تموز/يوليو 18
   

       لقد صرنا نُكثر من لقاءاتنا لنُكرّم من رحلوا عنّا ونؤبنهم فالزمن صار عجولاً في أخذهم منا، فالجواهري الكبير غادرنا قبل ما يزيد على العامين، وقد غاب قبله عن سماواتنا قمرٌ آخر من أقمار الشعر والفقه وعلوم الأدب ألا وهو السيد مصطفى جمال الدين، وقبلهما كان قد مضى عنا شاعر آخر هام من شعراء الحداثة، هو بلند الحيدري. وكان الموت قد أنشب مخالبه، بعد هذا، في جسد وروح صديق آخر لنا، شاعر وأديب وصحفي أيضاً، هو شريف الربيعي، رغم انه لم يكن قد بلغ سِنّ الموت بعدُ، ان كان للموت سِنّ يطرق علينا، عند بلوغنا إياها، أبوابنا. ولكن يبدو ان أهلنا قد صدقوا إذ قالوا: إن الأعمار بيد الله. ولم تمضِ بعد ثلاثة شهور على رحيل ( زينب) فنانة مسرحنا الكبيرة، والتي مضت عنا، شأنَ من ذكرتُ من الراحلين، بعيداً عن وطنها وجمهورها ومسرحها التي أحبت. وها نحن نلتقي اليوم لنتذكر معاً أحد مثقفينا وباحثينا المهمين، ممن غابوا عنا بعيداً عن وطنهم. 
   لعل غير القليل من العراقيين لا يعرفون هادي العلوي كما يعرفون الجواهري أو بلند الحيدري، فالعراقيون يحتفظون بذكرى ومكانة خاصتين للشعراء، تختلفان عما يمكن للمثقف الآخر من أولئك المعنيين بفنون الكتابة الأدبية، وبخاصة للباحث في شؤون التراث واللغة، أن يحظى به، اذ قلما تحقق له عندهم من هذه ما تحقق للشاعر الحق. ولعلنا لا نجد، في هذا السياق، الا استثناءات نادرة، مثالها فقيه اللغة العلامة مصطفى جواد ( 1905- 1969) والباحث الاجتماعي المعروف علي الوردي ( 1913- 1995)، اللذين أصبح لهما في ذاكرة العراقيين حتى البسطاء منهم، وبفعل ظروف وعوامل عديدة، ما لم يحظّ به أقرانهما.
    وهادي العلوي لا يقل أهمية في ميدانه، كما أرى، عن هؤلاء العلماء، وفقدانه خسارة لا اظنها ستُعوّض الى أمد غير قليل، فهو، أولاً، قد نقّب وتعمق في البحث في ميدان الموروث الديني والفكري، وهو ميدان له أثره الفاعل في وعينا وحياتنا، وفي صياغة الكثير من أفعالنا ومواقفنا وسلوكياتنا، حتى وإن لم نكن على دراية تامة بمثل الأثر الخطير.
    ولم يكن العلوي في تنقيبه هذا جامعاً لحوادث التاريخ الاسلامي، أو عارضاً لظواهره الاجتماعية والسياسية وما مهّد لها وصاحبها أو نشأ عنها من تيارات ومدارس فكرية، وإنما كان قارئاً له، ناقداً، مجتهداً في قراءته هذه، مثيراً للجدل في استنتاجاته مرة ، وفي أحكامه اخرى. ولربما رأى البعض منا، ان هذا الاجتهاد مَشوباً، أحياناً، بانتقائية ما، وبإسقاط لبعض مفاهيم الحاضر على مراحل ماضية، ولكن مهما قيل في كتابات العلوي ويقال، يظل ما خلّفه لنا في ميدان الدراسات التراثية هاماً، فقد دأب على أن يبحث فيه، وفيما دار من خلاف وصراع بشأن معضلاته، عما هو عقليُ ومعرفي.
    ولما كانت الغالبية العظمى منّا تجهل هذا الميدان، ولا تعرفه إلا من حكايات الجدات، أو مما رواه ويرويه لنا عنه ومنه أولئك الذين وصفهم الوردي، يوماً، بوعاظ السلاطين، تبدو لنا، عندها، أهمية الجهد الذي بذله العلوي في إزاحة الغبار عن كثير من جوانب هذا التراث واضاءتها لنا في إطار علمّي لا يهدف في النهاية إلا لتعريفنا بأنفسنا وحاضرنا من خلال معرفتنا بتراثنا وماضينا. وإذا ما عرفنا إن الباحثين في التراث وموضوعاته، من طراز العلوي، فئة قليلة ونادرة، ليس في العراق فحسبُ، وانما في الوطن العربي كله، تظهر لنا فداحة الخسارة التي خلّفها رحيلُه.
