كانون2/يناير 12
   
 قبل ما يقرب من سنتن نشرت مقالاً مترجمًا مع هوامش وإضافات بعنوان "تأمين أخطار الحرب" كتبت فيه الآتي:
 ليس لدي معلومات كافية عن وضع التأمين في قطاع غزة، وآمل أن تثير هذه الورقة اهتمام القراء المتابعين لتقديم ما لديهم. يمكن القول عمومًا إن الأعمال الحربية تؤدي بشكل عام الى انخفاض في النشاط التأميني وارتفاع أسعار التأمين كما حصل بعد الحرب الأوكرانية - الروسية، وكما هو حاصل الآن بالنسبة لتأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر، بسبب هجوم قوات الحوثي على السفن المتجهة إلى إسرائيل. وبالنسبة لقطاع غزة فإن الإبادة البشرية والتدمير المادي، غير المسبوق في العالم العربي، من قبل نظام الاحتلال والأبارتايد الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة، والذي هو متأثر أساساً بالركود الاقتصادي بسبب الحصار الإسرائيلي الطويل، قد أوقف النشاط التأميني. ومع القتل المنهجي اليومي المستمر وتدمير البنى التحتية وتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وعلى مرأى العالم الغربي المتقدم، فإن نشاط التأمين في غزة سيظل معلقًا لحين وقف الأعمال الحربية. ويوفر لنا الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق (2003) مثالاً لما يعنيه الغزو والتدمير وتفكيك الدولة من آثار سلبية على النشاط التأميني، فقطاع التأمين العراقي اليوم يراوح في مكانه ومقارنته بالفترة ما قبل 2003 تثير الحزن(1).
 
واليوم أعيد القول: ليس لدي معلومات كافية عن وضع التأمين في قطاع غزة، وآمل أن تثير هذه الورقة اهتمام القراء المتابعين لتقديم ما لديهم. وليس هناك ما يسعف البحث والكتابة ولذلك فإن هذه الورقة ليست إلا محاولة لإثارة قضايا أساسية ذات علاقة بالنشاط التأميني، لعلها تحفز الغير على البحث(2).
 
