أيلول/سبتمبر 07
   

 
أحد المؤسسين يتذكر أيام المجد الخالد  (1)

   حسن عباس الكرباس، واحد من الشيوعيين والماركسيين الأوائل في العراق.. عمل في الحلقات الماركسية الأولى، وأسهم مع يوسف سلمان يوسف (فهد) وعاصم فليح وبقية الرواد في انشاء المنظمة الطليعية للطبقة العالة العراقية، الحزب الشيوعي العراقي. حسن عباس الكرباس يروي هنا  القليل من ذكرياته عن تلك الأيام المجيدة،.. أيام تأسيس حزب الشيوعيين العراقيين، قبل خمسين عاماً. ان (الثقافة الجديدة) تعتز بنشر هذه الذكريات لأحد رواد الشيوعية في العراق. وترى فيها اضافة أصيلة للجهود التي تبذل للبحث في تاريخ الحزب.

   يحتفل شيوعيو العراق خلال هذا العام (1984) بمرور خمسين عاماً على تأسيس حزبهم العتيد، ولا شك ان الاحتفال بهذه المناسبة، وان كان بالدرجة الأولى هو موضع اعتزاز الشيوعيين العراقيين الأكيد بحزبهم وعقيدتهم، كونهما يخدمان ويمثلان مصالح الطبقة العاملة والفلاحين وكل الشغيلة، إلا ان نطاق هذا الاعتزاز يشمل باعتقادي كثيراً من القوى الوطنية التقدمية التحررية الاخرى والافراد أيضاً. كل اولئك الذين يروا على مدى خمسين عاماً، كما يرون اليوم في فلسفة الحزب الشيوعي وتطبيقاتها، وفي منهاجه السياسي والاجتماعي ما يعكس ويخدم الاهداف الوطنية في السيادة والعيش المرضي للشعب، ويتلمسون فيه ما يحقق التخلص من السيطرة والتبعية الاقتصادية السياسية للإمبريالية (الرأسمالية) العالمية، وينهي حكم خدمها العملاء والمتعاونين معها بدافع من مصالحهم الذاتية والطبقية الاستغلالية. 
والقوى التقدمية، فضلاً عن ذلك، ترى في الحزب، في نهجه وتطبيقاته ضمانة لاستمرار التقدم في الحياة الاجتماعية في كل جوانبها وصيانة السلام العالمي. فهؤلاء يشاركون، ولو بحدود متفاوتة، الطبقة العاملة العراقية والفلاحين، بعيد الحزب الخمسين. فلا غرابة أن ترى جماهير كبيرة، في الحزب: الطليعة الباسلة القادرة على تحقيق حياة أفضل لها. فالحزب الشيوعي في العراق ساهم في معالجة القضايا الوطنية، قضية التخلص من قيود الاستعمار الاجنبي ونفوذه لاقامة الحكم الوطني الديمقراطي المتحرر العامل لصالح الاكثرية ضد المستغلين، وأيّد حقوق الشعب الكردي القومية والديمقراطية وعمل على تصفية الاقطاع من أجل توزيع الاراضي على الفلاحين، وقضية الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة على العموم. لقد عمل وناضل من أجل تحقيق كل هذه الاهداف وفق عقيدة الشيوعية وتطبيقاتها للتفسير المادي للتاريخ.
لقد ولد الحزب الشيوءعي العراقي كأي مولود حي، نشأ عن تفاعل حتمي لعلاقات اجتماعية – اقتصادية –  فكما اننا لا نستطيع – بعد توفير شروط النضوج وغيرها - ايقاف المولود الطبيعي عن التكوين من بذرة صغيرة، إلا بإتلاف الحياة ذاتها، وهذا غير معقول، وكذلك فإن أحداً لا يستطيع ايقاف أو منع المولود الاجتماعي – الحزب الشيوعي – عن التكون عندما تنضج شروطه المادية الحتمية في رحم المجتمع.