    قرأت للعلوي قبل أن أعرفه، وحين عرفته مطلع السبعينات لفتَ انتباهي تواضعه الجمُّ، فهو على علم، يصغي حتى للجاهل ممن يجالسُه ويرتبك خجلاً لجهله، وإذا ما اضطره الحال الى الاشارة لهذا الجهل فهو يحرص على أن لا تكون هذه الإشارة جارحة مهينة، ولقد ظل هذا التواضع صفةً تزداد فيه سطوعاً كلما ازداد علماً، وتلك مزيّة لا نكاد نعثر عليها إلا بين نفرٍ قليل من مثقفينا وأدبائنا. ولا أظن أن أحداً ممن عرفوه عن كثب يختلف معي في أن سيرة العلوي لم تكن إلا سيرة عالم قنع من دنياه باليسير، وتجمّل في زهده بها وانصرافه عنها لمباحثه وعلومه، وهو انصراف لم يعزله عن حركة الحياة ومشاغل الناس فظل حتى منتهى أيامه معيناً بها، حريصاً على أن يعرف الملأ مواقفه منها، وهي مواقف ما كانت تخلو من إشكالية هنا وهناك، ولكنها، في نهاية المطاف مواقف نبعت من إيمان صاحبها بها ورغبته في قول مايراه، هو، عادلاً وحقاً. ولقد وسمت هذه الطبيعة في كتاباته في البحث التراثي، فهو بحث تستحوذ عليه روحٌ باحثة عن الحقيقة، ساعية للكشف عنها، وهذه الروح مأخوذة بحسٍ عميق بالعدالة الاجتماعية، وذلك لفقر صاحبها ومعرفته بأن الفقر سوط يساطُ به الناس ويُستَعبدون. ويسكن هذه الروح، من ناحية أخرى، رفضٌ صارخ لأشكال العسف والقمع والاضطهاد كلها، بمعزل عن الزيّ الذي تتزايا به، دينياً كان أم قومياً أو طبقياً. ولعل قارئ العلوي قد تقصى تلك الطبيعة وهذه الروح في الذي قرأه له. وقبل أن أعود الى (معضلة الكنز) وأضوائه عليها وعلاقتها بهذا الذي أشرت إليه تواً، أوْدّ أن أؤشر لسمات عامة ثلاثاً في انجازه العلمي، أظنها مفيدة في الاقتراب من هذا الانجاز ومعرفة بعض ما فيه: أولها أن العلوي على شغَفه بالتراث فهو لا يقع في إساره، ولا يكتفي بالنظر لظاهر نصوصه والمكوث عندها حسبُ، بل نراه يحيي علاقة وصْلٍ وانفصال معه في الآن نفسه، ساعياً لتحريره من الخرافة والأسْطرة، ونزَع صفة القدسية عنه، وعدم التمجيد إلا لما هو أهلٌ للتمجيد فيه، وهو تمجيد لا يجنح للتنزيه، مثلما يفعل المؤرخ والباحث التقليديان، ولا لإسباغ مسحة رومانسية تبعث الحنين لماضٍ كان تليداً يوماً، بل يقوم على بحث يرى في الإنجاز والتجاوز، وفي انسانية المواقف والأفكار وثوريتها قيماً ومعايير للإجلال والتبجل، فحتى تلك الشخصيات التاريخية التي يُشْعرنا بحبّه إياه وميله إليها لا تظهر لنا، في بحوثه، إلا بوصفها شخصيات لأناس أرضيين و تاريخيين و واقعيين، لهم مالهم وعليهم ما عليهم، وهم قد عاشوا وعملوا وأنجزوا ما أنجزوه في إطار ظروفهم التاريخية تلك، وبمقدار ما أتيحَ لهم من معرفة وطاقة، حتى لكأني به ينبغي أن يقول لقارئه واقعية هؤلاء الشخوص وتاريخيتهم، وما قاموا به في هذا السياق، هي منابع قدسيتهم ولا شيء سواها. ولا أظن أن هذا قليل الشأن في التعامل مع تراث مغطىً بكثر من أقنعة الخرافة والتنزيه التي تسيء إليه ولا تجعل منه إلا عبئاً ينوخ على الحاضر بأثقاله، بدلاً من أن يكون، وهذا هو الصواب، عاملاً من عوامل حيويته وحركيته الدائمة.
    أما ثاني هذه السمات فهو تلك النزعة التنويرية التي تنطوي عليها كتابات العلوي التراثية، فهذه الكتابات تطمح دائبة إلى أن تكشف لنا امتداد الكثير من عناصر تاريخنا وتراثنا في وعينا المعاصر وفي مؤسساتنا المختلفة: النظام السياسي، الدولة، العائلة، الجماعة وفي الفرد نفسه كذلك، وكشْفُ العلوي هذا ليس إلا دعوة لأن نحدّق في هذا التراث وأن نتأمله ونقوّمه بوعي نقدي، يجعل من موضع تساؤلات دائمة، ويسعى لاستيعاب ظواهره معرفياً، وينشئ معه علاقة جديدة، مختلفةً عما كان سائداً، علاقة يعود فيها القديم حديثاً والميت حياً والساكن متحركاً. أن نعود إلى تراثنا بهذا المعنى، وحيثما يكون العَود محموداً لحاضرنا وغدنا، لا بمعنى السكون إليه والسبات عنده، فإنما يعني استعادة اخرى، جديدة، لوهج العقل والتفكير العقلي اللذين وسما ما أسماه العلوي، يوماً، بعصور التنوير الإسلامي. ولا ريب أن مثل هذا التأمل وهذا العَود لن يكونا، لدى القارئ الناقد، إلا تأملاً للنفس وتوغلاً في دواخلها لمعرفة عناصر القوة والحركة الكامنة فيها.
    ثالثُ ميزات كتابة العلوي التراثية هو، في ظني، بساطة لغتها وابتعاد كاتبها عن التعقيد في تناول موضوعاته وعرض أفكاره، حتى لأخالني، وأنا أقرأ، في حضرة راوٍ حاذق لأحداث التاريخ وقصصه، يرويها لنا مشفوعة بملاحظاته وهوامشه وتعليقاته واستنتاجاته التي تفتح وعيَ قارئها على زوايا ظلّ غافلاً عنها أو أراد له (وعاظ السلاطين) أن يغفل عنها. وهكذا غدت قراءة العلوي للتراث قريبة للنفس والفهم، مختلفة عن سواها. ولعلَ قصدَه البساطةَ في الصياغة والتناول، وتقريبهَ لغة الكتابة من لغة القول، وهو أمرُ لا ينفصل عن نزعة التنوير فيه، كان المنطلق لدعوته لما أطلق عليه (النحو الساكن)، تلك الدعوة التي سعى للأخذ بها في كتاباته، الأخيرة منها خاصة، والتي لا أراها (الدعوة) صائبةً في كل ما أتت به ودعت إليه.
