
السؤال الذي أتعامل معه هو هل هناك مفهوم للحكم والسلطة بالمعنى السياسي في الفكر الاسلامي؟ وحين اقول الفكر الاسلامي، اجد نفسي امام ضرورة التمييز الاجرائي بين النصوص التأسيسية (القرآن والسنة) وبين التجربة التاريخية لما يسمى بـ (الدولة الاسلامية).
ولا أعني بالتمييز الاجرائي، ان هناك انفصالاً تاماً بين النصوص التأسيسية والتجربة التاريخية، لأن هناك كثيرا من الباحثين يريدون صنع هذا التمييز بهدف ادانة التجربة التاريخية باعتبارها تجربة كانت خارج النصوص. وفي مثل هذه الادانة والتمييز يتم التعامل مع النصوص التأسيسية نفسها بوصفها نصوصا خارج التاريخ، اي انها نصوص لا تحمل في بنيتها ودلالاتها بصمة للتاريخ وبصمة اللغة والثقافة.
وكمنهج للبحث، أتجنب هذا الفصل التام بين النص التأسيسي وبين التجربة التاريخية، مثلاً اريد ان أبين التجربة التاريخية للمسلمين، ولا اريد ان ازعم كما يزعم البعض ان التجربة التاريخية والسياسية كانت نوعاً من الانحراف. ان التجربة التاريخية جزء من تجربة الجماعة الاسلامية وجزء من الفكر الاسلامي. وبالمقابل فان الفكر الاسلامي جزء من التجربة التاريخية والسياسية للإمبراطورية الإسلامية.
والتساؤل يتضمن محاولة الإجابة عن (هل هناك في النصوص التأسيسية مفهوم الحكم والسلطة؟ وما علاقة هذا المفهوم إذا كان موجوداً بالتجربة التاريخية؟).
من خلال استعراض القرآن والسنة النبوية الموثقة اعتقد انه يصعب الحديث عن نسق فكري يحدد ماهية السلطة او ماهية الحكم بالمعنى السياسي.
إن الاستدلالات المتأخرة التي بدأها ابو العلا المودودي في باكستان ونقلها سيد قطب، ثم اصبحت جزءاً من الخطاب الديني الراهن، تتعامل مع مجموعة من آيات القرآن تتحدث عن الحكم، وهذه الآيات في سورة المائدة. ولا يحتاج الامر الى كثير من الجدل لكي نقول ان الحكم في التداول القرآني يعني القضاء ولا يعني الحكم في المعنى السياسي، لكن يتم دائما توسيع الدلالة لكي نصل الى نظرية معاصرة، او تضييق الدلالة لكي نحصر المعنى في إطار تاريخي.
ولكن هناك في التجربة النبوية ما يمكن ان يكون بذور تأسيس سلطة سياسية. فحين انتقل الرسول الى المدينة، تم ابرام وثيقة المدينة التي يعتبرها كثير من الباحثين دليلاً على انشاء الدولة. والتساؤل هنا هل إن هذه الوثيقة تعكس وعياً أو مفهوماً يمكن إخراجه إخراجاً تاماً من سياق الحياة العربية (التحالفات القبلية والأحلاف)؟ ألا تعكس هذه الوثيقة تحالفاً بين الجماعة المسلمة وبين سكان المدينة سواء كانوا يهوداً أو مشركين على ضرورة الاتفاق على حماية المدينة التي يعيشون فيها؟ من الممكن القول ان الأمر اتفاق سياسي، ومن الصعوبة والخطورة الزعم بأن الأمر اتفاق سياسي بالمعنى المعاصر، فلا بد أن نضع الأمر في إطاره التاريخي. ويمكن القول إن النبي (عليه السلام) مارس دوراً له دلالات سياسية، دور رئيس المجتمع وقائده، ومارس صلاحيات ذات طابع سياسي. ولكن هل كان في ضمير النبي ووعيه وأقول ما يمكن أن يقال إنه ينشئ دولة بالمعنى الحديث؟ هذا سؤال مفتوح.
