تموز/يوليو 17
 
    يعكس الوضع الراهن في البرتغال نتائج العمليات المعقدة والعميقة الجارية في بلادنا خلال السنوات العشر الاخيرة. فمن المعروف أن ثورة نيسان (ابريل) 1974 قضت على الدكتاتورية الفاشية وأقامت نظام حكم ديمقراطي، بيد أنها لم تكتف بإعلان الحريات الديمقراطية وتطبيق نظام سياسي تشكل فيه الحكومة على اساس الانتخابات العامة. فقد صفيت رأسمالية الدولة الاحتكارية والملكية الكبيرة للأرض (بواسطة الاصلاح الزراعي)، فإن الحركة الشعبية الجبارة لم تؤد الى تحولات سياسية حسب، بل والى تحولات بنيوية اقتصادية – اجتماعية عميقة ايضا. ومكن ذلك من فتح الطريق نحو الاشتراكية امام الديمقراطية البرتغالية التي أنجبتها الثورة. وأثبتت الحياة في ما بعد ان الحفاظ على الديمقراطية السياسية والحقوق والحريات في ظروف البرتغال لا ينفصم عن الدفاع عن مكتسبات هامة كتصفية رأس المال الاحتكاري والملكية الكبيرة للأرض، وتأميم البنوك وفروع الاقتصاد السياسية، والإصلاح الزراعي.
هجوم الثورة المضادة
   بعد هزيمة الوحدات العسكرية الثورية في نهاية عام 1975 وحل حركة القوات المسلحة بدأت عملية سعت القوى الرجعية من خلالها إلى تصفية المكتسبات الاقتصادية ـ الاجتماعية الكبرى للشعب. وكان الهدف الأساسي للحكومات التي تعاقبت منذ ذلك الحين انعاش الاحتكارات وإعادة الهيمنة السياسية والاقتصادية للبرجوازية الاحتكارية الكبرى وملاك الأرض، الذين اضطهدوا وقمعوا شعبنا طيلة 48 عاما من الدكتاتورية الفاشية.
    إننا نقيّم طابع الحكومة ليس من خلال اسماء الأحزاب الممثلة فيها، بل من حيث جوهر سياستها، وهكذا تحكم البرتغال حكومة حزبين هما الحزب الاشتراكي والحزب الاشتراكي الديمقراطي. فإذا انطلقنا من الاسماء فقط برز امامنا اغراء وصفها بكونها حكومة يسارية أو في الاقل حكومة وسط. أما في الواقع فإنها ليست مجرد حكومة يمينية، بل انها حكومة نعتبرها نحن الشيوعيين البرتغاليين معادية للثورة. وهذا تقييم قاس، ولكن لدى حزبنا اسباب وجيهة تتضح بعد تحليل الواقع البرتغالي.
    لا يمكن فهم الوضع الراهن في البلاد إلا اذا اخذنا في الحسبان كيفية تصفية رأس المال الاحتكاري في البلاد. ففي عدد من البلدان الرأسمالية توجد مؤسسات مؤممة ايضا. وهي يمكن ان تصبح كذلك نتيجة نضال الطبقة العاملة والجماهير الشعبية أو خيار البرجوازية نفسها التي لا ترغب في الاعتناء بالفروع المربحة ولذا تضعها تحت رعاية الدولة. اما في البرتغال فقد تم التأميم على يد الطبقة العاملة والقوى الثورية، التي طردت الرأسماليين ورجال المصارف ووضعت يدها على البنوك والشركات الكبرى وقطاعات الاقتصاد الاساسية واللاتيفونديات الكبرى، حيث اقيمت استثمارات زراعية جماعية وتعاونيات. وعقب ذلك اقرَّ قانون الاصلاح الزراعي والتأميم.
    غدت هذه التحولات ميدانا لنضال حاد في السنوات الاخيرة. فمنذ عام 1976 اعتبرت الحكومات المتعاقبة مهمتها الرئيسية تصفية هذه التحولات وإعادة الاحتكارات واللاتيفونديات. بيد ان هذه السياسة اصطدمت بمقاومة الشغيلة البرتغاليين. وبفضل المواجهة الجماهيرية تمت بصورة اساسية صيانة ثمار التأميم والإصلاح الزراعي، على الرغم من الضربات الموجعة التي انزلت بمكتسبات ثورة نيسان (ابريل).