    أعود الآن الى أول لقاء لي مع العلوي باحثاً تراثياً، وهو لقاء تقيّضَ عبر اقتناء لكتابه الصادر في بغداد سنة 1962 بعنوان (أضواء على معضلة الكنز). لقد عثرت على هذا الكتاب الصغير في إحدى عربات بيع الكتب في شارع النصر، كما أذكر عام 1964، وكنت ما أزال في المدرسة الثانوية وكانت الكتب وقراءتها والنقاش حولها قد أخذت تشغلنا، آنذاك، نحن تلك الثلّة من الأصدقاء: نصر محمد راغب، القاص والكاتب المسرحي، الذي جاءنا من (صفد) الفلسطينية صغيراً بعد ضياعها، وحطّ الرحال صبياً في (مدينة الحرية) حيث كبُرنا معاً، وصار علينا أن نفترق كل هذه السنين الطويلة، حتى نعتهُ لي أخبار الموت العراقي الأعمى، وكم كنت أُمني النفس أن نلتقي قبل أن يُوارى أحدنا الثرى، إذ ان هناك الكثير مما ينتظر أن يقال. وأحمد خلف، القاص والروائي، الذي أودت به الأيام الى أن يقف، على أرصفة بغداد، في بسطة يبيع فيها كتبه، وبينها، لا أشك، كتب قد اشتريناها أو قرأناها معاً، واختصمنا بشأن بعضها. وكذلك مجيد ابراهيم، ذلك القارئ النهم النبيه والإنسان الجميل، الذي أضاع البيت والأهل وتغرّب هنا وهناك، حتى انتهى المطاف به وبعائلته الصغيرة في المغترب الهولندي. ثم منهل نعمة المهدي، المحامي والمثقف الذي كان يحسن الحديث عما يقرأ، مثيراً فضولنا لما يحدثنا عنه، وكان قد شرع، حينذاك، في كتابة شعر ناضج نشر بعضه، فيما بعد ، في مجلة (الآداب) البيروتية، كما أظن، ولم تأخذه مهنة المحاماة، التي انصرف لها عقب تخرجه نهاية الستينات عن القراءة وشؤونها، ولا عن الأدباء وصداقتهم، حتى غيبته أقبيةُ الموت الرطبة في بغداد مطلع الثمانينات، ولم يصل نعيُهُ لأهله وأصدقائه إلا بعد سنوات.
لا أدري ما الذي دفعني، في ذلك اليوم الصيفي الحارق لإقتناء كتيب العلوي المذكور مع كتاب آخر شعري، ولكن الذي أعرفه ان ما احتواه هذا الكُتيب قد أثّر فيّ على نحوٍ عميق. فقد لفت انتباهي، أولاً، وكانت ميولي الاشتراكية والتزامي حركتها آخذتين في التبلور، آنذاك، الى أن لفكرة العدالة الاجتماعية بسماتها الاشتراكية، كما كنت أعيها في ذلك الوقت، جذراً عميق الغور في الاسلام، وفي التراث الشيعي المبكّر منه خاصة، وقد عنى لي هذا، أنا المنحدر من عائلة شيعية، الكثير في حينها. ثم أن كتيب العلوي هذا بصّرني، ثانياً، بنمط تفكير وسلوك شخصيات دينية كنت أجلّها لأن أهلي ومحيطي يجلونها، دون أكلّف نفسي عناء البحث في بواعث هذا الاجلال، وقد جرّدت دراسةُ العلوي تلك، هذا الاجلال من طابق الطقس الديني الموروث، واعادته الى عناصره التاريخية والاجتماعية، وهذا، والله، أخطر شأناً وأعمق أثراً من ذلك. 
    وأضواء العلوي على معضلة الكنز عرّفتني، ثالثاً على أسلوب آخر، جديد، في تناول الموضوع التراثي والبحث فيه، خاصة وانني لم أكن قد قرأت، في تلك الأيام، بعد دراسات المفكر المصري أحمد عباس صالح التي نشرتها مجلة (الكاتب) القاهرية، على ما أذكر، في نهاية الستينات. كما انني ما كنت قد اطّلعْتُ، حتى ذلك الحين، على ما كان ينشره المفكر الكبير الشهيد حسين مروة (1907 - 1987) منذ عام 1953 في مجلتي (الطريق) و(الثقافة الوطنية) اللبنانيتين من دراسات تناول فيها شخصيات وتيارات وظواهر وكتباً تراثية مختلفة(1)، ولم أعرفه، وقتذاك، إلا ناقداً في الأدب، لا باحثاً متميزاً في التراث وتياراته ومدارسه الفكرية، يشير العلوي نفسه، وبالتواضع المعروف عنه، الى انه قد تتلمذ عليه وعلى كتاباته.
    لم يكن العلوي، بالطبع، أول من انشغل في أمر هاتين الآيتين الكريمتين ( 34-35) من صورة (التوبة):" يا أيها الذين آمنوا ان كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذابٍ أليم. يومَ يُحمى عليها في نار جهنم فتُكوى بها جباههم وجنوبُهم وظُهورُهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون"، فلقد شغلتا أهل التفسير، قدامى ومحدثين، وكتّاب التاريخ من العرب والمسلمين والفقهاء، وكذلك ممن ألّفوا في موضوع الإمامة والخلافة، حتى صارتا تعرفان بـ(معضلة الكنز)، ولكن أحداً لم ير فيها وفي الخلاف الذي نشأ حولها بين المسلمين وما يزال، ذلك البُعد الاجتماعي والثوري، بالتالي، مثلما فعل العلوي.
    ويتفق علماء اللغة على أن أصل (الكنز) في كلام العرب (الجمع)، ويقول ابن منظور (1232-1311) في قاموسه (لسان العرب) إن (الكنز) اسم للمال إذا أُحرز في وعاء ولما يحرز فيه، وقيل الكنزُ المال المسكون)(2) ويردُ في الصفحة ذاتها من (اللسان) إن العرب تسمي كُلّ كثير مجموع يُتنافس فيه كنزاً.
ومعلومٌ أن الخلاف بشأن هذا الكنز المذموم في الآية المذكورة قد نشب إبّان خلافة الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ( ت 656)، وهو خلاف ارتبط بموضوع النظام المالي في صدر الإسلام وتوزيع الثروة والتصرف بأموال المسلمين، ونشأ في سياق ما يُطلق عليه (الفتنة الكبرى)، وقد كانت، في تقديري، أم الفتن، التي ظل المسلمون، والعرب منهم خاصة، يتخبطون في ظلماتها حتى يومنا هذا، ومنبعها.
