تموز/يوليو 17

      من يقرأ كتاب التاجي عن أخبار ومدائح آل بويه، ولا يدري كيف ولِمَ كتبه أبو إسحاق إبراهيم الصابي، فقد يصدق كل ما فيه لأنه لا يعلم أن أبا إسحاق كان حبيس عضد الدولة، الذي اشترط عليه أن يصنف كتاباً عن آل بويه ليخلي سبيله، فصنفه التاجي، مضطراً، وتشاء الصدف وليس بمقدور أحد أن يحسبها مسبقاً، فهي من عالم الغيب، أن يدخل عليه أحدهم، فيسأله عما يكتب، فيفلت منه جواب المثقف الحق: "أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها"، وينقل الجواب الى عضد الدولة فيأمر بقتله تحت أقدام الفيلة، وتوسط الذين أقنعوا! الصابي بقبول شرط عضد الدولة فأبدل القتل بالنفي .

    لماذا يسير كثير من الناس وراء الأخبار الباطلة والكاذبة ويبنون عليها المواقف والأحكام؟
ابن خلدون في مقدمته يعزو هذه الظاهرة الى عدة أسباب منها أن الخبر بطبيعته يحتمل الكذب وله أسباب تقتضيه، منها التشيعات (التحزب) للآراء والمذاهب، فإن النفس التي خامرها تشيع لرأي أو نِحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، ومنها الثقة بناقل الخبر، والذهول عن القصد وراء الخبر، ومنها عدم القدرة على تطبيق الأحوال على الوقائع، والجهل بطبائع الأحوال الاجتماعية، وكثير غيرها.
     منذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 وطوال نضاله الوطني والقومي، بل حتى قبل ذلك نشر عن الشيوعية والحزب الكثير من مثل هذه الأباطيل والأكاذيب من أجل إضعافه، وزرع الشقاق في الحركة الوطنية، سيراً على سياسة فرّق تسد، سياسة الحاكمين في كل زمان ومكان. والحداثيون وما بعد الحداثيين، والمتنفسون روح العصر (الإقرار بالقطبية الأحادية) لا يروق لهم سماع مثل هذه التفسيرات "السطحية" وذات المسحة الايديولوجية، مع ذلك ورغم التصفيق لثياب الإمبراطور الجديدة تبقى سياسة فرّق تسد هي السياسة الأنجع للحاكمين والطامعين في الحكم، كما هي سياسة المستعمرين والصهاينة، هذا المبدأ الذي أشار اليه القرآن الكريم وهو يتحدث عن فرعون الذي "علا في الأرض وجعله أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم" (سورة القصص).
   وقد حاول المستعمرون البريطانيون وأتباعهم، الذين تشكل منهم الحكم الملكي، إضعاف الحركة الوطنية بتفرقة صفوفها عن طريق استغلال الدين واثارة الفتنة الطائفية، لكنهم باءوا بالفشل بفضل حكمة الواعين من كبار علماء الدين من الطائفتين، الذين أفشلوا هذه المحاولات رغم ما زرعه الحكام من ألغام في ثنايا القوانين، كقانون الجنسية العراقية، أو التمييز بتجاه الطائفة الشيعية في الجيش مثلاً.
