تموز/يوليو 17
 
  السطور الأخيرة، من كلمة العدد السابق (436) تَحدّثت عن توقعات عامة لما ستؤول اليه أوضاع البلاد في قادم الشهور. وعلى وجه الخصوص، ذلك التعويل، الذي سيتزايد بمرور الوقت على قوى التغيير السياسية وعلى الحركة الاحتجاجية في احداث التغيير الشامل. حيث بدأت، في الأشهر الأخيرة، تتضح شيئا فشيئا ملامح تمثيل سياسي واسع وحقيقي لقوى التغيير الشامل، تمثيل مدني وديمقراطي حقيقي، يمكن الاعتماد عليه ليمثل بديلا حقيقيا. ولأنه يتكون من أحزاب سياسية عريقة، وأخرى ناشئة، تمثل في مجملها قوى مجتمعية مشاركة في الحركة الاحتجاجية؛ فإنه يمكن اعتباره بهذا المعنى او ذاك تطورا لما يمكن تسميته "الجناح السياسي" للحراك الاحتجاجي.
وبالتالي، ان مثل هذه المبادرات السياسية، ربما تؤدي الى حدوث انفراج حقيقي في الازمة الشاملة التي تعصف بالعراق. فكما هو معروف، ان أي ازمة بنيوية، كتلك التي كان وما زال يأن تحت وطأتها العراقيون والعراقيات، هي في جانب منها، وبالضرورة، ازمة الحامل الاجتماعي لمشروع التغيير وقواه السياسية الممثلة. وبالتالي، فإن خروج الأخير من واقعه المأزوم يمثل إيذاناً جليا ان الخلاص صار ممكناً. خصوصا، وان القوى المتنفذة، والتي تمثل السلطة، أي الجانب الاخر من الازمة، لم تعد قادرة، بمحاولاتها المستميتة ومساوماتها الرخيصة، حلولها الترقيعية، على إعادة انتاج وبسط سلطتها وهيمنها ونهجها في الحكم. طبعا، باستثناء قدرتها، على استخدام ما يتوافر "حاليا" من ثروات هائلة في احتواء او تحييد قطاعات كبيرة الى هذا الحد او ذاك من الجماهير. كما ان تفكك هذه القوى المتنفذة بدا جليا. فهي لم تعد قادرة، كما كانت في السابق، لا على إدارة صراعاتها الداخلية، ولا حتى على اخفائها.
ولكن، سيبقى المسار التاريخي الملموس متمايزا عن التحليل النظري أعلاه. ذلك ان إمكانياته متعددة ومتعاكسة. وبالتالي يقع على عاتق قوى التغيير، كي تمثل البديل الحقيقي والناضج، عبء كبير من اجل الدفع نحو تحقيق تلك الإمكانيات التي تفتح الأبواب امام تغيير حقيقي وشامل، يصب في مصلحة كل أبناء الشعب خصوصا الكادحين منهم.
تحديد وتثبيت المشتركات
ان الخطوة الأهم عند قوى التغيير السياسية، عندما تنطلق من التغيير كهدف وبالتالي كشعار، تتمثل بالتوصل الى رؤية جماعية للتغير كمشروع، وكذلك الاتفاق على المشتركات. فبدون ذلك لا يمكن توحيد الجهود من اجل الدفع نحو تحقيق التغيير كإمكانية. ولا يمكن تحديد هذه الرؤية وهذه المشتركات الا عبر الاتفاق على الأهداف الرئيسية للمرحلة، وتحديد الخصم المشترك. لكن، هذه المسألة ليست سهلة. فهي تقتضي بالضرورة ان تدرك هذه القوى السياسية طبيعة المرحلة، وان تحدد قواها الاجتماعية المحركة، وكذلك ان تحيط بظروف واشتراطات التغيير، ومن ثم يمكنها تحديد مهماته واهدافه، ومضامينه الاجتماعية والسياسية. بمعنى آخر، لا يمكن تحديد عمق التغيير المطلوب ولا مداياته، او اتجاهات تطوره القادمة، دون رسم الملامح العامة للتشكيلة الاجتماعية العراقية وللوحتها الاجتماعية-الطبقية الحالية، خصوصا تلك التي برزت في السنوات الاخيرة، والتوقف عند أبرز معالم تحولاتها وآثارها. ففي هذا السياق، من المهم تحديد دقيق للقوى الاجتماعية التي تستند عليها المنظومة السياسية الحاكمة وتعبر عن مصالحها. وأيضا، تعيين تلك القوى الاجتماعية ذات المصلحة بإيصال التغيير الى غايته المرجوة. فلكي يكون لشعارات التغيير اي معنى او قيمة سياسية حقيقية، فإنه من الضروري ان يكون لها محتوى اجتماعي. أي ان عليها ان تنطلق فعليا من قاعدة اجتماعية.