    لقد كانت سياسة الرسول المالية تتجه، كما هو معروف، نحو رفع الحيف عن الضعفاء وتقليص الفروق بينهم وبين الأغنياء، فحرّم الربا وجعل من الزكاة فرضاً ونهى عن كنز الأموال، ويروىُ عنه انه قد قال لما نزلت هذه الآية: (تباً للذهب تباً للفضة)، قالها ثلاثاً(3) . وقد اتّبع بعده هذا السبيل أبو بكر (ت 634)، حيث ساوى (كما يشير عالم التاريخ المعروف عبد العزيز الدوري(1917- )، بين المسلمين في العطاء، فلم يفضّل (أهل السوابق والقدم والفضل) في الاسلام على سواهم من إخوتهم في العقيدة، إذ كان يرى، حسب ما نقله عنه القاضي أبو يوسف (ت 798) في كتابه (الخراج)، إن ثواب السابقة والقدم والفضل في الدين على الله، أما العطاء فمعاشٌ الأسوةُ فيه خير الأثَرة(4) .
    ومع ان عمر بن الخطاب ( ت 644) قد اجتهد برأي آخر، وميَّز في العطاء بين المسلمين وفقاً لمعايير القرابة من الرسول والسابقة في الإسلام والحاجة، إلا ان شدّته في الدين ومحاسبته لعمال الامصار وولاتها فيما يتعلق بظلم الرعية والتصرف بموارد بيت المال، وحجزه لأغنياء قريش في المدينة ومكة، كل هذا قد حال دون أن تكون الهوّة بين الغني والفقير بذلك العمق الصارخ الذي بلغته في خلافة عثمان، وفي النصف الثاني منها خاصة، فقد شطّ الأمر كثيراً، وأصبحت ( السياسة المالية التي اصطنعها عثمان منذ نهض بالخلافة كلها موضوعاً للنقمة والإنكار من أكثر الذين عاصروا عثمان ومن أكثر الرواة والمؤرخين)(5)، وقد آثر عثمان اهله وأقاربه من بني أمية، وأطلق أيديهم في الأمصار، حتى بلغ الحال بأحدهم (الوليد بن عقبة)، وكان والياً على الكوفة، أن أمّ الناس لصلاة الصبح وهو مخمور فصلى بهم أربعاً!(6) . وقد شرع هؤلاء بدافع العصبية، الى تفضيل العرب على المسلمين الآخرين في العطاء، وإلى تمييز السادة على العبيد والإماء من المسلمين، وأن يحتازوا لأنفسهم من الأموال ما طالت أيديهم، برضى الخليفة وهباته أو بسكوته عنهم. ويورد السيوطي (ت 1505)، نقلاً عن السابقين، من أن أمراء عثمان كانوا يجيئون بما يُنكره أصحاب محمد، وكان يُستعتَبُ فيهم فلا يعزلهم(7). وتصرف الكثير منهم بالأموال العامة ما شاؤوا، ولم يكن لصاحب بيت المال أن يجادلهم في الأمر حتى أدى ذلك الى أن يُعيد كُل من عبد الله بن مسعود (ت 6562) في الكوفة وعبد الله بن الأرقم (ت 664) في المدينة مفاتيح بيت المال الى (ولاة الأمر)، تعبيراً عن احتجاجهما على العبث بالأموال العامة. وقد بلغ تراكم الثروات لدى بعض الصحابة من قريش خاصة، وبينهم من كانوا من الطُلقاء وأبنائهم، في ذلك الأوان حداً أثار، من بين عوامل اخرى، نقمة الناس على الإمام وعلى البطانة التي أحاطته من قريش، وجعلتهم يتذكرون حديث النبي (ص) الذي أورد ابن حنبل (780- 855) بإسناد متواتر صحيح، والذي يقول فيه "ما من نبيٍّ ولا من خَليفةٍ إلَّا وله بِطانَتانِ: بطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ، وبِطانةٌ أُخرى لا تَأْلوه خَبالًا، فمَن وُقِيَ شَرَّ بِطانَتِه الثانيةِ فقد وُقِيَ، وهو منَ التي تَغلِبُ عليه منهما"(8).
    لقد كان عثمان موسَراً وسخياً قبل أن يلي أمر المسلمين، وظل هكذا وزاد عليه بعد ولايته ولكن الناس الذين عايشوا الرسول وسمعوا منه وعنه والذين رأوا أن الخليفتين الراشدَين الأولّين قد حكما بالعدل وذهبا دون ان يبنيا قصوراً، أو يخلّفا من أموال الدنيا شيئاً يُذكر، لم يكن في مقدورهم أن لا يروا في الأمر غضاضة حين يبني الخليفة له داراً في المدينة، ويشيدها بالحجر والكلس ويجعل أبوابها من الساج والعرعر، كما ورد في كتب المؤرخين، وأن يخلّف يوم قُتل، من المال خمسين ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وخيلاً كثيراً كثيراً وإبلاً، غير قيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما، والتي بلغت مائة ألف دينار(9) .
    وكما يذكر المسعودي (ت 956م) في تاريخه فقد بلغ مال الزبير بن العوام، بعد وفاته، خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وألف أمةٍ وخططا في البصرة والكوفة ومصر والإسكندرية. ولم تكن ثروة طليحة بن عبيد الله بأقل من هذا، فقد كانت غلّته من العراق، كل يوم، الف دينار، وبناحية سراة ما يزيد على ذلك. وكان على مرابط عبد الرحمن بن عوف مائة فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم وخلّف زيد بن ثابت، عند موته، من الذهب والفضة ما كان يُكسر بالفؤوس، غير الضياع والأموال وهذا باب يتسع ذكره، كما يقول صاحب (المروج)، ويكثر وصفه فيمن تملّك من الأموال في تلك الحقبة، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة بيّنة(10) .