   فضلاً عن ذلك اتجهوا باستغلال الدين باتجاه آخر لتفرقة صفوف الحركة الوطنية، وذلك بافتعال صراع بين الدين والشيوعية، فبذلت محاولات متعددة في هذا السبيل، تكثفت خاصة بعد بروز دور الشيوعيين في وثبة كانون الثانية 1948 وانتفاضة تشرين 1952. ففي رسالة أحد رجال المخابرات البريطانية الى بهجة العطية، مدير التحقيقات الجنائية (مديرية الأمن في العهد الملكي)، بعد شهرين من اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، فهد وزكي بسيم وحسين محمد الشبيبي ويهودا صديق، جاء ان الأساليب البوليسية لا تحقق سوى القليل لمنع الشيوعية وينبغي القيام بنشاطات اخرى. ثم يقول "بالرغم من وضوح كون الشيوعيين في العراق يبذلون جهدهم لعدم اثارة قضية الدين، إلا انه يبدو ان هذه المسألة يمكن استخدامها ضدهم من قبل الحكومة". ولم تكتف الحكومة البريطانية بتوجيهات الى التحقيقات الجنائية بل أرسلت بعد بضع سنوات سفيرها في بغداد مع السفير الامريكي الى المجتهد الشيعي الكبير الامام كاشف الغطاء للحوار معه، كما أرسلت له دعوة لحضور مؤتمر (بحمدون)، وكشف الإمام كاشف الغطاء هذه النوايا. ولم يكن الشيخ كاشف الغطاء وحده واعياً لهذه النوايا. ففي ظل موقف الغالبية العظمى من كبار رجال الدين وادراك الحزب الشيوعي لضرورة عدم اعطاء ذريعة لشق الحركة الوطنية، فشل الحكام في تسعير العداء للشيوعية تحت غطاء الدين. فلجأوا الى وسيلة اخرى هي اثارة الشقاق بين الحركة القومية (القومانية) والشيوعية. فأخذوا ينشرون الأكاذيب والافتراءات، ويضخمون بعض المواقف غير السليمة، ويفسرون بعض المواقف والشعارات على طريقة "لا تقرب الصلاة"، مستغلين ظروف السرية الشديدة نتيجة القمع والإرهاب اللذين تعرض لهما الحزب الشيوعي، وفرضت عليه حالة انقطاع في القيادة بين 1949 حتى عام 1955 نتيجة لتكَرُر اعتقال القيادات الحزبية واحدة بعد الاخرى.
وقد ساهمت الأكاذيب وتشويه الحقائق، والتقييمات الخاطئة الوقتية في سياسة الحزب الشيوعي، برغم ما جرى عليها من إعادة تقييم، في حرث تربة ملائمة لشق الحركة الوطنية، وجرها الى مهاوي الاحتراب.
ما هو موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية الفلسطينية؟
    إن موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية الفلسطينية والصهيونية حتى صدور قرار التقسيم في تشرين الثاني عام 1947 تمَثَل في محاربة الصهيونية باعتبارها حركة قومانية، عنصرية. وقد لعب الرفيق فهد انطلاقاً من مصالح ومهمات النضال الوطني - القومي، ومستفيداً من مواقف ماركس من المسألة اليهودية وضد الصهيونية، ومن موقف لينين في صراعه ضد (البوند)، المنظمة الصهيونية للعمال اليهود في روسيا، لعب الرفيق فهد دوراً كبيراً في النضال ضد الصهيونية من الشعب الفلسطيني، وكذلك في تعبئة اليهود العراقيين ضدها. فنشرت جريدة كفاح الشعب في عددها الثاني الصادر في آب 1935 مقالاً يعبر عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، ودعا في جريدة القاعدة عدد تشرين الأول 1943 الى تأسيس منظمة يهودية لمكافحة الصهيونية، التي تزايد نشاطها في العراق وفي البلدان العربية الاخرى. وفي أيلول 1945 قدم طلب تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية التي استهدف منهاجها "مكافحة الصهيونية وفضح أعمالها ونواياها بين جماهير الشعب العراقي لا سيما بين اليهود. بهدف القضاء على نفوذ الصهيونية ودعايتها، وفضح عملاء الصهيونية أمام جماهير اليهود، ومحاربة النفوذ الاقتصادي الصهيوني الذي يحاول السيطرة على البلاد العربية اقتصاديا، والقضاء على الصناعة الوطنية الناشئة فيها".
وجاء في العريضة المقدمة لطلب تأسيس العصبة ان "الصهيونية خطر على اليهود مثلما هي خطر على العرب... ولما كانت قضية فلسطين هي قضية البلاد العربية بأسرها، فلا يمكن إلا ان نقف الى جانب عرب فلسطين.. والدعوة لحل قضية فلسطين على أساس منع الهجرة اليهودية وإيقاف انتقال الأراضي العربية الى أيدي الصهاينة وتأليف دولة ديمقراطية عربية مستقلة استقلالاً تاماً تضمن فيها كافة حقوق المواطنية عرباً ويهوداً".
