهزم وهرب، تداعى كل شيء، العائلة والحزب والدولة.
وعند النظر الى التجارب التاريخية، نجد ان هناك حالات قريبة لما حدث في العراق عشية الاحتلال. الوضع في ليبيا خلال السنوات العشر الأخيرة بعد سقوط نظام القذافي على سبيل المثال. لكن، في ذات الوقت، هناك تجارب تاريخية أخرى، تفرد فيها دكتاتور بحكم البلد، ولكن انهيار نظامه، لأي سبب كان او وفاته دون خليفة لم يتسبب في تقوض اركان الدولة.
في رأيك، في لحظة نيسان 2003 هل سقط النظام البعثي ام انهارت الدولة؟ وماهي الأسباب الكامنة في بنية الدولة العراقية الحديثة التي أدت الى تغلغل النظام البعثي فيها بهذا الشكل حد التماهي؟ والتي أدت في النهاية الى أحداث عام 2003؟ 
د. عامر: إن ما حصل في لحظة نيسان 2003 هو انقطاع حلم مشروع بناء الدولة وتدمير ما بقي من منجزاتها المؤسساتية المشوهة منذ العشرينات وصولاً حتى الآن. وبالإرادتين الداخلية والخارجية معاً مازال العراق يعيش حلم الدولة من جهة، ويعيش حقيقة كوابيس اللادولة العميقة من جهة أخرى، ومهما تعددت تسميات الوحدات السياسية وتنوعت توصيفاتها فان القاموس الدولتي المعاصر استقر على ثلاثية (الدولة والدولة العميقة واللادولة العميقة)، ولأننا نريد التحذير من الفوضى الاقتتالية المنظمة وغير المنظمة.. ونريد الحذر من الشعبويات العاطفية غير المستنيرة والاقلويات التسلطية بالسلاح او المال تعالوا نتعرف إلى ماهية اللادولة العميقة.
إنّ اللادولة العميقة وقبل تحديد ماهيتها علينا ان ندرك بانها، من حيث الوجود، لاحقة وليست سابقة لوجود الدولة الدستورية. وبقدر تعلق الامر بالعراق بوصفه كيانا سياسيا تاريخيا لم يصل بعد الى منصة الدول القائمة حقاً، فان الحديث عن الدولة العميقة سابق لأوانه في العراق.
عليه يمكننا، على اساس ما تقدم، ان نتحدث عن (اللادولة) العميقة في العراق قبل الانشغال، بلا جدوى، بالحديث عن الدولة العميقة في العراق. ومن المفيد أن نتعرف إلى ماهية اللادولة العميقة بدلالة الحديث عن كل من مصطلحي الدولة العميقة والكيان الموازي للدولة العميقة من حيث المفهوم والخصائص ودوافع التشكيل.
فكيف تتغول الدولة العميقة والكيان الموازي على الدولة الدستورية؟
الدولة العميقة تعني التحكم بوظائف المؤسسات الدستورية من قبل نخب سياسية وعسكرية وإعلامية واقتصادية واجتماعية تجمعها مصالح متشابكة لتجعل منها نخبة متسلطة على القرارات السياسية السيادية وغير السيادية. وقد تتدخل أطراف خارجية في صناعة أو دعم جماعات الدولة العميقة عندما ترغب تلك الأطراف الدولية الخارجية في محاربة المشاريع المحلية والدولية التي لا تخدم مصالحها في بلد مهم استراتيجيا بالنسبة لها فتدعم او تنشئ شبكات تنظيمية خارج الأطر الرسمية للدولة. وقد يتوافق مع الدولة العميقة كيان موازي أو يتداخل معها، ويشير مصطلح الكيان الموازي للدولة الى حركة اجتماعية تتأسس لتوليد التأثير الاجتماعي الشعبوي والدخول الى ميدان الحياة السياسية على وفق رؤية بعيدة المدى تلتزم بموجبها بتكوين حاضنة اجتماعية واسعة تدور في مسار قائد مؤسس. ويأتي انشاء هذه الارضية الحاضنة الاساسية للكيان الموازي للدولة بسبب عدم وجود منصة فكرية سياسية تدفع باتجاه اداء دور سياسي وطني، الامر الذي يؤدي بسبب ضعف هذه المنصة او غيابها الى استقطابات محاصصاتية للمشهد السياسي.
عندها يدور الكيان الموازي في فلك قائده الاوحد الذي اسس هذه الحركة الاجتماعية ذات الامتدادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد ان بدأ باختيار الطريق الاجتماعي لتأسيس النفوذ داخل المجتمع اولاً، زاحفاً نحو الدوائر السياسية عبر الارشاد والتبليغ والتربية والتعليم والمؤسسات الخدمية الاسكانية والصحية والمالية والاعلامية.
ورغم النفوذ الاجتماعي والاقتصادي والاعلامي الشعبوي الهائل للقائد فانه يأبى وكذلك بعض أبرز جماعته واجنحته من غير السياسيين، يأبى العمل السياسي المباشر والمعلن ليقود حركة او تيارا واسعا، وتصبح لأنصاره مشاركة مؤثرة في دوائر صنع القرار، بعد ان يتمكن من تعبئة ساسة في مرافق ومؤسسات الدولة قاطبة، وبعد ان يفتح أذرعه للتحالف مع احزاب وقوى سياسية، لكن سرعان ما يتخالف معها فيتحول التحالف الى احتواء او الى مواجهة.
والكيان الموازي هنا يشكل بديلا للدولة العميقة او المرحلة الثانية للدولة العميقة.. وبكل الاحوال فان الدولة العميقة والكيان الموازي لم يتشكلا بعد في العراق، لان الدولة لم تأت بعد، ولان البواعث لوجود اللادولة العميقة متوافرة بقوة من خلال المؤشرات الاتية:
ان قوة اللادولة العميقة تتناسب عكسياً مع ضعف المؤسسات الدستورية.