    ولقد افضت هذه الأحوال الى زيادة الفروق بين الغني والفقير، والى بَرَم المسلمين، وأهل الأمصار منهم خاصة، بالإمام وولاته، وهو ما أدى الى نشوب ذلك الصراع حول ما صار يُعرَف بمعضلة (الكنز)، وهو صراع أطلق شرارته على ما يرد في كتب التفسير وطبقات الصحابة والتاريخ، أبو ذر الغفاري (ت652).
وأبو ذّر هذا شخصية غريبة، كما يرى الوردي في (وُعاظ السلاطين)(11)، فلقد كان، وهو البدوي من (غفار) التي تقطع سبيل القوافل صوب الشام، موحِّداً، قبل ظهور الدعوة، إذ ينقل ابن حجر العسقلاني (ت 1449) عن مسلم (ت 875) رواية عن أبي ذّر يقول في أولها: "صلّيتُ قبل أن يُبعث النبي (ص) حيث وجهني الله"(12)، وهذا ما يشير إلى أن الرجل لم يكن يكترث للطقس الديني قدْر اكتراثه بإيمانه وبما يعتقد به. ويرد في الرواية نفسها انه كان أول من حيّا محمداً بتحية الإسلام، بعد أن قصده بمكة وأصبح رابع أو خامس من أسلموا. ويُحكى انه، وبما اشتُهر عنه من صراحة، لم يَطق، في ذلك اليوم كتمان، ما آمن به فأظهره وسط قريش صارخاً بشهادته فضربوه حتى صُرِع(13). ويبدو أن أبا ذر قد أصبح بهذه الخصال، ولعلمه الذي كان يوازي فيه ابن مسعود، ولتواضعه وزهده في الدنيا وزهوها، أثيراً لدى النبي، إذ كان، كما يُروى، يبتدئه إذا حضر، ويفتقده إذا غاب(14)، وصار هو لا يتحدث عن الرسول إلا بقوله (خليلي). ولعل تلك الصراحة التي وسمت شخصية أبي ذر وإيمانه هي التي كانت وراء ما اوردته كتب (الحديث) من أثر يقول: "ما أضلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر"(15). ولما اختلت الموازين في تلك الفترة من خلافة عثمان لم يكن لصراحة أبي ذر، وشدة إيمانيه بما اعتقده من سبيل قويم، أن تتواريا، حتى أن ابن سعد (ت845) ينقل قوله لعليّ بن أبي طالب (ت 661)، قالها في تلك الأيام، على ما يظهر، مفادها إنه "لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر"(16). وهذا دون أن يستثني حتى نفسه. ولكن أمر ابي ذر بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقوله الحقّ، في الأيام الصعبة لم تترك له صاحباً، حتى صدقت عليه تلك النبوءة العجيبة التي قالها عنه خليله، وأوردها إبن حجر على ما أخرجها البهيقي ( ت 1066) في (دلائل النبوة)، وكما ذكرها كثيرون غيره نقلاً عن ابن مسعود:" يرحم الله أبا ذر يعيشُ وحده ويموت وحده، ويُحشَرُ وحده"(17) ، حتى أن أحداً من الصحابة لم يقم ليحول دون خروجه، أو إخراجه من قبل عثمان منفياً، الى صحراء الرّبذة ليموت هناك وحيداً.
ولم يكن هذا أول عسفٍ تعرَض له أبو ذر، في تلك الحقبة، فقد سبق وخشيَ معاوية (ت 680) أن يُفسد عليه الشام بمواعظه التي ولعَ بها الفقراء، فسيّره الى المدينة، بعد أن كتب لعثمان فيه، على راحلة بغير وطاء، فكانت، مثلما أمر الخليفة أغلظ مركب وأوعره. وعلى ان المؤرخين والفقهاء رأوا في مثل هذا التعامل الشنيع مع صحابي كأبي ذر، وقد عومل، آنذاك، على هذا الغرار أو أشنع منه صحابة آخرون كابن مسعود وعمار بن ياسر( ت 657)، معضلة آخَذَ بعضهم الخليفة عليها، فإن آخرين ممن يعظون بالطاعة المطلقة لولّي الأمر، حتى لو أخطأ، كانوا لا يرون صحة النقل بمثل هذه الأخبار، وكانوا يقولون، كما هو حال ابن الأثير (1160- 1234)، بوجوب الاعتذار عن عثمان، في حالة الصحة، إذ أن للإمام أن يؤدب رعيته، لا أن يُجعلَ ذلك سبباً للطعن عليه(18) . أما محمد رشيد رضا (1865- 1935)، أحد شيوخ التنوير الديني في قرننا هذا، فيرى في قصة أبي ذر مع معاوية وعثمان ما يثير دهشة قارئه، إن كان خِلْواً من لعنة الطائفية وشرورها، فهو يخلُصُ، في سياق شرحه لآية (الكنز) والخلاف حولها، إلى أن في هذه القصة عبرة بما كان من دسائس الشيعة في الخروج على عثمان وفيها حجة على إن حرية العلم والرأي واحترام العلماء كانتا على عهد الصحابة في أعلى درجات الكمال، حيث أن معاوية لم يجسر على الإنكار على أبي ذر حتى كاتب في أمره من هو أعلى منه، وعثمان لم يحنق، كما يرى الشيخ رضا، على أبي ذر مع كونه كان مخالفا له في تأويله، وقد رجح عنده أن يبعدَه دفعاً لما يتوهم من المفسدة عند الأخذ بمذهب أبي ذر هذه المسألة (كنز الأموال)، ولم يأمر بالرجوع عن الشدة في مذهبه هذا، كما انها تنطوي، حسب صاحب (المنار)، على التحذير على الشقاق والخروج على الأئمة والترغيب في الطاعة لأولي الأمر(19) . ولا تبدو لي قراءة الشيخ لهذه القصة واستنتاجاته بشأنها موضوعية أو سديدة، خاصة وإنها قصة سردها وتناولها مؤرخون ودارسون للتاريخ قدامى ومحدثون، ليس أغلبهم من الشيعة. كما أن المفسدة التي أفضت الى الفتنة المعروفة لا تكمن في اجتهاد أبي ذر أو غيره من الصحابة ونقدهم للإمام، وإنما في سياسة الخليفة المالية وفي التهاون في إقامة العدل، وفي الظلم الذي أوقعه ولاته في الناس وبعض ذوي قرباه، وتلك أوضاع لم يكن الإمام غافلاً عنها، ولم يبخل عليه الصحابة بالنصح والمشورة بخصوصها، وذلك لتقويم الأمر قبل وقوع المصيبة. ولا بد لمثل هذه الأحوال إن تفاقم أمرها، أن تؤدي الى رغبة الرعية عن الطاعة وخروجهم على من أولوه أمرَهم. ولا أدري كيف أمكن للشيخ الجليل أن يوائم بين ملاطفة العلماء وحرية العلم والرؤية هذه، في تلك الحقبة، وبين ما ذكره المؤرخون (غير الشيعة أيضاً)، ونقله عنهم طه حسين (1886-1973) في (الفتنة الكبرى)، من الأمر بإخراج عبدالله بن مسعود لاجتهاده لا غير من المسجد وضربه بالأرض حتى دقّت ضلعه، أو رَكْل الخليفة عماراً بن ياسر حتى أصابه الفتق وكان شيخاً ضعيفاً، وقد جاء يحمل لعثمان كتاباً كتبه بعض أصحاب النبي يلومونه فيه ويعظونه(20) .
