تموز/يوليو 17
 موقف فهد من الطبقة الوسطى في الحزب
أهمية أن يكون القائد جامعاً للمختلفين
الجبهة مع البعث والانسحاب منها*
 
من عضو بسيط في اتحاد الطلبة حتى وصوله للمركز الأول في الحزب يروي الرفيق (رائد فهمي) سيرته في هذا اللقاء بمناسبة الذكرى التسعين لتأسيس الحزب. قبل ذلك نراجع معه، في الجزء الأول من هذا الحوار، فترات الصعود والانتكاس في وقفات مراجعة نقدية للتاريخ والحاضر.
 
الثقافة الجديدة: بحسب حنا بطاطو، لعبت العلاقات القرابية، بالإضافة الى الثقافة، دوراً هاماً في الانتماء الى الحزب الشيوعي العراقي. انت كما نعرف انحدرت من أعالي الطبقة الوسطى، كيف لعبت علاقاتك العائلية دورا في انضمامك الى الحزب الشيوعي العراقي؟
 
رائد فهمي: نعم، من وجهة نظري، لعبت العلاقات القرابية والروابط العائلية دوراً مؤثراً في الانتماء لصفوف الحزب الشيوعي العراقي. ويعتمد هذا على قوة وطبيعة العلاقات داخل العائلة او العائلة الكبيرة الواحدة او البيئة القرابية المعينة. خصوصا إذا كان الشخص المؤثر ذا سلوك مقبول اجتماعيا واطلالة جيدة، ومستوى معلوماتي، وله تأثير في العائلة. فبمثل هذه البيئات غالبا ما تكون قنوات الاتصال والاطلالة الفكرية شفاهية. وبالتالي تلعب اللباقة والمستوى الثقافي دوراً مهماً. ولكن مثل هذه التأثيرات القرابية تخفُّ تدريجيا مع التطور الفكري وغنى التجارب. الدور الذي تلعبه العلاقات القرابية في مسألة الانتماء بدأ يخف، ربما بسبب الفجوة الجيلية ان جاز التعبير، وغيرها.
 
والدي وأنا…
 بالنسبة لي، البيئة هي السبب الرئيس لانتمائي لصفوف الحزب الشيوعي. حيث درس والدي في فرنسا عام 1936 . وفي هذا العام كانت "الجبهة الشعبية" في السلطة. وكان هناك قتال بين النازية والثورة في اسبانيا. خلال وجوده في فرنسا التقى بالرفاق الذين التحقوا بالثورة الاسبانية. فتأثر والدي بالأجواء اليسارية في فرنسا. وفي عام 1939، عاد والدي الى العراق وأكمل الحقوق. وعلى خلاف علاقات العائلة مع شخصيات من العهد الملكي كانت لدى والدي أثناء دراسة الحقوق دائرة معارف من الشيوعيين. من بينهم الشخصية المعروفة في أنصار السلام (موسى الشيخ راضي) و(خلوق امين زكي)، و(زكي خيري) .. كلاهما يسكنان في نفس المنطقة. إذاً بشكل عام كان والدي شخصية ديمقراطية وقريبة للشيوعيين. دون ان أنسى ان اختي الكبرى كانت في اتحاد الطلبة، وهي صديقة ليلى الرومي، وأخي أيضا كان ذا فكر تقدمي وصديقا للشيوعيين.  
لاحقا ذهبنا الى بيروت وبعدها الى جنيف، وعندما عدنا الى العراق في عام 1964، كانت الكتب اليسارية قد بدأت في الدخول الى البلد. وقد كنت في ذلك الوقت متحفزا لمتابعة هذه الكتب. عمليا انا تشربت بالفكر التقدمي والماركسي قبل ان ادخل للحزب. أي في الفترة من 1964 لغاية انضمامي للحزب عام 1969.
 اما في ما يخص شعوري بمعاناة الكادحين، فلم يكن عندي تماس مباشر بهذه الطبقات والفئات. كما اننا لم نعانِ من ضنك العيش. ولكن نحن عموما كعائلة كنا نتحسس هذه القضايا. خصوصا بعد ان أصبحت اختي طبيبة وفتحت عيادة لها في منطقة بغداد الجديدة، وكانت تعمل معها ممرضة شيوعية مناضلة، اسمها (مكية).  توفيت في حادث سيارة – ربما استهدفت لأنها كانت نشطة جدا. وكان يرتاد العيادة الكثير من الكادحين والشيوعيين.
 
فهد والمثقفون
 الثقافة الجديدة: في مرحلة تأسيسه ولاحقا، انتمى كثيرون مثلك إلى الحزب على الرغم من انهم ينحدرون من "الطبقة الوسطى". دخلوا الحزب عن طريق الثقافة. في حين حذّر (فهد)، خصوصا في مرحلة التأسيس، من دخول هذه العناصر الى الحزب، وسماهم "طلاب وظائف". ما هي وجهة نظرك بشأن تصورات (فهد) حول هذا الموضوع؟
 
 رائد فهمي: ينبغي أن نضع رؤية (فهد) في زمانها. ضمن الجو العام السائد بالحركة الشيوعية آنذاك، تبدو هذه الفكرة مفهومة. طبعا هناك من يعتبر ذلك تشدداً، ومن يعتبره تخوفاً من هذه الأوساط، بل وموقف مسبق إزاءهم. لكن أيضا في مرحلة التأسيس يجب ان تكون هناك معايير لضمان تماسك القاعدة. خصوصا وان هناك من لا يمتلك واقعاً اجتماعياً ينسجم مع برنامج واهداف الحزب، ومن بينهم المثقفون، ربما سيكون معرضاً الى أنواع مختلفة من المؤثرات والضغوطات. وهذا لا يعني أنك لا تملك رفاقا من المثقفين جاهدوا بحياتهم في سبيل الحزب وأهدافه.
 لننظر الى البلدان الرأسمالية المتطورة، وعلى سبيل المثال الحزب الشيوعي الفرنسي، وفرنسا هي بلد المثقفين. والحزب الشيوعي الفرنسي هو أكثر حزب يستقطب المثقفين ونادرا ما نجد مثقفا في فترة الاربعينات والخمسينات وربما الستينات من القرن العشرين لم يمر بالحزب الشيوعي. لكننا نجد ان الكثير منهم انسحبوا من صفوفه. بل ان الشخوص الرئيسة لما بعد الحداثة اكثرهم كان في الحزب الشيوعي. لذلك فإن قلق وحذر الرفيق (فهد) إزاء هذه الشريحة اراه وارداً، كما ارى ان التشدد كان مرتبطاً بالأجواء والظروف السائدة آنذاك. كانت الشعارات التي يرفعها الحزب الشيوعي العراقي، بعلاقاته وامتداداته الأممية، والهالة الكبيرة التي كان يمتلكها خصوصا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كانت عنصرا جاذبا لبعض العناصر من المثقفين ممن لديهم نزعات ذاتية. ولا أقصد هنا انهم جاءوا بصيغة نفعية مباشرة. ولكن كانت هناك تطلعات شخصية لهم. لذا يمكننا ان نلاحظ ان هناك العديد من العناصر دخلت الحزب، وقدمت ما قدمت، ثم غادرت صفوفه.
 لكن، دعونا لا نبالغ في هذا الموضوع. فعندما يكون هناك انتماء فكري، فإن هذا سيشكل رابطة قوية، وهذا يعني ان العضو ليس منتمياً بالتسجيل فقط. خصوصا عندما يحدث هذا الانتماء الفكري في سن مبكرة. حيث سيأخذ الفكر منحى يكرس باستمرار من خلال الفعل والمشاركة في الحياة السياسية. وبعدها تأتي مواجهة التحديات لتساهم في ترسيخ الانتماء. لنلاحظ، ان قسماً غير قليل من الذين ابتعدوا عن الحزب تنظيمياً، لكن أنماط تفكيرهم ليست بعيدة عن الفكر الماركسي او التقدمي. وبعضهم قد يختلف مع الحزب تنظيميا وسياسيا، لكنه بقي ضمن هذا الفضاء القريب من رؤية الحزب وفكر الحزب. ولذلك نحن نتحدث اليوم عن القوى الديمقراطية وغيرها.
ينبغي أن لا ننسى ان العمل الثقافي في بلداننا يلعب دوراً كبيراً. خصوصا في تلك البلدان التي لم يكتمل فيها بعدُ التبلور الطبقي. علما ان الصراع حول خيارات واتجاه فعل الثقافة والميدان الثقافي ودور المثقفين، سيساهم في حسم العديد من الخيارات.
 