    صحيح، انه انتزع من المزارع الجماعية والتعاونية اكثر من نصف الاراضي المصادرة، أي 650 ألف هكتار من اصل 1140 ألف هكتار، وانتزع منها 250 ألف رأس من الماشية (بينها اكثر من 50 ألف رأس من البقر)، و 1750 جرارا وقسما كبيرا من المحصول. ولكن بقيت 350 مزرعة جماعية تمتلك حوالي نصف مليون هكتار من الارض. وهذا يعني انه على الرغم من العقبات الهائلة الناجمة عن هجوم الثورة المضادة يتابع الشغيلة تطوير الانتاج ويزرعون المزروعات الجديدة ويعملون على رفع مستوى الزراعة.
    ويحاول الرجعيون بكل قواهم تدمير القطاع المؤمم. فيستخدمون سياسة الاسعار والتسليف وأشكال التدخل الاخرى لخلق شتى العقبات في وجه مؤسسات الدولة. وينتزعون منه اكثر ميادين النشاط ريعية لتسليمها الى رأس المال الخاص. ويرغمونها على الحصول على القروض الاجنبية بالدولار، التي ترتفع فوائدها بصورة جامحة بسبب هبوط قيمة العملة المحلية – الاسكودو. ويُعيّن إداريون لقيادتها هدفهم تخريبها، فيقودون المؤسسات المؤممة إلى حالة الإفلاس. والهدف من ذلك إعلان نشاطها "غير فعال" بسبب التأميم، بغية تعليل الدعوات إلى إرجاع البنوك والمعامل والمصانع الى من "يحسن إدارتها"، أي إلى كبار الرأسماليين وممثلي الاحتكارات السابقة المرتبطين بالإمبريالية.
الخطر على استقلال البلاد والنضال في سبيل السلام
    إن الدفاع عن المكتسبات الثورية لا ينفصم عن الدفاع ليس عن النظام الديمقراطي حسب، بل وعن استقلالنا الوطني ايضا، لأن الحكومة التي لا تحظى بالدعم الكافي داخل البلاد تسعى في نضالها ضد الشعب الى الاعتماد على القوى الخارجية، وعلى مساعدة الامبريالية الامريكية بالذات. وهي تسدد ثمن هذه المساعدة بالتنازلات الاقتصادية والمالية والدبلوماسية والسياسية والعسكرية، الأمر الذي يشدد قيود التبعية. لا توجد في الاراضي البرتغالية صواريخ امريكية جديدة، ولكن تعاون حكومة سواريش مع واشنطن في الميدان العسكري يصبح اكثر رسوخا. وهذه السياسة تهدد استقلالنا وسيادتنا وامننا.
    ويمكن ان ينقلب انضمام بلادنا الى "السوق المشتركة" الى كارثة حقيقية. وقد توصل الحزب الشيوعي الى هذا الاستنتاج بعد تحليل دقيق جدا للعواقب المحتملة لهذه الخطوة بالنسبة لكل قطاع من قطاعات الاقتصاد، ويمكن القول، بالنسبة لكل مؤسسة. فبسبب تخلف اقتصادنا النسبي بالمقارنة مع اعضاء "السوق المشتركة" الآخرين لن يكون بإمكان البرتغال بعد رفع الحماية الجمركية عمليا مواجهة منافسيها حتى في السوق الداخلية. هذه بعض الاسباب الاقتصادية التي توضح سبب معارضة حزبنا للانضمام الى "السوق المشتركة". وقد أشّرنا ان الحكومة الحالية هي كالسابقة في سعيها للتكامل، ترمي الى تحقيق اهداف سياسية معادية للثورة: استعادة المجموعات الاحتكارية وتصفية الاصلاح الزراعي بحجة ضرورة ربط بنية الاقتصاد البرتغالي ببنى اعضاء "السوق المشتركة"، وهم كما هو معروف، بلدان رأسمالية الدولة الاحتكارية.
    اننا لا نريد الحكم على ما هو مفيد او غير مفيد لدول "السوق المشتركة"، ولكن فيما يتعلق بالبرتغال لنا كامل الحق في القول بانه ستنجم عن دخولها الى هذه السوق عواقب سلبية للغاية بالنسبة لشعبنا ولمكتسبات الثورة.