فكيف كانت إذن، باختصار، أوضاعنا الاجتماعية تلك التي حكمت وأدت الى ولادة الحزب الشيوعي في العراق؟ للاجابة على هذا السؤال يلزمنا الرجوع الى وقت أبعد من يوم ولادة الحزب قليلاً، ويلزمنا لذلك ربما كتابة العديد من الصفحات، لبيان الأوضاع ليس في داخل العراق فقط بل وفي خارجه أيضاً، ذلك لأن الأوضاع في العراق ليست مستقلة أبدا عن الوضع العالمي ككل. ولا بد من التعرض حتماً للقوى الاستعمارية أُمَّ الإمبريالية، والاستعمار كخاصية من خواص الرأسمالية ثم التعرف إلى نتائج الضربة التي قصمت ظهره، بنجاح ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى التي أقامت أول دولة اشتراكية على سدس الكرة الارضية، هي جمهوريات الاتحاد السوفيتي الجبار. فبقيامها تصدعت قلاع الاستعمار العالمي عدو الشعوب، ومنها شعبنا العراقي. فالحديث عن هذا كله تلزم له صفحات. ولكن لا بأس أن أُقصِر كتابتي – بعد أن ألمحت لما يجب ربطه من الحوادث مع بعضه - على ملخص يعطي فكرة عن أحوالنا الاجتماعية والسياسية في العراق حينذاك. 
كانت ثورة 30 حزيران 1920 ثورة العراق الوطنية الكبرى (ثورة العشرين) ضد الاحتلال البريطاني للعراق، قد استهدفت تحقيق استقلال العراق الناجز، إلا انه، نظراً للتفاوت في توازن القوى، فإن أكثر ما استطاعت تحقيقه هو انها أرغمت البريطانيين على العدول عن عزمهم بحكم العراق حكماً استعمارياً مباشراً، كما كانوا يفعلون في مستعمراتهم الاخرى حينذاك كالهند وغيرها. فلجأوا الى ابتكار بدعة الانتداب، بقيام دولة في العراق تحت اشرافهم واعطاء العراق وعداً بالاستقلال عام 1932. ولهذا فانهم في عام 1930 أي قبيل حلول موعد الاستقلال المنتظر، كبلوا العراق من جديد، وضد رغبة شعبه وبمساعدة عملائهم من رجال ما يسمى "بالحكم الوطني"، بمعاهدة جديدة سميت معاهدة 1930 وبموجبها حافظت بريطانيا، بستار جديد مفضوح، على استمرار سيطرتها الكلية على العراق في جميع الميادين السياسية والاقتصادية. 
فإليكم خلاصة الحالة في العراق بعد التوقيع على معاهدة 1930.. بعضاً لا حصراً.
أولاً – بالنسبة لعلاقة العراق مع بريطانيا لما تضمنته تلك المعاهدة من قيود عسكرية واقتصادية وتبعية سياسية، وثانياً – بالنسبة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المحلية السيئة التي كانت سائدة نتيجة لتبعية العراق الاقتصادية والسياسية لبريطانيا منذ احتلالها العراق عام 1917 حتى توقيع معاهدة 1930.
أما حول العلاقة الخارجية مع بريطانيا فإليكم اخطر بنودها التي أصبحت فيما بعد نتائجها: 
1- خضوع العراق التام في السياسة الداخلية والخارجية في أيام السلم والحرب، لمقتضيات السياسة والمصالح البريطانية.
2- اشراف بعثة عسكرية بريطانية على أسلحة وتدريب الجيش العراقي وتعداد وحداته وتوزيعها.
3- الاشراف المباشر على المحاكم المدنية. فرئيس محكمة التمييز ورئيس الاستئناف والمحاكم الكبرى كلها بريطانيون.
4- وجود مستشارين بريطانيين وخبراء في أكثر الوزارات والمؤسسات. 
5- ملكية السكك الحديد ومنشآتها والميناء في البصرة ومنشآته وادارتهما للانكليز مباشرة، ومستورداتها محصورة بإنكلترا.
6- امتيازات استخراج وتصدير نفط العراق في جميع أراضيه هي بيد الشركات الامبريالية الدولية، شركات بريطانية في الجريمة.
7- حصر تصدير جميع المنتجات الزراعية العراقية بيد شركة بريطانية، وكذلك النقل البحري.
 وأما حول العلاقات الاجتماعية الداخلية، فاليكم ابرز صفاتها:
1- يتناوب رهط من العملاء الموالين، هيَأتْهُمْ بريطانيا من بين العرب والاكراد، على الحكم في العراق بحسب مشيئة المستعمر المتدخل، ويضمنون له مصالحه الاقتصادية العسكرية على حساب الشعب العراقي. 
