تموز/يوليو 17
 
  موضوعة الهوية بتعبيراتها المختلفة من أبرز التحديات التي واجهت الدولة العراقية منذ تأسيسها في مطلع القرن العشرين. هذه العقدة السياسية الاجتماعية في بلد متعدد القوميات والأديان شكلت تحديا كبيرا أمام التأسيس وإعادة التأسيس امتداداً للمرحلة التي تلت 2003. كيف ننظر الى طبيعة سياسات الهوية والصراعات الهوياتية بين مختلف "مكونات" الشعب العراقي، الدينية والمذهبية والقومية، في مرحلتين: الأولى مرحلة التأسيس (العهد الملكي 1921-1958)، والثانية مرحلة إعادة التأسيس الأولى (العهد الجمهوري 1958 - 2003)؟ حول هذا الموضوع كان حوارنا مع الدكتور (فنر حداد) الباحث المتخصص في العلوم السياسية وشؤون العراق والشرق الاوسط. مواليد 1980، تخرج من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وجامعة كامبريج وجامعة اكستر. درّس في عدة جامعات منها جامعة لندن وجامعة سنغافورة. وهو الآن محاضر في جامعة كوبنهاجن في مجال العلوم السياسية وتاريخ الشرق الاوسط الحديث. ركزت كتاباته على الشأن العراقي وسياسة الهوية في الشرق الاوسط. اهتماماته البحثية الرئيسية هي قضايا الهوية، والذاكرة التاريخية، القومية، سياسات الأقلية والصراع الطائفي. له عدة مؤلفات من أهمها كتاب "الطائفية في العراق: رؤى مضادة للوحدة" الصادر باللغة الانجليزية سنة 2011 والذي ترجم للعربية سنة 2023، وكتاب "فهم الطائفية: العلاقات السنية الشيعية في العالم العربي الحديث" الصادر باللغة الانجليزية سنة 2020.
 
للاطلاع على الحوار بصيغة pdf : اضغط هنــــــــا
 
 
عقدة التأسيس
فنر حداد: اتفق مع الطرح الذي يؤشر ان ما حدث بعد 2003 لم يأت من فراغ. وان كانت هناك نظرة شائعة، اعتبرها رومانسية نوعاً ما، وهي ان "الطائفية" بدأت في 2003، بينما قبل ذلك لم يكن لها وجود. فلا أحد يعرف أو يهتم بمذهب الآخر وان الاختلاط كان شائعا وقتها. أنا أرى ان هناك نوعا من المبالغة في هذه النظرة. نعم، بدأ العنف والمفخخات وتقسيم السلطة على أساس هويات طائفية بعد 2003، وقبلها لم توجد مثل هذه الظواهر. ولهذا انا لا استخدم هذا المصطلح ابدا في كتاباتي ومداخلاتي باللغة الإنكليزية. بل انني كتبت العديد من الأبحاث أبين فيها كيف ان هذا المصطلح يشوش على فهمنا لموضوع العلاقات بين الطائفية.
إذا اخذنا الطيف الاوسع من العلاقات الطائفية، سنجد تراكمات لما قبل 2003. منها على سبيل المثال: لا يستطيع أحد ان ينكر انه منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، في عشرينات القرن السابق، والى عام 2003، كان هناك عند الجانب الشيعي السياسي شيء من النقمة ونوع من الإحساس بالمظلومية والتهميش، فكرة من قبيل الأغلبية المحرومة والمهمشة. وقد وردت هذه التصورات عند عدد غير قليل من الشخصيات الوطنية من الشيعة مثل: محمد رضا الشبيبي، ومحسن أبو طبيخ، ومحمد صادق الصدر، عبد الكريم الازري. ولدي قائمة معتبرة بمثل هذه الأسماء. وهم يؤشرون وجود خلل في التركيبة السياسية والبيروقراطية للدولة العراقية.
لا ينكر أحد ان الدولة التي تأسست حديثا في 1921 اعتمدت على كوادر ونخب سنية لإدارة هذه الدولة الجديدة. ويمكن ان نعزو هذا جزئيا الى سياسة فرّق تسدْ التي اعتمدها البريطانيون. وقد أدى هذا الاعتماد على كوادر ونخب من طرف واحد تقريبا الى توليد شيء من النقمة، خصوصا بعد ثورة العشرين. ولكن، على سبيل المثال، لم يكن هناك اعتراض [من قبل الشيعة] على الملك فيصل الأول لمجرد كونه سنيا. كانت هناك بعض الاعتراضات على أنه موال للبريطانيين، او ان البريطانيين هم من نصبه. في ثورة العشرين كان المطلب المتكرر في مخاطبات المرجعية وشيوخ العشائر في الفرات الأوسط، سواء في ما بينهم او عندما كانوا يخاطبون الرأي العام الدولي وعصبة الأمم وامريكا وغيرها، كانوا يكررون مطالبهم التي يمكن صياغتها عموما بدولة مستقلة ملكية دستورية يحكمها ملك من أولاد شريف مكة، اي سني. بمعنى ان ثورة العشرين، التي كانت شبه محصورة في مناطق الفرات الأوسط، لم تكن مكترثة الى حد كبير بموضوعة سنة وشيعة.
 