الشخصية الكارزمية
 الثقافة الجديدة: لو عدنا الى تاريخ الحزب ولحظات التأسيس نجد دائما ان الشخصيات الكارزمية لعبت أدوارا في قيادة الحزب، خصوصا في مراحل العمل السري. ما هو تقديرك للأسباب التي جعلت (فهد) يلعب هذا الدور المركزي في بناء والمحافظة على الحزب؟
 
رائد فهمي: دون أدنى شك، لعب الرفيق فهد دورا كبيرا في تأسيس وبناء الحزب وفي المحافظة عليه. لقد كان (فهد) يتميز بجهادية عالية، ووعي متقدم، ليس بين الشيوعيين فقط، وانما على المستوى الاجتماعي. حيث كان وعيه وثقافته ومداركه وتجربته الشخصية أوسع بكثير من الآخرين. لقد كان بحق متكونا فكريا وسياسيا، خصوصا بعد دراسته في جامعة الشرق، حيث صار المامه أكبر بالفكر الماركسي. وقد انعكس كل هذا على خطابه وقدرته على الإقناع.
قبل فهد، لم يكن لقيادة الحزب (عاصم فليح وآخرون)، القدرة او الاستعداد للمواصلة. وربما لم يكن لديهم التكوين السياسي والتنظيمي الذي من خلاله يقدرون على مواجهة الضغوطات التي يتعرضون لها، كما انهم طرحوا على أنفسهم صيغاً نضالية وشعارات لا تتوافق لا مع امكانياتهم ولا مع الواقع. ولذلك عندما عاد الرفيق فهد الى الوطن كان دوره حاسما في ان يعيد تماسك الحزب ويعززه، وان يضعه على قواعد وأسس متينة جدا من خلال قدرات تنظيمية عالية، تطورت كثيرا خلال دراسته في موسكو، حاسماً الصراعات بدون هوادة، لكن أيضا بروح مبدأية عالية. وأيضا من خلال النضج الذي يجمع ما بين الوعي السياسي العالي والروح الثورية الكبيرة وأيضا إدراك الواقع وامكانياته، والتقدير السليم لموازين القوى. الانتماء الفكري لدى (فهد) وان كان عميقا جدا، الا انه لم يكن متشرباً بالفكر فقط، وانما بما يعبر عنه هذا الفكر من مصالح الشغيلة. فالفكر الماركسي بمنهجيته وبشموليته أعطاه زاداً سياسياً وثقافياً موجهاً لعمله ونشاطه.  كما ان لديه تلك السجايا الشخصية المتميزة. فهو منضبط انضباطاً عالياً، ولديه استعداد كبير للعمل الدؤوب. و(فهد) متروٍ جدا في أحكامه، قليل الحديث، وشديد التركيز، مع قدرة كبيرة على الإمساك بالحلقة الرئيسية لاي موقف. يضاف الى ذلك، انه كان شخصاً كريماً بالعطاء، ولا اعتقد ان لديه ذاتيات. فهو منصهر بالحزب وذاته مندمجة كليا بالحزب. اما من ناحية المهارات فكانت لديه مهارات تنظيمية عالية لوضع أسس الحزب بصورة سليمة. كما كان قادراً على ان يوفر مقومات استمرار التأسيس. حيث نلاحظ ان لديه رؤية واضحة، تتعدى الفكر الشيوعي السائد آنذاك، وهو الفكر الستاليني المتشدد. لقد كان تطبيقه خلاقاً، حيث انفتح على المجتمع بفئاته المختلفة. فهو من جهة منفتح على المثقفين، لكنه من جهة اخرى يؤكد على دور العمال والفلاحين والنقابات. لقد كانت الاشكال التنظيمية في زمانه فيها الكثير من الابداع.
 
الرئيسي والثانوي
 بالإضافة الى ذلك، كان (فهد) قادرا، من خلال إدراكه الكبير لطبيعة المجتمع، بتضاريسه المختلفة، على التمييز بين التناقض الرئيسي والثانوي، وبين الجوهري والتفاصيل. وكانت لديه رؤية استراتيجية، وقدرة ممتازة على تقدير الموقف، واختيار الشكل الأنسب للتعامل معه، سواء من ناحية تكتيكية ام من ناحية تنظيمية ام سياسية ..هذا ما مكّنه من تأسيس حزب متين ويواجه كل هذه التحديات بل وان ينتشر ويتوسع ويصبح اقوى قوة سياسية في حركة المعارضة والحركة الوطنية في العراق.
لقد كانت عند (فهد) قدرة كبيرة على الابتكار. فقد كان قادراً في مرحلة التأسيس، من خلال الشكل التنظيمي الذي رسخه، ومن خلال التوجهات التي رسمها، من التغلغل في أوساط المجتمع المختلفة. وخطابه كان متميزاً، فبقدر ما هو متشدد تجاه الانتهازيين، لكن هذا الخطاب استطاع ان يجتذب الكثير من العناصر الديمقراطية.. بهذه الخصال والسجايا، والصلابة الشخصية، بهذا التفاني في مواجهة القضايا الشائكة بعقل بارد وهادئ بلا ارتباك، استطاع الرفيق فهد ان يضع الأسس العميقة لبناء الحزب الشيوعي العراقي.
 
باني الحزب
 زرع (فهد) في الحزب ذلك الإحساس العالي بمشاعر ومزاج وأحاسيس وتقاليد الشعب، بأطيافه المختلفة، لكن دون ان يخضع لها. كان قادراً بفكره الشيوعي المتقدم ان يتغلغل بين الجماهير، دون ان يستثير الاتهامات، التي كان من الممكن ان يتعرض لها الحزب. وبالتالي، استمر دور الشيوعيين الطليعي في مواجهة الأفكار البالية والتقاليد المحافظة التي كانت تكبح وتعطل قدرات الشعب وتحافظ على عناصر التخلف وعدم التطور.
كما استقطب الشيوعيون المثقفين والشرائح الأكثر تقدما في المجتمع، وشكلوا تياراً فكرياً نهضوياً، تحديثياً. كانوا في طليعة هذا العمل وكانوا متقدمين على المجتمع في هذا الجانب. اعتقد ان للرفيق فهد بصمة كبيرة جدا في هذا الجانب، اما بشكل مباشر واما من خلال تعبئة طاقات الحزب والتوجه في اتجاه ان ينسج العلاقات مع هذه الأوساط الحداثية في المجتمع وينشر أيضا الأفكار الرئيسية التقدمية، وان يقيم علاقات جيدة مع كل هذه الأوساط التقديمة والوطنية بأنواعها.
لذا، عندما نقول إن (فهد) هو باني الحزب فإن هذه التسمية ليست اعتباطية. فدوره كان حاسماً في تثبيت أركان الحزب من ناحيتين:
الأولى، الفكرية والأيديولوجية وأيضا ترجمتها السياسية حسب ظروف العراق.
والثانية، هي تثبيت قواعد الحزب التنظيمية.
سياسيا على سبيل المثال، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، استطاع فهد مواكبة تحالفات الاتحاد السوفيتي وانعكاساتها على الوضع الداخلي وتطوراته، متبنياً قضية التحالف الدولي ضد النازية بثبات كبير وبروح اممية عالية جداً. لكنه أيضا، كان قادرا رغم كل ذلك ان يجمع ما بينها وبين النضال الوطني. لم يكن هذا عملا بسيطا أبداً، خصوصا وان القوى الاستعمارية في العراق كانت بريطانيا، وطوال السنوات التي سبقت كان الحزب الشيوعي يخوض النضال ضد السلطة الاستعمارية وضد الهيمنة البريطانية. بالتأكيد لم يكن قادرا على ان يحقق هذه النقلات وهذه التكتيكات بمضامينها السياسية والاستراتيجية بدون ان تكون لديه مقدرة كبيرة جدا، فكريا وتنظيميا. يضاف لها القدرة على الجمع ما بين المرونة والصلابة.
لاحقا، وفي الفترة 1947 ـ 1954 حيث كانت هناك درجة معينة من الانفتاح خفّت فيها قبضة السلطة فعزز الحزب خلالها مكانته. لكن، ومع بداية الحرب الباردة، بدأ الحزب يشكل تهديداً للنظام، خصوصا بسبب مواقفه السياسية وقدرته التعبوية المتزايدة. فتم استهداف قيادته. وكما هو معروف، أعدم فهد ورفاقه. لقد كانت السلطة تعتقد انه بغياب قياداته فإن الحزب لن يستطيع ان ينهض مجددا.  
وبالفعل واجه الحزب سنوات مضطربة. وكانت قيادات الحزب شابة وعديمة الخبرة. ومع مواقفهم التي فيها من الجرأة والتحدي الكثير، كانت هناك أيضا مواقف فيها قفز على الواقع وانعزالية. وبقي وضع الحزب غير مستقر داخليا، لكن دون ان ينعكس ذلك أيضا على قيامه ببعض المبادرات الجماهيرية وبعض الفعاليات الجماهيرية سواء بالحركات الاحتجاجية في المدينة او في الريف. وكذلك تحالفات عام 1954، والتي كانت أيضا تحالفات ذات درجة متميزة نسبيا من حيث النضج والمرونة.
على الرغم من النجاحات النسبية، فإن وجود قيادات ذات تجربة محدودة، وربما نضج سياسي غير متكامل، تسبب في النهاية في ظهور الانقسامات.
 