ونشطت الهيئة المؤسسة باصدار بيانات، منها على سبيل المثال بيان صادر في 2/11/1945 بمناسبة ذكرى وعد بلفور، اختتم بهذه الشعارات:
عاش نضال العرب في سبيل حرياتهم واستقلالهم
عاشت فلسطين عربية مستقلة ديمقراطية
عاش الشعب العراقي متآخياً متضامناً متحداً
ليسقط وعد بلفور المشؤوم وليسقط الاستعمار
لتسقط الصهيونية عميلة الاستعمار وعدوة العرب واليهود
 
  وقامت بفعاليات ونشاطات متنوعة. ولم تجَز العصبة إلا في آذار 1946 ومنحت امتياز إصدار جريدة باسم "العصبة" وكتب فهد في العصبة سلسلة مقالات ضد الصهيونية بعنوان "نحن نكافح من أجل من؟ وضد من نكافح؟" تناول فيها جذور الصهيونية، وطابعها العنصري، والعلاقات العضوية بين الصهيونية والإمبريالية، ومؤامراتها. فبيّن أن "الصهيونية ليست سوى رأسمالية استعمارية .. وأداة مسخرة بأيدي الاستعمار الإنكليزي والأمريكي وحارسه الأمين".
تعمل لتنفيذ الخطط الاستعمارية في البلاد العربية لغرض تثبيت وبسط السيطرة الاستعمارية. لقد تبناها الاستعمار البريطاني لغرض ايجاد حليف له في قلب البلاد العربية، في فلسطين لغرض شطر فلسطين عن البلاد العربية الاخرى واتخاذها قاعدة حربية، تسهر على مصالحه ضد الحركات التحريرية في البلاد العربية والشرق الأدنى والأوسط لغرض إشغال الشعوب العربية بصد الهجوم الصهيوني وحرفها عن النضال من أجل استقلالها.. وان المصالح الامريكية الناشئة في البلاد العربية ورؤوس أموالها المستثمرة بالاشتراك مع الرأسمال الصهيوني في فلسطين، ووعد الصهاينة بتوظيف رؤوس أموال أمريكية كبيرة جداً، وتطلع أمريكا لاستخلاف الاستعمار البريطاني في فلسطين واتخاذها قاعدة لحماية مصالحها في البلاد العربية، كل هذه حملت الولايات المتحدة على استخدام نفوذها كاحتياطي للصهيونية "وشخص فهد ان القواعد البريطانية الحربية والمدنية في البلاد العربية وما يتبعها من أرتال خامسة وحكومات لا تقوم على أساس انتخابات ديمقراطية شعبية صحيحة هي من احتياطي الصهيونية".
وبيّن العلاقة العضوية بين النضال من أجل تحقيق الديمقراطية في البلاد العربية وبين النضال ضد الصهيونية، وكان يؤكد على هذه المسألة في كثير من المناسبات. ففي دراسته عن الوحدة والاتحاد العربي المنشورة في أيلول 1943 كتب انه "لو كان للشعوب العربية حقوق ديمقراطية لأمكنها تنظيم أحزاب شعبية جماهيرية ولاستطاعت أن تعبر عن شعورها القومي - الوطني تعبيراً علمياً ولاستطاعت أن تؤثر بنضالها على السلطات الحاكمة في بلادها للتدخل في شؤون قطرهم الشقيق فلسطين وحل مشكلته وانقاذ الشعب العربي هناك من الورطة التي اوقعه فيها الاستعمار، لكن فقدان التنظيمات الديمقراطية وحبس الشعور العام داخل كل قطر من الأقطار العربية كانا السبب في إضعاف الحركة التحريرية العربية".