الثقافة الجديدة: في واحدة من مقالاتك حول التأسيس أشرت الى أن الملك فيصل الأول واجه هذه العقدة وهو يعمل على تأسيس دولة حديثة؟
 فنر حداد: من وجهة نظري، ان اعتماد الدولة الجديدة على السنّة في إدارة الدولة الجديدة، لم يكن فقط نتيجة لسياسة فرق تسد. وانما كان مسألة لا مفر منها، مثلما أشار الى ذلك الملك فيصل في مذكراته. الدولة العثمانية كانت أساسا معتمدة على النخب والبيروقراطية السنيّة. وبالتالي فإن تأسيس الدولة الحديثة، يستلزم الاعتماد على بيروقراطيي الدولة العثمانية. ما اريد ان أصل له هنا هو ان الحضور السني في الدولة الجديدة سيكون أكثر من الحضور الشيعي. وكانت هذه القضية تحصيل حاصل بالضرورة. علما ان الشيعة لم يكونوا مهمشين بالكامل. فلا ننسى ان نسبة من أعضاء مجلس الاعيان كانوا من الشيعة. ربما كان بالإمكان معالجة عدم التوازن في كوادر ونخب الدولة لاحقا في الحكومات المتتالية بعد العشرينات مع استمرار عملية بناء الدولة ومع بناء المؤسسات في انحاء العراق وانتشار الثقافة والتعليم وما الى ذلك. لكن انقطاعات حدثت بسبب الانقلابات. اريد ان أؤكد هنا، انه بدلا من النظر الى التاريخ بحتمية، يجب ان لا نتغاضى ان هناك دوما مجالا للقرارات السياسية والنزعات والمصالح الشخصية وغيرها التي تلعب دوراً في بناء الدولة ومؤسساتها. لكن هذا لا يعني ان انقساما مجتمعياً كان موجوداً بين السنّة والشيعة وهذا أولا. ثانيا، هذه النقمة على تركيبة الحكم لا تعني بأي معنى ان هناك رغبة في الانفصال او حتى رفضاً للدولة العراقية كما هو الحال مع الحركة الكردية، خصوصا بعد ثمانينات القرن العشرين ووجود ما يشبه النزعة الانفصالية عند الحركة الكردية. القضية الطائفية قبل 2003 كانت تتمحور حول مسألتين. الأولى، هي تركيبة النظام الحاكم، ومدى تمثيل الشيعة في الحكم والمناصب الرفيعة. اما المسألة الثانية، خاصة خلال فترة البعث، فتتمثل بقضية الطقوس الشيعية والسماح بالتعبير عن الهوية الشيعية في المجال العام. ونستطيع القول ان هاتين المسألتين كانتا المحرك الأساس لما نستطيع ان نعبر عنه بعنوان "القضية الطائفية".
 وهنا نستطيع استخلاص استنتاجين. الاول، ان القضية الطائفية قبل 2003 لم تكن قضية سنيّة شيعية. بل كانت قضية دولة وحركات سياسية شيعية وشخصيات سياسية شيعية. الاستنتاج الثاني، لم يكن هناك عند الطرف السني مرادف للحركات الشيعية. أي حركات سياسية سنيّة يتمحور نشاطها السياسي حول هويتها الطائفية. كان هناك عدم توازن بمفهوم الطائفية ومفهوم الهوية الطائفية قبل 2003. كان الموضوع شبه محصور بالشيعة. وكانت الناس تربط الهوية الطائفية بالشيعة وليس بالسنّة. أكرر من جديد، وذلك لأن القضية الطائفية كانت قضية دولة وبعض شرائح الشيعة، ولم تكن قضية سنيّة شيعية، ولم يكن فيها بُعد اجتماعي صراحة. ومن المهم جدا التنبيه إلى بعض النقاط. منها، انه خلال المرحلة التي سبقت 2003 لم يكن هناك شرخ بين الشيعة والدولة، او شرخ بين الشيعة والسنة. وأيضا، لم تكن "الطائفية" هي المسألة الطاغية على المشهد السياسي في العراق او الطاغية على العلاقات الطائفية في العراق.
انا اتفق كثيرا مع الطرح الذي يؤشر نقطة مهمة. وهي انه على مدى عقود طويلة، منذ تأسيس الدولة العراقية، نادرا ما كانت القضية الطائفية تسرق الأضواء السياسية، خاصة قبل تسعينات القرن العشرين. وفي كتابي الاول "الطائفية في العراق: رؤى مضادة للوحدة" طرحتُ ان احداث سنة 1991 كانت نقطة تحول ونقطة محورية في تطور ونمو الوعي الشيعي. فظهر ما اسميته المركزية الشيعية - (Shia centric) او المركزية الطائفية (Sect centric). بمعنى رؤية سياسية تتمحور حول الهوية الطائفية الشيعية. الدليل على طرحي السابق، حول تطور الوعي الطائفي الشيعي والمركزية الشيعية؛ ان ادبيات المعارضة في تسعينات القرن الماضي بدأت تأخذ مجرى طائفيا او مجرى متمحورا حول الطائفة والمظلومية الطائفية. صحيح ان الحس بحرمان الشيعة كان موجودا عند البعض قبل التسعينات. لكنه لم يكن جوهر الخطاب السياسي. بينما بعد تسعينات القرن العشرين صار هذا الخطاب، وبدون حرج، هو مركز الخطاب السياسي للقوى السياسية الشيعية. على سبيل المثال (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) في العراق (المجلس الأعلى الإسلامي العراقي حاليا)، خطابه قبل التسعينات كان إسلاميا دون عنصر طائفي، او كان العنصر الطائفي ضعيفا. ولكن، في تسعينات القرن العشرين تحولت المعارضة العراقية، من معارضة قوميين أو شيوعيين وما الى ذلك الى معارضة تسودها نظرة وعنصر الهوية، وسياسية الهوية. وصارت القوى المهيمنة على المعارضة هي قوى القومية الكردية وكان جوهر نضالها المسألة القومية. أما القوى السياسية الطائفية الشيعية، فكان جوهر نضالها مركزية الهوية الطائفية الشيعية.
 
ما بعد الاستعمار..
 الثقافة الجديدة: هناك أيضًا مقاومة إثنية لمحاولات فرض هوية واحدة على المجتمع…؟  
 فنر حداد: هذه المشكلة تتعدى العراق، ففي عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، كان حال العراق، مثله مثل باقي الدول الحديثة، أعني دول ما بعد الاستعمار، تعاني بنيتها الأساسية من نقطة ضعف، تجعل منها تنظر الى موضوعة الهويات الفرعية كعنصر محتمل للتفكك أو للتدخلات الخارجية. ففي الكثير من الدول، مثل العراق يجري فرض لهوية أحادية اللون تحت مسمى الوحدة الوطنية. جميع الحكومات المتتالية من العهد الملكي الى العهد الجمهوري، والى يومنا هذا، اعترفت بالتعددية في العراق من ناحية الاثنيات والأديان والمذاهب، وان الجميع هم عراقيون. ولكن مع هذا الاعتراف الشكلي بالتعددية، لكنهم لا يدرجوه في سرديتهم الوطنية. وذلك من منطلق التأكيد على الوحدة الوطنية. بمعنى آخر، يعترفون بالهويات الفرعية للكرد، وشيعية، ومسيحيين...الخ، لكن في المجال العام هناك سردية وطنية واحدة "كلنا عراقيون". هذا التجاهل يدفع الآخرين الى التقوقع. طبعا، هذا يؤثر على غالبية الهويات في العراق أكثر مما يؤثر على "السنة العرب". لسبب بسيط، هو إنه لم تكن هناك هوية سنيّة او حركات سنيّة وشعور بالذات كسنّة، كما هو موجود عند الشيعة او عند "الأقليات".
 
الثقافة الجديدة: هنا تكمن العقدة الأساسية للقضية الكردية؟
فنر حداد: بالتأكيد، تأثرت القضية الكردية كثيرا بنقطة الضعف هذه. هناك نقطة جدا مهمة. اعتقد ان تعدد القوميات، ووجود خصوصية كردية، او حتى وجود إحساس بالقومية الكردية، لا يعني بالضرورة انه يحتم الانقسام او احداث شرخ في المجتمع العراقي، كما انه لا يحتم فشل الدولة. فالتعامل مع التعددية، بحسب وجهة نظري، شكّل عنصر تحد للدولة او عنصر فشل تجسد في  دكتاتورية الدولة. وإلا كان بإمكان الدولة العراقية احتواء الكرد والهوية الكردية وحتى القومية الكردية. وهذا ما كان موجودا قبل ثمانينات القرن العشرين. فحتى تلك الفترة لم يكن الحراك الكردي يتخيل او يطمح الى دولة أخرى او دولة بديلة. كان حراكهم يتجسد بنيل الحقوق ومساحة حريات ثقافية وما الى ذلك في الدولة العراقية، او حكم ذاتي في إطار الدولة العراقية. ولكن، ما إن نصل الى فترة الثمانينات والى الانفال والجرائم الكثيرة التي ارتكبت، نجد ان الحراك الكردي، والحركات القومية الكردية بدأت في التركيز على موضوع الانفصال، وصارت القومية الكردية بالضد من الوطنية العراقية.
أقول مرة أخرى، ان التعدد بحد ذاته لا يحتم فشل الدولة. بل ان تنامي الاستبداد "Authoritarian" وشطط الدكتاتورية القمعية للدولة لعب دورا في تحويل الهوية الكردية الى نقيض للدولة العراقية.
وذات الشيء حصل بالنسبة للهويات الطائفية، فعبر سبعين سنة، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولغاية التسعينات، لم تكن القضية الطائفية هي القضية المحورية او الأساسية في الحياة السياسية العراقية. بالعكس، حتى الحركات الإسلامية الشيعية، لم تكن الى حد كبير مكترثة بالموضوع الطائفي بقدر ما كانت متخوفة من الحركات اليسارية والشيوعية وغير ذلك.
 