انها تتناسب في قوتها مع ارتفاع منسوب الفساد وانتشار السلاح المنفلت عن الشرعية.
انها تتزامن مع عسكرة السلطة او السلطة المعسكرة.
انها تتواءم مع ارتفاع وشدة انتشار الشعبوية.
انها تتقوى عند ضعف او غياب المعارضة السياسية الايجابية.
انها تحيا وتنتعش عندما تكون للعلوية التوافقية غلبة واولوية على العلوية الدستورية.
انها تتأسس خارج رحم الدولة الدستورية وعندما تغيب الدولة الدستورية فان رحم الكيان السياسي ما قبل الدولة يكون الرحم الخصب لحمل وولادة اللادولة العميقة.
وأنها تنمو وتتصلب عندما لا تستقوي قوى الداخل ببعضها وطنياً وتنزع الى الاستقواء بقوى الخارج متناسية او متجاهلة بقصد او بدون قصد الوطن والوطنية والمواطنة وضرورة تقويتهم والاستقواء بهم.
كذلك تكبر وتتجبر اللادولة العميقة عندما تنظر القوى السياسية الى العراق من ثقوب مذاهبها او قومياتها او مناطقيتها الجهوية الضيقة دون ان تنظر لجهويتها المذهبية والقومية والاجتماعية والمناطقية من بوابة العراق الموحد المتحد العريضة الواسعة الجامعة.
اخيراً، تتغول اللادولة العميقة عندما يركب الساسة مركب السلطة والحكم ويتنحى رجال الدولة عن قيادة هذا المركب او تتم تنحيتهم.
ما العمل؟
باختصار شديد، لا دعاء يخلصنا.. ولا قائد ينقذنا.. ولا براني يسعفنا بل المخلص والمنقذ والمسعف نجده في الانتخابات وبالمزيد من مواصلة الانتخابات التي تقوم على قانون عادل وإدارة مستقلة حقا ومراقب منصف ومرشح مواطن وناخب واع. دون ذلك فان اللادولة العميقة باقية والدولة العميقة والكيان الموازي للدولة آتيان.
 
الثقافة الجديدة: منذ التغيير عام 2003 والازمة البنيوية التي تشهدها البلاد في تفاقم مستمر. وبمرور السنين اتخذت هذه الازمة أبعادا ومديات عميقة. وشيئا فشيئا صارت تجليتها أكثر تنوعا، باتت بعض امكانياتها خطرة على مستقبل البلاد.
في الحصيلة النهائية تعد هذه الازمة نتاجا للآلية التي تم بها اسقاط النظام، والتي تمت عبر الحرب والاحتلال. وكذلك عبر هندسة "نظام سياسي" خاص ليتلاءم مع الحالة العراقية بعد 2003. نظام يستند منهجه على المحاصصة الطائفية والاثنية وفي بناء وادارة مؤسسات الدولة، وعلى تغليب الهويات الفرعية، على الهوية العراقية الجامعة التي كان من المفترض بها ان تقوم على اساس المواطنة. وإذا كان الاحتلال هو من عمل على تأسيس نهج المحاصصة، فإن القوى السياسية المتنفذة هي التي عملت على ترسيخه وادامته، وذلك عبر تكريس مفهومها عن دولة المكونات. الذي يتيح لها ان تختزل "المكون" بنفسها، بشخوصها وكتلها السياسية، وذلك من خلال ادعائها انها الممثل الحصري والوحيد احيانا، او "الحقيقي" في احيان اخرى. وقد وفرت عمليات الاختزال هذه، الغطاء المناسب لتقاسم النفوذ والسلطة والمناصب.
 وبالتالي، فإن الازمة البنيوية في العراق، هي حقيقتها ازمة بنيوية مركبة واحد تمظهراتها ازمة العملية السياسية التي تم تدشينها بعد 2003، وأزمة منظومة الحكم التي نتجت عنها. فبدلا من ان تمثل الاخيرة نسقا منضبطا، وفق سياسات وآليات منهجية، من اجل الانتقال من نظام دكتاتوري تسلطي نحو نظام دستوري وديمقراطي، تنهض اسسه على مبدأ المواطنة والهوية الوطنية الجامعة؛ تم مسخها الى مجرد عملية ايجاد أفضل الصياغات لـتحقيق "التوازن" في توزيع المناصب والوظائف العامة بين "المكونات". ولتتمحور في مطافها الاخير، الى مجرد تنافس مرعب وعنيف على السلطة والثروة والقرار. وبينما تتواصل عملية تشويه مفهوم العملية السياسية من قبل القوى المتنفذة، وكي تأخذ الامور نصابها من وجهة نظرهم، يصار الى مماهاة الديمقراطية بالعملية الانتخابية، والى صراعات حول القانون والنظام الانتخابيين وطريقة احتساب الاصوات. فبالنسبة لهم الديمقراطية والانتخابات هي مجرد مقياس كمي تُحدد نتائجه النهائية العلاقة بين المكونات، كما انها ليست سوى البحث عن تمثيل "عادل" للمكونات، وعن الذي يحق له تمثيلها، حصريا او بالشراكة.
ترى هل تتفق مع هذا التوصيف للعملية السياسية في العراق؟ نتطلع الى ان يتم تأطير وتعميق وجهة نظركم بهذه القضية عبر تعليقات ضافية ووافية 
د.عامر: نعم، اتفق معكم إن توصيف العملية السياسية ينطلق من أنها عملية أزمة بنيوية مركبة لها بُعد تأريخي حيث ان قصص التكوين التي سردها العقل الانساني على مر العصور هي قصص سجالية جدلية وليس تعاونية تنافسية.. وهي قصص مسارات وصيرورات لا قرارات ونزوات.. وهي قصص صبورة وليست مستعجلة حيث تتمدد على ماض وحاضر ومستقبل.