    ثمة جانب آخر لوضع البرتغال الخاضع نعني به الدين الخارجي. فهذا الدين يزداد بشكل يومي، ويضع البلاد في تبعية متزايدة للمراكز المالية العالمية. ويقارب الدين الخارجي اليوم 16 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لاقتصاد ضعيف كاقتصادنا. وتضطر البرتغال لدفع فوائد تناهز ملياري دولار في السنة. ويمكن القول بأن مجمل تصدير الحبوب والنبيذ في خلال سنوات ثلاث لا يكفي لتسديد فوائد عام واحد فقط. ان هذا الدين يخنق الاقتصاد الوطني ويقوض مستقبله.
    تبين تجربتنا ان صندوق النقد الدولي، اذ يقدم القروض، حتى وان وفر في البداية فرصا معينة، فإنما يفعل ذلك ليفرض فيما بعد شروطا جديدة ويهيمن على اقتصاد البلاد. فقد طالب صندوق النقد الدولي في البداية البرتغال بتخفيف وتائر نمو اجمالي الناتج الوطني الى 1,2 في المئة سنويا. ويجري دفعها الآن الى الركود، بل وحتى الانحسار بحجة انها الوسيلة الوحيدة لتفادي نمو التضخم. ويفرض صندوق النقد الدولي اسعارا عالية للفائدة تصل الى 30 في المئة. ان هذه القروض الغالية تصيب المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتشجع رأس المال الكبير بصورة اساسية. ويتدخل صندوق النقد الدولي في شؤوننا الداخلية مطالبا بتقليص عدد العاملين في المؤسسات التي تعاني مصاعب مالية، وخفض النفقات الاجتماعية و"كبح" الاجور وما شابه ذلك.
    وتوافق حكومة سواريش بسرعة على مثل هذه المطالب التي تأخذ شكل الانذار، وذلك لأنها تتفق مع نهجها الخاص الرامي الى تصفية المكتسبات الثورية ولو كان ثمن ذلك انهيار الاقتصاد الوطني والخضوع للامبريالية.
    ولذا فان من بين المهام التي تشملها سياسة البديل الديمقراطي ينبغي ان تكون ممارسة نهج اقتصادي جديد يهدف الى توطيد البنى الاقتصادية – الاجتماعية التي أنشأتها الثورة وكذلك اجراء المفاوضات حول الدين الخارجي للبلاد.
    ان الدفاع عن نظام الحكم الديمقراطي والاستقلال الوطني يرتبط ارتباطا وثيقا في البرتغال بالنضال في سبيل السلام. ويخوض الحزب الشيوعي هذا النضال في اتجاهين:
   أولا، اننا نعمل على تنشيط حركات الجماهير في سبيل نزع السلاح والانفراج، وبصورة خاصة ضد نشر الصواريخ النووية الامريكية الجديدة في أوربا، وضد التنازلات امام الولايات المتحدة في الميدان العسكري كإنشاء قواعد لقوات التدخل السريع والسماح للغواصات النووية بالدخول الى مرفأ لشبونة. وتوجد في البرتغال حركة جبارة للسلام، حيث تجري المظاهرات واللقاءات التي يشارك فيها ممثلو مختلف التيارات الاجتماعية.
    ثانيا، يرتبط النضال في سبيل السلام في ظروفنا الملموسة ارتباطا وثيقا بالنضال في سبيل استقالة حكومة سواريش. فالنهج السياسي لرئيس الوزراء، بما في ذلك العلاقات في البلدان الاخرى والموقف من الوضع في "المناطق الملتهبة" من الكوكب – امريكا الوسطى، والشرق الاوسط، جنوب افريقيا – هو نهج يتفق مع مصالح ادارة الولايات المتحدة واستراتيجية الامبريالية الامريكية.
    ولذا فان النضال في سبيل السلام في البرتغال لا ينفصم عن الدفاع عن نظام الحكم الديمقراطي، وعن الاستقلال الوطني، وعن النضال من اجل استقالة الحكومة الحالية وفي سبيل البديل الديمقراطي.
من أجل البديل الديمقراطي
    تبرر الحكومة سياستها المعادية للثورة زاعمة انها السبيل الوحيد لإخراج البرتغال من الازمة الاقتصادية. بيد ان السنوات المنصرمة اظهرت ان الهجوم على قطاعات الاقتصاد المؤممة، الهادف الى اعادتها الى رأس المال، أدى الى تدهورها واشاعة الفوضى فيها. فالاراضي التي انتزعت من الشغيلة في منطقة الاصلاح الزراعي وسلمت الى كبار الملاك مهملة الآن.