البعث والطائفية
 الثقافة الجديدة: تحيل بعض السرديات السياسية صعود المشاعر الطائفية الى فترة الخمسة والثلاثين عاماً من حكم البعث…؟
 فنر حداد:  في مراحل نشأته الأولى كان هناك حضور شيعي خصوصا في قيادات حزب البعث. لكن بعد عام 1963 بدأت قيادات حزب البعث تتمركز في منطقة معينة، وبالتالي في "طائفة" معينة. لكن السؤال المهم هنا: هل كان العنصر الطائفي هو المحرك ام العنصر المناطقي والعشائري؟! ايهما جرّ الآخر؟ هل الاندفاع الطائفي هو من حصر القيادات البعثية في تكريت والعوجة وغيرها؟ ام هو العكس، أي صعود هذه المجموعة التي عندها ارتباطات مناطقية وعشائرية وعائلية أدى الى الحصر الطائفي؟ وبالتالي صار الجانب الطائفي تحصيل حاصل. بغض النظر عن الأسباب والنوايا، فإن تمركز القيادات مناطقياً وعشائرياً وبالتالي طائفيا، ولدت عند الأطراف الأخرى بالتأكيد الإحساس بالحرمان الطائفي، خصوصا وإن عملية التمركز هذا سترتبط بموارد ومنافع الدولة التي ستنحصر أيضا بالمناطق المرتبطة بالسلطة، بمناطق الفئة الحاكمة، أي بمناطق الطائفة الأخرى. ولكن هذه الرؤية ليست سليمة تماما، وذلك لأن المناطق السنية لم تكن جميعها سواسية في التطور.
وهنا ما زلت أرى، كما ذكرت في كتاباتي السابقة، ضرورة التخلي عن المصطلح الانكليزي "Sectarianism"، والذي ترجمته الى اللغة العربية هو الطائفية. باللغة الإنكليزية هناك بدائل لهذا المصطلح. اما بالنسبة للغة العربية فلا اعرف صراحة كيف استغني عن هذا المصطلح. عموماً ان مشكلتي مع مصطلح الطائفية، هي افتراضات المتلقي مع هذا المصطلح. ما أود التأكيد عليه هنا هو ان الإحساس بالحرمان الطائفي قبل 2003 كان موجوداً ولم يأت من فراغ. لكن ما اطرحه هو ضرورة إدراك المحرك الأساسي لهذا التمييز. هل هي اعتبارات طائفية بالأساس ام هي اعتبارات مناطقية وعشائرية وعائلية؟! من وجهة نظري، ان المحرك الطائفي كان موجودا، لكنه ثانوي اما المحرك الأساسي فكان المناطقية والعشائرية.
 
الثقافة الجديدة: قضية أخرى، مهمة أيضا يجب ان نتطرق لها في تحليلنا للحالة العراقية، عندما نشير الى الدور الجوهري للعشيرة والعائلة والمنطقة؟
 فنر حداد: هذا مؤشر على مشكلة بنيوية في العراق وفي دول مثل العراق، الدول التي تولد او تنعش مثل هذا الإحساس بالمظلومية الطائفية او العرقية وما الى ذلك، وهي مشكلة ضعف المؤسسات. فحتى في زمن النظام السابق، لم تكن هناك مؤسسات رصينة، تعمل بصورة صحيحة كمؤسسات حديثة. وكان بإمكان السلطة او النخبة الحاكمة التجاوز او التعدي او الالتفاف حول المؤسسات. والاستناد على المعارف سواء كانت روابط عائلية ام شخصية. وبالتالي أدى الى عدم التوازن بين الأعراق والطوائف والمناطق وما الى ذلك. وبهذا الخصوص اود ان اضيف ان عملية بناء المؤسسات بعد 1958 اخذت منحى مختلفاً عما كان في زمن النظام الملكي. خصوصا من ناحية انها توجهت نحو خدمة النظام الحاكم ولاحقا الحزب الحاكم وليس خدمة الدولة او الوطن. كما ان عملية بناء المؤسسات هي أساسا عملية تحتاج الى وقت، فهي عملية تراكمية. عدم الاستقرار السياسي وكثرة الانقلابات أدّيا الى كثرة التوقفات في هذه العملية، والى اختلاف الصياغات في عملية بناء مؤسسات الدولة. وبالتالي لعبت دورا مهما في اضعاف عملية بناء المؤسسات.
 
 
تبعات الثورة الإيرانية
الثقافة الجديدة: هناك سنة مهمة هي 1979 تاريخ الثورة الإيرانية. إلى أي مدى أثرت هذه الثورة على مسار الأحداث اللاحقة في العراق، وعند الشيعة بالتحديد؟
فنر حداد: هذه نقطة محورية حولت او غيرت الكثير من المفاهيم التي تخص العلاقات الطائفية. وأثارت مخاوف كانت موجودة بصور ضعيفة او بأشكال خافتة او مضمرة. لم يقتصر تأثيرها على العراق، وانما أيضا في بلدان الخليج وغيرها. صار هناك خوف من "الشيعة"، بسبب تأثر الحركات الشيعية بعملية التثوير (Radicalization). لكن رغم كل ذلك كان لدى الدولة العراقية عام 1979 من الموارد وما يكفي من البناء المؤسساتي ومن توفير الوظائف وغيرها، أي من بناء دولة ريعية بامتياز قادرة على استيعاب عدد كبير من العراقيين الشيعة - وحتى من الكرد - في السبعينات. لم تكن الحركات الشيعية حركات جماهيرية Mass movements. بل نخبوية. فمثلا لحظة اعدام (اية الله محمد باقر الصدر) لم تؤد الى خلق شرخ بين "الشيعة" والنظام. فحقيقة الامر، مع وضع اقتصادي جيد ومستقبل مضمون نسبيا، لم يكن الكم الأكبر من العراقيين مهتما بأن هناك "شيعيا" يعذب في سجون البعث. ما أعنيه هنا، ان النظام كان يمتلك كماً هائلاً من موارد الدولة الريعية وبالتالي كان قادرا على استيعاب الكم الاكبر من الشعب العراقي، سواء كانوا شيعة ام كورد او غيرهم. حتى الحركات الشيعية قبل عام 1979 التي وصلت الى تصادم مع النظام مثلا في انتفاضة صفر او انتفاضة رجب بقيت من وجهة نظري حركات نخبوية نوعا ما. هذا لا ينفي وجود مخاوف لدى النظام من تغذية المشاعر الطائفية. واحداث إيران 1979 وما لحقها غذت هذه المخاوف. وقد اساء النظام السابق التصرف امام هذه التحديات. فمثلا منع الشعائر الحسينية كانت اغبى خطوة خطاها النظام. ذلك انه حوّل شيء نخبوي الى مسألة أكثر شعبية.
 صواريخ (الحسين) و(العباس) التي استخدمت في الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) كانت مغازلة من النظام للرأي العام الشيعي لأن العدو الذي يواجهه هو عدو فارسي شيعي. أي استخدام رموز شيعية لمواجهة عدو شيعي. لكنني أرى انه كانت هناك مبالغة في قضية المغازلة هذه. فالإمامان الحسين والعباس ليسا حكراً على الشيعة، بل هما من رموز السنّة أيضا. هناك ايضا رمزية ثقافية تجعل الحسين يمثل رمزا مهما عند العشائر العراقية او عند العراقيين المسلمين. في النهاية كان للحرب العراقية الإيرانية دور مهم في التأثير على سياسات وممارسات النظام في الثمانينات والتضييق على الشيعة وعلى طقوسهم ورموزهم ما خلق شعوراً أكبر بالمظلومية والاستهداف الطائفي عند الطرف الشيعي. حتى وان كانت القضية بالنسبة للنظام هي في النهاية أمنية. لكنها بالنسبة للشيعة ستقرأ في النهاية على انها استهداف طائفي. ولكن، وهنا يجب ان لا ننتقص من مشاعر المظلومية، السؤال هو هل ينطبق هذا على مجمل الشيعة في العراق؟ اعتقد ان أثر سياسات وممارسات النظام كان أكبر على الشيعة الذين لديهم ارتباط مع المؤسسات الدينية، او الشيعة الذين لديهم ارتباط ولو عاطفي او مكاني او مناطقي. فأثره على شيعة بغداد غيره من أثرها على أبناء الجنوب. كما ان المكانة الاجتماعية تلعب دورها أيضا. فتأثر الطبقة الوسطى بهذه السياسات والممارسات يختلف من أثره على باقي الطبقات وشرائح المجتمع. ما يلعب دورا هو درجة تعلق الفرد بالمؤسسة الدينية وطقوسها وشعائرها ومفرداتها الدينية. من الأمثلة ما تعرض له حزب الدعوة من قمع عنيف من النظام أثّر في شريحة محددة من الشيعة، لكونه كما اسلفت لم يكن حزبا جماهيرياً، بل نوعا ما نخبوياً. وهنا يجب ان لا ننتقص من معاناتهم ولا من المآسي التي تعرض لها أعضاء وجمهور هذا الحزب. لكننا نتحدث من ناحية واقعية. لا ننسى طبعا نقطة أشار لها العديد من الباحثين والكتاب، هي ان النظام خلال فترة الحرب قد بدا يتبنى الكثير من المصطلحات الإسلامية او المحافظة. بمعنى ان النظام اخذ طابعا إسلاميا او محافظا أكثر مما كان عليه في السبعينات. وذلك بسبب الحرب ذاتها وأيضا بسبب طبيعة الخصم الذي امامه. لكن ارجع مرة أخرى، الى القول ان نقطة التحول الكبيرة عند النظام كانت تسعينات القرن الماضي.
 
