تموز/يوليو 17
 
 تمرُّ على العراقيين في هذا العام، 2023، الذكرى العشرون على الاحتلال. ولا بد من الاشارة الى أن يوم انهيار الدكتاتورية ودخول القوات الأجنبية العاصمة بغداد في 9 نيسان 2003 جاء ليجسد تعقيدات وتناقضات الوضع الجديد واحتمالاته المفتوحة. فقد كان، من جانب، يوم تخليص الشعب من نير الدكتاتورية البغيضة، وفي الوقت ذاته يوم الإيذان بواقع جديد هو الاحتلال. فالحرب، وقد ادت الى انهيار النظام، جاءت ايضا بالاضطراب وانعدام الاستقرار. فقد تنكر المحتل للالتزامات التي تفرضها المعاهدات الدولية، وادى التخلي كليا عن تلك الالتزامات، في النهاية، الى انفلات الأمن وشيوع الفوضى.
    كذلك لم يرافق انهيار النظام وتفكك الدولة ظهور البديل الديمقراطي الذي كان شعبنا يتطلع إليه، وإنما نشأ على أنقاضه فراغ سياسي وأمني خطير، ظلت جماهير الشعب تعاني الأمرين منه ومن تفاقمه.
 وخلاصة القول إن هذه الـنازلة التي شرعت الأبواب مفتوحة امام سلسلة الكوارث والمآسي اللاحقة، التي مرت بهم وببلدهم. وان عذابات السنين الطويلة هذه يجب ان تبقى شاخصة امام كل من راهن او سيراهن على تدخل الاجنبي لإحداث التغيير. فهذه الكوارث والازمات وان ارتبطت بتركة ومخلفات النظام البائد الثقيلة؛ لكنها، ستبقى نتاجا للآلية التي تم بها اسقاط النظام، والتي تمت عبر الحرب والاحتلال. فهي تمثل المحصلة النهائية لخيارات المحتل، ومعها القوى السياسية المتنفذة التي حكمت البلاد منذ ذلك الحين. خيارات بلورت مفرداتها الأساسية، من قبل قوى الاحتلال، في فترة المعارضة. حين تم ابتكار "نظام سياسي" خاص ليتلاءم مع الحالة العراقية بعد 2003. نظام يستند منهجه على المحاصصة الطائفية والإثنية وفي بناء وادارة مؤسسات الدولة، وعلى تغليب الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة.
 