والعراق كما نعرف ويعرف الجميع بلاد مقر ومستقر وليس بلاد معبر او ممر فقد شهد خمس حضارات ما قبل الاسلام والحضارة الاسلامية والهيمنة العثمانية والاحتلال الانجليزي والشمولية التسلطية الجمهورية والاحتلال الامريكي وصولاً الى حاضر الاستقلال الهش والديمقراطية التي لم تكتمل بعد!
وفي هذا الرحم المجتمعي العراقي (التاريخي الاجتماعي الاقتصادي والسياسي الثقافي) تكونت ثلاث ثقافات (ثقافة تقليدية، ثقافة خضوع، ثقافة مساهمة) على وفق تصنيف عالم الاجتماع الالماني (ماكس فيبر). وكان أضعف ادوات التفكير هي ادوات ومناهج التفكير العلمي حيث غلبت الادوات الاسطورية ثم الدينية حتى دخول العراق عهد بناء الدولة الوطنية العشرينية اوائل القرن الماضي. وعندما دخل العراق هذا الطور اصبحت خارطة الفكر والتفكير موزعة بين فكر وتفكير موروث وفكر وتفكير توفيقي بين الموروث والوافد.
ففي العهد الملكي كان الوافد التعددي المهين سياسياً والموروث المهيمن اجتماعياً.. وفي العهود الجمهورية كان الوافد التسلطي (القومي ـ اليساري) المهيمن سياسياً والموروث مهيمن اجتماعياً.. وبعد العام 2003 كان الوافد التعددي بالصبغة الليبرالية والمضمون التعددي التقليدي متسيدا سياسياً والموروث التقليدي متسيدا اجتماعياً..
تلك هي خارطة الفكر والتفكير بخطوطها العامة وليس في دواخلها التفصيلية لأن التكوين سجالي والسجال لم يكن حوارياً تنافسياً بل كان وما يزال تقاتليا دمويا في أكثر الاحيان، لذلك فان تاريخ الحاضر العراقي كما هو ماضيه هو تاريخ قسوة وألم!
كيف الخروج والانتقال بالعراق من بلاد السجال القتالي التقاتلي الى عراق السجال الحواري التنافسي؟
إذا أراد العراق ان يكون له مكان تحت شمس المستقبل، عليه ان يعمل على:
اكتفاء ذاتي نسبي في القوت لتجاوز امراض العقم الانتاجي والخصوبة الاستهلاكية.
اكتفاء ذاتي نسبي في الدواء (استهلاكاً وانتاجاً).
اكتفاء ذاتي نسبي في المعرفة (استخداماً وانتاجاً).
من هنا تبدأ رحلة تعبيد الطريق نحو بناء الدولة في العراق، ومنها يبدأ مسار الانتقال بالعراق من كيان او كيانات سياسية الى دولة حقة. دولة تستحضر التاريخ لتغادره، لا لتعيش فيه وتعتاش عليه. دولة ترى ان كل القمم مدببة الا ثلاث قمم هي غير مدببة وعريضة تتسع للجميع (قمة الايمان، قمة المعرفة، قمة الوطنية). دولة تنتج مواطنين لا رعايا ولا اتباع ولا زبانية ... ومن رحم المواطنية يولد رجال الدولة. عندها نعلم انه يخدعنا من يقول اننا متنوعين ويعالج او يدير التنوع اخلاقياً او عقائدياً بينما إدارة التنوع قضية حق دستوري مضمون لكل التنوعات وقانوني منظم لكل التنوعات، ومؤسساتي ممكن لكل التنوعات..
أخيراً، نقول إن للعراق فكرا وتفكيرا وينبغي عدم التطيير من تعددية اتجاهاته سواء الوافدة والتوفيقية وحتى الموروثة، طالما ان السجال بينهما يصبح سجالا تنافسيا غير اقتتالي وغير دموي، صالح لبناء دولة حديثة، بعيداً عن الفوضى الانتقالية والتسلط القمعي، وهذا الامر لا يخص العراق فقط بل يخص كل كيان سياسي في المنطقة، يريد ان يكون دولة بحق.
 
الثقافة الجديدة: تحتل موضوعة الانتقال  Transitionموقعا مهما في الادبيات المنشغلة بمشاكل البلدان التي لديها العديد من التجارب، في ما يخص شكل الدولة الشديد المركزية والطبيعة الدكتاتورية أو الاستبدادية وكيفية الانتقال منها الى نظام جديد وديمقراطي وما هي شروط ذلك. ثم ان عمليات الانتقال إلى الديمقراطية التي تمت في مختلف مناطق العالم اتسمت بدرجة كبيرة من التعقيد؛ وبتعدد مساراتها، وبالاختلاف البيّن في نتائجها.
     ومن جهة ثانية فقد ميّز العديد من الباحثين بين مفهوم التحول transformation  الديمقراطي ومفهوم الإنتقال  transition الديمقراطي حيث اعتبروا أن الانتقال الديمقراطي هو مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي وأخطر مراحله أيضا وذلك لأن في مرحلة الانتقال يكون النظام ذا طبيعة مزدوجة تتعايش فيه كل من مؤسسات النظام السلطوي القديم والنظام الديمقراطي الحديث، ويشاركان في السُلطة سواء في صورة صراع أم اتفاق.
   ونظرا لأن عملية "الانتقال الديمقراطي" هي عملية معقدة بطبيعتها، تتداخل في تشكيل مساراتها ونتائجها عوامل عديدة، داخلية وخارجية، فقد تكون مصحوبة بمرحلة جديدة تتمثل في ترسيخ النظام الديمقراطي، وقد لا يترتب عليها قيام نظام ديمقراطي في مرحلة ما بعد الانتقال، وذلك في حال حدوث ردة أو انتكاسة تقود إلى نشوب صراع داخلي أو حرب أهلية أو ظهور نظام تسلطي جديد.