الحزبي والوطني
 الثقافة الجديدة: رفع (فهد) شعاراً مهماً، وهو (قووا تنظيم حزبكم.. قووا تنظيم الحركة الوطنية)، وهنا جمع بين الوطنية والشيوعية، ماهي رؤيتك لهذا الشعار؟ وهل يمكن استلهامه في عراق اليوم؟
 
رائد فهمي: هذه النظرة الجدلية كبيرة ومتقدمة جدا، ذلك ان تاريخ الحزب الشيوعي العراقي مرتبط بالبعد الوطني للعراق. حيث كان الحزب موضوعيا، وبتأثير (فهد) أيضا، أحد أبرز القنوات الفاعلة في تجسيد المصلحة الوطنية والمجتمعية المرتبطة بالهوية الوطنية الكبيرة، والعابرة للانتماءات الضيقة. الحركة الوطنية والشيوعية العراقية دفعت باتجاه بناء الهوية الوطنية العراقية. هذه الهوية لم تكن جاهزة، بل كانت عمليا في طور التشكل. والحركة الوطنية بنضالاتها ساهمت في تشكيل هذا الانتماء الوطني والهوية الوطنية، واعتقد ان (فهد) والحزب الشيوعي العراقي يعود لهما الجزء الكبير من هذا الفضل.
وقد كان )فهد) ينظر الى الأوضاع وتعقيداتها ويتعامل معها جدليا، خصوصا مع البعدين الطبقي والوطني، مدركا الترابط المتبادل بين تقوية صفوف الحزب وتعبئة القوى الوطنية الحقيقية. عمليا أحدهما يعزز الاخر. كما انه كان بعيدا عن النظرة الحزبية والتنافسية الضيّقة التي ربما تكون سائدة لدى بعض المثقفين، وحتى بعض المناضلين.
هل هذه المقولة تنطبق اليوم؟ بصراحة القضية ليست بهذه السهولة. ففي السابق من ينغمر في النضال الوطني هم اما شخصيات لهم عمق اجتماعي او تيارات فكرية جذورها ضاربة في المجتمع. وكانت في الغالب تعبر عن مصالح طبقات وفئات اجتماعية تلعب دوراً تقدمياً. على سبيل المثال: الحزب الوطني الديمقراطي، وأيضا الكثير من العناصر والشخصيات الديمقراطية في تلك الفترة. يبدو المشهد السياسي اليوم أكثر تعقيدا، فعملية تحديد الحركة الوطنية أصعب. فخلاف الشيوعيين والديمقراطيين، نجد هناك أحزابا وحركات ذات أبعاد مناطقية ومحلية وطائفية تنطلق من الهويات الثانوية. اما الأحزاب، خصوصا تلك التي نشأت بعد انتفاضة تشرين 2019، فليس لديها حاليا، ذلك العمق المجتمعي بحيث نستطيع القول انهم معبرون عن حركة وطنية راسخة في المجتمع. على الرغم من ان الأحزاب الأخيرة - ما بعد تشرين- كانت، بهذا المعنى او ذاك، نتاج لفعل وطني عام وجارف، وبالتالي، عندما نقول نقوّي تنظيم الحركة الوطنية اليوم، من نقوي؟! على الرغم من أننا سنظل نستلهم هذه المقولة، ونسعى الى تطبيقها في ظروفنا الراهنة، لكن تطبيقها أصعب، وفيه خصوصيات لم تكن موجودة سابقاً. في كل مراحل تطور العراق الحديث نلاحظ ان الفترات التي ينتعش فيها الحزب الشيوعي يكون فيه العراق كله منتعشا. وهذا الامر لم يأت عبثا وانما جاء حصيلة وشائج الشيوعيين بالمجتمع وتعبيرهم عن المصالح الطبقية الاجتماعية، بل وأيضا عن مصالح واسعة. كما عبّروا عن ثقافة عامة، ثقافة الحداثة والتنوير.
 
 الجامع بين المختلفين 
الثقافة الجديدة: ننتقل الى مرحلة الشهيد سلام عادل، ونركز على شخصيته. شاب في مطلع الثلاثينيات يصير عضوا في المكتب السياسي، ولاحقا سكرتيرا للجنة المركزية للحزب، بينما هناك رفاق مخضرمون أمثال زكي خيري وبهاء الدين نوري وعامر عبد الله يتقدمون عليه في العمر والثقافة والخبرة التنظيمية. كيف وما هي الميزات التي أهلته لهذا الدور؟
 