وبافتراض ان ما ذكر أعلاه قد تمت دراسته وهضمه من قبل قوى التغيير او بعضها على اقل تقدير، فإننا نرى ان الاهداف المشتركة لهذه المرحلة واضحة، والخصم المشترك أكثر وضوحا. فهو يتمثل، ببساطة، بكل قوى منظومة ونهج المحاصصة بتجلياتها المختلفة الاثنية والطائفية والحزبية والمناطقية والعشائرية. بينما لا تخرج اهداف التغيير الشامل في هذه المرحلة عن كونها: بناء دولة مدنية، تترسخ فيها ديمقراطية حقيقية، وتنهض على أسس محددة من عدالة اجتماعية.
الانتخابات والحراك الاحتجاجي.. رافعتا التغيير
ومن جهة أخرى، يتعين على قوى التغيير ان تتسم بالواقعية عندما ترسم الخطط والتكتيكات وتحدد المهمات المطلوبة لتحقيق الأهداف. وذلك لأن التغير، مشروع معقد، وعملية طويلة، مساراتها مليئة بالمصاعب والتناقضات والمنعرجات، وكذلك بالأماني والتطلعات. وربما يكون تنويع اشكال النضال والعمل السياسي اهم اشكال تجسيد هذه الواقعية على ارض الواقع. فالسعي في هذه المرحلة الى المساهمة في الانتخابات بغية الوصول الى المجالس التمثيلية وخصوصا مجلس النواب يتمتع بأهمية كبيرة. ليس فقط بغية المشاركة في السلطة التشريعية وحتى التنفيذية، وهي قضية مُهمة جدا؛ وإنما أيضا بسبب الدور الذي تلعبه الدعاية الانتخابية في ادامة الصلة مع الجماهير. لكن، يجب عليها أيضا ان لا تتهاون ابدا في المساهمة ودعم في الحركة الاحتجاجية والمطلبية. حيث ستبقى الأخيرة رافعة رئيسية، بل وربما الأرأس، في احداث التغيير المنشود. فإذا كان لهيبها يبدو خابيا الآن، فإن جمرتها ما تزال متقدة. وذلك لأن الأسباب والشروط التي تسببت أساسا في اضطرامها ما زالت موجودة بل وفي تفاقم مستمر.      
التغيير.. اصطفاف وطني واسع، وبرنامج سياسي
وهنا، لا بد من التذكير، انه لا يمكن تذليل المصاعب الا بإرادة وطنية صادقة، قادرة على قلب موازين القوى واحداث التغيير المطلوب. وهذا يتطلب اصطفافاً وطنياً واسعا يضم أوسع طيف ممكن من القوى الوطنية والاجتماعية الداعمة، وإن ضمنا، لمشروع التغيير. وبالتالي على قوى التغيير المدنية والديمقراطية ان تكون منفتحة للتعاون والتنسيق مع كل الطامحين للخلاص من منظومة ونهج المحاصصة. 
وفي النهاية، يشترط مشروع التغيير وضع برنامج تفصيلي واقعي. تقدم من خلاله قوى التغيير المدنية والديمقراطية رؤيتها في إعادة بناء مختلف مفاصل الحياة السياسة والاقتصادية ولاجتماعية والثقافية في البلاد. ولهذا حديث اخر.