عشية وفاة النبي وقبل دفن جثمانه دار حوار في اجتماع سقيفة بني ساعدة. يقول الطبري كانت هناك ثلاثة معسكرات - ويتحدث والرواية منسوبة الى عمر بن الخطاب - علي والمهاجرين وأهل المدينة. وبينما كان علي مشغولاً بدفن جثمان النبي، اجتمع أهل المدينة وخشي عمر أن يحاول أهل المدينة أن يجتثوا المهاجرين من الأمر. والحوار الذي دار بين المهاجرين والانصار لا يعكس مفهوماً للحكم وللدولة، ولا يعكس أي منظور ديني. إن المهاجرين كانوا يرون أن لهم الحق في أن يكونوا من ذوي السلطة في هذا المجتمع الجديد، لأنه وبدون الهجرة كانت التجربة الاسلامية يمكن ان تتعرض لمصير آخر. وقالوا ان العرب لن تقبل إلا أن يكون هذا الأمر في قريش. فالحديث جرى عن تقاليد راسخة وإمكانيات القبول العربي. وعند الحديث عن خلافة أبي بكر، لا نجد إلا في المراجع المتأخرة كلاماً عن ان النبي (عليه الصلاة والسلام) نص على ان تكون الخلافة في قريش. في الروايات المبكرة يدور الحوار حول ماذا يقبل العرب؟ هل يقبل العرب أن يكون هذا الامر في قريش أو في غير قريش؟
ان الحوار يدور في إطار تاريخي يمكن أن نفهمه باعتباره تأسيساً لسلطة، ولكن لا يمكن اعتبار كل تأسيس لسلطة، تأسيساً لدولة.
نشأت مشكلة الحكم (مشكلة الإمامة) مع الانفجار الاول (ما يسمى بأحداث الفتنة). وقد قسم هذا الخلاف الأمة في مرحلة مبكرة إلى سنة وشيعة. إن الصراعات التي تلت بين الأمويين والشيعة، والمذابح التي جرت، صراع سياسي عبر عن نفسه بشكل ديني. فصرخة الذين رفضوا التحكيم وأطلق عليهم اسم الخوارج فيما بعد واضحة. لقد قالوا: لا نريد ان يحكمنا مضريان إلى يوم الساعة. اي ان الرفض كان ضد حكم مضر والذي يعني حكم علي وحكم معاوية. وهكذا فإن المشكلة كانت حول رفض السلطة بالمعنى السياسي وليس بالمعنى الديني.
مع الانفجار وانقسام الأمة، أصبحت هناك نظرية للحكم ترتبط بنظرية الإمامة ونظرية الميراث، والسؤال هل كانت هذه النظرية دينية، وهل ثمة في النصوص المؤسسة ما يعطي مشروعية لهذه النظرية؟
لقد تم إنتاج ما يسمى بالرأسمال الرمزي الشيعي على اساس العلاقة بين علي والنبي وفي مواجهة ذلك أنشأ الأمويون رأسمالهم الرمزي السني. ونجد في كتاب الاشعري وقبله عند الشافعي هذا الدفاع عن قريش وعن الاجماع وتبرير الواقع التاريخي الذي حدث. وبدأت الصياغة اللاهوتية تنحو هذا المنحى – في نظرية أهل السنة – تبريراً لما حدث في التاريخ. فنجد الاشارة الى وجود فتنة في اختيار أبي بكر وقى المسلمين شرها، كما يقول عمر بن الخطاب. وجرى اختيار عمر بن الخطاب عن طريق تشاور أبي بكر مع بعض الصحابة. كما جرى اختيار عثمان عن طريق لجنة شكلها عمر بن الخطاب وراعى فيها العلاقة القبلية، اي تمثيل "القوى السياسية" الموجودة آنذاك.
وكان السؤال: أتبايعني على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الصاحبين. وهنا اضيف الى النصوص التأسيسية التجربة التأريخية القصيرة جداً. وهنا كان علي موافقاً على الكتاب والسنة ولكن لم يكن موافقاً على إضافة تجربة الصاحبين باعتبارها نصاً. وهنا قال: أجتهد رأيا ولا آلو. ولكن هذا الشرط – شرط تواصل التجربة التاريخية – كان قد قبلها عثمان.