والسؤال الذي يفرض نفسه، بعد الملاحظات اعلاه هو اين يقف العراق اليوم؟ وهناك من المشتعلين في العلوم السياسية، مَن يرون أن العراق يقف اليوم في (مرحلة الانتقال الى مرحلة التحول الديمقراطي) ولم يصل بعد الى مرحلة التحول الديمقراطي، وكذلك بالتأكيد، لم يعش بعد (المرحلة الديمقراطية).. ما هو رأيكم بذلك؟ هل من تدقيقات اضافية؟
د. عامر: الانتقال الى الديمقراطية غير التحول الديمقراطي.. ففي الانتقال نعني مغادرة من نظام شمولي تسلطي الى نظام غير شمولي غير تسلطي.. بينما التحول الديمقراطي يمثل مشروعا بمراحل: المرحلة الاولى منه هي مرحلة الانتقال الى الديمقراطية، وهذه المرحلة تنشغل بإنجاز مهام وسلوكيات وتشريعات ومؤسسات النظام الشمولي التسلطي، عن طريق بناء الحكم الدولتي الدستوري المدني، ثم تليها مرحلة البناء الديمقراطي تشريعاً ومؤسسات وسلوكيات.
 بمعنى أدق: إن الانتقال الى الديمقراطية هي مرحلة أولى من مراحل التحول الديمقراطي. بكلمة أخرى ان الديمقراطية مسار تحولي بمراحل، المرحلة الاولى هي مرحلة الانتقال فإن فشلت هذه المرحلة ينقطع مسار هذا التحول وإن نجحت يستمر مسار هذا التحول. فأين نضع العراق اليوم في مسار التحول الديمقراطي؟
لقد شكلت قضية (الانتقال الديمقراطي) أو عملية (الدمقرطة) مبحثا رئيسا في علم السياسة منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية ظهر عدد كبير من الكتب والدراسات والتقارير التي تناولت هذه القضية على مستويات مختلفة: نظرية وتطبيقية، كمية وكيفية، دراسات حالة ودراسات مقارنة.
إذ يرى (صامويل هانتنجتون) أن موجة التحول الديمقراطي عبارة عن مجموعة من حركات الانتقال من النظام غير الديمقراطي الى النظام الديمقراطي، والتي تحصل في مدة زمنية محددة، وتفوق في عددها حركات الانتقال في الاتجاه المضاد خلال المدة الزمنية نفسها. وهي وفقاً لـــ (أودونيل وشمبيتر) المرحلة الفاصلة بين نظام سياسي وآخر. وأثناء عملية الانتقال أو في أعقابها يتم تدعيم النظام الجديد، وتنتهي هذه العملية في اللحظة التي يجري فيها اكتمال تأسيس النظام الجديد. وعمليات الانتقال لا تَحسم دائما الشكل النهائي لنظام الحكم. فهي قد تؤدي إلى تحلل النظام التسلطي، وإقامة شكل من أشكال الديمقراطية، وقد تتم العودة إلى بعض أشكال الحكم التسلطي، مثلما حدث في باكستان عام 1977 عندما أعلن (ضياء الحق) مرحلة انتقال مدتها ستة أشهر، ومع ذلك استمر في الحكم 11 عاما. وأيضاً في مصر الناصرية أعلن جمال عبد الناصر مرحلة انتقال مدتها عامان، لكن حكمه استمر 18 عاما منذ ذلك الإعلان.
ومثل مصر وباكستان دول كثيرة عرفت الانتقال، لكنها لم تعرف الديمقراطية. بينما أكد (دانكورات روستو) أن التحول الديمقراطي عملية مستمرة لها ثلاثة أطوار: الطور التحضيري (لحظة الانفتاح)، والطور الحاسم (الانتقال الديمقراطي)، وطور التعود والتحصين (الديمقراطية الموطدة).
ويعتمد الانتقال الديمقراطي على طريقتين:
الطريقة الاولى تشير الى التحول من نمط التنظيم السياسي (غير الديمقراطي) التسلطي الى نمط آخر ديمقراطي، أو بشكل أدق، الى نمط في طريقه الى الدمقرطة.
والطريق الثاني للانتقال يمثل طوراً يؤشر على القطيعة مع نظام سلطوي لتبني قواعد نظام ينحو باتجاه الدمقرطة او الانتقال الديمقراطي.
إن التجارب في التحول الديمقراطي لا تتشابه. وإن البُناة او الفاعلين الذين صنعوا الانتقال تختلف مرجعياتهم وثقافتهم وأساليب تدخلهم في السياسة والمؤسسات. فعلى الرغم من أن هناك أشكالاً أو أنماطاً متعددة لنظم الحكم غير الديمقراطية (شمولية أو تسلطية مغلقة، مدنية او عسكرية، حكم فرد أو حكم قلة ... الخ)، إلا أن هناك حالات ومستويات للنظام الديمقراطي متعددة أيضا يتم الانتقال اليها. فقد ينتقل نظام تسلطي مغلق الى نظام شبه ديمقراطي يأخذ شكل ديمقراطية انتخابية.
ويمكن ان يتحول نظام شبه ديمقراطي الى نظام ديمقراطي ليبرالي او يكون قريبا منه. كما ان الانتقال الى النظام الديمقراطي يمكن ان يتم من أعلى، أي بمبادرة من النخبة الحاكمة في النظام غير الديمقراطي أو الجناح الإصلاحي فيها، او من أسفل بواسطة قوى المعارضة المدعومة بتأييد شعبي واسع، أو عبر تدخل عسكري خارجي. وكل ذلك يؤكد مدى التعدد والتنوع في تجارب وخبرات الانتقال الديمقراطي.