التسعينات
 الثقافة الجديدة: في كتابك الأول كتبت بأن حاضنة ما حدث بعد2003  تكمن في مرحلة التسعينات، كيف؟
 فنر حداد: صحيح. وانا أدرس هذه الفترة كنت أفاجأ بأهمية فترة تسعينيات القرن العشرين في تأجيج المسألة الطائفية وصراعات الهوية عموما خصوصا بعد 2003 في العراق. وفي هذا الكتاب قدمت أسئلة مهمة بحسب وجهة نظري: ماذا لو حدث تغيير النظام عام 1991 وليس 2003؟ اعتقد ان مجرى الاحداث سيكون مختلفا تماما. سيكون للعنصر الطائفي وجود ودور، لكنه لن يكون ذات الدور الذي حدث في 2003. في بداية التسعينات كانت هناك احداث 1991. وهي المرة الأولى التي ترسخت بعدها فكرة ان الشيعي مستهدف كشيعي. وليس لكونه عضوا في حزب الدعوة، او لكونه متدينا شيعيا او غيرها. النظام اتخذ موقفا ضدهم كشيعة لأنه ضرب العتبات وسحق الانتفاضة ودمّر المدن الشيعية. هذا الشعور انتشر كثيرا. ولا أستطيع القول عند الجميع، لكنه انتشر كثيرا بين العديد من الأوساط الشيعية. تعزز هذا الاستقطاب الطائفي في فترة الحصار، وهي أكبر جريمة ارتكبت بحق العراق، إذ تم تفريغ المجتمع العراقي من محتواه المدني، وسحقت خلاله الطبقة الوسطى والطبقة البيروقراطية في المجتمع، وتحطمت مؤسسات الدولة. بل ان بدايات الفساد والطائفية وغيرها تجد بدايتها في فترة الحصار في التسعينات. لأسباب عديدة اخذ الدين أهمية كبيرة عند شرائح مختلفة من السنّة والشيعة في فترة التسعينات، وقد لعبت احداث 1991 خصوصا عند الشيعة دورا مهما في ذلك.  فللمرة الأولى، وهي المرة الوحيدة، شرع النظام في صحافته بمهاجمة الشيعة بشكل صريح خصوصا سكان الاهوار. كما انه هاجم صراحة رموز شيعية من قبيل مهاجمة مكانة "السادة" عند الشيعة. وقد حدث ذلك في سلسلة مقالات جريدة الثورة عام 1991. لكنه لم يصبح خطاب الدولة العام.
 وإذا قارنا نجد ان النظام قبل فترة التسعينات لم يكن يتحدث مطلقا بمثل هذه الطريقة. بالمقابل أصبحت المعارضة في التسعينات تتمحور بشكل كامل تقريبا حول موضوعة المظلومية الطائفية والعرقية. وذلك بسبب ترسخ مفهوم المظلومية. بينما كان هذا أمرا مستحيلا ان تراه في ستينات او سبعينات القرن العشرين. بخصوص الجانب العرقي، كانت التسعينات فترة محورية. شبه انفصال الإقليم عن المركز بدأ أساسا عام 1991. وبالتالي في 2003 كان هناك جيل كامل نشأ ولم يكن لديه احتكاك مع المركز او مع العرب العراقيين. هذه التغييرات تعيدنا الى سؤالنا الافتراضي: لو ان تغيير النظام حدث عام 1991 بدل 2003، ماذا كان سيحدث؟ اعتقد ان مجرى الأمور سيختلف تماما خصوصا في مواضيع الطائفية والعرقية. ستكون موجودة بكل تأكيد، لكنها بصورة اقل حدة. ينبغي أن نأخذ بالحسبان العامل الخارجي؛ ففي هذا التحول عاملان داخلي تحدثنا عنه وهناك عامل خارجي، فمنذ التسعينات، وما قبلها قليلا، ولغاية ما بعد 2003 أخذ الخطاب الخارجي يغذي الخطاب الهوياتي. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وحروب البلقان صار التركيز على الهويات المظلومة اشبه بالموضة السياسية. حتى قضية حقوق الانسان بدأت تركز على الجانب الهوياتي، والهويات الفرعية وضرورة حمايتها. وهنا لدينا حالة مرادفة مهمة جدا قبل 100 عام تقريبا من نهاية الحرب الباردة. أي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية؛ حيث صار الخطاب السائد عند القوى الغربية، هو الخطاب الهوياتي، في تصورهم للشرق الأوسط. اما الجانب الداخلي، في تسعينات القرن العشرين، فقد كان من مصلحة قوى المعارضة ان يسمع الامريكان والاوروبيون الخطاب الذي يتناغم معهم. وفي تلك الفترة كما اتفقنا كان هذا الخطاب هو خطاب الهويات. لكني لا اعتقد ان الموضوع يتعلّق فقط بالحسابات والمصالح الاستراتيجية.. كل هذا تزامن مع تحولات حقيقية في المجتمع العراقي، وبشكل اهم عند المعارضة العراقية في الخارج. في تلك الفترة أفلست الأيدولوجيات القومية العربية كمحتوى وكانتماء جماهيري. بل ان عملية تصدعها قد بدأت منذ عقود بسبب ارتباطها بأنظمة مستبدة. كذلك انحسر الفكر اليساري بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد تزامن ذلك مع صعود التيارات الإسلامية الذي بدأ منذ سبعينيات القرن العشرين. في مجمل الشرق الأوسط وليس في العراق وحسب. واحد التحولات التي حدثت في التسعينات هو تحول الخطاب الإسلامي الى خطاب إسلامي خاص بطائفة. خصوصا المظلومية الشيعية. وقد اتخذت الأخيرة أهمية في خطاب المجموعات الإسلامية، خصوصاً في الخارج. وترتبط هذه التحولات بلحظة مركزية هي انتفاضة 1991.
 