    لاريب أن ركلاً يسبب الفتقَ، وضرباً بالأرض يدقّ العظم، وتسييراً على راحلة بغير غطاء يقرّح الأفخاذ، وتهديداً بالقتل ونفياً عن المواطن، هي خير مما صار يتعرض له الناس والعلماء، ممن لم يتواطأوا مع السلطان على الحق والناس، من سجن وتعذيب وقتل فيما لحق من الزمان، وحتى يومنا هذا، ولكن هذه التي تبدو نعمة وخيراً مما تلاها لا تجتمع وأعلى درجات الكمال في احترام العلماء وحرية الرأي التي قصدها الشيخ رضا.
    كما أن أبا ذر، مثلما يظهر من سيرته وطبعه وتشبثه بحقه في الاجتهاد، لم يكن يصبر، شأن عدد غير قليل من مسلمي تلك الأيام، على ضيم حتى وإن لم يطُلهْ هو، فلقد علّمه إيمانهُ أن يرى أن الظلم من ظلام يوم الحساب، وأن لا طاعة لمن يرى أنهم أضاعوا أمر الله، ولم يقيموا العدل في الناس، كما أنه قد سمع، لا شك، خليله يقول: "سيكون عليكم أمراءُ يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدّقهم بكذِبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه"(21)، وهو، لا ريب، قد رأى في معاوية وفي آخرين غيره من ولاة عثمان، في تلك السنوات، هذا النمط من الأمراء. ثم إن الرجل صريح، لا يقوى، كما رأينا على كتمان ما يراه حقاً، وما كان ليردعه عن هذا الأمر رادع، وهو القائل لرسول الخليفة وقد جاءه يحمل إليه ما ينهاه به عن الفَتْيا: "والله لو وضعتم الصمصامة على هذه، وأشار إلى حلقِه، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله(ص) لأنفذْتها قبل أن يكون ذلك"(22) .
    لقد كان أبو ذر يأبى، كما تُظهر الروايات، أن يتخلّى عن قراءته هو للقرآن، مستبدلاً إياها بقراءة من رأى إنهم قد تركوا أمر الدين الحق، وما دار بخلده أن يسخط ربَّه برضا الخليفة، ولم يكن ليضيره أن يسدّد ثمن البقاء على ما يعتقده حقاً. وقد وجد في آية (الكنز) سنداً له وحجة على الأغنياء، من قريش خاصة، فكان يقوم في المدينة، وفي الشام أيضاً، داعياً الأغنياء إلى مواساة الفقراء مُبدياً عجبَه ممن لا يجد قوت يومه وكيف لا يخرج على الأغنياء شاهراً سيفه، مبشراً من يكنزون الأموال ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار. وفي مذهبه مثلما يذكر إبن الأثير، ان المسلم لا ينبغي أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعدّه غريم(23) .
    وكما أشرت من قبلُ فقد شُغل المفسرون والمؤرخون بأمر هذه الآية ومواقف ابو ذر والصحابة الآخرين بشأنها، فذهب بعضهم من القدامى والمعاصرين، الى ما ذهب إليه معاوية، في خصامه مع أبي ذر، من أنها في أهل الكتاب وبيان حقيقة الكثير من الأحبار والرهبان بينهم، من أولئك الذين يكنزون الأموال التي يأكلونها بالباطل، وهذا ما قال به سيد قطب ( 1906- 1966) على سبيل المثال(24) . ورأى آخرون، بينهم الفخر الرازي (ت 1210)، بأن في قوله "والذين" احتمالات ثلاثة، فقد يكون المراد بها أولئك الأحبار والرهبان، يحتمل أن يكون المقصود مانعي الزكاة من المسلمين، كما إنها قد تعني كل من كنز المال ولم يُخرج منه الحقوق الواجبة، سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين، إذ اللفظ مُحتملٌ لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة(25) .
وكما تنقل لنا كتب التاريخ والتفاسير فإن الصحابة قد فهموا من آية (الوعيد) هذه، ودعوة النبي بالهلكة للذهب والفضة عند نزولها، وجوب إنفاق جميع ما يملك المسلم منهما، ثم رجع جمهورهم عن هذا وظل عليه أبو ذر. ويبدو ان ما جاء في هذه الآية قد شق، مثلما ورد في الروايات، على رهط غير قليل من الصحابة . ويذكر ابن كثير ( 1300-1373)  في تفسيره بهذا الصدد، إن عمر بن الخطاب أبلغ الرسول بأن الآية قد كبرت على أصحابه، وإنهم حائرون في المال الذي يتخذون، فأجابه: (لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً وزوجة تعين أحدكم على دينه)(26) .