وبناءً على ما تقدم، فإن مفهوم (الانتقال الديمقراطي) يشير من الناحية النظرية الى مرحلة وسيطة تشهد في الاغلب الاعم مراحل فرعية يتم عبرها تفكيك النظام غير الديمقراطي القديم أو انهياره، وبناء نظام ديمقراطي جديد. وعادة ما تشمل عملية الانتقال مختلف عناصر النظام السياسي، مثل البنية الدستورية والقانونية، والمؤسسات والعمليات السياسية، وأنماط مشاركة المواطنين في العملية السياسية.. الخ. فضلاً عن ذلك، فان مرحلة الانتقال الى الديمقراطية قد تشهد صراعاتٍ ومساومات وعمليات تفاوض بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين. كما تتطلب عملية التحول الى الديمقراطية ـ وفقا لرؤية برهان غليون (تطوير ثقافة ديمقراطية جديدة، وموارد مادية ومعنوية جديدة، وبناء قطب ديمقراطي تعددي حي، وإصلاح المؤسسات الرسمية والاجتماعية، وبناء مقومات الإجماع الوطني).
وبالانتقال الى موضوع العراق نجد انه يقف في مرحلة (الانتقال الى مرحلة التحول الديمقراطي)، ولم يصل بعد الى مرحلة (التحول الديمقراطي)، وكذلك بالتأكيد انه لم يعش بعد (المرحلة الديمقراطية). فعلى العكس ما يتوهم البعض فإن الديمقراطية لا تؤدي الى نفسها بشكل أتوماتيكي. وإنّ تجربة بلدان العالم المتقدمة ديمقراطياً تثبت لنا أن النظام الدستوري المدني سبق النظام الديمقراطي الى الوجود بسنوات طويلة. فلم تصبح انظمة أوربا الغربية ديمقراطية الا بعد مرحلة انتقال دستوري مدني، ثم مرحلة تحول ديمقراطي مدني، ثم مرحلة دول ديمقراطية مدنية. (لاحظ أن المدنية مرافقة لكل المراحل). فالأساس هو دولة الانتقال الدستوري المدني، أي دولة المؤسسات والقانون، دولة المواطنة، الدولة الدستورية، وهي دولة قوية مع المواطن، وليست دولة قوية ضد المواطن، ولا دولة هشّة تحت رحمة فرد او جماعات. إنها دولة المؤسسات. إنها الدولة المدنية الحديثة.
 
الثقافة الجديدة: يندر من لا يتفق في عراق اليوم على ان التغيير الشامل بات ضرورة ملحة، لا لأن الزمن قد عفا على تلك الأساليب المعتمدة في ادارة وتوجيه الصراع السياسي والاجتماعي فقط؛ بل لأن التغيير أساسا صار إمكانية. لكن، اذا كانت الأزمة المستفحلة في البلاد، والسياسات التي اتبعتها وتتبعها القوى المتنفذة القابضة على السلطة والثروة والنفوذ، قد تسببت في تنامي الوعي السياسي والنضالي عند الجماهير؛ معززة فيها روح المطالبة بالحقوق ورفض الظلم والفساد؛ مؤدية الى انطلاق اشكال متنوعة ومتباينة من الحراك الاجتماعي والمطلبي، التي تفجرت لاحقا بانتفاضة تشرين 2019 المجيدة. إن آليات الدفع بتجاه التغيير هذه هي في نهاية المطاف شكل من أشكال "الديمقراطية المباشرة".
 فإننا من ناحية أخرى، لا نلحظ تتطورا موازيا في آليات الديمقراطية التمثيلية، او في تقاليد العمل السياسي الانتخابي/ "الديمقراطية غير المباشرة"، من قبل القوى السياسية التقليدية، كي يأخذ هذا الشكل من النضال دوره في إحداث التغيير.
من وجهة نظركم، كيف تنظرون لهذه القضية؟ اعني العلاقة غير المتناسبة بين تطور اشكال الديمقراطية المباشرة الشعبية والديمقراطية الانتخابية؟  
د. عامر: عن الديمقراطية وأشكالها المتعددة مباشرة أو غير مباشرة شعبية أو تمثيلية كل منها لا يمكن استنساخها وتطبيقها. لأن العالم كان وما زال يعيش عملية تحول ديمقراطي والمعيار المعاصر لتصنيف النظم السياسية ما عاد يعتمد التصنيفات القديمة والأشكال التقليدية، بل يعتمد عملية تحول ديمقراطي من أنظمة شمولية إلى أنظمة تعددية تحت عنوان (التحولات الديمقراطية في عالمنا المعاصر).