ولفتت العصبة بنشاطاتها أنظار الوطنيين في فلسطين والبلدان العربية اليها، فأرسل اليها السيد جمال الحسيني عميد اللجنة العليا في فلسطين برقية يدعوها للمشاركة في الإضراب العام الذي تقرر عقده يوم 10 حزيران 1946 احتجاجاً على قرارات لجنة التحقيق الدولية المنحازة الى الصهيونية.
ودعت لجنة من الاحزاب الوطنية العراقية المجازة الخمسة، لم تضم لا عصبة مكافحة الصهيونية المجازة ولا حزب التحرر الذي لم يجز بعد، الى الإضراب العام، وكان الحزب الشيوعي وحزب التحرر وعصبة مكافحة الصهيونية ضد الاكتفاء بالاضراب العام فقط، دعوا الى القيام بالتحشد والتظاهر، الأمر الذي لم يرق للأحزاب المجازة فهاجمت بعنف هذه المحاولات معتبرة إياها تشويهاً لقدسية الاضراب، ودافع فهد في جريدة العصبة هذه الأساليب منطلقاً من أن إهمال شأن تدريب الجماهير الشعبية على مختلف أشكال الكفاح السياسي أضاع ويضيع الفرص المؤاتية. وتطبيقاً لمثل هذه الدعوات وتدريباً على أساليب الكفاح الجماهيرية "جرت تظاهرة صاخبة من جانب الرصافة من بغداد يوم 28/6/1946 قام بها حزب التحرر الوطني غير المجاز وعصبة مكافحة الصهيونية، اللذان يمثلان واجهة الحزب الشيوعي السري وذلك احتجاجاً على المظالم الجارية في فلسطين". كما يذكر الحسني في تاريخ الوزارات العراقية. ويذكر بطاطو في سفره الضخم عن العراق هذه التظاهرة نقلاً عن ملفات التحقيقات الجنائية ان عدد المشتركين فيها بلغ 3000 من الطلاب والعمال، (سكان العراق يومذاك لم يصل 5 ملايين نسمة بعد، والأمية كانت احدى الآفات الثلاث: الفقر والجهل والمرض) وبعد عبورها الى الكرخ، واقترابها من السفارة البريطانية، أطلقت الشرطة النار عليهم، فقتل شاؤول طوَيق، اليهودي عضو الحزب الشيوعي العراقي وجرح أربعة آخرون، ويعتبر بطاطو هذه المزاهرة حدثاً تاريخياً يؤشر لانفتاح التيار الذي وصل ذروته في وثبة كانون.
موقف الحزب الشيوعي العراقي بعد قرار التقسيم
   بدأ الوعي السياسي في التكون عندي مع وثبة كانون الثاني 1948، وظل عالقاً في ذهني مشهد الخلاف بين القومانيين والديمقراطيين حول فلسطين والصهيونية. كانت التظاهرات تنطلق من مقر فرع الحزب الوطني الديمقراطي مطالبة بالديمقراطية والخبز، وانتخابات ديمقراطية، ومن أجل فلسطين، ونحن إخوان اليهود وأعداء الصهيونية. ولكن ما أن تقترب المظاهرة من مكتبه يحتشد فيها عدد من القوميين حتى تصمت كل الهتافات ويتردد هتاف واحد "يسقط أيتام هتلر" رداً على صيحات من داخل المكتبة: "يسقط اخوان اليهود" و"فلسطين عربية فلتسقط الشيوعية" ما كنت ادرك يومها هذا الشقاق والاختلاف وان غير قليل من المجتمعين داخل المكتبة هم أصدقاء للكثير من المشاركين في المظاهرة السائرة.