    وأدت محاولات اعادة نظام الاستغلال الذي كان قائما في عهد الدكتاتورية الفاشية اكثر من نصف مليون عاطل عن العمل، أو 15 في المئة من مجمل العاملين بأجر. ولا يحصل 150 ألف عامل على اجور عملهم. ويصل التضخم الى 30 في المئة، وانخفضت الاجور الفعلية في العام الأخير، وفقا للمعطيات الرسمية، بنسبة 10 في المئة.
    ان نهج تقويض المكتسبات الثورية في البرتغال يقود الى الافلاس والكارثة. لذلك نطالب، كمهمة أولية، باستقالة الحكومة بأسرع ما يمكن وممارسة سياسة البديل الديمقراطي.
    الحزب الشيوعي البرتغالي، اذ يدرك كل ما يكتنف الوضع من صعوبة، يؤكد ضرورة ليس فقط الدفاع النشيط والمتسق عن مكتسبات الثورة، بل والانتقال الى الهجوم ايضا. فقد نشأت في البلاد ظروف تسمح بإجراء تحولات ايجابية.
    في ظروف البرتغال الخاصة لا يكفي أن تحصل الحكومة على الاغلبية في البرلمان لتقبض على زمام السلطة. فبعد 25 نيسان (ابريل) 1974 تعاقبت عدة "حكومات للأغلبية" اسقطها النضال الشعبي. فقوة الشعب وحجم الحركة الاحتجاجية قادران على هز الاساس الذي تقوم عليه السلطات، وقاعدتها الاجتماعية – السياسية والانتخابية. ويتقلص سند الحكومة مع مرور كل يوم، في حين يصبح اساس النضال في سبيل البديل الديمقراطي اكثر اتساعا.
    إن نقمة الناخبين الذين اقترحوا لصالح الحزبين الحاكمين، على نشاط هذه الاحزاب تخلق الشروط لإنشاء تشكيلات سياسية جديدة. وتطرح اليوم مبادرات تهدف الى تنظيم حزب مرتبط بالرئيس، الذي نذكر بان له صلاحية اقالة الحكومة وحل جمعية الجمهورية. ان انشاء هذا الحزب يمكن ان يرتدي اهمية كبرى وحتى حاسمة في تحقيق البديل الديمقراطي. فهو قادر على تغيير ميزان القوى السياسية في البرتغال وتوفير الامكانيات لظهور تحالفات اجتماعية وسياسية جديدة لتحقيق التحولات الديمقراطية.
    ان الحزب الشيوعي لا يطمح الى حل قضايا البلاد بمفرده. فسياسة البديل الديمقراطي ينبغي ان تستند من الناحية الاجتماعية الى جميع الطبقات والفئات المناهضة للاحتكارات، وفي المجال السياسي – الى الشيوعيين والاشتراكيين الذين خاب املهم في سياسة سواريش والتيارات الكاثوليكية التقدمية وغير الحزبييّن والمستقلين وكذلك العسكريين الامناء لمُثل 25 نيسان (ابريل) وانصار الجنرال ابانيش الرئيس الحالي للجمهورية الذي يتمتع بهيبة كبيرة بين جميع فئات المجتمع.
    ان المهمة الاساسية التي تواجه الديمقراطيين والوطنيين البرتغاليين هي توحيد كل الجهود لتحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في استقالة الحكومة وإحلال البديل الديمقراطي، وصولا الى خلق اغلبية انتخابية من جميع الاوساط الاجتماعية والسياسية التي تناضل من اجل هذا البديل.
    ولا يمكن ان يتحقق هذا الهدف إلا بتصعيد نضال الجماهير في سبيل الحلول الديمقراطية وتوطيد الحزب الشيوعي والحركة العمالية.
الشيوعيون ونضال الجماهير
    ان نشاط الشغيلة خلال العملية الثورية كلها هو الذي حتم عمق التحولات المحققة وإمكان الدفاع عنها. ويعتبر حزبنا قوة الجماهير الشعبية بقيادة الطبقة العاملة العامل الاساسي الاكثر أهمية في تطوير الوضع الراهن.