فكرة المحاصصة
 الثقافة الجديدة: في مرحلة إعادة التأسيس الثانية (2003- )، يبدو ان لا صوت يعلو فوق صوت الهويات. نتساءل هنا، دون اهمال تركة النظام السابق، خصوصاً في سنواته الأخيرة، برأيك من هو المسؤول الأول عن نشوء نظام المحاصصة الطائفية الاثنية بعد 2003؟ وهل ترى أن هناك ارتباطا بين السعي الى الاستحواذ على السلطة في دولة ريعية ونشوء منظومة المحاصصة بتلاوينها المختلفة؟
 فنر حداد: دائما ما يلام الامريكان بشكل خاص على انهم ادخلوا المحاصصة كبدعة الى العراق. وهذا الطرح صحيح الى حد كبير. فاذا أردنا البحث عن المسؤول عن هذه المنظومة، نعم هم الامريكان، من خلال قيامهم بغزو العراق واحتلاله وتغيير النظام، وخلق هذا الفراغ. وأيضا برؤيتهم وبقراءتهم للعراق وتصوراتهم عن طبيعة الشعب العراقي التي أدت الى تبنيهم لموضوع المحاصصة وانشاء نظام مبني على الهويات. لأنهم كانوا ينظرون الى العراق على انه مجرد "سنّة" اشرار، و "شيعة" مظلومين، و"كرد" مظلومين. واقليات أخرى أيضا. لكن، لا يمكن غض النظر عن الدور العراقي في خلق هذا الواقع. إذ ان فكرة المحاصصة، او تقسيم السلطة والمناصب على أسس هوياتية هي قضية كانت المعارضة في الخارج، او اجزاء مهمة منها، قد تبنتها منذ التسعينات. بل ان البعض يقولون ان الموضوع طرح لأول مرة في الثمانينات. في مؤتمر للمعارضة عام 1987. لكنه بلا شك تم طرحه وتبنيه في (مؤتمر صلاح الدين) عام 1992. حيث تم تبني فكرة تقسيم المناصب على أساس يعكس طبيعة تركيبة السكان الهوياتية. أي ان الشيعة هم الأغلبية، فيأخذون حصة الأسد، والسنّة والكرد كذا بالمئة، فبالتالي حصة كل منها كذا، وما الى ذلك. بمعنى، إن فكرة المحاصصة موجودة في الأساس عند المعارضة العراقية. وإذا أردنا تحديد المسؤول عنها فأنا اعتقد انهم كل من المعارضة العراقية والإدارة الامريكية. وأنا لا اظن ان القضية يمكن تبسيطها ان أحد الطرفين فرض رأيه على الآخر. من وجهة نظري، كان هناك التقاء رؤى. فكلاهما كانت نظرته للعراق وللعراقيين نظرة متشابهة. ويمكن تلمس هذه المسألة في (اعلان شيعة العراق-2002). بل ان الكثير من كتابات المعارضين السياسيين العراقيين التي كانت تنشر في الخارج، في فترة التسعينات، كانت تتناول عنصراً عاماً هو المظلومية العراقية، لكنها أساسا ركزت على قضية الهوية وعلى موضوع المظلومية الشيعية، وأيضا الكردية. اكرر مرة أخرى. ان رؤية المعارضة كانت تتوافق مع رؤية الامريكان في ان العراق هو خليط من المكونات. وان هذه المكونات هي العناصر الأساسية لتعريف الذات، ولتقديم الرؤى السياسية، وبالتالي للتقسيم السياسي. ان مشكلة رؤية الامريكان والمعارضة هذه، أنها لا تترك أي مجال لبرامج سياسية غير متمركزة حول الهويات الفرعية، ولا مجال للأيدولوجيات السياسية الأخرى. كما ان هذه الرؤية تفرض اغلبية دائمة واقلية دائمة. فوفقها تتحول الأغلبية الشيعية إلى أغلبية "اجتماعية" ستبقى اغلبية سياسية أزلية، مغلقة الباب امام أعضاء أي ممثل سياسي آخر لهم.
 
آيديولوجيا شيعية؟
الثقافة الجديدة: هناك من يرى مظاهر عديدة لسعي شيعة الحكم لتحويل (الشيعية) من هوية الى آيديولوجيا تفرض على الدولة؟
فنر حداد: عندي تحفظ على تسمية الطائفية الشيعية ايديولوجيا، وذلك لكونها فارغة من المحتوى، كما انها لم تقدم فكراً او منهجا سياسيا. ما هو مشروع أو برنامج القوى السياسية المتمحورة حول الهوية الشيعية؟ منذ التسعينات ولغاية ما بعد 2003. لم أعرف بالنسبة لي لا مشروع ولا برنامج. لم تكن هناك إلا قضيتان، الأولى، التركيز على المظلومية الشيعية، وضرورة تصليح أخطاء الماضي. والثانية، وهي مرتبطة بالأولى، ضرورة ان يكون الحكم شيعيا. وإذا كانت قضية الحكم الشيعي موجودة قبل التسعينات، فإنها تعززت كثيرا في التسعينات وقبل 2003. لكن، ما هو الحكم الشيعي؟ ما معنى الحكم الشيعي؟ ما هو مضمون الحكم الشيعي؟ من هم الشيعة الذين سيحكمون؟ ما هي معالم الحكم الشيعي؟ وما هي آليات هذا الحكم؟ هل هو حكم ديني، ام فقط المطلوب شخص شيعي يكون على رأس الهرم؟ القضية تعني أساسا ان الحكم يجب ان يكون بيد القوى السياسية التي تؤمن بالهوية الشيعية، وبالسياسات المتمحورة حولها وترتكز عليها. وبالتالي، فإن سياسيا، هو شيعي بالصدفة وبحكم المولد، مثل (اياد علاوي) لن يمثل الحكم الشيعي. هذه الرؤية لا تنفي وجود الاخرين، انها تعترف بهم. لكنها تعني ان الهوية الشيعية، يجب أن تكون هي العنصر الأساس او الأخ الأكبر في تعريف الهوية العراقية وفي سردية الدولة العراقية والمجتمع العراقي. بينما ستلعب الهويات الأخرى، دوراً هامشياً او ثانوياً، في تعريف الهوية والسردية العراقية. حتى إذا كانت هذه الطروحات قد لاقت صدى وتجاوباً عند الكثيرين بعد 2003. ولكن ماذا بعد ذلك؟ إنهم لن يستطيعوا تجاوز موضوع الهوية على الرغم من ان الواقع العراقي والمجتمع العراقي قد تجاوزها الآن. واعتقد ان ما ذكرته اعلاه هو المشكلة التي تواجه الفئة السياسية الشيعية بعد 2003. دون ان نطلق عليها أيديولوجيا، انها منظومة حكم فرضت على العراق، وفرضت على الآخرين، حتى على الشيعة غير المؤمنين بهذا العرف السياسي. هنا نستطيع ان نؤكد ان قوى المعارضة الشيعية فرضت على الآخرين ثقافة سياسية. واجبروا كل من يسعى الى الخوض في العمل السياسي ان يرتكز على هوية طائفية، هذا إذا أراد ان ينجح سياسيا. خلقوا منظومة لا يمكن ان تتجاوب مع غير هذه الأطر. والمثال الأبرز هو كيف فرضت هذه الأعراف السياسية على السنّة. وكيف اجبر السنّة على خلق هوية سنيّة سياسية لم تكن موجودة سابقا، على الأقل ليس بمثل هذا الوضوح. اعتقد ان موضوعة المحاصصة، كمحاصصة طائفية اثنية، تم تجاوزها. ليس لأنها اضمحلت او تلاشت، وانما لأنها تثبتت وأصبحت واقعا لا بد منه ومتفق عليه نخبويا. ففي عامي 2006 و2007، كان هناك صراع حاد على الحصص. نعم، كان هناك من يرفض العملية برمتها. لكن الآخرين كانوا يحاربون على الحصص وعلى النسب. الى ان وصلنا الى حرب داعش تقريبا، وصل الجميع الى قناعة، "وعرف كل طرف حجمه". طبعا الجملة الأخيرة ليست جملتي. إنما ذكرها أكثر من سياسي وبصياغات متنوعة. وبالتالي، لم يعد هناك صراع، على الحصص بين الطوائف والاثنيات. وانما تحول الصراع الى داخل الطائفة وداخل الاثنية. أي تحول الصراع الى تقسيم الحصة وليس على حجمها. وهذا يفسّر لي انتقال الصراع من إثني إثني ومن طائفي طائفي، الى صراعات داخل الطائفة وداخل الاثنية. اعيد التأكيد، ان ما ذكرته اعلاه ينطبق على النخب السياسية وليس على الشعب. ولذلك، في انتخابات 2018 وانتخابات 2021 لاحظنا ان التحالفات كانت عابرة للهوية وللطائفية. وان كانت هذه الخطوة تكتيكية وليست استراتيجية. وهنا أستطيع ان أكرر ما كتبته سابقا، من اننا نستطيع الحديث الآن عن ثلاث ساحات سياسية، او ان هناك في كل دورة انتخابية ثلاث دورات انتخابية، كردية سنيّة شيعية. والفاعلون في كل ساحة من هذه الساحات الثلاثة يصطفون او يخلقون اصطفافات تعتمد على حلفاء من الساحات الأخرى، للالتفاف على خصومهم في ساحتهم ذاتها. بصياغة أخرى، أصبحت العملية السياسية منذ عامي 2015 او 2016 مكونة من ثلاثة مجالات سياسية. وصار الصراع السياسي في داخل المجال الواحد. لأن منافسي صار في داخل مجالي. بينما لا يوجد صراع فعلي بين المجالات، بل في داخلها.
 