    وقد وجد الصحابة الذين خالفوا أبا ذر في آية الزكاة الواردة في السورة ذاتها (التوبة): "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" تطهيراً لأموالهم وجعلها، بعد اداء الفريضة، حلالاً عليهم، ولم يرو في الكنز المذموم سوى المال الذي لا تؤدّى زكاته. وأخرج المحدّثون وأهل التفسير عن عمر بن الخطاب تارة، وعن ابنه عبدالله (ت 692) تارة اخرى، قولاً بهذا المعنى يرى أن ما أُدّيَتْ زكاته ليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم توَدَّ زكاته فهو كنز يُكوى به صاحبه وإن كان ظاهراً(27) . كما أوردوا أحاديث للنبي تمضي بالمنحى الذي أرادوا وهو أمرٌ كان قد لجأ اليه أبو ذر كذلك، ومن سلكوا معه هذا السبل، فذكّروا بآيات قرآنية وجاءوا بأقوال وسنن لمحمد تعزز ما ذهبوا إليه وتؤيّده.
    لا شك أن قصة أبي ذر ونزاعه مع عثمان وولاته قد كانت معضلة بالنسبة للمؤرخين وعلماء الحديث والتفسير المسلمين، إذ وجدوا أنفسهم أمام حالة اخرى من الاختلاف والصراع بين صحابة الرسول، لم يتورع أحد أطرافها عن استعمال ما لا صلة له بمبادئ الدين وعلائق الصحبة. وكان عليهم أن يُفسروا هذه الحالة للمسلمين، وأن يُظهروا لكل ذي حق حقه فيها. ولكن هذا، لو حدث، فسوف يكشف أن السلف الصالح لم يكن، بالضرورة، كلّه صالحاً على الدوام، وأن بعضاً قد أخطأ هنا وهناك، وبعضاً قد أخذته الدنيا فاستقل مركبها وما كان أولئك العلماء، إلا فيما ندر، قادرين على مثل هذا الكشف، فهم بين منتصر لهذا الطرف أو ذاك، لا يعرف الحق إلا به ومعه، وكلهم لا يرى في هذا الموروث وشخوصه إلا القدسية كادت أن تكون، لدى البعض منهم، توثيناً. ولم يعد ممكناً، مع هذه الغشاوة، النُطق بالحق في هذه القضية، وتقديم تفسير موضوعي لأحداثها وملابساتها. فقد رأينا إبن الأثير يكره حتى ذِكرها، ويستعيذ بالله منه، وشهدنا من يُبرر لعثمان، أو حتى لمعاوية، فعلَهما، سواء لديه إن كانا قد أخطآ أم أصابا. كما وجدنا من يرى خطأ أبي ذر، في هذا الأمر، فراح يعتذر له بأنه كان يسمع الأمر، وفيه الشّدة، من النبي، ثم يخرج الى باديته فلا يسمع أجازه الرسول وسهّل فيه من بعدُ، فيأخذ أبو ذر بالأمر الأول الذي سمع ويظّل عليه. ويعزو هذا النفر من العلماء تشدُّدَ أبي ذر على استعداده الفطري لإحتمال الشدائد وإحتقار التنعم والسعة في الدنيا(28) . وهناك مَن ينتهي، من مؤرخينا المعاصرين، الى استنتاج في هذه المعضلة مفاده أن احتجاجات أبي ذر لم تكن (إلا تجاهلاً للتطور وحملةً على تفشي الترف وتبدّل معيشة الناس، ولكن اللوم وُجِّه إلى الخليفة، في حين ان الأوضاع العامة تبدّلت، وذهبت القلّة السائدة في بدء الحركة الإسلامية)(29). لا ريب أن استنتاج الأستاذ الدوري هذا سليم من حيث تشخيصه للظاهرة وبواعثها، لكنه، مثلما يُفهم منه، لا يرى للسلطة السياسية، ممثّلةً بالإمام وأمرائه، ذنباً أو دوراً في تسريع ذلك التمايز الذي حصل، لصالح فئة قليلة، أو كبحهِ وتنظيمه كي لا يؤدي إلى فتنة قد لا تُبقي ولا تذر، خاصةً وقد رأينا أن هذه السلطة، زمن عمر، قد قامت بدورها في هذا المعنى.
    كما انني لا أظن بصحة مَن يعلّل موقف أبي ذر من موضوعة الغنى والفقر ببداوته، وإحتمال الشدائد، فحسبُ، أو وقوفه، مثلما يقولون، عندما كان يسمعه أول مرة من النبي وبقائه عليه، إذ أنه، وبما كان عليه من علم، ينطلق، على ما بدا لي من المصادر التي نقلت لنا قصته، من رؤية تنبع من إيمانه، ومنظومة فكره الديني آنذاك، وتتكامل معها قولاً وسلوكاً. فهو لم يكن يبقي من العطاء المخصص له ولأهله إلا كفاف يومهم، وكان يطعم غلامه مما يأكل ويُلبسه مما يلبس، ويعطي ثيابه من هو أحوج إليها. وظل يرى أن الفقر والكفر صِنوان، إذا ما ذهب الأول الى بلد دعاه الثاني أن يأخذَه معه(30) .ثم إنه لم يقدر على الصمت وهو يرى طباع الناس وبينهم من كان من أصحاب النبي، تتبدل بتبدل الأحوال، وازدياد الثروات وتدفقها من الأنصار والبلدان المفتوحة، وكان حريصاً على ما آمن به، أن يكون أقربهم لخليلي مجلساً في الدار الآخرة، ذلك انه قال لهم، يوماً، مُزدهياً عليهم: "إني لأقربكم مجلساً من رسول الله (ص) يوم القيامة، وذلك إني سمعته يقول أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركه فيها، وانه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبّث منها بشيء غيري"(31) . كما انه قد شقّ عليه أن يرى أموال الصدقات تنفَق، بسخاء، على المحُازبين وذوي القربى، وأن يعود أغنياء قريش، من أولئك الذين دخلوا الإسلام على مضض، ولم يكونوا في دخيلتهم،ولا فيما قاموا به من بعد، من المؤمنين حقاً، ليتسلطوا على رقاب الناس، وتحت غطاء الدين هذه المرة. ولقد كان يؤمن بأن كثرة المال واحتجانه سبيل للطغيان، مثلما قرأ في سورة ب(العلق): "إن الأنسان ليطغى. أن رآه إستغنى".