نظرة عامة
 في العادة لم تكن أوضاع التأمين في غزة موضوعًا للتداول العام إلا لمامًا، مستورًا داخل الحديث عن قطاع التأمين الفلسطيني، ولكن مع بدء حرب الإبادة في غزة توقف الحديث عن قطاع التأمين في غزة بالكامل. لم نعد نقرأ في الصحافة التأمينية، حسب علمي، أي خبر أو تحليل للواقع التأميني في غزة. هذا مفهوم لأن قطاع التأمين هنا ليس بأهمية قطاعات التأمين العربية الأخرى وحتى قطاع التأمين في الضفة الغربية. فليس هناك أرقام عن حجم أقساط التأمين المكتتبة في غزة حتى قبل أكتوبر 2023 لكن التقديرات التي نسمعها أنه ربما لا يتجاوز 2% من الأقساط المكتتبة في الضفة الغربية (حسب المعلومات المتوفرة للنصف الأول من سنة 2023 بلغ حجم الأقساط 395 مليون دولار(3)، وهو ما يعني أن مساهمة أقساط غزة هي بحدود 8% تقريبًا، وهذه النسبة التخمينية لم يعد لها وجود بعد السابع من أكتوبر 2023).
 يعود سبب هذه المساهمة المتدنية إلى ضعف الاقتصاد الغزّي بسبب الحصار الاقتصادي (البري والبحري والجوي) الذي يشمل جميع مناحي الحياة، وهذا الوضع يترجم نفسه بمحدودية النشاطات الاقتصادية الإنتاجية، وضعف القوة الشرائية (الدخل المتاح للأفراد والأسر منخفض للغاية لدرجة أنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة شراء الحماية التأمينية الذي يعتبر ترفًا بالنسبة لهم). أما من منظور أنواع التغطية التأمينية المتاحة في غزة فهي محدودة إذ أنها لا تضم التأمين البحري أو الصناعي (بسبب الحصار وما جلب معه من حرمان التطور الصناعي) وضعف الأنواع الأخرى ومنها التأمين الصحي والتأمين على الحياة.
بناءً على هذا العرض السريع يمكن القول إن حرب الإبادة والدمار الواسع (90% من الأموال المنقولة ومنها البنية التحتية)، وتوقف شركات إعادة التأمين عن توفير حماية إعادة التأمين (تشترط عقود إعادة التأمين وقف العمل أو إلغاء العقود في حال نشوب الحرب، كما حصل في العراق سنة 1990)، أدى إلى التدهور الكلي للنشاط التأميني في غزة، كبقية النشاطات الاقتصادية. ونجازف بالقول ان التأمين قد توقف وتم تجميد العمل به، إذ أنه صار من المستحيل تنفيذ عقود التأمين (تعليق التعويضات أو عدم قبول شركات التأمين بالمسؤولية عنها وفق شروط القوة القاهرة أو استثناء الخسائر الناتجة من الحرب والأعمال الحربية، وإلغاء أو تجميد العقود التأمينية). إضافة إلى ذلك فإن انقطاع (توقف) إمدادات الكهرباء وإسالة المياه، والإنترنت، وتدمير مقرات الشركات والبنوك، أدى إلى توقف القدرة التشغيلية (عدم قدرة الموظفين على الوصول إلى المكاتب، بافتراض أنها لم تتعرض للتدمير الإسرائيلي). وهكذا لم يعد بإمكان شركات التأمين إصدار وثائق جديدة (بافتراض وجود طلب فعّال عليها).
 قبل 7 أكتوبر 2023 كان سوق التأمين الصغير في غزة "مكتظًا" بفروع لشركات التأمين الفلسطينية وشركات أخرى مقرها الرئيسي في القطاع توفر تأمين المركبات، وتأمين الممتلكات (الحريق والحوادث)، وتأمين السفر خارج القطاع، والتأمين على الحياة، والتأمين الصحي وغيرها.  وكانت بعض هذه الشركات تمارس التأمين وفق مبادئ الشريعة الإسلامية. وفق ما استطعنا الاطلاع عليه كان السوق يضم الشركات التالية: 
  • شركة الأراضي المقدسة للتأمين التكافلي
  • الشركة الأمريكية للتأمين على الحياة (أليكو)
  • شركة البركة للتأمين الإسلامي (مقرها الرئيسي في غزة)
  • شركة التأمين الوطنية
  • الشركة العالمية المتحدة للتأمين
  • شركة المشرق للتأمين
  • شركة ترست العالمية للتأمين
  • شركة تمكين الفلسطينية للتأمين
  • شركة فلسطين للتأمين (مقرها الرئيسي في غزة)
  • المجموعة الأهلية للتأمين
هل لهذه الشركات القدرة على استئناف نشاطها بعد وقف إسرائيل لعملياتها العسكرية ومغادرة قواتها للقطاع واستقرار الوضع الأمني؟ هذا سؤال تخميني يصعب الجواب عليه دون توافر بعض المعلومات الأساسية عن الموارد المالية المتبقية لدى شركات التأمين وكوادر العاملين وتوافر حماية إعادة التأمين واستعادة درجة من النشاط الاقتصادي الذي يسمح للأفراد والوحدات الإنتاجية والخدمية بتوجيه جزء من دخلها نحو شراء الحماية التأمينية. قد تستطيع بعض شركات التأمين استئناف نشاطها بمرور الوقت من خلال برامج تعويض دولية أو دعم مالي من الشركات الأم في الضفة الغربية.
 
هل إسرائيل مسؤولة عن تعويض تدمير الممتلكات والحياة في غزة؟
 من منظور القانون الدولي الصرف فإن الجواب على هذا السؤال هو نعم، لكن الواقع القائم في السياسة والعلاقات الدولية والدعم الأمريكي اللامحدود لدولة الفصل العنصري تعطل، والأصح تلغي مسؤولية إسرائيل.  تتأسس المسؤولية القانونية لإسرائيل على إثبات ارتكابها لأفعال (جرائم) تشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف) أو جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، وهو المهمة التي تقوم بها الهيئات الدولية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
 لو تحقق الإجماع الدولي على قرارات المحاكم الدولية وإذا ثبتت مسؤولية إسرائيل عن جرائمها كقوة احتلال (خرق اتفاقيات جنيف) يمكن عندها إلزام إسرائيل بجبر الأضرار من خلال إعادة الوضع إلى ما كان عليه والتعويض المالي لضحاياها.
 من المهم التوثيق الدقيق لانتهاكات إسرائيل للقوانين الدولية، وهو ما قامت به العديد من مؤسسات الأمم المتحدة، وتشكيل ضغط دولي لتنفيذ أية قرارات صادرة ضد إسرائيل رغم أن المسار القانوني سيكون طويلاً.
 