وفي العراق، لا يستقيم وطن ولا تتشكل دولة دون السير في عجلة السياسات التي تنتقل بالعراق من كيان او كيانات سياسية ما قبل الدولة الى عراق الدولة الوطنية.. وكيما يتشكل عراق الدولة الصح فإن كل تحول ديمقراطي فيه ينبغي ألا يفسّر إلا بوصفه مسارا أدواته تعددية حزبية وتحالفات سياسية لان الديمقراطية من حيث المبدأ ليست عقيدة نناصرها مقابل من يناهضها، ولا هي مذهب نقدسه مقابل من يدنسه، ولا أيديولوجيا نتقاتل من أجلها ضد من يتقاتل ضدها، ولا هي آلية نتوسل أدواتها لنتسلق السلطة مرة ونتخلى عن أدواتها مرة أخرى، كي لا ننزل عن منصات التسلط. بمعنى آخر أن الديمقراطية منظومة فكر وممارسة متكاملة تضم وتؤطر التنوعات وتعمل ضمن حركة تحالفات ومسارات تحسن إدارة التنوعات، وعلى أساس ذلك فان تلك المنظومة الحركية لا يمكن أن تكون جزءاً من نشاط حزب سياسي ولا يمكن أن تجيّر باسم حزب، ولا يمكن أن تكون ملحقا بحزب ولا واجهة جانبية أو خلفية لحزب. وفي سياق استكمال مواصفات العراق الصح نقول ان العراق الصح هو عراق الدولة وليس عراق ما قبل الدولة.. وعراق المصلحة الوطنية وليس المحاصصة الجهوية.. وعراق الديمقراطية المؤطرة بالاستقلال الوطني وليس عراق الاستقلال الملون بالديمقراطية وليس عراق الديمقراطية المطعمة بالسيادة.. وعراق الاتحاد الصاعد للوحدة، وليس عراق الوحدة المعدومة الهابطة للاتحاد، وعراق المسؤول الباني التكميلي وليس عراق المسؤول الهدام التصفيري.. وعراق مأسسة المناصب لا تنصيب الاشخاص.. وعراق يخاف فيه الفاسد لا عراق يخاف من فاسد.. وعراق منخرط في قضايا العدالة والحرية لا عراق ينأى بنفسه عن قضايا العدالة والحرية لشعبه ولكل الشعوب.. وعراق نرید وطن، لا عراق نبيع وطن.. وعراق يستحضر الماضي للتذكير بحسناته ومغادرة سيئاته، لا عراق يسترجع الماضي ليعيش به ويعتاش منه.. عراق احياء يعمل لمستقبل احياء، لا عراق احياء يحكمهم اموات.. عراق يعرف حكامه ثقافة الاستقالة لا عراق تعشعش في عقول حكامه ثقافة الاستطالة.. وعراق يفهم التاريخ ويتفهم الحاضر ويعشق المستقبل لا عراق يعيش التاريخ، ويراوح في الحاضر ويكره المستقبل.. وعراق ينظر الى تنوعاته من ابواب العراق الواسعة، وليس عراق ينظر اليه من ثقوب تنوعاته الجهوية المذهبية والعرقية والمناطقية الضيقة..
وأخيرا، العراق الصح هو عراق التوأمة إن لم نقل عراق الزواج الكاثوليكي بين الاستقلال الوطني والديمقراطية على مستوى التعامل مع الخارج بعد أن يتطهر من وساخة الوجود العسكري الأجنبي بالرحيل عن ارضه عموديا والا سيكنس افقيا. على أن يتلازم تحقق هذا الرحيل مع طلاق العراق الابدي من المحاصصة المقيتة والفساد الوسخ على مستوى التعامل في الداخل.
 
الثقافة الجديدة: هناك مفارقة تاريخية نود لفت الانتباه لها. لا ندعي أنها تعكس الحقيقة التاريخية الموضوعية. ولكنها تبقى نوعا من أنواع التشابه الخارجي.
 دون أن نتغاضى عن الدور الشعبي الداخلي، يرتبط تأسيس الدول العراقية الحديثة في عشرينات القرن المنصرم الى حد كبير بالاحتلال البريطاني، شكلا ومضمونا. حيث كان للإنكليز الدور الأبرز في إنشاء مؤسسات الدولة، وفي تشكيل طبقات وفئات اجتماعية مختلفة، ودمج العراق في الاقتصاد العالمي آنذاك. لاحقا، برزت في بنية هذه الدولة تناقضات سياسية واجتماعية متشابكة توجت في الأخير بثورة تموز 1958.
ونفس الشيء حدث بعد عقود، إذ ارتبطت عملية إعادة التأسيس او التأسيس الثاني للدولة عام 2003 بالاحتلال الأمريكي. حيث أعيد دمج العراق بالنسق الرأسمالي المعولم. وربط اقتصاده بالاقتصاد العالمي وفق رؤية سلطة الاحتلال، وخياراتها الاستراتيجية، ومشروعها الاقتصادي. وتحول العراق الى دولة ريعية بامتياز. وتشكلت فيه طبقات وفئات اجتماعية استند وجودها الى نشاطات اقتصادية تجارية وطفيلية كومبرادورية وهي كلها نشاطات معرقلة للتنمية، ولتطور العملية الاقتصادية السليمة. وإذا كان وجود هذه الطبقات والفئات الاجتماعية قد اعتمد على الاحتلال في البداية، فهي حاليا ترتبط في الغالب بالدول الخارجية. وقد عملت القوى السياسية التي أمسكت بزمان الأمور في ما بعد على ترسيخ وإدامة هذا الوضع، وتكييفه ليتلاءم مع مصالحها.
كيف تنظر إلى هذه المفارقة التاريخية؟ وما هو المطلوب من قوى التغيير كي تتجنب مصير انتكاسة 1958؟
د. عامر: المطلوب من قوى التغيير الانتباه إلى قضيتين الأولى عنوانها وحدة الحركة الوطنية. والثانية عنوانها أطروحة السيادة القائمة على التلازم ما بين الديمقراطية والاستقلال.
ففي زمن ارتفاع منسوب العدمية الوطنية لا يمكن ان تكون أطروحة الوطنية قمة عريضة غير ضيقة وواسعة غير مدببة تتسع للجميع من دون وحدة الحركة الوطنية. وفي العراق منذ سقوط الحكم الشمولي في 9/4/2003 وحتى يومنا هذا تتحكم في المشهد السياسي معادلة المراوحة بين التاريخ السيء (تاريخ الشمولية الدكتاتورية) والمستقبل الصعب (مستقبل انجاز الاستقلال التام والديمقراطية التي لم تستكمل بعد) وما بين هذا التاريخ السيء وذلك المستقبل الصعب تتمدد مجموعة ازمات ومشكلات وتشوهات لا يمكن مغادرتها ايجابيا الا بائتلاف قوى وشخصيات الحركة الوطنية في العراق.