    إن علم أبي ذر، إذن، وتجاربه، وفهمه لدينه، وتمسكه بما تعلمه ورآه من خليله، وضيقه بالظلم والظالمين، مضافاً لها طبعُه وطبيعته، هذه كلها هي ما شكّل، في تقديري، قناعته ومواقفه بشأن ما حدث في تلك الأيام، وليس الشدة النابعة من بداوة قاسية، والتشبث العنيد بأمر جرى نسخُهُ والرجوع عنه، أو المغالاة في الزهد، كما رأى بعض أهل العلم من أسلافنا.
    لقد مضى زمن طويل على قراءتي دراسة العلوي لهذا الموضوع الذي ما يزال حياً في جوانب جوهرية منه، ولا أظن إن اختياره للبحث في أمر هذه الآية يُعزى، فقط، الى رغبته في أن يظهر لنا الجذر الإجتماعي لأول فتنة كبيرة في الإسلام، وإنما ليُعبر، ربما، عن إعجابه بذلك الشيخ البدوي الجليل أيضاً. ففي العلوي، كما لاحظت بعد معرفتي له، غير القليل من خصال أبي ذر، فهو مثله ما كان قلقاً فيما يؤمن به، وظل يقول ما يظنه حقاً وإن كان مُرّاً. وإذا كان أبو ذر يتوجس أهل السلطان ومن ائتمر لهم، ولا يصاحب من تطاول في البناء(32)، فقد ظل العلوي على خصام معهم كذلك، وما كان على وئام، دائماً، حتى مع ذوي النفوذ في الميادين التي عثر فيها على موطنه الفكري. ومثلما كان أبو ذر زاهداً في دنياه، متواضعاً في عيشه، فقيراً، محبّاً، للفقراء والمساكين، رحل عن هذه الدنيا وهو خميص، فإن العلوي لم يُعرف بغير هذه الصفات والأحوال. ثم إذا كان أبو ذر قد عاش، ودعا إلى إيمان يرفض الظلم، ويرى فيه غشاوة تحجب الإيمان، فالعلوي، مثلما قال هو عن حسين مروة يوماً، باحث وإنسان سعى في علمه وعمله الى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن شلل الإيمان الأعمى الى عافية الوعي البشري(33) .
هذه المقالة في الأصل مساهمة قُدّمتْ في ندوة لتكريم الراحل العلوي وتأبينه أقامها (الملتقى العراقي) مطلع تشرين الثاني الماضي في مدينة لايبزيج في ألمانيا.

الهوامش
(1) لقد قام الشيخ الشهيد بجمع بعض هذه الدراسات مما كتبه ما بين 1954 – 1968 ونشرها في كتاب صدر عام 1985 بعنوان ( تراثنا.. كيف نعرفه).
(2) ابن منظور : لسان العرب. بولاق 1301 هـ ، ص 268.
(3) الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج6. بيروت 1995 ، ص 36 .
(4) انظر: الدوري ، عبد العزيز : مقدمة في تاريخ صدر الإسلام  ، ط 2 . بيروت  1961، ص 54.
(5) حسين طه: الفتنة الكبرى ج 1 . القاهرة 1962 ، ص 19.
(6) انظر : إبن الأثير : الكامل في التاريخ ، ج3، بيروت 1976، ص107.
(7) أنظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء. بيروت 1988، ص 125.
(8) إبن حنبل : المسند، ج 12. القاهرة 1972، ص 228 – 229.
(9) أنظر: المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر في التاريخ، ج 1. القاهرة 1346 هـ ، ص 433 – 434.
(10) أنظر: المسعودي: المصدر السابق ، ص 434.
(11) أنظر : الوردي، علي : وعاظ السلاطين، ط2 . لندن 1995، ص 109.
(12) إبن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، ج 7، ط1. بيروت 1995، ص 107.
(13) أنظر: إبن سعد: كتاب الطبقات الكبير، ج4. ليدن 1906، ص 175.
(14) أنظر: إبن حجر: المصدر السابق، ص 107. 
(15) أنظر : إبن حنبل: المصدر السابق، ج10، ص 121.
(16) إبن سعد: المصدر السابق، ص 170.
(17) إبن حجر: المصدر السابق، ص 109.
(18) أنظر: إبن الأثير: المصدر السابق، ص 114.
(19) انظر: رضا ، محمد رشيد : تفسير المنار، ج10 . بيروت 1993، ص 406 – 407.
(20) أنظر : حسين ، طه : المصدر السابق ، ص 161 – 167 .
(21) إبن حنبل: المصدر السابق، ج 8 . القاهرة 1971، ص 62.
(22) إبن سعد: المصدر السابق ، ج 2 . ليدن 1912، ص 112.
(23) أنظر : إبن الأثير: المصدر السابق، ص 114.
(24) أنظر : سيد قطب : في ظلال القرآن ، ج 3 . القاهرة 1995، ص 1644 – 1645.
(25) أنظر: الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج6 . بيروت 1995 ، ص 35.
(26) إبن كثير: تفسير القرآن العظيم ، ج 2 . بيروت 1992. ص 336.
(27) أنظر : إبن كثير : المصدر السابق ، ص 335.
(28) أنظر: رضا، محمد رشيد: المصدر السابق، ص 408.
(29) الدوري، عبد العزيز: المصدر السابق، ص 57.
(30) أنظر: الوردي، علي : المصدر السابق ، ص 91.
(31) إبن سعد: المصدر السابق، ص 168. 
(32) أنظر: إبن سعد : المصدر السابق، ص 169.
(33) أنظر : العلوي، هادي : الكتب التي لا يخترقها الرصاص . مجلة ( الطريق) ، العدد الثالث، تموز 1987، ص 53 – 56.
 

نشرت المادة  في (الثقافة الجديدة)، العدد 287 آذار – نيسان 1999. ص 86 ولاحقا.