    وقد تباينت الروايات حول موقف الشيوعيين العراقيين من القضية الفلسطينية، فكثير من القومانيين (القوميين) العراقيين والعرب يجعلونهم كأنهم المسؤولون عن التقسيم وإقامة دولة اسرائيل. وليس قليلاً عدد المناضلين من القومانيين الذين يرجعون انتسابهم الى التيار القومي بسبب موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية الفلسطينية. بينما آخرون، ومنهم المصري أبو سيف يوسف، في كتابه "وثائق ومواقف من تاريخ اليسار المصري"، يتناول فيها دور منظمة "طليعة العمال" ضمن اليسار المصري. ويعتبر المؤلف ذروة محنة الخضوع الستالينية في المنظمات الشيوعية المصرية كان موقفها من القضية الفلسطينية جاء ذلك عرضاً في الكتاب الذي يقدمه عبد الرحمن شاكر في مجلة الهلال عدد آب 2000. فموقف المنظمة، التي أسسها ثلاثة من اليهود المصريين، من بينهم، أحمد صادق سعد، كان ادانة الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية استعمارية، في نفس الوقت إدانة الهجرة اليهودية الى فلسطين. وكانت المنظمة تطالب بأن تقوم في فلسطين دولة ديمقراطية للعرب واليهود، وكان هذا هو موقف الحركة الشيوعية في البلدان العربية، مثلما هو موقف الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية العمالية.
   ولكن بعد موافقة الاتحاد السوفييتي على مشروع قرار التقسيم الصادر في 1947، واعترافه بدولة إسرائيل في العام التالي لم يجد الشيوعيون المصريون بداً من تأييد هذا الموقف، "لأن الخواجة ستالين عايز كدة" على حد تعبير أحد الرفاق الظرفاء الحزانى يوم ذاك. ويستمر العرض للكاتب بالقول "بالطبع لم يكن في مقدور منظمات شيوعية يقود معظمها عناصر يهودية أن تتخذ موقفاً صلباً كالذي اتخذه الحزب الشيوعي العراقي، الذي أعدم زعماءه على يد نوري السعيد. رفض هذا الحزب الموافقة على قرار التقسيم".
فهذا القرار الذي كان خيانة عظمى للمبادئ الاشتراكية التي تقوم على العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وكان من غير المعقول ان يوافق الشيوعيون الذين فرحوا عام 1924 بالغاء الخلافة العثمانية برغم تسامحها مع المخالفين في العقيدة على قيام دولة جديدة في المنطقة على أساس من الدين تعلنها أقلية معظمها من المهاجرين اليهود، تتخذ اسم أحد الانبياء علماً عليها!
وقد كلف خضوع المنظمات الشيوعية للقرار الاستاليني في قضية فلسطين الكثير من سمعتها، واضطر احمد رشدي صالح الى تأليف كتاب يعلن فيه تبرؤه من الشيوعية التي صارت تحمل وصمة الولاء للصهيونية.
   من المعروف ان موقف الاتحاد السوفييتي تجاه القضية الفلسطينية كان هو نفس موقف الحركة الشيوعية في البلاد العربية: إدانة الصهيونية كحركة عنصرية استعمارية، في خدمة الاستعمار البريطاني والأمريكي، موجهة ضد الشعب الفلسطيني وحركة التحرر العربية، وان الحل هو، كما ذكرته عصبة مكافحة الصهيونية في طلب تأسيسها عام 1945 "منع الهجرة اليهودية وايقاف انتقال الأراضي العربية الى أيدي الصهاينة وتأليف دولة ديمقراطية عربية مستقلة استقلالاً تاماً، تضمن فيها حقوق المواطنين كافة عرباً ويهوداً". ولذلك فإن موافقة الاتحاد السوفييتي على قرار التقسيم في تشرين الثاني 1947 نزلت نزول الصاعقة على الشيوعيين العراقيين، كما يصف ذلك الرفيق زكي خيري في "صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم" (ص137). ويشير الى دهشة فهد من موقف الاتحاد السوفيتي هذا بقوله، الذي اثره به على انفراد: "لا أدري كيف اعترفَ الاتحاد السوفييتي بدولة لليهود". ان مخالفة موقف الاتحاد السوفييتي، بل حتى مجرد التشكيك في صحة صوابه، كان من الأمور التي قد تعادل حد الكفر عند المؤمنين. فقرار الأكثرية ملزم الزاماً تاماً للأقلية، والاتحاد السوفييتي منارة الهدى، وستالين خاصة دحر الجيش الأحمر للفاشية هو أبو الشعوب، ولا يمكن أن يخطئ، فهو أكثر من معصوم. ولذلك فإن حتى مجرد إبداء الدهشة، وسراً ليس بالأمر البسيط يومذاك. وان كان هذا القائد البلشفي الاستاليني يبدي دهشته سراً فإن شيوعياً آخر هو محمد حسين أبو العيس يجادل في السجن علناً ضد التقسيم، كما يورد الرفيق زكي خيري في صدى السنين. ولعل مثل هذا الموقف نتيجة لما ثقّف به الرفيق فهد من أن القبول برأي الأكثرية وطاعته مشروط بانسجامه مع النظرية ومصلحة البروليتاريا. ولما عرف عنه من قبوله سماع الرأي الآخر ومناقشته بصبر وأناة.