ما هو البديل في حال "تبرئة" إسرائيل من المسؤولية؟
 الجواب المضمر في السؤال هو إنكار مسؤولية إسرائيل والدفع باتجاه عدم مسؤولية جهة محددة عن جبر الأضرار. الوجه الآخر لهذا الموقف هو التوجه نحو استنهاض الجهود الدولية المتعددة الأطراف لتقديم المساعدات تحت راية أو ربما بقيادة الأمم المتحدة، من خلال وكالاتها المختلفة، وبشراكة البنك الدولي (لتنسيق التمويل الدولي من الدول المانحة)، ومنظمات الإغاثة الإنسانية (الصليب الأحمر الدولي وأطباء بلا حدود وغيرها)، بهدف إعادة الإعمار (إزالة الأنقاض كأولوية وتأمين المأوى للنازحين وتأهيل المرافق التعليمية والصحية). يعني هذا أن التعويض الفردي المباشر للأفراد والشركات سيطالها النسيان، وفي أحسن الحالات فإن وصول الأموال إليهم مباشرة سيكون متعثرًا ومعقدًا.
 لكن مشروعًا كهذا ربما سيتعارض مع مشاريع منافسة كتلك التي يقدمها رئيس الولايات المتحدة من خلال أفراد بعينهم هنا أو هناك، لإدارة بعض الأمور وليس من خلال المؤسسات الرسمي،ة بما فيها مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية.
 وعلى أي حال فإن الأوضاع ليست مستقرة وهي عرضة للتقلبات خاصة وأن مشروع التطهير العرقي والقتل بالتقسيط مستمر في غزة وحتى في الضفة الغربية والقدس الشرقية مع التواطؤ الغربي على ما تقوم به دولة الفصل العنصري.
 
هل بالإمكان الاعتماد على وثائق التأمين للمطالبة بالتعويض عن نتائج الحرب؟
 تتجه الأنظار في العادة إلى شركات التأمين للتعويض عن الخسائر لكن وثائق التأمين تستثني الخسائر المترتبة على الحرب والأعمال الحربية والنزاعات المسلحة. وهذا الاستثناء ينطبق على فروع التأمين المختلفة إلا في حالات محددة (كالتأمين البحري وبشروط)(4).
 لذلك لا يمكن للأفراد والشركات الرجوع إلى شركات التأمين للمطالبة بتعويض خسائرهم المترتبة على الحرب. يضاف إلى ذلك، وكما ذكرنا سابقًا، وقف شركات التأمين لأعمالها ووقف العمل بوثائق التأمين السارية. وحتى لو افترضنا أن بإمكان الأفراد والشركات المطالبة بالتعويض فإن آلية التعامل والتنفيذ معطلة (تجميد عمل شركات التأمين مما يجعلها غير قادرة على استقبال المطالبات والتحقيق فيها، ولا تمتلك الموارد المالية لتسديد التعويضات)، وعلى الأفراد والشركات إثبات الخسارة (أي إثبات أن الخسارة تحققت لأسباب غير الحرب وخارج العمليات العسكرية).  يعني هذا أن تخريب نظام الفصل والتفوق العرقي الإسرائيلي للبنية التحتية للاقتصاد الغزّي ومنه قطاع التأمين يحول دون التعامل مع كل ما يتعلق بالنشاط التأميني.
 من باب التحوط، يتعين على الأفراد، بقدر ما تسمح به الشروط الحياتية التي دمرتها إسرائيل، الاحتفاظ بوثائق التأمين، لأنها قد تكون مفيدة مستقبلاً، في حال تأسيس برامج دولية أو عربية، لإثبات حقوق الملكية في الأموال المنقولة أو لإثبات قيمة الخسارة. إن مفردات مثل هذا التحوط يمكن أن تستخدم أيضًا ضمن الملفات الحقوقية العامة للمطالبة بالتعويض المقدمة إلى المؤسسات الدولية التي ربما ستنظر في إنصاف المتضررين. وعلى أي حال فإنها تشكل إسهامًا في توثيق التدمير الإسرائيلي للممتلكات والأرض والأرواح، على شاكلة إنصاف المتضررين من المحرقة اليهودية (مع تجنب تحويل الموضوع إلى صناعة لتخليق الناجين من الهولوكوست)(5).
 
التجربة البريطانية في التعامل مع نتائج الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والدروس المستفادة
 من المنظور التاريخي، ومع اختلاف الظروف، من المفيد استعادة ملامح من التجربة البريطانية في التعامل مع الأضرار المترتبة على الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والحرب العالمية الثانية (1939-1945).
 