ان المطالبة بوحدتها تأتي دوما لتمثل امتدادا ومواصلة للمشاريع والجهود والمحاولات الوطنية الصادقة التي سبق وما زالت تبذل للنهوض بالفعاليات الائتلافية والتحالفية وتعميق مضامينها، وصولا الى صيغة تنظيمية تلتقي عندها جميع القوى والشخصيات الوطنية الحقة في سياق علاقات شراكة متكافئة.. صيغة تنظيمية خلاقة تعمل على دعم رؤى ومواقف خطاب وطني عراقي موحد.
ان انجاز هذه المهمة في عراق المرحلة الانتقالية المعاشة ينبغي ان يدفع قوى وشخصيات الحركة الوطنية في العراق باتجاهاتها ومدارسها الفكرية والعقائدية كافة الى التحالف في سبيل المساهمة الفاعلة في معالجة الاشكاليات الملحة التي يعاني منها الوطن والمواطن وأبرزها:
- اشكاليات استكمال السيادة وصولا الى الاستقلال الناجز بعد تعجيل انسحاب بقايا القوات الاجنبية وقواعدها من العراق واقامة الحكم الصالح والنظام السياسي المستقر والعادل. وبناء علاقات ايجابية مع دول العالم كافة مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعولمة مكافحة الارهاب ودحره.
- اشكاليات الارث الاستبدادي والدكتاتوري القديم وبقايا العنف والارهاب والنزعات الشمولية، وحماية منجزات التحول الدستوري وصولا الى ترسيخ المسار الديمقراطي.
ان معالجة هذه الاشكاليات والازمات تجعل من قوى وشخصيات الحركة الوطنية في العراق تقترب من بعضها وتحرص على العلاقات الايجابية مع القوى السياسية الوطنية الاخرى والتعاون معها من اجل الانتقال بالعراق من كيان سياسي هش الى دولة نظام سياسي مستقر وعادل قادرة على السير صعودا بالمرحلة الانتقالية، التي يعيشها عراق اليوم الى مرحلة التحول الديمقراطي.
ان مضمون وحدة الحركة الوطنية في العراق سيكون مفتوحا ومنفتحا على كل المشاريع الوطنية العراقية الحقة التي تريد للعراق الجديد ان يكون عراقا مستقلا.. عراق دولة مؤسسات وقانون.. عراق مجتمع مدني متنوع ومتجانس.. عراق نظام سياسي مستقر وعادل.. عراق حكومة وطنية خادمة تعمل لإيقاف التدهور من اجل انجاز التطور وتقدم كل ما يخدم الازدهار والتحسن المطرد لحياة المواطن والوطن.
أما مفهوم السيادة كما هي حال غيرها من الاطاريح الفكرية السياسية كالديمقراطية والعدالة والمساواة والمصلحة الوطنية والاستقلال، فمفهوم لسؤال ثابت واجوبة متغيرة، وعلى المتغير الا يلغي او يكون بديلا لاغيا للثابت، كما على الثابت ألا يهمل او يكون بديلا لاغيا للمتغيرات. ان مفهوم السيادة يتمتع بالخاصية التاريخية وقد التصق ظهورا باسم القابلة المأذونة له (المحامي والمفكر الفرنسي جان يودان) في كتابه (كتب الجمهورية الست) الذي نشره عام 1576 ليبرر من خلاله الحكم المطلق غير المقيد للعاهل الملكي الفرنسي شارل التاسع ليفرض سيطرته المطلقة على ادارة الشأن السياسي العام في فرنسا الكاثوليكية على أثر مذبحة ضحيتها ثلاثين ألف بروتستانتي فرنسي. غير ان مفهوم السيادة تعرض لمجموعة متغيرات وصولا الى زمن الرأسمالية المتوحشة التي روّجت ثقافة الخجل من السيادة لان الاستقلال والتحرر الوطني أصبح جوهرة السيادة حتى جاءت العولمة الرأسمالية.
وإذا تعاملنا اليوم مع السيادة وفق منهجية زمكانية يقتضي الحال ان نفرق ما بين السيادة البودانية (الواحدة والمطلقة وغير القابلة للتجزئة والتنازل) وبين السيادة المعولمة زمن الرأسمالية المتوحشة التي تبرر الهيمنة وعدم الخجل من التبعية للآخر الاجنبي المهيمن. بمعنى اخر ان السيادة البودانية جعلت الاستقلالية مثوبة بشرف وكرامة وطنية اخلاقيا، وجوهرها حكم تسلطي مطلق سياسيا. اما السيادة في زمن الرأسمالية المعولمة فأنها جعلت من الاستقلالية مثوبة بالديمقراطية وبمشروع ثقافة الخجل من السيادة اخلاقيا وجوهرها قبول التبعية وعدم الخجل من هيمنة الاجنبي سياسيا.
عليه، فإن التفكير والعمل وفق الفهم البوداني للسيادة سيذهب بنا الى القبول بالاستبداد والحكم التسلطي الشمولي، وبالمقابل فأن التفكير والعمل وفق الفهم المعولم للسيادة سيذهب بنا الى التبعية للمهيمن الرأسمالي المتوحش.
وعلى اساس ما تقدم فأن الذهاب في الطريق البوداني سيكون خاطئا وكذلك الذهاب في الطريق المعولم لأنهما طريقان وعران فمن سيكون مع السيادة البودانية سيتهم بأنه مع الاستبداد والحكم الشمولي المطلق، ومن يناهضها سيتهم انه مع التبعية والقبول بالهيمنة للآخر الاجنبي الرأسمالي المتوحش.