    وكان ممثل الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة تسارابكين، قد أعلن يوم 13 اكتوبر 1947 ان الوضع في فلسطين صار الى درجة من التوتر بين العرب واليهود أصبح فيها مشروع التقسيم هو الحل الأفضل القابل للتحقيق، وكتب الرفيق فهد من السجن في 1 تشرين الثاني 1947 رسالة الى المسؤول الأول في بغداد حول تبدل موقف الاتحاد السوفييتي من التقسيم جاء فيها: "ان موقف الاتحاد السوفييتي جاء نتيجة محتمة للأوضاع والمؤامرات المشاريع الاستعمارية المنوي تحقيقها في البلاد العربية وفي العالم. فالمهم في الموضوع هو وجوب إلغاء الانتداب وجلاء الجيوش الأجنبية عن فلسطين وتشكيل دولة ديمقراطية مستقلة كحل صحيح للقضية ومن واجبنا أن نسعى لهذا حتى الأخير، لكن اذا لا يمكن ذلك بسبب مواقف رجال الحكومات العربية ومؤامراتهم مع الجهات الاستعمارية فهذا لا يعني اننا نفضل حلاً آخر على الحل الصحيح، ونرى من الأوفق أن تتصلوا بإخواننا في سوريا وفلسطين وتستطلعوا رأيهم في تحديد الموقف".
   وينشر بطاطو في كتابه توجيهاً داخلياً صادراً عن قيادة الحزب في شهر كانون الأول 1947 بعد صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947 ويعلن فيه رفض الحزب للقرار، ويبين ان موقف الاتحاد السوفييتي قد قدم فرصة للصحف وعملاء الاستعمار للتهجم ليس فقط على الاتحاد السوفييتي وانما على الحركة الشيوعية في البلاد العربية، وتحدد التوجيهات موقف الحزب انطلاقاً من كون الصهيونية حركة عنصرية دينية ورجعية، وان الهجرة اليهودية الى فلسطين لا تحل مشاكل يهود أوروبا بل تشكل غزواً منظماً توجهه الوكالة اليهودية، واستمراره بالشكل الحالي يعرض للخطر حياة وحرية السكان الاصليين، وان تقسيم فلسطين مشروع إمبريالي قديم قائم على افتراض استحالة التفاهم بين العرب واليهود، وان شكل حكومة فلسطين يحدده بصورة مشروعة سكان فلسطين، القاطنون فيها فعلاً وليس الأمم المتحدة ولا أية منظمة اخرى أو دولة أو مجموعة دول، والتقسيم يقود الى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة، والتقسيم وإقامة دولة يهودية سيشدد العداوات العنصرية والدينية، وسيؤثر جدياً على آفاق السلام في الشرق الأوسط، وتعلن التوجيهات الداخلية ان الحزب الشيوعي العراقي لكل هذه الأسباب يرفض رفضاً قاطعاً مشروع التقسيم (بطاطو ص  598/ 599 النص الإنكليزي) ولا غرابة ان لم تكن هذه الوثيقة من ضمن الوثائق التي نشرتها التحقيقات الجنائية في موسوعة الحزب الشيوعي العراقي.