الحرب العالمية الأولى
 دون الدخول في التفاصيل، وهي متوافرة في كتب التاريخ وبعض المواقع الإلكترونية، فإن بريطانيا لم تعوض الأفراد والشركات المتضررة بعد الحرب العالمية الأولى إلا في حالات محددة تركّزت على تعويض الجنود المصابين والأرامل والشركات ذات العلاقة بالمجهود الحربي.  صدر أول قانون لتعويضات الحرب Injuries in War (Compensation) Act 1914 (لتوفير تعويضات ومعاشات للجنود البريطانيين الذين أصيبوا أثناء الخدمة في الحرب، ولأسرهم في حال الوفاة) وتلاه قانون آخر موسّع Injuries in War (Compensation) Act 1915 (لتعويض العاملين المدنيين المرتبطين بالخدمات البريدية والبرقية أثناء الحرب، ووسع نطاق التعويضات لتشمل الإعاقات الناتجة عن العمليات الحربية).
 رغم أن القانونين لم يتضمنا تعويضات شاملة للأضرار المادية التي لحقت بالممتلكات المدنية أو الشركات، إلا أن المؤرخين يعتبرون هذين القانونين جزءًا من التحول الاجتماعي نحو دولة الرعاية الاجتماعية.
 بعد الحرب صدر قانون تعويضات الحرب War Compensation Acts لتغطية بعض الأضرار التي لحقت بالممتلكات نتيجة القصف أو المصادرة، لكنه لم يكن شاملاً. وكبديل أنشئت وزرة إعادة الإعمار لتنسيق جهود إعادة البناء، ركزت على البنية التحتية العامة وليس التعويضات الفردية المباشرة التي اقتصرت على تعويض الجنود المصابين من خلال معاشات تقاعدية أو تعويضات حسب درجة الإصابة؛ وأسر القتلى من الأرامل والأيتام من خلال دعم مالي شهري يخضع لشروط صارمة. اما العمال المدنيون فإنهم لم يحصلوا على تعويض مباشر عن الأضرار سوى أن البعض منهم استفاد من برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني.
في ما يخص تعويض الشركات المرتبطة بالإنتاج الحربي فإنها حصلت على عقود حكومية مربحة خلال الحرب، وبعد انتهائها تم تقديم بعض التعويضات لها عن خسارة العقود أو تحويل النشاط.  أما الشركات المتضررة من القصف أو المصادرة فقد تم تعويضها جزئيًا، لكن كثيرًا من المطالبات رُفضت أو تأخرت بسبب نقص الموارد.
 وفيما يخص دور شركات التأمين البريطانية فإنه كان محدودًا، إذ أن معظم وثائق التأمين تستثني الأضرار الناتجة عن الحرب، ما دفع بعض الشركات الصناعية للمطالبة بتعويضات حكومية.
 لقد كان النظام الاقتصادي الاجتماعي في بريطانيا قائمًا على تفاوت وتمييز طبقي فبعض الفئات، مثل أرامل الجنود من الطبقة العاملة، واجهت صعوبات أكبر في الحصول على الدعم مقارنة بالأرامل من الطبقة العليا.
 
الحرب العالمية الثانية
 بعد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت بريطانيا نهجًا مزدوجًا للتعويض عن أضرار الحرب: من خلال إنشاء هيئة تعويضات الأضرار الحربية War Damage Commission (1941-1978)، واجتماعيًا عبر تأسيس دولة الرفاه الحديثة التي ضمنت الرعاية الصحية، والسكن، والتعليم للمتضررين.
 كانت المهام الأساسية للهيئة: تعويض الأفراد والشركات عن الأضرار التي لحقت بالمباني والممتلكات بسبب القصف الجوي والغارات، وتقديم تعويضات مالية أو إعادة بناء الممتلكات المتضررة.
 ولتمويل هذه التعويضات لجأت الحكومة إلى فرض ضريبة خاصة تُدفع من قبل مالكي العقارات، تُعرف باسم Contributions to the War Damage Fund
 وقد ميّزت هيئة تعويضات الأضرار الحربية بين نوعين من الأضرار: (1) تعويضات مباشرة عن الأضرار الفورية Immediate Damage. (2) تعويضات تُصرف لاحقًا بعد انتهاء الحرب، خاصة في حالات إعادة البناء Deferred Damage.
 