2- لقد أوصل المستعمرون سلطة رؤساء العشائر من الشيوخ والأغوات على الفلاحين الى حد لا يطاق. فقد اقتطعت لهم الاراضي الواسعة، خصوصاً في الوسط والجنوب، عن طريق ما يسمى بقوانين "اللزمة" و"تسوية حقوق الأراضي" بعدما كانت تلك الأراضي ملكاً مشاعاً للعشيرة، وأغدقت عليهم الحكومات المتعاقبة الأموال وأشركتهم في السلطة التشريعية، وقَوَّت سلطتهم على الفلاحين حداً بلغ القمة فاستغلوا الفلاحين الى اقصى الحدود.
3- انعدام العناية الصحية والاجتماعية والتعليمية الكافية، وتفشي الامراض والجهل والفاقة بين أكثرية أفراد الشعب شمالاً وجنوباً. 
4- عدم الاعتناء بالمرأة والطفولة وحرمانهما من كل الحقوق المدنية تقريباً.
5- انعدام تشجيع الصناعة واقامة المعامل بل وخنق كل محاولة لانعاشها.
6- كل شيء ما عدا المواد الغذائية الاساسية، كان يستورد من الخارج، و85% من المستوردات لسد حاجات العراق كان يأتي من بريطانيا.
7- لا يوجد أي تشريع يضمن للعمال أو المستخدمين والشغيلة تحديد ساعات للعمل أو تعويض عن الحوادث ذات الاصابات أو عند الشيخوخة.. الخ، ولا يعترف للعمال بالحق النقابي، إلا بالاسم وفي بعض الحالات فقط.
8- كل الحريات الديمقراطية، الاجتماع، النشر والصحافة والحياة الحزبية الوطنية الصحيحة، معطلة أو معذبة إلا الصحافة الموالية والاحزاب التابعة التي تشكلها بين الحين والآخر الطبقة الحاكمة. فكانت عند وجودها، أشبه بأسواق للمضاربات السياسية لصالح بريطانيا وميداناً للتراكض، لكسب المنافع على حساب دافع الضريبة وهو الشعب. أما الأحزاب الوطنية الصادقة مثل "الحزب الوطني" – مؤسسه ورئيسه جعفر أبو التمن – فكانت عرضة للمطاردة والالغاء أو التعليق في أكثر حياتها.
ان هذا الاستعراض الموجز لحالة العلاقات العراقية – البريطانية والعلاقات الاجتماعية الداخلية المارة الذكر قد دلَّنا على وجود تناقضات حادة بين مصالح الشعب العراقي من جهة، ومصالح الاستعمار البريطاني والزمرة الحاكمة في العراق التي ربطت مصالحها به، ضد مصالح الشعب من الجهة الاخرى.
هذا التناقض العميق هو الذي حَتَّم ظهور الحزب، حزب من نوع جديد، ليوقد نار الوعي للشعب ويصرخ صرخة الغضب بوجه مستغليه، ويأخذ على عاتقه الدفاع عن مصالح الشغيلة، وخصوصاً العمال والفلاحين وهم الأكثرية الساحقة من شعبنا، التي فرض عليها ان تكدح وتشقى كي تقدم وهي مكرهة ثمرات عملها للمستعمر الاجنبي وللطبقات الطفيلية والاقطاعية المستغلة المرتبطة به. وان تبقى الاكثرية تعيش في حياة مغمورة بالأمراض والجهل والفاقة والأمية.
وتكوين مثل هذا الحزب يقع بطبيعة الحال على عاتق الطليعة الجديدة النامية الواعية في المجتمع. والتي تميزت بالوعي الطبقي وتعلمت التفسير المادي للتاريخ. وكانت هذه الطليعة أول الأمر، تتكون من ثلة من الشيوعيين آنذاك، من الذين وجدوا في ثورة أكتوبر العظمى المنار الذي يرشد الشعوب، لا سيما المضطهدة منها كي ترفع، وفق عقيدة الماركسية – اللينينة، عن كاهلها نير الاستغلال الاجنبي الامبريالي والمحلي، وتبقى المستقبل الأفضل لها.
ولم تستطع القوى الاستعمارية الامبريالية العالمية بعد كل مناوراتها وأكاذيبها حجب ذلك المنار (الاتحاد السوفيتي) عن انظار حتى أبعد الشعوب والاقطار المتأخرة والمستعمرة.