   وانعكس استمرار تبني الحزب الشيوعي العراقي لهذه السياسة على صفحات جريدة "الأساس" التي صدرت علناً ابتداءً من 18 آذار 1948. ويصف الرفيق زكي خيري في صدى السنين عن موقف جريدة الأساس تجاه القضية الفلسطينية بالقول: "عندما أعدت الدول العربية قوات مسلحة لتحرير فلسطين بعد أن رفضت البديلين المعروضين عليها دولة مشتركة بين العرب واليهود أو دولتين منفصلتين واحدة للعرب واخرى لليهود، بدأنا في جريدة الأساس الحملة تأييداً لحرب التحرير تحت شعارات مدوية ومنها "كل شيء للجبهة" واستمرت الحملة ... حتى أعلن قيام "الدولة الإسرائيلية" واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي بها فأخذنا على عاتقنا تغيير موقفنا من الحرب بحيث ينسجم مع موقف الاتحاد السوفييتي. وبعد عدة أيام من الاعتراف لم تعد الأساس تنشر الشعارات الحربية، وكتبت مقالاً افتتاحياً ينتقد الدول العربية لأنها أهملت "الحل السلمي" ص138. ويشير بطاطو الى العدد الصادر في 24 أيار 1948 الذي بدأ فيه تغيير الموقف، والى الصادر في 22 أيار 1948 الذي كان شعاره المرفوع، "يا أبناء شعبنا! ناضلوا من أجل الحفاظ على عروبة فلسطين ولإفشال مشروع الدولة الصهيونية".
   أغلقت جريدة الأساس بعد أيام، وبدأت جريدة الوطن، جريدة الاستاذ عزيز شريف، في نشر مقالات ضد قرار التقسيم، انبرى زكي خيري للرد عليه في صحافة الحزب السرية، التي أخذ فيها كامل حريته، كما يقول. وفي بيان للجنة المركزية بتاريخ 6 تموز 1948 أعلنت عن قبولها وتبنيها للموقف السوفييتي بالمطالبة "بإقامة دولة عربية ديمقراطية في القسم العربي من فلسطين"، وتكرس هذا الموقف بعد بضعة أسابيع بقيام الحزب بنشر كراس "ضوء على القضية الفلسطينية" الذي أرسلته "اللجنة العربية الديمقراطية في باريس". وكان الكراس كما يصفه زكي خيري في صدى السنين يبرر قيام إسرائيل مع إضفاء صفة "التقدمية" عليها، فأساء نشره للحزب ولسمعته النضالية الطويلة في سبيل القضية الفلسطينية واستغلت الحكومة ذلك ودفع الحزب ثمناً غالياً. ورغم تبني الحزب لمواقف الضوء باعتباره منسجماً مع سياسة الحزب فإنه قوبل بعدم القبول وليس فقط من خارج صفوف الحزب، مثل عزيز شريف، بل وكذلك من بين صفوف الحزب أيضاً، الى درجة ترك البعض لصفوف الحزب. ويروى ان الكراس لما وصل للسجن وبدأ أحد أعضاء لجنة السجن في قراءته بالقاووش أمره فهد بالتوقف بعد قراءة بعض المقاطع. وكان الحزب الشيوعي قد أعاد النظر في هذا الكراس في الكونفرس الثاني للحزب، الذي عقد في آب 1956، معتبراً ان ما ورد فيه يشكل تسريباً لمفاهيم خاطئة عن الحركة الصهيونية الى صفوف الحزب.
تقرير الكونفرنس الثاني: "ان ما يواجه بلادنا الآن هو قبل كل شيء ضرورة تحويل السياسة القائمة من سياسة تعاون مع الاستعمار، وتوافق مع الصهيونية، وانعزال عن حركة التحرر الوطني، الى سياسة وطنية عربية مستقلة".