 رائد فهمي: ان تولي المواقع القيادية في تلك الفترة وفي ظروف الحزب، وهو حزب سري، استندت على الخيارات والعوامل الداخلية للحزب. واحدة من أهم الصفات المهمة والتي تؤهل الرفيق أن يحتل هذا الموقع القيادي هي القدرة على ان يكون جامعا. سلام عادل يتميز بهذه الصفة. طبعا، بالإضافة الى كونه يمتلك الكثير من السجايا الأخرى المهمة. نجح الرفيق سلام عادل في الكثير من الميادين النضالية، في البصرة قاد إضراباً عمالياً وكان له حضور حقيقي في الميدان الجماهيري. وفي الميدان التنظيمي، كما ذكرت سابقا، كانت لديه مواهب تنظيمية شخصها الحزب مبكرا. ولكن كل هذه الأمور ليست كافية. بمعنى يجب ان تتوفر في الرفيق القيادي المزايا الفكرية والتنظيمية والجماهرية. بالإضافة الى المزايا الشخصية الأخرى من قبيل التفاني، ونكران الذات، والعطاء غير المحدود. كل هذه موجودة ربما عند عدد غير قليل في قيادات الحزب، لكن على مختلف المستويات. الميزة الإضافية الأكثر أهمية لمن يتصدر الموقع القيادي، كما ذكرت سابقا، هي ان يكون عنصراً موحِداً وجامعاً في الحزب، ويكون قادراً على التعامل مع الحزب وتنوعه. فالحزب يمثل انعكاسا للمجتمع العراقي، من قوميات مختلفة، وديانات ومذاهب مختلفة، ومن مناطق مختلفة. بالإضافة الى تفاوت بين الريف والمدينة ودرجة التحضر... كل هذا ينعكس على السيكولوجيات وسلوكيات الرفاق. وربما ينعكس في خلافات سياسية، مع شيء من الصراع الفكري داخل الحزب. القدرة على التوحيد والجمع مهمة جدا، وقد مهدت ومكنت ان يتولى رفيقنا سلام عادل قيادة الحزب.  
غير ان للشخصية الجامعة شروطها. فهناك واقع سياسي يفرز وجهات نظر مختلفة، مهما كانت الشخصية بارعة في جمع الرفاق، لكن ربما الواقع السياسي يفرض عليك قرارات حاسمة. وبالتالي، يصعب ان تجمع بين اتجاهين متعارضين. وقد برزت إشكاليات مع الرفاق الأكبر سنا والأكثر خبرة، خصوصا بعد ثورة 1958  وإطلاق سراح الكثيرين منهم وضمهم الى قيادة الحزب. البعض منهم يعتبر نفسه أقدم، وربما أقدر فكريا. ولكن، ما هو اهم من ذلك، كان التفاوت في تحليل الأوضاع، خصوصا السياسية. وكذلك تقدير المواقف في ظرف غير طبيعي. عندما انتقل الحزب بعد عام 1958  الى ان يكون قوة رئيسية في البلاد، وتوجهت اليه مئات الآلاف من الناس، امتلك الحزب، في تلك المرحلة، إمكانيات كبيرة، ليس جماهيرياً فقط، بل كان له حضور في السلطة ومؤسساتها. وكانت قضايا دفع العملية الثورية وتجذيرها، مثل دفع عملية التحول المجتمعي باتجاه تقدمي، وكذلك تجذير العمليات الاجتماعية في الريف والمدينة سواء على صعيد الإصلاح الزراعي او عملية التصنيع او عملية استكمال الاستقلال الاقتصادي والتحالفات ودور الحزب في هذه التحالفات، كلها كانت مواضيع راهنة.
 
الردة والاقتحام
 كان الصراع حول الوجهة، والموقف من السلطة وكيفية التعامل معها، في ظل أوضاع دولية متوترة خاصة بالنسبة للعراق الذي كسر سلسلة الهيمنة الاستعمارية بالمنطقة، وكان من الممكن ان يشكل موقعا متقدما في الحركة الشيوعية بالعالم، وعلاقته بالاتحاد السوفيتي. وبالتالي أصبح لمثل هذه القضايا أبعاد تتعدى العراق، حيث اعتبر العراق أحد الأهداف وأحد البلدان التي لا بد ان تخمد فيها الحركة الثورية. وهذا هو سبب محاربة نظام ثورة 14 تموز. وكان لكل هذا بالتأكيد انعكاس على موقف الاتحاد السوفيتي الدولي. فدخل وضع العراق بمعادلة إقليمية ومعادلة دولية أيضا. كل هذه المعادلات والحلقات وكيفية التعامل معها تؤثر على الوضع الداخلي في العراق، خصوصا في ظل وجود قيادة عسكرية ذات بعد وطني وشعبي لكنها غير ديمقراطية بل وتخشى الديمقراطية، قيادة تعمل على التوازنات، وتخشى من البعد الجماهيري وامكانيات الحزب.. كل هذه القضايا واجهتها قيادة سلام عادل الشابة. واعتقد ان بوصلته كانت سليمة ولديه روح اقتحامية أكثر من رفاقه الآخرين. وهنا يدخل عنصر تقدير موازين القوى. نعم، لقد كان للحزب وأصدقائه مواقع مهمة بالجيش والسلطة، ولكن على الصعيد الجماهيري كانت هناك إشكالية في الفصل بين جمهور الحزب وجمهور عبد الكريم قاسم.
والسؤال الآن: هل كان للعمر دور في المصاعب التي واجهها الرفيق سلام عادل في قيادة الحزب؟  وكذا الحال بالنسبة للمستوى الفكري والثقافي؟ فهل كان لهذه المسائل دور في المسار الذي أخذته علاقاته داخل الحزب؟ أو في القرارات التي اتخذها أو لم يتخذها؟ ربما لعبت هذه المسائل  )العمر، المستوى الفكري والثقافي)  … دورا، لكن العوامل الأخرى كانت أكبر. ان المواقف التي حصلت، ناجمة إما عن تباينات فكرية على مستوى القدرة على قراءة الواقع واستخلاص المهمات الرئيسية، أو كانت ناجمة عن ميول مختلفة إزاء مدى الاستعداد في تعميق العمل النضالي وتعميق المسيرة. إلى أي حد نحن قادرون ان نمضي بها. يجب ألا ننسى ان الموقع الطبقي أو الموقع الاجتماعي للرفاق وخلفياتهم تلعب دوراً وحتى خياراتهم الفكرية. البلد يواجه أسئلة مهمة جدا وخيارات لها ثمن باهض. بأي اتجاه تذهب الثورة وكيف يكون موقف الحزب؟
 
الثقافة الجديدة: إلى أي مدى كان للصراع او للتباينات، التي حصلت في فترة ثورة 14 تموز بين قيادة الحزب، دور في حجم خسارة الحزب في لحظة انقلاب1963  وما بعدها؟ بمعنى، ليست فقط هي وحشية الانقلابيين، وإنما الوضع التنظيمي الداخلي كان له دور أيضا؟  
  
رائد فهمي: عندما سافر (سلام عادل) الى الاتحاد السوفيتي، بقي الرفاق الأكبر عمرا، وكان لهم دور في سفره. طرح السؤال: ما هي الإجراءات التي اتخذوها، خصوصا وان عبد الكريم قاسم بدأ تقريب العناصر المعادية للحزب والبعيدة عن نهج الثورة في هذه الفترة؟ كيف تفاعلوا وما هي الإجراءات التي اتخذوها؟! هل ضغطوا على عبد الكريم قاسم كي يتخذ الإجراءات الاحترازية الضرورية؟ لقد ابقوا القضية سائبة إلى حد ما، من وجهة نظري. التباينات والانقسامات التي حصلت في قيادة الحزب لعبت دورا مهما في المآسي التي حصلت لاحقاً. ففي فترة 14 تموز لم تعد قضية الحزب بمعزل عما تواجهه البلاد من تحديات وخيارات كبيرة وصراع محتدم ببعده السياسي والطبقي والاجتماعي. الصراع الآن ما عاد على خلافات نظرية بل هناك تطبيقات عملية وبأي اتجاه علينا ان ندفع العملية وهي عملية فيها بُعد ثوري. وحدة القيادة وانسجامها عامل مهم جدا في قدرة أي حزب على ان يصمد أمام المخاطر ويحقق نجاحات. كما ان قدرة الحزب على رصد التطورات واتخاذ ما يلزم في ظل التخلخل الحاصل في قيادة الحزب وفي العمل الجماعي، لم يكن بالدرجة المطلوبة. كان هناك تفاوت كبير في تقدير الخطر، خصوصاً حين بدأ عبد الكريم قاسم تقريب المعادين للشيوعيين والمعادين للثورة وغيرهم من عناصر الثورة المضادة. ما هي الاجراءات التي تم اتخاذها على الاقل لحماية الحزب؟ وما هي المواقف الأخرى الاكثر جذرية التي كان ممكن اتخاذها في تلك الظروف؟ كانت عند الحزب خطة طوارئ، ولكن ما هي إمكانية تنفيذ هذه الخطة؟ وكم كان الحزب قادرا ان يعبّئ نفسه ويرفع درجة يقظته إزاء نشاطات تآمرية وصراع محتدم داخليا وخارجيا؟ والصراع الداخلي كان دمويا بكل المعاني، فعمليات الاغتيال التي طالت الحزب كبيرة جدا.
وفي النهاية، لقد دفع الحزب ثمنا فادحا. وهنا لا أريد وانا أتحدث عن تلك الفترة ان احمل أحدا المسؤولية أو ان ألقي اللوم على أحد. فالحديث سهل الآن، عن السلبيات، بعد ان وقعت الأحداث بعشرات السنين.
عندما نتحدث عن الكاريزما فإن الشهيد سلام عادل رمز يجسد البطولة الفائقة وغير الطبيعية. وهي قيمة رمزية بطولية دخلت في رصيد الحزب، وضعت محددات لطبيعة القيادة للحزب الشيوعي العراقي؛ إلا انها أيضا كانت قوة مهمة ساهمت في ان يتمكن الحزب من تجاوز الصعاب وحملات التصفية. الحزب يتحرك أيضا من خلال الرصيد الرمزي، الذي كان يلعب دور التعبوي ودور الملهم ودور الجاذب خاصة الأجيال الشابة. كان سلام عادل وسيبقى مجسدا لروح التحدي، وروح المقاومة ورفض الظلم.
اعتقد ان الطريقة التي استشهد فيها الرفيق سلام عادل ومن قبله الرفيق فهد خلقت هالة مهمة وركيزة مهمة لمكانة الحزب الشيوعي وكانت عنصراً مهماً جدا، ومكنت الحزب ولا تزال تمكنه من ان يتجاوز الصعاب، وان يستمر وان يصمد ويتجاوز كل المعوقات التي تستهدف وجوده الجسدي والمادي وليس فقط فكرا وتنظيما.
 