 


1932 الافكار تتلقح


  وفي العراق، ما أن حلَّ عام 1932 إلا وكان أبرز اعضاء هذه الثلة الطليعية، اثنين – أحدهما كان يدرس الماركسية – اللينينية وتطبيقاتها في كلية الكادحين في الاتحاد السوفيتي، واسمه عاصم فليح، خياط من بغداد. وأما الآخر فكان اسمه يوسف سلمان – وفيما بعد "فهد"، شغيل آخر، خرج في نهاية ذلك العام على أهل مدينته الناصرية بمنشور ووقعه بإسم "عامل شيوعي" وصَدّره بشعار: "يا عمال العالم اتحدوا". ويحمل شعار المطرقة والمنجل. يوم كان أكثر الناس حينذاك لم يسمع بعد بالشيوعية، فإذا اطلع أحدهم على انها: نصيرة العمال والفلاحين والفقراء على الأغنياء، راح يرحب بها من كل قلبه، وهكذا كان شأن أهل مدينة الناصرية. لكن المفتش الاداري الانكليزي فيها – وكان للانكليز في كل مركز لواء مفتش اداري منهم – كان يعرف مخاطر الشيوعية على سلطان بلده الاستعماري، فأوعز بتقديم يوسف سلمان الى المحاكمة. ويوسف سلمان عضو الحزب الوطني آنذاك، اعترف بالمحكمة انه شيوعي. إلا ان الحاكم عبود الشالجي من ذوي الأفكار الوطنية الحرة، قد أفرج عن يوسف سلمان قائلاً: "لم يجد في نصوص قانون العقوبات البغدادي ما يتضمن تجريم الشيوعية". (علماً أن القانون المذكور قد وضعه الانكليز في التطبيق في العراق) ونظراً لأنه لا توجد حينذاك شيوعية في العراق فلا توجد أيضاً عقوبة عليها. وبعد ذلك أدخلت على القانون تفسيرات وتعديلات قاسية بتحريم الشيوعية وتجريم الشيوعيين وإبلاغ العقوبة للعسكريين حد الموت.


المخاض


   بين عام 1933 – 1934 تجاذبت تلك الثلة الطليعية من حملة أوليات الأفكار الشيوعية وتطلعت الى بعضها. فاهتمت أولاً بـ: توسيع معرفتها للنظرية بقراءة ما يتيسر لها من الكتب الشيوعية التي كانت في ذلك الوقت، وخصوصاً العربية منها، نادرة جداً جداً. وثانياً: اهتمت هذه الثلة الطليعية، بتفسير ظواهر في المجتمع العراقي على ضوء النظرية الشيوعية، تلك الظواهر الناتجة عن السيطرة البريطانية وأعوانها، وتحليل أسباب التأخر الاجتماعي المتراكم. وأخيراً صممت أن تأخذ على عاتقها القيام بنشر الوعي والدعوة للمهمة التاريخية واندفعت في عملها خصوصاً بعد اكمال عاصم فليح دراسته في كلية الكادحين ورجوعه للعراق.
كان أنشط هذه الثلة المناضلة من رفاقنا آنذاك يوسف سلمان الذي أبدى منذ البداية حرصاً شديداً على التعلم وحرصاً مساوياً على التعليم و"التبشير". فإن أنس لن أنسى منه ذلك الحرص والمثابرة على نقل ما كان يقرأه بالإنكليزية ويترجمه لي الى العربية شفاهاً أو كتابة. وظل كذلك حتى غادر العراق قبيل نهاية عام 1934 بعد أن أعد نفسه للدراسة في كلية الكادحين.


المطبعة الأولى للحزب


   ان عودة عاصم فليح للعراق قد أعطتنا دفعاً جديداً للأمام بحيث لم يعد مقبولاً أن يبقى نشاطنا يقتصر فقط فيما بيننا على استعراض وتحليل "أكاديمي" للحوادث السياسية والاجتماعية الجارية، فقد صممنا على القيام بالأعمال المباشرة باستخدام وسيلة النشر لإعلان أفكارنا وإسماع الشعب نداءات التوعية والتحريض وإسماع الحكومة والمستعمرين صرخات الاحتجاج وإعلان مطاليب الحزب وأهدافه للرأي العام. لذلك لزمنا تهيئة جهاز نطبع به منشوراتنا كي نظَهر على الناس معلنين وجودنا كحزب ثوري. وكان من دواعي سروري أن كنت أنا المكَلَف من بين رفاقي الستة القائمين على التأسيس، بإنجاز مهمة شراء "المطبعة". وقد وُفِقت لشرائها بسلام في حينه من شركة "بيت لنج" في شارع الرشيد ببغداد. ولا بأس أن يعرف الرفاق اليوم، بعد خمسين عاماً بأنني قد قمت بشراء أول مطبعة للحزب.
بشرائي المطبعة اقتربت الساعة التي كنا سنخاطب بها الشعب العراقي من خلال أول بيان للحزب يصدر بمنشور يعلن ولادة الحزب ويبدأ بالكفاح الجماهيري.