ريع الدولة
 الثقافة الجديدة: صراع مصالح على ريع الدولة؟
 فنر حداد: أنا غير مقتنع بان ريعية الدولة هي السبب في هذا الواقع المحاصصاتي. فيمكن ان توجد دولة ريعية دون المحاصصة. الدولة الريعية لا تحتم المحاصصة. ما جعل الدولة الريعية تخدم هذا الواقع المحاصصاتي هو ضعف المؤسسات، وغياب دور القانون، وغيرها من القضايا البنيوية، التي جعلت قوى المحاصصة تستحوذ على مؤسسات الدولة الريعية، وتسخرها لخدمة مصالحها ولإعادة انتاج هذا الواقع المحاصصاتي. لو كان هناك حكم قانون ومؤسسات رصينة، لكان بالإمكان وجود نوع من المحاصصة، ولكن تحت نوع من الضوابط القانونية والضوابط المؤسساتية. كما هو الحال في بلجيكا وسويسرا. طبعا في بعض الجوانب والمجالات، وليس النظام ككل. بالإضافة الى غياب القانون والمؤسسات، هناك قضية أخرى، وهي مستوى النخب السياسية التي جاءت بعد 2003، وأبعادها السياسية وتفكيرها السياسي. نعم بعد 2003 كان الواقع صعباً، ومؤسسات منهارة بعد سنوات الحصار والحروب و40 سنة من الحكم الاستبدادي. لكن، هذه النخب كانت بلا أي رؤية سياسية لبناء دولة. بالعكس، لقد استحوذوا على اطلال النظام السابق لمصالحهم الذاتية ولتنافسهم في ما بينهم. ولم نشهد حتى بوادر للسعي لإنشاء دولة.  
 
الثقافة الجديدة: وضحت لنا شيئا من افكارك حول العلاقة بين الإسلام السياسي والطائفية. ما هي التحولات التي طرأت على هذه العلاقة خلال السنوات العشرين منذ الاحتلال؟
 فنر حداد: ليس من الضروري ان يكون للإسلام السياسي جانب طائفي. تاريخيا، وكما ذكرنا سابقا، هذا ليس صحيحا. بعكس ما تعتقده الأجيال الحديثة، خصوصا تلك التي ترعرعت بعد 2003، والتي تعتقد ان هذه العلاقة حتمية.  لم تكن علاقة الإسلام السياسي بالهوية الطائفية كما هو الحال الآن. بداية أحزاب، مثل حزب الدعوة، لم يكن فيها جانب طائفي، بل ان نشأتها وتطورها كانت أساسا ضد الحركات اليسارية. ولم تكن قائمة من اجل مظلومية الشيعية او لحكم الشيعة ومعاداة السنّة او أي شيء من هذا القبيل. وكان هناك تبادل فكري بين الاخوان المسلمين وحزب الدعوة، كما هو الحال بين الاخوان المسلمين والثورة الإسلامية في ايران. أي باختصار لم تكن الطائفية توأم للإسلام السياسي تاريخيا. بعد 2003، جاءت الاحزاب الشيعية وأولويتها، كما ذكرنا، هي المظلومية الشيعية والحكم الشيعي. او بعبارة اخرى، المظلومية والاستحقاق الشيعي. وكانت هذه بحسب اعتقادي ركيزتهم الأساسية. ولكن عندما صارت هذه الأحزاب في الحكم، صار البقاء هو الأساس، وأيضا البقاء في منظومة ريعية ضمن حسابات بقاء ومصالح مادية. وتحول الاسلاميون الى رأسمالية ريعية (Rentier capitalists). وبالفعل، إذا نظرنا الآن الى الإسلام السياسي الشيعي في السياسة العراقية، فإننا سنتساءل ما هي الحركات الإسلامية الشيعية اليوم؟ ماهي التشريعات الإسلامية، وما هي برامجهم الاسلامية بعد 20 عاماً من الحكم الذي هو على الورق إسلامي؟ بل ما هو برنامجهم أصلا؟ وهل ما زال هناك ايمان بدولة اسلامية؟ ما الذي يميزهم كأحزاب اسلامية عن باقي الأحزاب؟ ما الذي يميز العمامة عن الافندي تحت قبة البرلمان؟ خصوصا وان الارتباطات والتحالفات والتخادمات عابرة لهذه المسميات.. هنا نستطيع القول، كما أصاب الإفلاس الأيديولوجي القوميين، نجد اليوم ذات الإفلاس الآيديولوجي عند الأحزاب الشيعية الإسلامية. وصارت القضية موضوع سلطة والبقاء في السلطة. وخير دليل على ذلك الصراع بين التيار الصدري والإطار قبل تشكيل حكومة السيد السوداني. 
 