طالب في بريطانيا
الثقافة الجديدة: عندما نعود إلى سيرتك الحزبية، أنت سافرت الى الخارج للدراسة. وكان لديك هناك نشاط طلابي واضح. حدثنا قليلاً عن ذلك!
 رائد فهمي: في تشرين الأول عام 1970، ذهبت ببعثة الى بريطانيا عن طريق وزارة النفط. وفي تلك الفترة كان الحزب يتعرض الى ضربات ضد تنظيماته في بغداد بدأت تقريبا في أيّار 1970. كنت مختفيا عندما بدأت الامتحانات الوزارية. وبقيت كذلك حتى خروجي من العراق. أتذكر ان عدد الشيوعيين في البعثة هو ثلاثة فقط من بين 36 مبتعثاً. كان معي عادل خصباك، وكذلك المرحوم هاشم بنيان. وكنا مرتبطين بالحزب. في تلك الفترة قدمت طلب الانتماء، وهاشم أيضا، كان نشطاً في اتحاد الطلبة في الحلة. لكن، كل العدد المتبقي لم ينتم أحد منهم الى صفوف حزب البعث لاحقاً.
 ذهبنا كطلبة بكالوريوس، ثم طلبنا بعدها التمديد للماجستير وحصلنا على التمديد، لكننا فوجئنا بعد شهرين بتبليغ من وزارة النفط بقطع البعثة والعودة فورا لحاجة البلد الماسة لنا. انا شخصيا بقيت واكملت على حسابي الخاص وهذا الكلام عام 1975. لاحقاً عرفت ان السبب هو ان الاتحاد الوطني في بريطانيا أطلع على أسماء المبعوثين وأبلغ قيادة الاتحاد بأن كل البعثة من الشيوعيين. أتذكر أن ثلثي البعثة كانت في جمعية الطلبة العراقيين في بريطانيا لذلك هم يعتبرون ان كل من في الجمعية شيوعيون.
في بريطانيا، كانت هناك جمعية الطلبة العراقيين. وهي جمعية راسخة، نشأت منذ الخمسينات ولديها فروع في مختلف مناطق بريطانيا. وكانت تضم الشيوعيين واصدقاءهم، وكذلك عناصر لبرالية، لذا يمكن اعتبارها تنظيماً طلابياً واسعاً واوسع من تركيبة اتحاد الطلبة الموجود في الداخل. وكان هناك صراع بين الحزب )اللجنة المركزية( والقيادة المركزية. وكان الطلبة المنتمون للقيادة المركزية نشطين.
عقدت الجمعية في مدينة مارغيت مؤتمرها الأول في اذار ونيسان 1971. وكان بالفعل حدثا مهيبا آنذاك. ومن الموجودين في المؤتمر اذكر عزيز عليان وسعيد سطيفان ولبيد عباوي.. كل هؤلاء كانوا في اللجنة التنفيذية في الجمعية. واذكر ان النقاش كان حول الجبهة. وكان موقف القيادة المركزية رافضا لها.
كانت الجمعية مدرسةً سياسية بحق، لأنه كان فيها عمل سياسي مكثف على صعيد كل ما يتعلق بالعراق، وتنظيم الطلبة العراقيين. وكذلك كان لها تنظيمات حزبية وتنظيمات ديمقراطية، وأيضا علاقات خارجية قوية. وبحكم تركيبتها وتنوع الأفكار التي في داخلها كانت هناك حاجة مستدامة للنقاش والتبادل والحوار. وكانت الجمعية تصدر نشرات منتظمة ومجلات تطور القدرات الكتابية والقدرات على صياغة المواقف وغيرها من الأمور. وهذا يشترط تعمقاً في الفهم السياسي وقاعدة فكرية معينة. وكانت العلاقة آنذاك بين الحزب والجمعية على مستوى عال.
ولهذا نلاحظ ان غالبية من انتمى الى الجمعية في بريطانيا كان لهم دور كبير حزبياً، وحتى بالحياة السياسية داخل البلد. من ضمنهم الراحل د.رحيم عجينة ونوري عبد الرزاق بالخمسينات، والشهيد خالد احمد زكي كان رئيساً للجمعية لغاية عام 1967.
 الجمعية ساهمت بشكل كبير في ترسيخ وتطوير النواحي الحزبية فكراً وممارسةً؛ ففيها صراع مستمر في ظل مجتمع وبيئة برجوازية ورأسمالية، وفي بلد يعد ركيزة من ركائز الفكر الاقتصادي البرجوازي الكلاسيكي والنيوكلاسيكي.
كنا في مؤتمرات الجمعية نستقبل وفوداً طلابية من البلدان الاشتراكية، فنلاحظ أن غالبية طلبة بريطانيا أكثر حماساً واندفاعاً. ربما يكون طلبة الدول الاشتراكية أرسخ من ناحية القضايا الأيديولوجية، بحكم دراستهم لها والأجواء المحيطة بهم، ولكن البيئة في بريطانيا كانت محفزة ودافعة لتطور الرفاق والاصدقاء. كان كل هذا، بالنسبة لي، وربما لكل الرفاق الاخرين، تجربة غنية جدا من مختلف النواحي. وبعد فترة من وصولي، دخلت التنظيم الحزبي. وكنت في لجنة بريطانيا وكان على رأسها رفيقنا سعيد سطيفان، وهو مقيم الآن في أستراليا، ولاحقا جاء المرحوم سعد علي الذي توفي عام 1987.
 