البيان الأول يعلن ولادة الحزب المنتظرة ومطاليب الحزب وأهدافه


مما يؤسف له ونحن نتهيأ للعمل انه قد حدث خلاف على خطة العمل فانسحب على أثره اثنان من المؤسسين وبقينا في العمل أربعة أشخاص.
لقد تم طبع البيان الأول الذي سمع الشعب والحكومة فيه، صرخة الشيوعيين الأولى بوجه الظلم والاستبداد والرجعية والاقطاع والاستعمار والاستغلال، ونادى الطبقة العاملة للنهوض وكنت هنا أيضاً المرشح من بين رفاقي الأربعة لتوزيع البيان الأول. ونظراً لقلة عددنا كان عليَّ أن أوزعه وحدي فحُزت هذه المرة على أولوية التوزيع وحدي. وهذا ما يجعل لذلك اليوم في ذاكرتي منزلة خاصة. نعم نحن نكره الاحتكار لكن احتكار الأولوية في التوزيع، خصوصاً للبيان الأول الذي أعلن على شعبنا العزيز الولادة المنتظرة – وان كان احتكاراً غير مقصود مني بل فرضته ظروفنا حينذاك – فإني ارى فيه اليوم ما يوجب افتخاري بأن حزت الأولوية الأولى بشرائي أول مطبعة للحزب والثانية هي توزيعي للبيان الأول الذي به أعلنت ولادة الحزب الذي نحتفل بمرور خمسين عاماً عليها. وبذلك البيان نفخنا لأول مرة في بوق الوعي الطبقي ليلهم الطبقة العاملة والشغيلة والفلاحين في العراق ويدفعهم الى النضال الطبقي والتحرر من الاستعمار.


توزيع البيان – ضربة مكَوار وأخرى من خيزرانة


كنت أسكن مع أهلي، وكان الوصول الى بيتنا يمر في درابين تتفرع باتجاه الشرق بنقطة التقاء شارع القشل بالشارع المُوصِل بين جامع المصلوب وجامع سراج الدين. دربونتنا طويلة تصل الى بني سْعِيدْ، موقعه اليوم ساحة الوثبة الحالية – بغداد.
خرجت عند منتصف ليلة 14/3/1935 من البيت وأنا أوزع البيان الأول عند عتبات الأبواب والشبابيك أو الدكاكين على حسب الأحوال. فذهبت أولاً باتجاه جامع سراج الدين وهي منطقة مكتظة عادة بالاسواق والبيوت. ومن مقابل قهوة النَبْكَةْ انحدرت الى العوينة، ومن العوينة الى سوق القاطرخانة، وفي السوق كنت أضع المنشور في سلال البقالين الخالية أو على دكات الدكاكين بدون صعوبة، وأحذر الحراس، ثم خرجت ماراً بالمربعة، والى شارع باب الشيخ - الكيلاني -  ثم عقد الاسكال، ثم السنك فشارع الغزالي، وعرجت على رأس شارع الرشيد، ومنه اتخذت طريق النهر – شارع أبي نؤاس الحالي – ووضعت عدداً كافياً على (تخوت) المقاهي، خصوصاً المقهى الكبير المعروف "قهوة حسين بن حوار" حيث يجلس فيه أهل الصحافة والسياسة وأهل السوق والطلاب وغيرهم آنذاك. واتجهت نحو الجنوب قاصداً الكرادة الشرقية. ان عيوني كانت ترصد من بعيد، وكنت أفتح معطفي الأسود الكبير حتى لا يميز الناظر اليّ من بُعد حركة يدي في التوزيع، وكنت أحذر الحراس خصوصاً عندما أسمع صفارة أحدهم إلا انه رغم الحذر – فأنا طالما حصلت لحد الآن على أولويتين فَلِمَ لا أحصل على ثالثة – ولو ضد رغبتي؟ لقد وصلت الى بيت لا يبعد كثيراً عن حافة النهر، ولقربه منها كان يحجب عن الرؤيا ما بعده. وكان قد اختبأ هناك شرطي وحارس أهلي، وعندما وضعت في شبابيك ذلك البيت المنشور لم أراهما أو يرياني، إلا انني حين اجتزت البيت لم اتجه باستقامتي بل تقربت نحو الأبنية فشكّا بي، وفاجآني وأوقفاني حالاً. ففكرت في التخلص من المناشير برميها في النهر. ولكن ما أن ألقيت بها من يدي حتى تلقيت ضربة مكَوار من الحارس وضربة خيزرانة من الشرطي في آن واحد.
وهكذا أبا القدر الا أن احوز الأولوية الثالثة وهي سلبية هذه المرة، إذ كنت أول شيوعي من الحزب الشيوعي العراقي يقبض عليه متلبساً، ويحكم بالسجن وبالمراقبة. قبض عليَّ وأنا أفكر في رفاقي اذ تقلص عددهم بعدي الى ثلاثة أشخاص. أما اليوم فأعداد رفاق الحزب وأنصاره لا تعد ولا تحصى.
أود أن أكف الآن عن وصف ما لاقيته من الشرطة والتحقيق، ثم السجن، وأعود لأتحدث عما هو أهم من ذلك إلا وهو: 