لقد كان هناك نزوع لوضع التجربة التاريخية جزءاً من النص الديني، وقد اصبحت تلك التجربة جزءاً فيما بعد، وأطلق عليها اسم الإجماع. فما دام الناس قد أجمعوا على اختيار أبي بكر وعمر فإن هذا الاختيار صائب وصحيح. وسنجد أن هذه الفكرة تتنامى لتخرج من هذا النسق السياسي الضيق لتتحول إلى نسق سياسي أوسع، حين سمّي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية (عام الجماعة). وانتقل عام الجماعة من معناه السياسي إلى معناه الفقهي، وأصبح الإجماع مبداً فقهياً وبالتالي أصبحت نظرية الإمامة كلها تناقش من منظور الإجماع.
وحين نصل الى القرن السادس والسابع الهجري، نجد الآمدي يقول: أن قضية الامامة ليست قضية دينية، وإنه يستحسن على المسلم أن يتجاهل هذه القضية لأنه حتى إذا أحسن البحث فيها فهو في خطأ، ولكنه يعود فيقول بما ان المتكلمين يبحثون قضية الامامة فليس أمامنا إلا أن نبحث هذه القضية. وهكذا اصبحت الإمامة جزءاً من بنية التفكير الديني وجزءاً من بنية النسق الديني.
اذا تتبعنا الكتابات حول نظرية السلطة ونظرية الإمامة من أول الماوردي في القرن الرابع حتى نصل إلى الغزالي في القرن الخامس ونمر مروراً سريعاً فنجد مثلاً أن الإمام الشافعي في الرسالة يؤكد سلطة قريش بطرق شتى. وأولى هذه الطرق أنه يفسر قوله تعالى (إنه ذكر لك ولقومك) في القرآن بمعنى إعلاء الشأن والسمعة الطيبة، وأن القرآن سيكون إعلاء لشأنك وقومك أي قريش. بل أن المرويّات التي تتحدث عن فضل قريش على الناس يوردها الإمام الشافعي دون أن يعرضها إلى أي نقد رغم أنه كان محدثاً وناقداً. كما نجد الأشعري يدافع عن التجربة التأريخية باعتبارها نصوصاً إجماعاً للمسلمين.
ومن خلال تتبع تاريخ الخلافة او الملك نجد ان ما تحقق على ارض الواقع وما نسميه بالدولة الإسلامية، كانت بنية الإمبراطورية جزءاً من سياق الإمبراطوريات القائمة في ذلك الوقت، حيث كانت تلك الإمبراطورية تتكون من أقاليم، ولكل إقليم قدر من الاستقلالية على المستوى الإداري والقانوني، مع وجود سلطة تتمثل في الخلفية تمارس صلاحيتها من خلال الادارة ومن خلال المؤسسة العسكرية، وتترك للسلطات المحلية ممارسة السلطة في أقاليمها. وبرأيي أن نظرية الخلافة كما صاغها الفكر الاسلامي نظرية ترتبط بنسق سياسي هو النسق الإمبراطوري وقد سمي الإمبراطور بالخليفة، بصرف النظر عما إذا كانت الشورى قد وظفت بمعنى ضيق جداً ومبكراً، ثم اختفت الشورى وأصبحت في ترشيح يزيد إما السيف وإما يزيد. وعليه لا يمكن أن نطلق على هذا النظام السياسي كونه نظاماً يتخذ بعداً دينياً، فلم تكن هذه الدولة دينية بالمعنى الدقيق أو بالمعنى الذي يسعى اليه البعض في انشاء دولة دينية.