الجبهة مع البعث
 الثقافة الجديدة: وصلنا الآن الى الجبهة مع البعث، ترى، كيف تنظر للجبهة بعد انصرام أربعة عقود؟ وبعد التداعيات والمآسي التي حدثت مع انفراطها؟
 رائد فهمي: بعد انقلاب 1968، كان البعث كسلطة جديدة تحاول تحسين صورتها عالميا. فعمل على الاعتراف بألمانيا الديمقراطية، وطور علاقته بالاتحاد السوفيتي وصولا الى عقد الاتفاقية عام 1972وأيضا، إقرار قانون الإصلاح الزراعي لعام 1970، وكذلك بيان 11  آذار. من ناحية أخرى، كان لدى البعث وجه اخر، بالإضافة الى الوجه السابق المنفتح، وهو الوجه القمعي. فهو لم يتخل عن عملية التضييق على الشيوعيين وملاحقتهم واستهداف عناصرهم، خصوصا النشطة. واستمرت حملته ضد الحزب عامي 1970 و1971. وقد وجهت ضربات قوية الى تنظيمات الحزب خصوصا ضمن تنظيمات بغداد، استشهد فيها العديد من الرفاق. استطاع البعث الاستفادة من الصورة المنفتحة والمرنة تجاه المعسكر الاشتراكي في تحييد البعد العالمي لأي حملة تضامنية ممكن ان تشن ضده بسبب ملاحقة الشيوعيين.
وفي تحليلات الحزب لتلك المرحلة كان هذان الوجهان حاضرين. هناك إجراءات ذات طابع تقدمي تجري في البلد، لكن البعد الديمقراطي والسياسي بقي متراجعا. وفي ظل هذه الأجواء ومع واستمرار الحملة القوية ضد الحزب، فتح البعث الحوار مجددا مع الحزب. ولاحقا، أصدر الحزب الشيوعي على أساس الميثاق الذي طرحه البعث، وجهة نظره عن الجبهة. وقد وجّه بيان الحزب ملاحظات انتقادية كثيرة على الميثاق، لكنه مع ذلك اعتبره أساساً مناسباً يمكن الاعتماد عليه للحوار.
فهل كان الحوار اساسا، انعكاسا للثقة ومراهنة على البعث ام كان نتاجا لتقدير وضع سياسي معين محمل بإمكانيات لتحقيق تقدم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وعلى مستوى التوجهات التي اعتبرها الحزب تقدمية، لكنها لم تترافق مع توجهات أخرى على صعيدي الحريات والسياسة. وكان التقدير الغالب وقتها، من وجهة نظري، ان التقدم على صعيد محتوى التطور سيقود لاحقا الى مواصلة النضال السياسي نحو الحريات والديمقراطية. فهل كانت هذه تقديرات واقعية ام أوهام؟! عندما نحلل كل هذه القضايا بعمقها المطلوب، يجب ان ننطلق بالتلازم مع واقع الحزب آنذاك، وهو الذي كان يحتاج أيضا الى فسحة لالتقاط الانفاس ولترتيب وضعه وإعادة بناء تنظيماته، وخاصة في بغداد.
في مجرى الأحداث، حصلت الاتفاقية مع الاتحاد السوفيتي، ولاحقا تأميم النفط، الذي يعتبر وقتها إنجازاً كبيراً يناضل من اجله الشيوعيون والديمقراطيون منذ عقود. وعندما جمع هذا مع سياسة خارجية إيجابية نسبيا، وإجراءات اقتصادية واجتماعية تقدمية، فإنها جميعا كانت عوامل ضاغطة مهدت واستند عليها الحزب للمضي قدماً في توقيع الجبهة.
طبعا، كان لشروع البعث في محاولة لإيجاد حل للقضية الكردية، وطبيعة ما قدمه من حل، خصوصا في البداية، دورٌ اضافي في دفع الحزب الشيوعي نحو الجبهة. طبعا، لا يمكن تحديد حجم هذا الدور ضمن ملابسات تناقضات وصراعات تلك المرحلة. ولكن، يرى الكثيرون، شيوعيون وغيرهم، ان الجزء الأكبر من بيان آذار مستوحى من أفكار وطروحات وبيانات الحزب الشيوعي العراقي. واذكر أن المرحوم )عبد الرزاق الصافي(  قال ذات مرة، ما معناه، انه يقرأ بيانات الحزب الشيوعي لكن بتوقيع حزب البعث العربي الاشتراكي. طبعا لا ننسى أيضا انه خلال تلك المرحلة كان الحزب ما زال تحت الضغط والملاحقة، واستهداف عناصره النشطة. حيث قمع البعثيون وقواهم الأمنية بقوة المظاهرة التي أقيمت للاحتفاء بهذا الإنجاز. كنت حاضرا في المظاهرة. ولاحقا استشهد الرفيق محمد الخضري.
والآن، هناك سؤال مهم، ماذا كان سيحدث لو أن الحزب لم يقدم على توقيع الجبهة؟ هل كان هناك خيار ثالث، جنب الخيار الأول، وهو المضي بالجبهة، والخيار الثاني، وهو رفض الجبهة. بكل ما يتضمنه خيار الرفض من ردود فعل، ومن إطلاق قوى النظام القمعية والشرسة، وما سيتسبب به من اثمان وآلام. هل كانت هناك إمكانية ان لا يدخل الحزب للجبهة وان يكون في موقع معارضة ديمقراطية، مع المحافظة على سلامة الحزب وقدرته على الحركة؟!
بالطبع، كان على الحزب، حتى وهو يعلم ان قرار الجبهة عراقي وهو في النهاية قرار الحزب، يحسب دور موازين القوى والوضع الدولي، خاصة البلدان التقدمية والاشتراكية، التي كانت تفضل او تحبذ إنْ لم تدفع بتجاه التوصل الى اتفاق. بمعنى، ان المناخ العام ضمن البلدان الاشتراكية يحبذ الاتفاق.
كل التعقيدات والملابسات التي ذكرتها، تفسر الآلية التي تم بها اتخاذ قرار الجبهة، وكذلك تفسر الانقسام الكبير حوله.
وعندما نحاول دراسة هكذا قرار بمنطق اليوم، وليس بمنطق آنذاك، سيكون من المشروع التساؤل: هل كان من الصحيح ان يمضي الحزب بقرار بغاية الأهمية، وبمثل هذه الابعاد الخطرة، مثل قرار دخول الجبهة، مع درجة الانقسام الكبيرة داخل المكتب السياسي وداخل اللجنة المركزية، بحيث يكون التصويت لصالح القرار بفارق صوت او صوتين!  كان يمكن ان يكون هناك تروٍ، ومراجعة لآلية صنع مثل هكذا قرار. وربما اجراء المزيد من المشاورات، بغية الحصول على أوسع درجة من الاجماع والقناعة داخل الحزب، وليس القيادة فقط.
من ناحية أخرى، نستطيع ان نشير الى ان الحزب استفاد كثيرا من اجواء السنوات الأولى للجبهة التي تمتد من 1973  ولغاية 1975 والى حد كبير 1976. على الرغم من ان البعث لم يكف عن مراقبة التنظيمات الحزبية، والجهات الأمنية لا تحاول رصدها فحسب وانما تعمل بكل الوسائل على اختراقها.
خلال فترة الجبهة توسعت تنظيمات الحزب بشكل كبير، وازداد تأثيره الفكري والسياسي والجماهيري بشكل مضطرد. وصار حجم اتحاد الطلبة كبيرا جدا. وازداد حضور الحزب في الأوساط الثقافية والصحفية، حيث استقطبت صحافته الشخصيات الديمقراطية، بل وأفضل الأقلام العراقية. أثارت مرحلة انتعاش الحزب هذه خشية البعثيين، وكانت مصدر قلق حقيقي عندهم. في جانب البعث تطورت أجهزته، وصار ممسكا ومتحكما بمفاصل الدولة المختلفة. وبالتالي، تغيرت المعادلة الداخلية للتحالف. وإذا أضفنا إلى ذلك الطفرة النفطية التي حصلت بعد عام1973  وتدفق الأموال التي أصبحت تحت تصرف الدولة، التي اعتمدت على القطاع الخاص وقطاع المقاولات في الكثير من المجالات. وما رافق ذلك من نشوء فئات وشرائح اجتماعية جديدة قسم منها لصيق بالسلطة او بالبعث او على الأقل قريبة منه. كما ان المشاريع والعقود أدت الى انفتاح على الشركات العالمية سواء الغربية او من الدول الاشتراكية. وبالتالي، نشأت مراكز اقتصادية تزداد قوة وتأثيرا بعموم الحياة السياسية. وكان تأثيرها حتى داخل البعث. هذه الفئات لم تعد منسجمة مع قرارات مؤتمراته والوجهة نحو الاشتراكية او تعميق دور القطاع العام وغيرها من التوجهات التقدمية. انعكس كل ذلك على الجبهة. فمن جهة، كان البعث لا يتوانى عن توجيه ضرباته للحزب الشيوعي بشكل انتقائي، بسبب تنامي نفوذه وقوته وجماهيريته. حيث كانت هناك عناصر مدسوسة داخل الحزب، وكذلك اعتقالات للناشطين. وقد بقي قسم منهم في السجن واستشهد آخرون. وكان الحزب يسعى الى حل هذا الجانب من الصراع داخل الجبهة، بغض النظر عن مستوى نجاحاته. ومن جهة اخرى، كان هناك صراع من نوع آخر، صراع على وجهة التطور، وعلى هذا الانفتاح في تطور العلاقات الرأسمالية، ونمو البرجوازية.
وبدأت الممهدات لرفع وتيرة الحملة ضد الحزب الشيوعي مع حملة جريدة (الراصد)، ثم اعدام الشهداء الـ 31 بتهمة ملفقة، هي انشاء تنظيم عسكري داخل الجيش. وصولا الى الحملة الشاملة نهاية1977  والتي اشتدت في عام 1978  وأخيرا عام 1979  وانفراط عقد الجبهة بقرار من الحزب مع كل التداعيات. عند الحديث عن هذه المرحلة، وفي محاولة لتقييمها اثيرت العديد من التساؤلات، من قبيل: هل كان دخول الجبهة خاطئا من أساسه؟ ام ان إدارة التحالف كانت هي الخاطئة؟ وهل كانت اليقظة الحزبية غير كافية؟
سؤال آخر مهم، هل كانت الجبهة مجرد تكتيك من البعث يحاول من خلالها عزل خصومه؟ أولا استطاع اضعاف الحركة القومية الكردية، خصوصا وان الحزب الديمقراطي الكردستاني انسحب من الجبهة ما تسبب في اضعافها. وبالتالي استفرد البعث بالحركة القومية الكردية. ولاحقا، بعد اتفاقية الجزائر، استطاع البعث انهاء الحركة الانصارية الكردستانية الى حد كبير. ومن ثم انتقل البعث مكرسا جهوده لمواجهة الحزب الشيوعي.
ومن ناحية الحزب الشيوعي، ما عدا الاعتبارات الموضوعية والتعامل مع موازين القوى، ألم يكن هناك شيء من قبيل المراهنة او الأوهام الفكرية التي ترتبط بموضوعة الطريق اللارأسمالي؟  
وبخصوص قيادة الحزب، كان التمايز واضحا بعد 1979 فالبعض يدعو الى عدم التفريط كليا بالجبهة، حتى بعد كل الذي حدث. وكان آخرون غير متحمسين للموقف الذي اتخذه الحزب لاحقا، من الانتقال الكلي الى المعارضة ومن الكفاح المسلح وحركة الأنصار. ولاحظنا خروج قسم من قيادة الحزب، البعض منهم قبل المؤتمر الوطني الرابع والتطورات اللاحقة.
 لقد كانت الجبهة تجربة صعبة جدا على الحزب، لكنها كانت غنية أيضا. وفي تقييمه لاحقا، أشار الحزب الى ان قرار الجبهة في ظروفه لم يكن خاطئا، لكن الخلل الأساسي يكمن في إدارة الجبهة، وانه لم يتحل بالدرجة الكافية من اليقظة الحزبية خلال التحولات المختلفة. كان من المفترض به ان يبادر الى القيام بالإجراءات المناسبة، وان يتهيّأ ويتحسب للارتداد، وان لا يسمح للبعث ان يكون هو المبادر، فتوقيتات الإجراءات التي اتخذها الحزب، والتي لم تكن أساسا بالمستوى المطلوب، كانت متأخرة جدا. واهم تحذير، او النقطة الفاصلة، من وجهة نظري، هو مطالبة البعث بحل المنظمات الجماهيرية التي تمثل أحد اهم الوسائل التي يعبر بها الحزب عن قوته وقدرته التعبوية. أي كان من المفترض بالحزب ان يعد العدة، ويشرع بإجراءاته وبالانسحاب المنظم منذ عام 1975.
 