    ويرتدي حجم الحركة العمالية أهمية عظمى. ففي البلاد يوجد مركز نقابي حقيقي واحد فقط هو الانترسنديكال الوطني. اذ ان المجموعة الانقسامية الاستفزازية التي يدعمها ـ بصورة مباشرة وبسخاء ـ رجال الاعمال والحكومة والاحزاب اليمينية والامبريالية، فشلت في ان تصبح مركزا نقابيا حقيقيا، على الرغم من ان البعض يعتبرها كذلك. فمن اصل مليوني عضو من اعضاء النقابات هناك 1,6 مليون ينتمون الى الانترسنديكال. وهذه المنظمة العمالية التي لا تقتصر على طرح المطالب الآنية، تضع هدفا لها الا وهو الدفاع عن التأميم والإصلاح الزراعي والمكتسبات الثورية الأخرى، وهي تطالب باستقالة الحكومة.
     وتتمثل الحركة الجماهيرية الواسعة كذلك في اتحادات الفلاحين والتجار الصغار والمتوسطين والمثقفين والنساء والشبيبة والافراد الذين يعانون اشد المصاعب، أي المتقاعدين والمقعدين وغيرهم. فالحكومة لا تحظى بتأييدهم.
    يتباين التوجه السياسي لسكان الريف البرتغالي من منطقة لأخرى تباينا حادا. ففي الجنوب، في منطقة اللاتيفونديات، حيث لم يكن وجود لفئة الفلاحين بالمعنى التقليدي للكلمة مع الوعي الذي يتميز به مالك الارض الصغير، كانت تتركز بصورة اساسية البروليتاريا الزراعية ذات التقاليد الثورية القديمة. وقد اخذ الاصلاح الزراعي هنا طابعا بروليتاريا وليس فلاحيا، حيث أنشئت بدل اللاتيفونديات مزارع جماعية وهي منظمات انتاجية خاصة تختلف عن التعاونيات. وللحزب الشيوعي نفوذ عظيم في هذه المناطق. فنحن نتمتع بالأغلبية في جميع المجالس البلدية باستثناء مجلس واحد. ويسير خلف الشيوعيين القسم الاكبر من السكان، بمن فيهم ممثلو الطبقات الوسطى في المدن والقرى.
    أما في الشمال فيختلف الوضع بصورة حادة. فهذه مناطق مميزة للاستثمارات الفلاحية الصغيرة. وتمارس الكنيسة والقوى الرجعية تأثيرا كبيرا هنا، وتحظى الاحزاب اليمنية بتأييد كبير في الانتخابات. ولكن من المميز ان الخارطة الانتخابية لا تتفق تماما مع اصطفاف القوى المشاركة في النضال الاجتماعي والسياسي، فالكثير من الفلاحين الذين يقترعون عادة الى جانب الاحزاب اليمينية يشاركون معنا اليوم ضد سياسة الحكومة. ونعمل على اشراكهم في التحركات الجماهيرية ونجد استجابة واسعة. ولكن اصعب بما لا يقاس هو تجسيد هذا النفوذ في نتائج الانتخابات، اذ يشرف على تنظيمها جهاز الدولة والأغنياء المحليون، الذين يملكون وسائل كثيرة للضغط على الفلاحين. فالمشاركة في النضال اليومي دفاعا عن المصالح الذاتية شيء، والتصويت في الانتخابات شيء آخر.
    بيد أن نضال الفلاحين يزداد نشاطا. وبدعم من اكثر من 400 منظمة فلاحية مختلفة جرى تشكيل الاتحاد الوطني للفلاحين – وهو اتحاد للفلاحين ذو طابع نقابي والاكثر تمثيلا.
    وتضطلع اتحادات النساء التوحيدية بدور كبير. وفي مقدمتها حركة النساء الديمقراطية، وهي منظمة ذات نفوذ هدفها تحرير النساء اجتماعيا والدفاع عن مصالحهن الاساسية. وتعمل الحركة النسوية داخل النقابات ايضا.  وتوجد كذلك اللجان التوحيدية النسوية. ويضم حزبنا 45 ألف امرأة.
    وتسدي حركة الشبيبة الكفاحية قسطا هاما في نضال الشعب البرتغالي من اجل السلام والتقدم الاجتماعي. وتضم منظمة الشبيبة الشيوعية 30 ألف عضو. وهي تتقدم بمبادراتها الخاصة وتعمل بنشاط في الجمعيات الجماهيرية والطلابية والرياضية والثقافية وفي ميدان تنظيم اوقات الراحة. وتواجه منظمات الشبيبة مشكلات معقدة تتعلق بالتأثير الايديولوجي للامبريالية الذي يمارس عبر السينما والتلفزيون والموسيقى. وثمة اكثر من 200 ألف شاب وشابة لم يمارسوا أي عمل بعد التخرج من المدرسة. وغالباً ما يعيش في وضع ميؤوس منه تستغله الدوائر الرجعية بصورة ديماغوجية وتسعى الى ممارسة تأثيرها الأيديولوجي والسياسي فيهم.