أما ابو حامد الغزالي، والذي له رسالة هامة في الرد على الباطنية، كتبها بإيعاز من الخليفة العباسي في وقت كانت الاغتيالات قد طالت نظام الملك، فأنه يرفض من خلال عقلانية واضحة بأن هناك قضية الإمامة، ولكنه وفي نهاية الكتاب، وهو يريد ان يعطي مشروعية للخلافة العباسية القائمة يعود ويستعيد كل مصطلحات الشيعة بما في ذلك النص، ويفعل ذلك بنفس الطريق الذي بدأه الإمام الشافعي الذي يقول: إن الخلافة مشروعة إذا ادعاها قريشي سواء وصلها بالقوة أو بموافقة المسلمين أي بالشورى أو وصل إلى القوة بالشوكة. اي لا يهم كيفية الوصول إلى الخلافة مادام الخليفة قريشي. وهنا يقول ابو حامد الغزالي يكفي لاختيار الأمة رجل واحد له شوكة، فإذا اختار الخليفة رجلا واحدا له شوكة، يعتبر هذا الاختيار مشروعاً. ويجعل من هذا الاختيار أيضاً شيئاً إلهياً مقدساً على اعتبار أن الله تعالى أمال القلوب.
وعندما بدأت السلطة المركزية للخليفة تتحلل، وتكونت الدولة الشيعية في المغرب وبدأت المنافسة بين أكثر من دولة وبدأ استقلال الأقاليم، برر الماوردي الوضع الجديد بفكرة التفويض، بمعنى ان الخليفة يفوض السلاطين ممارسة السلطة. لقد انتقلت السلطة من الخليفة الى السلاطين في الواقع العلمي، ثم وضعت نظرية التفويض لتبرر هذا التحلل المركزي للسلطة المركزية. وإذا تتبعنا كتب الفقه في مناقشة قضية الخلافة، نجد أنها تبرير دائم بأثر رجعي وتنظير بأثر رجعي لما حدث فعلاً في التاريخ.
إن التجربة التاريخية تقول بأن الخلفاء والسلاطين مارسوا الحكم في ظل إمبراطورية، وتركوا المجال للسلطات المحلية في حرية تطبيق القانون.
ولكن في كل هذا الوضع لم تكن مؤسسة الفقه جزءاً من بنية الإمبراطورية. لقد كانت هناك علاقة بين الفقهاء والخلفاء والسلاطين، ولكننا نعرف تاريخياً موقف الإمام مالك وموقف الإمام (ابو حنيفة) ورفضهما أن يقوما بأي دور رسمي في إطار السلطة السياسية. إن بعض الفقهاء، وبالتحديد تلامذة الإمام أبي حنيفة، كمحمد بن حسن الشيباني وأبو يوسف قد أصبحا قاضيين، ولكن إلى أي حد ينفذ القاضي قانوناً يمكن أن يسمى (قانون الإمبراطورية). فالقاضي هنا فقيه ومفتي وينفذ القانون وفقاً لمدرسته الفقهية.
وكان للقاضي درجة من الحرية لكي يختار هذه الفتوى أو تلك، بحيث يصعب ان نتصور بأن هناك دولة يحكمها قانون موحد، والدليل على ذلك وجود المدارس الفقهية الأربعة في الإطار السنوي. وهناك اختلافات حول أصوب الآراء وأرجح الاراء داخل كل مدرسة. وهكذا فإن القانون والفتوى لم يكونا يمثلان مؤسسة بالمعنى الذي يجب أن يمثله القانون في الدولة الحديثة.
وهكذا نجد أنفسنا أمام كتب ومؤلفات لا نستطيع أن نعد فيها عدد الفتاوى والأحكام، وهنا يصبح السؤال حول الشريعة وتطبيقها سؤالاً بحاجة الى كثير من التحديد.
وإذا كانت الصياغة اللاهوتية لمفهوم الخلافة، وهو مفهوم مركزي بالنسبة لمطالبة التيارات الاسلامية المعاصرة باقامة الدولة الاسلامية، فعلينا دراسة الأمر وفق المستجدات الحديثة.