عليه، فان التمسك بالسيادة البودانية اليوم خطأ (شرعنة الاستبداد) والتمسك بالسيادة المعولمة اليوم خطأ (شرعنة التبعية) فما العمل؟
الامر يحتاج الى معادلة صحيحة ينبغي ان تفهم وتطبق من خلالها السيادة انطلاقا من حقيقة تفيد ان السيادة حق للشعوب وواجب على الحكام. فلا سيادة بلا استقلال، ولا استقلال بدون ديمقراطية وبدون هذه الحقيقة فأن الخارج سيكون غير مسؤول عن استقلالية بلد، وداخله فارغ من مستلزمات السيادة الداخلية وبدون هذه الحقيقة ايضا كيف ستحترم قرارات الدولة من خوارجها إذا كانت قراراتها لا تسري على دواخلها. بمعنى ان مستلزمات السيادة داخليا تتطلب وجود دولة لا كيان ما قبل الدولة.. كما تتطلب وجود وحدة قرار سياسي داخلي وخارجي معا لهذه الدولة.
ومن هنا يأتي حرصنا على ضرورة التزامن ما بين الاستقلال والديمقراطية لكي نتلمس سيادة حقيقية ننشدها.. فلا سيادة مع الفساد.. ولا سيادة مع المحاصصة الجهوية الضيّقة قوميا ودينيا ومذهبيا وحزبيا ومناطقيا.. ولا سيادة دون حصر السلاح بيد الدولة.. ولا سيادة دون تخوين وتجريم ونبذ المستقوي بلا خجل بالأجنبي.. ولا سيادة دون احترام الدستور والالتزام بأحكامه حتى من قبل واضعيه.. ولا سيادة دون العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة.. ولا سيادة دون اقتصاد انتاجي.. ولا سيادة دون استقلال القضاء.. ولا سيادة لدولة دون رجال دولة.. ولا سيادة لدولة دون تشابك وتداخل مصالح وتدخل من الخارج.. ولا سيادة لدولة تنأى بنفسها عندما تتعرض مصالحها الوطنية العليا للضرر سواء من دواخلها ام من خوارجها.
اخيرا، ولأن المصلحة الوطنية هي جوهرة السيادة ولأننا لا نريد وجع الرأس من السيادة البودانية، ولا نريد وجع التبعية من السيادة بالنهج الرأسمالي المتوحش، علينا ان نجعل من السيادة حصنا للمصلحة الوطنية ومشروع تحرر وطني من كل قيود الداخل والخارج على المواطن والوطن.
إذا اردنا ان نوجه رسالة انتباهات إلى متخذي القرار القابضين على السلطة بصدد مسألة السيادة نضع مسطرة معرفية لها صلة بعقلية وتفكير وسلوك لمن يريد ان يكون رجل دولة يجيد التعامل مع اطروحة السيادة فكراً وفعلاً وتلك الانتباهات تتمثل بما يأتي:
ضرورة فهم العلاقة بين الاستقلال السيادي والديمقراطية المدنية للدولة.
ضرورة فهم الترابط بين سيادة الداخل والخارج اي (انتزاع السيادة داخلياً) و (تكامل السيادة خارجياً).
ضرورة وحدة الخطاب السيادي واخراجه من دائرة الاستحقاقات الفرعية القابلة للخلاف والاختلاف، وادخاله في دائرة الاستحقاقات الوطنية غير القابلة للخلاف والاختلاف.
ضرورة إجادة استخدام الأجندة القائمة على التفضيل والأفضليات في تحديد الأولويات في التعامل مع المحيط الإقليمي والدولي.
التمييز ما بين التدويل والنأي بالنفس في التعامل مع دول المحيط الاقليمي والدولي انطلاقاً من مبدأ العراق اولاً
اعتماد النهج الوظيفي لا العقيدي في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
الانتباه الى ان الاعمال السيادية لا تحتاج لأزلام سياسة، وهم كثر، بل تحتاج لرجال دولة وهم قلة. لأن بالضرورة كل رجل دولة هو سياسي، ولكن ليس كل سياسي هو رجل دولة. ومن الضروري عدم اكتفاء رجل الدولة بالتصدي والانشغال والمعالجة للمشاكل القائمة فحسب بل للقادمة ايضاً.
وآخر الانتباهات تفيد بأن الدولة في العراق التي لا يكون لها سيادة ناجزة توفر اكتفاء ذاتيا بالغذاء والدواء والمعرفة، سوف لا يكون لها مكان تحت الشمس.
عندها سيكون الحريص على بيته الوطني منفتحاً لا منغلقا ولا مقاطعا وبالمقابل ستكون البيوت الوطنية الأخرى متعاونة معه لا مخاصمة لبيته. وهنا لا خشية على أسرار وهويات وحقوق بيوت العالم حتى لو أصبح العالم قرية كونية صغيرة يظل كل بيت فيها يتمتع بسيادة حرياته والعدالة الاجتماعية بين أبنائه.
ولا خشية على السيادة بعد ذلك طالما ان القرارات والخيارات (بالتنازل او بالتمسك بالحقوق) مقترنة بإرادة كل شعب قادر على التعبير عن خياراته بحرية مطلقة قائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية. فالحرية المطلقة القائمة على العدالة الاجتماعية في كل وطن هي السيادة التي ينبغي ان تسود بدل السيادة البودانية المطلقة وسيادة العولمة المطلقة.
ونحن هنا نراهن على حركات الشعوب الاجتماعية غير المنفلتة، المنظمة بسلطات منتخبة ممثلة بالمؤسسات وسلطات شعوب موازية غير ممثلة بالمؤسسات ليصبح عالمنا عالم سيادة شعوب، لا عالم السيادة البودانية المطلقة (عالم شريعة الغاب)، لا عالم سيادة العولمة المطلقة (عالم غاب بلا شريعة)، لأن الشعوب لا تستاهل ماضيها في السيادة البودانية القومية العنصرية المتقاتلة، ولا تستأهل حاضرها في سيادة عولمة نيوليبرالية متوحشة.