تموز/يوليو 17
 
 قبل ايام حلت الذكرى الثالثة لانتفاضة تشرين 2019 المجيدة. ذات مرة قال لينين: “ قد تمرّ عقود لا يقع فيها شيء يذكر، وقد تأتي أسابيع تقع فيها عقود”. والواقع أنه في خلال تلك الايام وتحديدا منذ انطلاق شرارة الاحتجاجات في الاول من اكتوبر 2019 في بغداد وامتد لهيبها الى محافظات الوسط والجنوب، انقلبت الاوضاع رأساً على عقب وانفتح الفضاء السياسي مجددا على آفاق جديدة تشي بالكثير الواعد. فقد شهدت الحركة الاحتجاجية والحراك الواسع الجديد تحولا مهما ولحظة فريدة في تاريخ البلاد بعد 2003 لترتقي الى مستوى انتفاضة شعبية حقيقية، كما اتخذ هذا التحول والحراك المجتمعي مسارات متعرجة واشكالا مختلفة. وهكذا أعادت الجماهير المنتفضة المعاني إلى الحقل السياسي، محولة النشاطات الاحتجاجية إلى قوة كبيرة قادرة على هزّ النظام المحاصصي - الطوائفي وإجباره على الاقرار بأحقية مطالب الجماهير الغاضبة رغم مناوراته ومحاولاته في تشويه الحركة الاحتجاجية والتشويش عليها بهدف تبرير موجات القمع التي مورست ضد نشطائها وناشطاتها والجماهير المحتجة عموما.  ورغم كل القمع و محاولات التشويه والضغوطات والملاحقات التي تعرض له نشطاؤها وناشطاتها، فإن الاحتجاجات لم تتلعثم، بل امتلكت بلاغتها في التعبير عن غضبها وبلورت شعاراتها ومطالبها العادلة في: تفكيك النظام المحاصصي –الطوائفي ورحيل الحكومة ورئيسها وتحسين الخدمات ومكافحة البطالة وتوفير مناصب عمل جديدة، والقضاء على الفساد واستعادة الاموال المنهوبة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.. والكرامة .... الخ، التي انتهكها النظام المحاصصي/ الطوائفي. واليوم، وبعد هذه السنوات الثلاث العجاف تبقى رايات الانتفاضة مشرعة والشعارات التي رفعتها ماثلة وهدف التغيير يتصدرها باعتباره الاداة الوحيدة لتفكيك النظام المحاصصي وتحقيق المشروع الوطني-المدني- الديمقراطي.
بعد سنوات ثلاث عجاف تتيح متابعة المسارات الكبرى التي اتخذتها انتفاضة تشرين بلورة اهم خلاصاتها الكبرى كدروس مفيدة للعمل اللاحق:
- الخلاصة الاولى: لقد اثبتت انتفاضة تشرين وما قبلها من انتفاضات جدوى القاعدة السوسيولوجية القائلة: “ ان كل نظام مهما كانت صلابته مهدد بالتلاشي”، لأنه وبكل بساطة “يتوفر على كم محدود من الطاقة التي يقوم بصرفها للحفاظ على توازنه”.
وهكذا كلما ازداد تصلب النسق وادار ظهره للحراك المجتمعي من دون حل المشاكل الفعلية، كلما تضاعفت سرعة انحداره نحو التلاشي. فالأنساق (النظم) المغلقة محكوم عليها بالتلاشي.
- الخلاصة الثانية: اعادة الاعتبار لمفهوم الثورة والانتفاضة باعتبارها ليس عملا فوقيا، انقلابيا، بل من صناعة الجماهير الطامحة للحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
كانت المواجهة مع عناصر النموذج المستند على التحالف البيروقراطي/ الكومبرادوري/ الطفيلي/  الرأسمالي التابع، في ظل التداخل العضوي الوثيق بين قوى الثروة وقوى السلطة، بين العصابات النهابة - “المافيات” - وبين “جهاز الدولة” على المستويات العليا والوسيطة.
- الخلاصة الثالثة: جدلية العلاقة بين الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية السياسية وفشل محاولات الفصل بينهما او تغليب احداهما على الأخرى.