بعد الحرب العالمية الاولى وبالتحديد في عام 1924 الغيت الخلافة في تركيا، وأجد ان هذا الأمر قد حصل في سياق انتهاء فترة انتهاء الامبراطوريات ونشوء مفهوم الدولة الحديثة التي بدأت في أوربا قبل الحرب العالمية الاولى. وقد نشأت الدولة القومية في تركيا بفعل الصراع حول الاحتلال الذي حصل لتركيا ومسعى الكماليين لاستعادة السيادة على الأناضول، وقد نشأ المجلس الوطني في تركيا الذي فصل السلطة عن الخلافة.
ومع الغاء الخلافة وفي ظل عهد الاستعمار، حرم المسلمون من وحدتهم الرمزية المتمثلة بالخليفة، وفي مسعى نشوء الدولة القومية الحديثة في العالم الاسلامي نشأ الحوار مرة اخرى حول الخلافة واختلطت السياسة والفقه مرة اخرى. ونجد كتباً دافعت عن الخلافة باعتبارها نظاماً اسلامياً وان عدم وجود الخليفة يعني ان الأمة تعيش في جاهلية، (هذا ما كتبه رشيد رضا عن الامامة العظمى) وهذا ما كتبه (كاتب تركي وهو مصطفى صبري) مهاجماً قرار الكماليين.
كما نجد مناقشة عميقة في كتاب المجلس الوطني الكبير حول الخلافة وسلطة الامة مناقشة تفصيلية. وانتهى مؤلفو الكتاب الى ان الخلافة كانت نظاماً تاريخياً وهذا النظام التاريخي ليس دينياً، ومن حق المسلمين ان يختاروا أي شكل من اشكال الحكم التي تتلاءم مع الظروف الجديدة.
ناقض علي عبد الرازق هذه القضية في كتابه (اصول واصول الحكم - المحرر) وتعرض على اثر ذلك الى سحب شهادته العلمية وفصله من الوظيفة، وتعرض لمحكمة تفتيش. وكان الكاتب جزءاً من معركة سياسية في وقت كان الملك فؤاد والشريف حسين يريدان أن يكون كل منهما خليفة للمسلمين.
في عام 1948 تأسست جماعة الاخوان المسلمين ومن أهداف الجماعة اقامة الدولة الدينية في مصر. وحسب رأي حسن البنا: ان الاسلام أصبح غريباً في مصر ومن الضروري اعادة أسلمة المجتمع. واذا قام حكم اسلامي في مصر وحكم اسلامي في بلدان اخرى يمكن ان تتوحد وتكَون بداية لانشاء منصب الخلافة.
وأشار الشيخ يوسف القرضاوي كممثل لفكر الاخوان المسلمين المعتدل في حوار له مع سيد يسن، الى ان الخلافة شأن ديني وجزء من العقيدة، وبما انها جزء من العقيدة فإنها يجب ان تكون غاية يسعى لها المسلمون جميعاً. أي ان الأمر غاية دينية وليس تجربة تاريخية.
وسواء كانت اعادة تأسيس الخلافة جزءاً من البرنامج السياسي للحركات الاسلامية المعاصرة أم لم تكن، فان المطلب الرئيسي للخطاب الاسلامي السياسي يظل هو تطبيق الشريعة الاسلامية سواء في ظل دولة دينية أو دولة تحكمها الشريعة والاسلام. قبل الحديث عن هذا الموضوع لا بد ان ندافع جميعاً عن تأسيس الديمقراطية واستقلال المؤسسات الذي يعني استقلال السلطة التشريعية والسلطة القضائية وعدم تأثير السلطة السياسية على السلطات الاخرى. واذا كان للمسلمين ان يختاروا ان تحكمهم الشريعة فهذا أمر مشروع، ولكن يظل السؤال ما المقصود بالشريعة؟
ان الشريعة مجموعة من القوانين، وليس قانوناً واحداً. فالبعض يقول ان الشريعة هي المبادئ التي جاء بها القرآن، ولكننا اليوم بحاجة الى قراءة مجددة لاعادة استنباط هذه المبادئ ولا نستطيع ان نقف عند المبادئ التي وقف عندها الشاطبي مثلاً، أي حماية النفس وحماية المال وحماية الدين وحماية العرض، لأن أية دراسة مبسطة ستكشف ان هذه المقاصد الكلية للشريعة هي منتزعة من قانون العقوبات أو من الحدود. فحفظ العرض موجه ضد الزنا، وحفظ المال موجه ضد السرقة، وحفظ النفس موجه ضد القتل، وحفظ الدين موجه ضد الردة، رغم انه ليس هناك عقوبة دنيوية للردة في القرآن.