العملية السياسية... اختلالات بنيوية عميقة
لقد بينت السنين الطويلة التي انصرمت، بوضوح، ان العملية السياسية لا تواجه صعوبات جدية ولا حتى اختلالات كبيرة فحسب، بل أشرت بقوة الى انها تعاني من عطب كبير، ليس لكونها سارت ولفترة طويلة بعكس مسارها المفترض فقط، وانما اصلا لكونها انطلقت من أسس مشوهة.
ان عشرين سنة من الفشل المزمن في تحقيق تطلعات غالبية العراقيين، في اقامة البديل المدني الديمقراطي، والذي يكفل حدا مقبولا من العدالة الاجتماعية، وغياب الامن والطمأنينة، وضياع الافق، وضبابية المستقبل؛ كل هذا جعل قسما غير قليل من العراقيين يجرون مقارنة بين جنة "ديمقراطية بعد 2003"، وجحيم الدكتاتور، وكانت مفاضلة بعضهم مع الاسف لصالح الاخير. ان هذه النتيجة، لن تبيض بالتأكيد نهائيا وجه النظام البائد، لكنها بالتأكيد سودت وجوه القوى السياسة المتنفذة التي راهنت على الاحتلال، والتي ادخلت العراق خلال السنوات الماضية الى هذا النفق، واوصلته الى الحضيض. 
ان جرداً سريعاً، يستذكر حصيلة كوارث وويلات الاحتلال وصنيعته نهج المحاصصة، سيتضمن بالإضافة الى تفشي التعصب القومي والتخندق الطائفي والانعزال الديني، تلك الصفحات السوداء من الاقتتال الطائفي؛ وويلات الإرهاب؛ وسقوط ثلث البلاد تقريبا بيد قوى الظلام؛ وتغول المليشيات وسلاحها المنفلت. كما انه لن يتغافل بكل تأكيد، عن اضعاف الدولة وتراجع أداء مؤسساتها، واستشراء الفساد في كل مفاصلها تقريبا، حتى كاد يجهز على ما تبقى من اسسها.
إنّ العجز في أداء الدولة لوظائفها يتجلى بوضوح في مجال تقديم الخدمات الأساسية. فالقطاع الصحي على سبيل المثال، يعاني من تراجع غير مسبوق في مستوى الخدمات الصحية والطبية والعلاجية والوقائية ومع تهالك بناه التحتية. وكذلك الحال في قطاع التعليم بمستوياته المختلفة. فمع انعدام التخطيط، والمناهج القديمة والمرافق التعليمية المتهالكة وغير الملائمة، "يتمتع" العراق بأحد أفشل سياسات التربية والتعليم في المنطقة. ثم جاء التعليم الأهلي، ليزيد الطين بلة وليفاقم فشلا على فشل. ولم تعد الامية هي الآفة التي تهدد المجتمع العراقي، بل ان مخرجات العملية التعليمية "الامية المقنعة" صارت التهديد الأكبر. ويتبين أحد اوجه ازمة العمالة عند دخول هؤلاء المؤهلين "نظريا" الى سوق العمل.
 وبخصوص سوق العمل، يشير بعض المختصين الى ان عدد الداخلين الى سوق العمل سنويا من العراقيين بحدود نصف مليون انسان. ومع الغياب شبه التام للقطاعات الإنتاجية، والتدهور غير المسبوق للزراعة، بعد ان يمتص التوظيف الحكومي القليل منهم ليفاقم بطالته المقنعة، سيتكدس الباقون للعمل في القطاع الخاص. وهو قطاع يسوده اقتصاد الخدمات غير المنظم. وهنا نتبين وجه آخر لأزمة العمل والعمالة في العراق.
اما على الصعيد الاجتماعي، فالفاجعة أشنع. فنتيجة للسياسات الاقتصادية التي انتهجت بعد 2003 وفق رؤية الاحتلال، وخياراته الاستراتيجية، ومشروعه الاقتصادي، والتي لاقت ترحيبا ودعما من الكثير من قوى المحاصصة؛ يشهد العراق فرزا اجتماعيا وطبقيا متناميا، حيث تتفاقم حدة التفاوتات في الدخل والثروة باستمرار. فالثروات ما برحت تتضخم وتتكدس عند حفنة من الشرائح والفئات الاجتماعية. حيث تتعاظم مداخيلها كلما تعاظمت سماتها البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية. بينما يتدهور المستوى المعيشي، ووتراكم حالات التهميش، ومظاهر البؤس والفقر والحرمان بشكل مريع في فئات واسعة من أبناء الشعب العراقي، خصوصا ذوي الدخل المحدود، والكادحين. من اجل إدراك جوهر المأساة، يجب ان نضيف ازمات السكن والعشوائيات والزحام والتلوث ومشاكل البيئة وغيرها الكثير. 
 
  رغم كل الكوارث.. لم تخمد شعلة الامل!
في ظل كل هذه الازمات البنيوية العميقة ومتعددة الصُعد، لم تخمد شعلة الامل. ربما خبت جذوتها بين حين وآخر، لكن بقي النضال من اجل غد أفضل يذكيها باستمرار. ولا يمكن فصل هذه المرحلة عن عموم عملية التغيير المطلوب والتي هي عملية طويلة المدى ومعقدة، وتحتاج الى طائفة من القضايا والإجراءات من بينها قوى معبرة فعلا عن تطلعات المجتمع، قادرة على أخذ المبادرات وترجمة القيم والأفكار في الواقع العملي؛ وبلورة الصيغ التنظيمية القادرة على احداث تغيير تدريجي في ميزان القوى يسمح بالانتقال الى بناء دولة مدنية ديمقراطية عصرية على قاعدة العدالة الاجتماعية.
    ربما قد تكون البلاد سائرة الى المجهول بفعل ما عمله المحتل والمتنفذون ويبدو انه ليس هناك من طريق لمنعها من الذهاب الى هناك غير الرهان على طريق آخر.. بديل آخر وهو ليس سوى البديل العابر للطوائف والقوميات والعشائر والمناطق.. الخ... انه بديل المواطنة الحقة حيث يشعر الجميع انهم متساوون في الحقوق والواجبات، ويعيشون في دولة مدنية ديمقراطية معاصرة.
    في عام 2023 يتجدد الامل بعراق جديد، عراق خال من الازمات والفساد وخيبات الامل والتهميش والإقصاء والاستعصاءات الدائمة وتناسل الازمات ومكائد حيتان السلطة وحروب المتحاصصين من القوى المتنفذة.
    نجدد القول: إن النكوص وقبول الامر الواقع ليس خيارنا.. نعم.. نحلم بوطن آخر سيولد ذات يوم بالتأكيد.. وسنبقى متسلحين بالأمل وبمضاء العزيمة من أجل بناء وطن يتسع لنا جميعا !.