محتويات البيان الأول


ان هذا البيان يعد من الوجهة التاريخية، الدليل المادي الأول على ولادة الحزب الشيوعي العراقي، باسم "لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار"، وبعين الوقت هو بيان من الحزب بأهدافه في تلك المرحلة، وانه تضمن نداء شيوعيي العراق للطبقة العاملة والفلاحين والشغيلة من أجل العمل معه، مدشناً لها عهداً جديداً في الكفاح من أجل الاشتراكية الأممية والاستقلال الوطني الكامل والحقوق الديمقراطية وفق عقيدة الطبقة العاملة، الماركسية - اللينينية .
واليكم أهم مطالب البيان الأول ومحتوياته حسب ما بقيت في ذاكرتي:
فلقد خاطب البيان العمال والفلاحين والجنود والطلاب وأهل المدن والريف على اختلاف عناصرهم وأديانهم، وقال ان الثورة الوطنية الكبرى في 30 حزيران 1920 – ثورة العشرين – قد قامت بها الجماهير، وبينما صار الجوع والبؤس والأمراض من نصيبها، جنت الثمرات طبقة من الاقطاعيين والزمرة الحاكمة. وقال ان الانكليز ورجال الحكم هم المسؤولون عن الظلم والاستبداد والاستغلال الواقع على الشعب العراقي.
فالنفط والمواد الخام الاخرى تحولت الى أيديهم وصارت منافع لهم وبلادنا تحولت الى قواعد عسكرية ضدنا وضد الشعوب المجاورة، البلدان العربية المكافحة. وان الطبقة الحاكمة تجبي الضرائب وتبعثرها وتبني لها القصور. بينما العمال والفلاحون يرزحون في أوضاع من الفاقة لا تطاق. نحن نطالب بالتغيير لصالح الطبقات المنتجة. نحن ندعوك أيها الشعب الى تأييد الأفكار الثورية والكفاح من أجل: 
- تقسيم أراضي الدولة على الفلاحين والغاء ديون الاقطاعيين على الفلاحين المتأتية عن الاستغلال والاستعباد.
- اعطاء العمال حقوقهم وسَّن التشريعات لحمايتها، وجعل يوم العمل لا يزيد عن ثماني ساعات، ومنع الطرد الكيفي وضمان معيشة الشيخوخة.
- اطلاق الحريات السياسية: حرية الاجتماع والكلام والنشر والنوادي والنقابات والاجتماعات.
- الغاء القواعد العسكرية البريطانية في سِنْ الذبان (الحبانية) والشعيبة.
- الغاء معاهدة 1930 الجائرة، مع الإنكليز.
واختتم البيان هاتفاً بسقوط الاستعمار البريطاني، وبحياة الجبهة ضد الاستعمار، وضد مستغلي العمال والفلاحين.
(ملاحظة: لقد أبدى المدعي العام أثناء محاكمتي، اهتماماً خاصاً بخطورة مطلبي: الغاء القواعد العسكرية البريطانية في سن الذبان (الحبانية) والشِعيبة والغاء المعاهدة مع بريطانيا، واعتبرهما من أهم الأسباب الموجبة لتجريمي، لأنهما لا تثيران البغضاء بين السكان فحسب بل وتسيئان الى العلاقات مع الدول الأجنبية).