الثقافة الجديدة: ما هو دور الاتحاد السوفيتي الفعلي في اقامة الجبهة؟ وكيف كان موقفه عندما انتهت الجبهة وبدأت حركة الأنصار؟ 
رائد فهمي: بالإضافة الى ما ذكرته اعلاه، كان للاتحاد السوفيتي أيضا وبعض منظريه دور في الترويج والاقناع للطرح النظري بوجهة الطريق اللارأسمالي والتوجه الاشتراكي.. الخ. وهي أطروحة لم تزكها الحياة. وكان هذا الطرح يشجع على المرونة في التعامل مع السلبيات والاخطاء والممارسات التي يقوم بها البعث. وكان التقدير ينطلق من موقفهم من الرأسمالية ومن التطور الرأسمالي. وعلى هذه الاطروحة كان يستند من يدعو الى عدم قطع الصلة مع البعث ويدعو الى عدم اتخاذ قرارات حاسمة لفرط التحالف. وان على الحزب ان يسكت على جراحاته.. الخ.
اما بخصوص فضّ الجبهة، فالاتحاد السوفيتي كان يدفع باتجاه الحفاظ على الجبهة. وبقي على موقفه حتى بعد انتقال الحزب الى المعارضة والكفاح المسلح. لكن موقفه هذا لم يمنع الحزب من اتخاذ قراره والاستمرار فيه. ومع ملاحظات السوفيت وتحفظاتهم، الا انهم احترموا قرار الحزب.
 