القومية الكردية
الثقافة الجديدة: على الرغم من ان الطائفية تبدو الشكل الأبرز لسياسات الهوية في العراق، ولك العديد من الطروحات في هذا المجال، ماذا بخصوص المسألة القومية؟ وهل كان للفدرالية بالصيغة التي تم التوافق عليها دستوريا دور في تأجيج صراع الهويات؟ خصوصا وان هناك تناقضا جليا بين التشريع الفدرالي المثبت بالدستور والممارسة شبه الكونفدرالية القائمة على أرض الواقع.
 فنر حداد:  لا اعتقد ان الفدرالية بحد ذاتها لعبت دورا في تأجيج صراع الهويات. مبدئيا في الاعوام 2005 و2006 والى 2013 او 2014، او بمعنى آخر أنه خلال عشر سنوات تقريبا من الحكم الجديد، الصراع العربي الكردي لم يكن هو الصراع الأساسي، بل الصراع السني الشيعي في الجزء العربي من العراق. كردستان لم تكن متأثرة بهذا الصراع. طبعا نحن نتكلم على مستوى النخب والجماعات المسلحة. وبالنسبة للصراع السني الشيعي لم تكن الفدرالية هي المؤجج. بالعكس، الصراع الهوياتي هو الذي شوه رؤية العراقيين للفدرالية. وصارت في الأخير رمزا للتقسيم. حيث ما زال العديد من الناس يفهمون الفدرالية على انها لغة مشفرة للتقسيم. بينما لم تكن الفدرالية هي من أسس للصراع الهوياتي. خصوصا، وكما جاء في سؤالكم، الفدرالية في العراق هي أقرب ما تكون الى الكونفدرالية، بين كردستان والعراق المركزي. ونتذكر جميعا أيضا كيف منعت حكومة المالكي إجراءات الشروع في إمكانية تكوين إقليم فدرالي في الانبار واقصد منعت الاستفتاء. وذلك في عام 2012 على ما أتذكر في مخالفة واضحة للدستور.  ليس للفدرالية بمعناها الحقيقي وجود في العراق. واعتقد ان المشكلة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، ليست نابعة من الفدرالية بحد ذاتها. وانما من الشكل المشوه للفدرالية، وذلك لعدم وجود إطار قانوني وسياسي رصين، واضح وصريح يحكم العلاقة في ما بينهما. فبعد تشكيل أي حكومة نجد ان اتفاقا يعقد بين رئيس الوزراء ورئيس الإقليم على قضايا من قبيل تقاسم الثروات الطبيعية وواردات النفط وما الى ذلك. بصياغة أخرى، لولا صراعات الهويات لما كانت الفدرالية موضوعا جدليا كما حدث بعد 2003.  صراع الهويات هو من شوّه الفدرالية، وليست هي من خلق صراع الهويات. لا ننسى ان القوى السياسية الكردية كانت جزءا من منظومة المعارضة العراقية قبل 2003. وكانت مؤمنة بمبدأ او سياسة الهويات. وبالتالي، فإن الدور الكردي في تأجيج الصراع الهوياتي في فترة المعارضة لا يختلف عن دور القوى السياسية الشيعية، في ايمانهم واصرارهم على موضوع الهويات وعلى ترسيخ الهويات كي تكون العنصر الأساسي في الحياة السياسية العراقية ولمن يرغب بالمساهمة في العملية السياسية. بل أستطيع القول ان القوى السياسية الكردية، مثلهم مثل القوى الشيعية، كانوا يرفضون أية محاولة لبناء دولة محايدة هوياتياً او عابرة للهويات، تتعامل مع مواطنين فقط، لأن هذا سيفقدهم، من وجهة نظرهم، امتيازاتهم. وامتيازات الكرد، هي 10 سنوات من شبه الاستقلال والحكم الذاتي كجماعة مظلومة.  
 
الهويات الصغيرة
الثقافة الجديدة: عند الحديث عن سياسات الهوية والصراعات الهوياتية في العراق، غالبا ما يتم تناسي الهويات "الصغيرة": سواء كانت إثنية او دينية او مذهبية. برأيك ماهي الآليات التي يجب النضال من اجلها لضمان حقوق أبناء هذه الهويات في وطنهم أسوة بباقي أبناء البلد بما يضمن انفتاحها على الخارج والمحافظة على خصائصهم الثقافية المميزة؟ 
 فنر حداد: من الصعوبة إيجاد حلول لهذه المشكلة في ظل الواقع العراقي الحالي، وهو واقع محاصصاتي هوياتي. تلقائياً ستكون هذه الهويات الصغيرة متضررة بشكل او بآخر. وذلك لكونها اخ أصغر، او أصغر الاخوة. اعتقد ان الوضع المثالي لمعالجة هذه المسائل هو دولة المواطنة التي تعامل المواطن كمواطن، وهناك قانون يحمي الجميع. وبالتالي، انا لا أرى ضرورة لمنح امتياز خاص بشكل رسمي من الدولة، اقصد دولة المواطنة للهويات الصغيرة لممارسة طقوسها او التمتع بثقافاتها. فالقانون يحمي الجميع، وهو يؤمّن للجميع حقوقهم في التمتع بخصوصيتهم، والدولة هي من سيوفر الحماية. هذا الوضع المثالي شبه مستحيل في العراق اليوم. المبادرات المتعددة التي نشهدها في العراق الآن، من قبيل حوار الأديان وغيرها، جيدة ومطلوبة ومهمة؛ ولكن هناك حد لأثرها. وبعدها ستكون غير مجدية طالما بقيت المؤسسات ضعيفة وحكم القانون ضعيف، وهناك حكم للسلاح والواسطة. فما فائدة نشر فكرة التعايش والتسامح إذا كانت حقوق المواطن وعلاقة المواطن ستكون، في آخر المطاف، مبنية على العلاقات بالأحزاب والواسطة وبالسلاح وغيرها. التسامح بحد ذاته لا يضمن الحقوق. القانون هو من يضمن الحقوق. وحين تكون قمة السلطة، أي راس الهرم الهوياتي المحاصصاتي التخادمي، الرأس الفاعل، ستكون علاقات وواسطات هذه المجموعات مع الفاعل الأكبر والأقوى. وهذا الأخير سيخلق هرميات إضافية داخل الجماعة والأقليات الصغيرة. على رأس الهرم القادة الذين يرتبطون بالحزب او السلاح الأقوى. وهنا اعاود السؤال: ما فائدة حوار الأديان والتسامح إذا كنت لا تستطيع ضمان حقوقي امام أي حزب متنفذ او امام أي حامل سلاح، بدون علاقات ووساطات وما الى ذلك. الحل مرة أخرى هو القانون، وليس من الجانب الثقافي فقط. ارجع للقول مرة أخرى، هذه المبادرات جيدة، لكنها غير مجدية لوحدها في ظل غياب العنصر المؤسساتي والقانوني. وكي اجيب على مضامين السؤال الأخرى؛ الأقليات في مختلف انحاء العالم، خصوصا في البلدان المتقدمة، يصارعون من اجل الاندماج. ولاحقاً، وبعد ان نجحوا بهذا الى درجة كبيرة، أصبح همهم هو خطر التلاشي كجماعة. وبالتالي يجب ان تؤكد على خصوصيتها. بمعنى ان هناك تناقضا بين الرغبة في الاندماج، وفي ان يتقبلك الطرف الآخر، والرغبة في الحفاظ على الخصوصية. يمكن حل هذا التناقض عبر إيجاد توازن بين هذين القطبين عن طريق خلق آليات محكومة بالقانون وغير محكومة بالأعراف. او بمعنى اخر، اعراف مقننة، شرط عدم تأثيرها على الحقوق وعلاقة القانون بالمواطنين ككل. القانون هو من يحمي الأقليات لا السلاح. إجراءات العنف والدموية التي حدثت تجاه هذه الأقليات، في العشرين سنة الأخيرة، هي مصداق لحديثي عن الحاجة الى الطرفين القانوني والثقافي. فمن ناحية، مؤسساتي وقانوني من خلال محاسبة الجناة، وتعويض المتضررين، وثقافي توعوي تنويري، من خلال السرد التاريخي الكامل لما حدث لهذه الجماعات الصغيرة وتبيان الأسباب الحقيقية لذلك.
 