    ان حزبنا ذلك الفصيل المجرب من فصائل الحركة العمالية البرتغالية، يزداد قوة. ومن بين السمات المميزة للوضع في البلاد ان سنوات هجوم الثورة المضادة لم تؤدِ الى اضعافنا. فبعد 25 نيسان (ابريل) 1974 مباشرة كان الحزب الشيوعي البرتغالي يضم 15 ألف عضو. وفي اثناء مؤتمره الاخير الذي انعقد في كانون الاول (ديسمبر) 1983 تجاوز عدده حدود مائتي ألف عضو. ويرتفع هذا العدد باستمرار. والحديث لا يدور عن مجرد اناس يحملون البطاقة الحزبية، بل عن اناس مناضلين ونشطاء يشاركون بقوة في النضال السياسي. وللحزب نفوذ عظيم في الطبقة العاملة وبين الفلاحين والمثقفين والشباب. وله مواقع راسخة في المنظمات الجماهيرية. وليس سرا ان الاكثرية الساحقة من القادة النقابيين على جميع المستويات – من الخلايا المحلية حتى المركز – اعضاء في الحزب الشيوعي.
    وثمة وضع مشابه في العديد من المنظمات الاخرى. وقد حصل الحزب في الانتخابات البرلمانية الاخيرة على 30 في المئة من الاصوات على صعيد البلاد. ويتمتع الشيوعيون بالاغلبية في المجالس البلدية لخمسين مدينة. وتحكم هيئات السلطة المحلية التي يتمتع فيها الحزب بهذه الأغلبية، في حوالي ثُلث اراضي البلاد. واذا اخذنا في الحسبان ان نظام الادارة في البلاد يتسم بلا مركزية شديدة وان الهيئات تتمتع بصلاحيات واسعة، أمكن القول ان حزبنا يمارس تأثيرا كبيرا في جميع ميادين حياة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وان مساهمته في النضال من اجل البديل الديمقراطي ليست ضرورية حسب، بل وإلزامية ايضا.
الآفاق القريبة
     ان التعدد البالغ وعدم استقرار الوضع الراهن يدلان على ان البرتغال ستشهد في القريب العاجل تغيرات حتمية ذات طابع ايجابي أو سلبي.
    فإذا بقيت الحكومة الراهنة في السلطة فان خطر تصفية المكتسبات الديمقراطية لثورة نيسان (ابريل)- التأميم، الإصلاح الزراعي، حقوق الشغيلة، نظام الحكم الديمقراطي والاستقلال الوطنيين سيبقى ماثلا. وثمة خطر هو قيام دكتاتورية جديدة بهذا الشكل أو ذاك.
    أما اذا ادى نضال الشعب الى استقالة حكومة سواريش وهزيمة ائتلاف الحزب الاشتراكي والتقدم على طريق نيسان (ابريل) وحل القضايا الوطنية الكبرى.
    يعتقد بعض الديمقراطيين ان هذا البديل يتوقف على نتائج الانتخابات الرئاسية التي ينبغي ان تجري في كانون الاول (ديسمبر) 1985.
    وفي رأينا ان الشعب لا يمكن ان ينتظر كل هذه المدة، فهذا امر خطير للغاية. فالنضال يجري من أجل اقالة الحكومة الحالية بأسرع وقت ممكن.
    ما الذي ينبغي ان يتبع ذلك؟ ربما تشكيل حكومة ديمقراطية للإنقاذ الوطني. وربما تشكيل حكومة لحل القضايا الاكثر إلحاحا، او من المحتمل حل جمعية الجمهورية وإجراء انتخابات عامة استثنائية.
    ان نظام الحكم الديمقراطي في البلاد يمتلك القدرة الكافية للخروج من هذه الازمة. ونحن على يقين من امكان العثور على هذا المخرج في مجرى النضال.
 
    الفارو كونيال: السكرتير العام للحزب الشيوعي البرتغالي
 نشرت المادة في (الثقافة الجديدة)، العدد 161، شباط 1985، ص 32 - 39.