بداية الارتداد الشامل
 الثقافة الجديدة: لماذا في رأيك لم يشرع الحزب، عندما استشعر ان الخطر أصبح أكبر، بعملية انسحاب أكثر تنظيما، حتى وان كانت متأخرة، بدل الصورة العشوائية التي حدثت؟
 رائد فهمي: يمكن ان نقول ان حملة النظام بدأت في منتصف السبعينات، لكن بشكل محدود الى حد ما، وانتقائي أيضا. ثم اخذت في التصاعد تدريجيا وبصورة مبرمجة الى حد كبير عام1977 ، وقد بدأت في الأساس في المحافظات الجنوبية. بدأت اولا في البصرة ولاحقاً وصلت الى الناصرية وثم باقي المحافظات.
في تلك الفترة كان جزءا غير قليل من تنظيمات الحزب هم من موظفي الدولة. ومع تصاعد الحملة، عندما كانت الأجهزة الأمنية تستدعيهم، كان التوجه العام ان يكون الرفيق امام خيارين؛ الأول، عدم الذهاب. خصوصا للرفاق وهذا يعني التخفي، والانتقال الى العمل السري. وكان هذا الخيار أساسا للرفاق المعروفين جدا!  الخيار الثاني، ان تترك للرفيق المعني القرار، وهو من يقدر خطورة الموقف. وإذا قرر الذهاب عليه ان لا يذهب باتجاه مطالبهم. وعندما كان الرفيق يستدعى، او يؤخذ عنوة من قبل قوات الامن يحاول الحزب الاتصال به لاحقا. فإذا أجاب الرفيق فهذا يعني عادة انه خرج بسلام. اما إذا لم يجب، فهذا معناه انه ارغم على توقيع التعهد بالتوقف عن العمل السياسي.  
اتذكر في تلك الفترة ان عدداً غير قليل من الرفاق، والكوادر الحزبية بدأوا يأتون من الجنوب الى بغداد، هربا من الملاحقة. وربما في تلك الفترة شرع الحزب في اتخاذ بعض الإجراءات، ولاحقا عام1978  بشكل خاص، مثلا، إحداث تغيير على مستوى الهيئات الحزبية، واستحداث هيئات أخرى لضم الرفاق الذين تركوا تنظيماتهم في الجنوب، في محاولة لاحتوائهم. وكان الكثير من أعضاء الهيئات الحزبية يفقدون، وقسم آخر منهم يلاحقون مرة أخرى وتستدعيهم قوات النظام الأمنية. وفقد الحزب الاتصال بالكثيرين. حيث اعتقل بعضهم بينما اجبر آخرون على توقيع تعهدات امنية. وفي تلك الفترة حاول قسم قليل من الرفاق الاختفاء في مناطق غير مناطق سكنهم، او بدأوا في مغادرة البلد. وقد نجح قسم منهم، الا ان القليلين جدا هم من غادروا عن طريق الحزب.
فبحكم حجم الحملة واتساعها المتزايد باضطراد، وكذلك بسبب حجم الحزب التنظيمي، فإن لم يكن الحزب قادرا على ان يستوعب كل هذا العدد الكبير من الرفاق بشكل منظم، او ان يحافظ عليهم، وان يؤمن لهم وسائل للخروج وان يرتب وضعهم في الخارج، لذلك كان التوجه هو حث الرفاق على ان يخرجوا بإمكانياتهم الخاصة.
لكن، من وجهة نظري، كان من الممكن ان تكون الإجراءات الحزبية أعمق من مجرد احداث تغييرات في اشكال العمل الحزبي، بل وكان من الممكن ان يكون الانسحاب أكثر تنظيما، لو كانت عند الحزب مبكرا، التقديرات السليمة لتحولات مواقف البعث، وقراءة وتحليل مواقفه، ليس الاعتقالات والاغتيالات فقط، وانما منذ تجميد المنظمات الديمقراطية، وكذلك لو كان عند الحزب دراسة مبكرة لإمكانيات وخيارات احتواء حملة البعث. بل، ربما كان من الضروري الادراك مبكرا، منذ خطوات البعث الأولى، انها بداية للارتداد الكامل. بعض القيادات الحزبية يفكرون بطريقة قريبة مما ذكرت انفا، لكنها لم تكن الرؤية الغالبة. والدليل انها لم تترجم عمليا بشكل خطوات.
هناك ملاحظة مهمة، بخصوص التخفي، يجب ذكرها ضمن هذا السياق. في العهد الملكي او العهود الأخرى، كان بإمكان الرفاق الذهاب والتخفي في الريف او أي أماكن أخرى. لكن في زمن حكم البعث الثاني كان الامر مختلفا. حيث كان البعثيون في كل مكان، في الريف والمدينة. وبالتالي، صارت امكانية التخفي وخوض النضال السري صعبة جدا. لا أقول زالت، وانما تحجمت الى حد كبير. ولم يكن من الممكن ان حزبا بهذا الحجم آنذاك كان قادراً على ان ينتقل الى العمل السري بنفس الحجم لذلك حدثت الهجرة الى الخارج.
في النهاية، نعم نحن تأخرنا، أعنى تأخر الحزب، بعملية الانسحاب. وحصل ذلك بصورة متأخرة. ولاحقا حدث ما حدث من مآسٍ. اتذكر حين وصلتنا الحملة الى بغداد. وحينها كنت موظفا في وزارة التجارة، حيث رُفض تعييني في وزارة النفط بعد ان تسلمت السلطة تقارير عن نشاطاتي في بريطانيا.
وفي الهيئة الحزبية التي كنت اقودها أتذكر ان هناك رفيقين تم استدعاؤهما من قبل الامن. اما الآخرون فقد فقدنا الاتصال بهم. وهم اما اعتقلوا، او أطلق سراحهم بعد ان وقّعوا على قرار بعدم الرجوع الى العمل الحزبي، او خرجوا من البلد. من ناحيتي اختفيت داخل بغداد، بعد ان غيرت مكان سكني، وهذه مسألة لها اولوية. فالملاحظ بشكل عام ان الامن لا يذهب الى الدوائر الرسمية وأماكن العمل، لاعتبارات خاصة بهم وبطريقتهم في إدارة هذه المسائل. الا أني في كثير الأحيان كنت اتحفظ من الذهاب الى وزارة التجارة. في تلك الفترة بدأت التفكير في الخروج من البلد، وذلك لأن الامن عن طريق المعلومات والاعترافات قادر على الوصول لأي منا في أي وقت.    
في تلك الفترة كان الموظفون العراقيون يستطيعون الذهاب الى الكويت بدون استحصال فيزا. وفعلا استطعت الوصول الى الكويت. وكان لدي أقارب هناك وبقيت عندهم لعدة أشهر. ووجدت عملا واستمر وجودي في العمل هناك لغاية عام 1983 ، وكنت ألاحظ الكم الكبير الذي يأتي من العراقيين، سواء من الرفاق ام الأصدقاء. وكان قسم غير قليل منهم يصل بطريقة غير شرعية، عن طريق الصحراء.
وفي الكويت كان للحزب تنظيم. وكان رفاقنا يحاولون، من خلال شبكة العلاقات والمعارف والأصدقاء ان يوفروا سكناً او عملا مؤقتا للواصلين. فتأمين وسائل العيش كانت ضرورة ملحة، ونسبة غير قليلة ممن استطاعوا الوصول الى الكويت تركوها. قسم منهم ذهب باتجاه سوريا، التي كانت مكان تجمع رئيس. وكان فيها الكثير من الرفاق بمستويات حزبية مختلفة. والبعض الآخر ذهب الى لبنان. ومن سوريا ولبنان بدأ الرفاق بالتوزع في البلدان المختلفة. ومن ثم التحقت اعداد كبيرة بحركة الأنصار.
عموما، كانت تلك الفترة صعبة جدا. فقسم غير قليل من الرفاق ترك عائلته. والبعض الآخر جاء ومعه عائلته. لا سيما إذا كان كل من الزوج والزوجة أعضاء في الحزب. وبالرغم من كل ذلك كانت هناك حالة راقية من التضامن واستطاع الحزب نسبيا ان يستوعب العديد من الحالات.
 
 التذمر والخروج
 الثقافة الجديدة: كيف كانت ردود فعل الرفاق بعد انهيار الجبهة ومغادرتهم البلد؟
رائد فهمي: بالتأكيد هناك أنواع من مختلف الانتقادات. منها: ان الحزب لم يكن متحسبا لكل هذه التطورات، او لم يكن متهيئا لهذه الضربة، او ان الانسحاب كان سريعاً وغير منظم، او ان الحزب لم يقدم الدعم الكافي للرفاق. القسط الأكبر من الانتقاد واللوم تسلط على القيادة. من جهة انها سارعت الى الخروج ولم تؤمن ظروفا أفضل لتخليص الرفاق. في الكويت حيث كنت مستقرا في تلك الفترة، كان هناك تذمر واضح. علما ان الأوضاع في الكويت كانت أفضل نسبيا من سوريا ولبنان. وبالتالي كان التذمر هناك أكبر وأشد. قسم غير قليل من الرفاق خرجوا من العراق بإمكانياتهم الشخصية، كما ذكرت سابقا. وهؤلاء كانوا في الغالب محبطين ومتذمرين. وقسم منهم انعكست هذه القضية على صلتهم بالحزب. وعلى وجه الخصوص الشباب والطلبة. ولكن، الأهم ان الغالبية كانت لديهم رغبة في العمل. فمثلا في الكويت شُكلت تنظيمات، وكنا نعمل بشكل منتظم. لاحقا، بدأ الحزب يستطلع آراء الرفاق، بشأن الجبهة والموقف منها وبشأن كل ما حدث. وشرع جميع الرفاق والرفيقات في طرح ملاحظاتهم ومواقفهم وانتقاداتهم. وقد انعكست هذه الملاحظات والمواقف والانتقادات في التقييم الذي قدمه الحزب لاحقا. ويمكن تقسيم النقد الذي وجه الرفاق للجبهة الى قسمين: الأول، يعارض الجبهة مبدئياً، ومنهم من يرى، خصوصا الشباب والطلبة، ان طلب البعث تجميد عمل المنظمات الديمقراطية كان من أبرز المؤشرات على طبيعة الجبهة. القسم الآخر، هم الرفاق الذين يوجهون النقد الى آلية إدارة الجبهة. وهم مدركون لظروف المرحلة، ويشخّصون أيضا ان الجبهة خلقت للحزب ظروفا مناسبة لاستعادة أوضاعه وانتعاشه واقامة صلات افضل مع الجماهير. وان ما كان غائبا في المطاف الأخير، هو الإدارة السليمة، والإجراءات الاحترازية لمنع كشف الخطوط التنظيمية للحزب، وكذلك التحسب الدائم من مخططات البعث الخبيثة ومحاولاته للالتفاف على الحزب.
 
* الجزء الثاني من الحوار سيصدر في العدد القادم، 445، أيار 2024، لذا اقتضى التنويه (المحرر)