- الخلاصة الرابعة: إن الوعي بضرورة التغيير ليس وليد الصدفة، وإنما هو نتاج عملية تطور تراكمي متواصل، يتولد من خلال المعاناة والشعور بالغبن وضرورة إزالته.
- الخلاصة الخامسة: القدرة على دمج الاجتماعي بالديموقراطي في مطالب الشعوب وخصوصا الشباب منهم. فقد بيّن مسار الاحداث حساسية المتظاهرين من البطالة وعداءهم للنظام الاقتصادي المهيمن، مربوطة بحساسيتهم بأهمية العدالة الاجتماعية والكرامة والحريات الفردية والجماعية.
وبيّن مسار الاحداث كذلك ان هناك علاقة وثيقة بين الخبز والحرية، فعلى الرغم من تقديم حكومة عادل عبد المهدي حزما من الاجراءات الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ انتفاضة الجماهير لم تتوقف. فقد رأى الشباب والمهنيون والطلبة وغيرهم من المنتفضين أنّ لقمة العيش مربوطة بحرية الصحافة، ورفع القيود عن الإنترنت، وحرية التعبير ... الخ.
- الخلاصة السادسة: تتمثل في اللحظة المهمة التي ينبغي تسجيلها هنا وهي الانتقال من التعبيرات الصامتة لدى الشباب او اللامبالاة بالشأن العام والانصراف عن السياسة، كما كان يزعم الكثيرون، ليتحول الى قاطرات محركة لعمليات الحراك الاجتماعي والانتفاضة الشعبية ليواجهون بصدور عارية عسف السلطة وعنفها السافر. 
- الخلاصة السابعة: ان الإذلال السياسي والإذلال الاجتماعي كانا سببين رئيسيين للانتفاضة، هذا طبعا إضافة لأسباب عديدة أخرى.
 اليوم، وبعد ثلاث سنوات يمكن القول ان الطريق التي ما زال يسلكها المنتفضون نحو استعادة الحرية والكرامة ستكون طويلة وشاقّة. فهي تمر في طور انتقالي لا احد يعرف مدته... كما ان آفاقها مفتوحة على كل الاحتمالات...
ان احتجاجات أكتوبر 2019 التي ارتقت الى انتفاضة شعبية عارمة بكل معنى الكلمة شكلت تطورا نوعيا ولحظة فريدة في تاريخ الحركة الاحتجاجية في العراق، فلا يجوز أضاعتها في دهاليز مناورات المتحاصصين او الاستحواذ على مخرجاتها من اي طرف كان عدا من صنعوها من الجماهير الثائرة، لذا لا يجوز السماح تحت أي ظرف كان إعادة انتاج النظام المحاصصي - الطوائفي بـ “طبعة جديدة”.
كانت انتفاضة تشرين 2019 إعلانا شعبيا عن رفض وقطيعة مع نهج المحاصصة ومنظومة حكمها ووصول العملية السياسية إلى طريق مسدود، ما يطرح ضرورة التغيير إلى الدولة المدنية الديمقراطية العصرية القائمة على المواطنة والهوية الوطنية الجامعة. علما ان الانسداد السياسي الراهن يعتبر مظهرا من مظاهر تعمق أزمة النظام السياسي، القائم على نهج المحاصصة الطائفية والإثنية، التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه الآن من أزمة بنيوية شاملة ومركبة وفساد عميم. ويمكن القول أن انكشاف واقعة سرقة الثلاثة مليار دولار من أمانات الضرائب تكشف بوضوح لا مرد له أن الفساد لم يعد صفة عارضة من صفات نظام المحاصصة، بل هو الجوهر المعلن، والذي لا يمكن التستر عليه من قبل هذا النظام.
في ظل هذه الأوضاع لا بد من مواصلة بذل الجهود من اجل توحيد عمل سائر القوى والحركات السياسية التي وضعت تغيير نهج حكم المحاصصة وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية ضمن أولويات برامجها. وهذه تشمل طيفا واسعا من الأحزاب، التاريخية والجديدة التي نشأت من رحم انتفاضة تشرين، والحركات السياسية والحراكات الاحتجاجية والشخصيات السياسية والاجتماعية المؤثرة، إضافة إلى الاتحادات والجمعيات والنقابات العمالية والمهنية.
المجد كل المجد لانتفاضة تشرين المجيدة!