ان الاستنباط الذي استنبطه الفقهاء لما يسمى المقاصد الكلية للشريعة كان مبنياً على قراءة جزئية للقرآن، قراءة لبضع مئات من الآيات. وهنا أجد ان المسلمين يحتاجون الى قراءة لمجمل الرسالة القرآنية ولمجمل التجربة التاريخية للفترة النبوية، لاعادة استنباط المقاصد الكلية للشريعة، لأن ما يسمى بالشريعة خلط بين الفقه والمقاصد الكلية للشريعة.
ان الكثيرين يميزون نظرياً بين الفقه والشريعة. ولكن في تعاملهم الفعلي مع الشريعة نجد انهم يتعاملون مع الفقه.
لقد كانت هناك محاولات منذ انشاء الدولة الحديثة في العالم الاسلامي لتقنين الشريعة. فقد جمع محمد علي علماء الازهر وقال لهم: لا أريد ان أحكم بشيء حرمه الله، لكن اجتَمِعوا وضَعوا لي قانوناً. وقد فشل علماء الأزهر آنذاك، وقالوا ما وصلنا الى شيء.
ان المشكلة تكمن في تحويل الشريعة الى قانون يفهمه الناس، فإذا تركت الشريعة في بنيتها كما هي فإننا نكون أمام حالة إعادة إنتاج إمبراطورية حيث يقرر كل مفتي وكل فقيه وكل واعظ بالرأي الذي يراه صواباً. وهذا الأمر يتعارض مع الدولة الحديثة التي تعني سيادة القانون.
وفي مصر نشأ نظامان قضائيان، وفي محاولة توحيد النظام القضائي جرى بشكل أو آخر جعل الشريعة محصورة في الأحوال الشخصية. فمحاكم الأحوال الشخصية في مصر محاكم مدنية محكومة بما يسمى الشريعة ولكن أية شريعة؟!
فقد ورد في القانون (ما لم يرد فيه نص في هذه اللائحة فيمكن الحكم فيه طبقاً لأرجح الأقوال في مذهب الامام أبي حنيفة).
وهنا تخيل ان القاضي في هذا العصر الحديث، عليه ان يدخل في مجمل الفقه الحنفي منذ منتصف القرن الثاني الهجري الى يومنا هذا، لكي يبحث عن أرجح الأقوال لحل قضية معينة.
وفي الواقع فإن القاضي يرجع الى آخر كتاب، ويعرض الرأي الحنفي ويعطي رأيه. لقد أعطيت للقاضي وظيفتان متناقضتان، وظيفة المشرع ووظيفة الحاكم في عصر استقلت فيه السلطة التشريعية عن السلطة القضائية.
إن البعض يريد حكم الشريعة بالمعنى التداولي في ظل إمبراطورية دون أن يدرك بأننا نحتاج في العصر الحديث، ان تكون الدولة مقننة.
ان الناس أحرار في اختيار الشريعة، ولكن يجب ان تكون الشريعة مقننة ومعروفة من قبل القاضي والمحامي، وأن يكون هناك نظام تعليم واحد في القانون، لكي يستطيع المواطن أن يعرف حقوقه وواجباته طبقاً للقانون.
إن هذه الازدواجية قائمة والمسؤول عنها بشكل أساسي هو التمسك بمفهوم الشريعة دون فحص نقدي والخلط بين الشريعة والفقه، دون ادراك كون الفقه بنية لا علاقة له بما يسمى بالقانون في الدولة الحديثة.
(الثقافة الجديدة)، العدد 295/تموز - اب 2000، ص 7-13
د.نصر حامد ابو زيد (1943-2010) - كاتب وباحث مصري، استاذ في جامعة لايدن في هولندا.