   لكن فكرة الدعوة لإقامة دولة عربية مستقلة في القسم العربي من فلسطين رفعها الحزب الشيوعي العراقي سوية مع الحزب الشيوعي السوري واللبناني وعصبة التحرر الوطني في فلسطين، في بيان مشترك عن هذه الأحزاب صدر في أوائل تشرين أول عام 1948، يدين الاستعمار البريطاني والأمريكي والرجعية العربية المتواطئة مع الاستعمار، والصهيونية الساعية لتوسيع "المدى الحيوي" ليشمل فلسطين وشرق الأردن معاً، سعياً وراء حلمهم الرجعي القديم الفاشل، بجمع كل يهود العالم حول ضفتي الاردن.
    وكشف البيان عن خيانة الرجعيين العرب للقضية الفلسطينية، "فغطوا خيانتهم بحملة رعناء من التهويش والكذب والافتراء على الاتحاد السوفييتي العظيم وعلى الشيوعيين العرب الذين برهنت الحوادث انهم كانوا على حق وصواب". وطالب البيان بـ "وقف الأعمال الحربية وإعادة اللاجئين وإقامة الدولة العربية المستقلة في القسم العربي من فلسطين ومنع تمزيقه والحاقه كلياً أو جزئياً بأي شكل كان. ودعا جميع القوى الوطنية والديمقراطية للنضال ضد الاستعمار وعملائه الرجعيين في سبيل الجلاء عن كل الشرق العربي وفي سبيل الاستقلال والديمقراطية، وفي سبيل التضامن بين الشعوب العربية  وجميع القوى الديمقراطية في العالم"، وبينما ظلت كثير من قوى التيار القومي تصرخ برمي إسرائيل في البحر وتنادي فلسطين عربية فلتسقط الشيوعية، ارتفعت بعض الأصوات الحكيمة مثل صوت الإمام الشيخ كاشف الغطاء رأت كما رأى الشيوعيون الابتعاد عن الأقوال الفارغة والوعيد والتهديد والحذر من التظاهر بالدعوة الى الانتقام والثأر، والجولة (القادمة) الثانية، تلك الدعوة التي تدسها وتنشرها الدول الاستعمارية علناً عن سوء قصد، كي تلهي العرب بالخيال والأماني عن الواقع المر، وتحول نقمة العرب منهم الى إسرائيل.
    ان مشكلة إسرائيل هي مشكلة العرب مع الاستعمار والحكومات العربية غير النزيهة وغير المخلصة، "فاذا استقلت الدول العربية، استقلالاً كاملاً، وتكونت فيها حكومات نزيهة مخلصة تتعاون وتتحد وتتسلح للقضاء على الخطر، تهيئ الخلاص من اسرائيل وماتت من نفسها بلا قتال ولا جدال، ويمكن حينئذ ضم القسم اليهودي الى الاتحاد العربي الواسع ومعاملتهم كمواطنين أو اعتبارهم من أهل الذمة حسب قانون الإسلام". (الشيخ محمد كاشف الغطاء، "الاسلام هنا لا في بحمدون". ربيع عام 1945).
   ان اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الجديدة، وكل العقود الماضية منذ تحالفت الصهيونية مع الاستعمار ضد الشعب الفلسطيني والبلاد العربية، تبين كم هم على خطأ أولئك الذين لم ينطلقوا لحل القضية من موقع الحل الديمقراطي ومناهضة الاستعمار، بل وجهوا سهامهم صوب أصلب المناضلين في سبيل التحرر من الاستعمار وحلفائه الرجعيين وفي سبيل الديمقراطية، فما أضعفوا أولئك المناضلين فحسب، بل كانوا أنفسهم يضعفون.
   وتبين أيضاً كم من المهم تباين الحقائق والتخلص من الأباطيل والتشويهات، إذ أن بقاءها يسهل تكرار الاحتراب بين القوى الوطنية، واندلاعه بيسر وسهولة كلما ظهر اختلاف حول قضية ما، ففي حالة الاحتراب لا يستطيعون تحقيق هدف، بل يخسرون ما حققوه.
نشرت المادة في (الثقافة الجديدة)، العدد 297/ تشرين الثاني - كانون الأول 2000.