 


ذعر بين الأوساط الحاكمة وأسيادها الإنكليز


   لقد لاحظت عندما جيء بي مخفوراً يوم 14/3/1935 الى موقف شرطة بستان الخس بالبتاوين، ومنه حالاً الى معاونية شرطة العبخانة، حيث كان المعاون علي خالد لا يزال على سرير نومه في وسط غرفة، وظيفته ينظر نحوي مذعوراً. ثم تلفن حالاً الى مرجعه الأعلى وأبلغ الخبر لوزير الداخلية في بيته في ذلك الوقت المبكر من الصباح. وأرسل بإحضار حاكم التحقيق فوراً الى المركز من بيته. واثناء ما كان يجري التحقيق معي، كان تلفون المعاون لا ينقطع عن الرنين إذ كان الوزراء، وهم لا يزالون في بيوتهم، منهمكين – بعدما سمعوا بالمنشور – ليستعلموا عن "لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار"، من هم هؤلاء الذين يدافعون عن العمال والفلاحين ويهاجمون الانكليز وقواعدهم العسكرية ويعزون أسباب الجوع والمرض والفاقة الى الطبقة الحاكمة والانكليز.
انه تطور لم يسبق له مثيل من المعارضة، ولم يسمعوا بمثله من قبل – انهم شيوعيون! وفي وقت قصير انتشر الخبر في كل أنحاء العراق وصار الناس العاديون، في الأيام التالية، يتساءلون: شيوعيون؟ ما معنى ذلك؟ فيجيبهم "الفاهمون" خصوصاً من الشيوخ "هَذُولَه البولشفيك" دولة الفقراء. ولقد لمست هذا التساؤل خصوصاً بين المسجونين والسجانين والحراس حيث صرت سجيناً أعيش في وسطهم.
أما في أوساط الطلاب والموظفين والسياسيين وخصوصاً اليساريين منهم – كالشعبيين - * فقد حلت بينهم موجة سرور وبارقة أمل مشجعة في تشديد النضال الوطني والشعبي، لتغيير الأحوال الاجتماعية المنحدرة سوءاً على سوء، تغييراً ثورياً يؤدي الى وضع ديمقراطي شعبي سليم.
هكذا فتح الشيوعيون قبل خمسين عاماً على قلة عددهم المتواضع باب النضال الثوري الكبير المُنَظَم، بأن كوّنوا النواة التي تقود كفاح الطبقة العاملة على الأسس الماركسية – اللينينية وتلك هي: الحزب الشيوعي العراقي. فأخذ الناس وخصوصاً المثقفون والواعون من العمال والشغيلة والطلاب يدركون بالتدريج مهمة الحزب الشيوعي وأهدافه الشاملة في الديمقراطية والتحرر الوطني والاشتراكية الأممية، واندفع اليه عدداً من المثقفين مسرعين للانتماء اليه. وقد لخّص شهداؤنا "فهد" ورفاقه أهداف الحزب بجملة "وطن حر وشعب سعيد" .
فإلى الضحايا والشهداء من الرفاق، سلام وألف سلام، وميثاقاً بأننا سنواصل الدرب لتحقيق الأهداف التي ناضلوا من أجلها، من أجل الاشتراكية العالمية، من أجل السلام على الأرض.

* "الشعبيون" مجموعة يسارية ظهرت في أوائل الثلاثينات، ضمت عبد الفتاح ابراهيم وكامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل وآخرين، وقد دعوا بهذا الاسم لأنهم دعوا في مقالات عِدة نشرتها (الأهالي) الى مجموعة أفكار لإصلاح الأوضاع العامة تحت عنوان "الشعبية".. رحّب الشيوعيون ببروزهم الى حلبة النضال السياسي الوطني، في وقت كانت فيه البرجوازية الوطنية بين من يرضى بالمساومة مع الانجليز، ومن يفقد الثقة بالقدرة على التصدي للاستعمار، اعتماداً على النضال الجماهيري، ويعتزل العمل السياسي. لكن الشيوعيين انتقدوا الجوانب السلبية في فكر "الشعبية" لا سيما معارضتها للصراع الطبقي. (ث. ج).


(1) الثقافة الجديدة  - العدد 155، حزيران 1984            
 ص 35 – 43.