التعايش والتسامح
الثقافة الجديدة: قرأنا لك مرة أن التعايش ليس مرادفا للتسامح. فالأول وإن كان لا يستدعي العنف بالضرورة فإن الأخير يشترط أساسا غياب التمييز، واحترام الخصوصيات وتقبل الآخر. برأيك هل ساهمت الحركة الاحتجاجية خصوصا انتفاضة تشرين في خلق إمكانيات جديدة في التعايش السلمي والتسامح؟ ومن جهة أخرى، ما هي اشتراطات التسامح الحقيقية من وجهة نظرك؟
 فنر حداد: في البداية، اعتقد ان العراقيين يتقبلون موضوع التعددية. يتقبلون صورة بلدهم متعدد الاطياف. لكن المشكلة هي مكان هذه الاطياف في النسيج الاجتماعي. او بمعنى آخر، المشكلة هي ليست بالتعايش، بل من يحدد معايير التعايش؟ من يحدد هرمية التعايش؟ هل كل الاطياف متساوية، ام هناك اخ أكبر واخ أصغر؟  القوى المحافظة، لا نتطرق بكل تأكيد لداعش، ربما تنكر وجود البهائية، إلا انها لا تنكر وجود المسحيين والايزيديين وغيرهم. ولكن يتوقعون منهم قبول دور الأخ الأصغر، ويكون وجودهم في المجال العام شبه مغيب. ويجب ان يكونوا ممنونين على هذا الدور. لقد تطرقت لقضية التعايش والتسامح في كتابي الأول. وكنت قد اقتبستها من كتاب عن الاندلس. حيث كان المؤرخ يتحدث ان ما كان موجودا في الاندلس هو التعايش وليس التسامح. كانت هناك هرمية، وكان المجال العام هو المجال الإسلامي، وقد تقبل المسيحي أن يكون، لكنه خاضع للمسلم. وهذا هو الفرق بين التعايش والتسامح. وأعود هنا الى الحل الذي ذكرته في جوابي على السؤال السابق. وهو حل ذو شقين: الثقافي، من خلال اقناع الفرد العراقي بتقبل الآخرين في المجال العام. وليس تقبل وجودهم فحسب، بأن يكونوا جزءا من سردية الدولة، جزءا من قصة العراق. وان يكون لرموزهم وجود فيها، وعلى ان لا يكونوا منعزلين. اما الشق الثاني فهو ان القانون والمؤسسات، يجب ان يطبّقا على الجميع بصورة متساوية.
 بخصوص الدور الذي لعبته او يمكن ان تلعبه حركة احتجاجية ونضالية مثل انتفاضة تشرين في خلق إمكانيات جديدة في التعايش السلمي والتسامح، أعتقد ان هناك جوابين: الأول رومانسي والثاني تحليلي. بالنسبة للجواب الرومانسي، بالفعل عبرت انتفاضة تشرين والحركة الاحتجاجية عموما عن روح مواطنة وعن روح رافضة لمنظومة الهويات السياسية ورافضة لفكرة تسييس الهويات الدينية والاثنية. ولكن الجواب التحليلي يشير الى قضايا أخرى. اعتقد الحركة الاحتجاجية كانت تعكس تحولات كانت تجري على ارض الواقع. خصوصا في السنوات الخمس التي سبقتها. وهذه التحولات هي نتاج لترسخ النظام، وعن كون الصراعات الكبرى السياسية قد حسمت نوعا ما، وتلاشى الخطر الوجودي، خاصة من الجماعات الأخرى. مثلا في الـ 2006 عندما كان يحدث تفجير مفخخات في المناطق الشيعية كانت ردة الفعل تحدث في المناطق السنيّة. بينما عندما حدث تفجير الكرادة في 2016 كانت ردة الفعل بالضد من الحكومة. وهذا يعني ان المواطن "الشيعي" مثلا وصل الى مرحلة من الوعي يستطيع ان يسائل الفئة الحاكمة الشيعية على ادائهم وعن الفساد وعن الفشل المستمر، ويطالب بخدمات. بمعنى آخر، فُتح المجال لسياسات عابرة للهوية، وهذا أولا. وثانيا، السياسات التي تخاض، داخل الهوية الواحدة. وهنا نصل الى تشرين، التي كانت بالفعل رافضة لسياسات الهوية، الا انها، بحكم ديموغرافية المناطق التي انتشرت فيها، فإن الكم الأكبر من المشاركين فيها كانوا من الشيعة. وكان هذا من العناصر المهمة جداً في تشرين. أعنى وجود حركة احتجاجية قد لا يكون لها سابقة في حجمها، لكنها في المجال الشيعي ومن الشارع الشيعي ومن المناطق الشيعية. وقد حيّدت هذه المسألة القضية الطائفية من يد السلطة والفئة الحاكمة. بمعنى انهم لم يستطيعوا اللعب على الورقة الطائفية. فهي ليست مناطق سنية او بعثية او إرهاب كما حصل عام 2012. بإيجاز، ان خطاب حركة تشرين الرافض للمنظومة الهوياتية هو نتاج للانهيار الداخلي للمنظومة الطائفية. اما بخصوص شروط التسامح والتعايش الحقيقية الممكنة ليس في العراق الحالي، فأنا أتمنى ليس للعراق فحسب وانما في أي بلد يمر بحرب أهلية او كوارث ان يكون نموذج جنوب افريقيا هو المتبع. بمعنى ان تسود سياسة وروح المساءلة والمسامحة. وان تغيب روح الانتقام. لكني لا أرى إمكانية لتطبيق ذلك في العراق الحالي. أرى ان أفضل ما يمكن ان نطمح له في العراق هو شيء أقرب ما يكون الى النموذج الاسباني "النسيان". وهذا هو الاسم الرسمي لسياسة الدولة تجاه احداث الحرب الاهلية الاسبانية. بمعنى اخر طي الصفحة. لأن احدى مشاكل العراق هي ان بعض مرتكبي الجرائم ما زالوا في سدة الحكم. فكيف يمكن التغلب على هذه العقبة في ظل نموذج المساءلة والمسامحة.  لا اعتقد انها صدفة ان حرب او احداث عامي 2006 و2007 لا يتم ذكرها، وذلك لأن الكثيرين من المشاركين فيها هم الآن في الحكم. وكذلك بالنسبة لحرب داعش. وكذلك إذا أردنا ان نطبق النموذج الجنوب افريقي على جرائم النظام السابق في السبعينات او الثمانينات سيثار تساؤل مشروع: وماذا بالنسبة لما حدث بعد 2003؟ ناهيك عن وجود الجانب الهوياتي أيضا. وبالتالي، ليس هناك استعداد او رغبة ولا حتى نية لفتح كل هذه الملفات ابدا. لذا اعتقد ان ما يجري الآن بوعي او دون وعي هو نموذج النسيان وطي الصفحة. وربما هذا ما سيتبع لاحقا.