كان أبرز وأهم استجابة هو الإجراءات لتأسيس دولة الرفاه اعتمادًا على التقرير الذي قدمه الاقتصادي والمصلح الاجتماعي وليم بيفرج (1879–1963) William Beveridge عام 1942 وكان الحجر الأساس، حيث اقترح القضاء على "الشرور الخمسة": الفقر، المرض، الجهل، البطالة، السكن السيئ. وعلى أثرها تم تأسيس الخدمة الصحية الوطنية National Health Service-NHS عام 1948 وهو نظام صحي مجاني وشامل، من المهد إلى اللحد كما يقال.  استفاد المتضررون من الحرب من الحصول على العلاج دون تكلفة.(6)
 وضمت هذه الإجراءات برامج بناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية لتعويض من فقدوا منازلهم وكذلك قيام الحكومات المحلية ببناء مساكن تؤجر بأسعار رمزية Council Housing (7)
كما شملت الإجراءات صرف إعانات للأرامل، والأيتام، والجنود المصابين، وتوسيع نظام التأمين الوطني ليشمل البطالة، والمرض، والإعاقة.
 وكذلك إعادة الإعمار الصناعي من خلال تقديم مساعدات لإعادة بناء المصانع، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والصناعات الثقيلة. وقد خضعت هذه وغيرها إلى التأميم وظلت جزءًا من ملكية الدولة لحين خصخصتها من قبل حكومة تاتشر منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، واستمرت بعد ذلك.
 مجموعة الإجراءات هذه بعد الحرب العالمية الثانية شكّلت تحولاً بنيويًا للتكوين الاقتصادي الاجتماعي، حيث تحولت بريطانيا من دولة ليبرالية إلى دولة رفاه اجتماعي.
 
الدرس المستفاد من التجربة البريطانية
 قد يكون هذا الدرس قابلاً للنقاش وهو المطلوب في ضوء المتغيرات في الأوضاع العامة وفي اجتراح الحلول التي صارت تجمع ما بين القطاعين العام والخاص ودور الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
 إن مقارنة النموذج البريطاني لتعويض المتضررين من الحربين العالميتين بآليات محتملة لتعويض المتضررين في غزة بعد حرب أكتوبر 2023 تكشف عن اختلافات جوهرية في السياق السياسي، القانوني، والاقتصادي، لكنها تقدم دروسًا مهمة يمكن الاستفادة منها في بناء نموذج تعويضي عادل ومستدام.
 يمكن تلخيص الدرس المستفاد من النموذج البريطاني بالآتي:
 بدلاً من التركيز على التعويضات الفردية من الأفضل التأكيد على التعويضات الجماعية (بناء المؤسسات والخدمات ذات الطابع الاجتماعي كالخدمات الصحية والرعاية والضمان الاجتماعي).  مثل هذا البرنامج يقتضي وجود "دولة" قوية وهو ما لا يتوفر في غزة أو الضفة الغربية. وهنا تثار مسألة تمويل مثل هذا البرنامج في غياب الدولة (هناك دولة احتلال عنصري تمنع حتى السلطة الوطنية الفلسطينية من الحصول على حصتها من الضرائب). إن التمويل القائم والمرتقب على مساعدات من الدول المانحة بشروط سياسية، لو كان بإمكان "دولة فلسطين" وغزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، الحصول على تعويضات الحرب من إسرائيل، عندها يمكن تمويل البرنامج أو بعض مكوناته من هذه التعويضات، وهو ما حصل في بريطانيا، وغيرها من الدول الأوروبية التي حصلت على تعويضات من ألمانيا استفادت منها لإعادة البناء.
 ليس معروفًا إن كان هناك مشروع فلسطيني لتعويض المتضررين من أهل غزة والضفقة الغربية والقدس الشرقية، وحتى أن فكرة التعويض تبدو وكأنها ليست ضمن اهتمامات الدوائر الفلسطينية.  لو كان مثل هذا المشروع موجودًا حتى في خطوطه العامة لكان، كما نعتقد، موضوعًا للنقاش العام.  وليس هذا فحسب، بل ليس هناك مشروع لتأسيس هيئة فلسطينية مستقلة تتولى مهام توثيق الخسائر المترتبة على الاحتلال وترسم السياسات المناسبة لتقديم المطالبات القانونية للتعويض.
 من رأينا أن عقدًا اجتماعيًا جديدًا يعتمد العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية سيكون تعويضًا غير مباشر للمعاناة المستمرة منذ 1948.
6 تشرين الثاني 2025.
 
الهوامش:
1 - "تأمين أخطار الحرب" ترجمة وتقديم مصباح كمال، موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:
 2-  حتى الجانب الاقتصادي لم يلق عناية كافية ليكون الإطار العام لفهم اقتصاديات التأمين في غزّة. هناك دراسات قيمة يمكن الرجوع إليها، على سبيل المثل:
Junaid B. Jahangir, “Economics of Gaza”, real-world economics review, issue no. 110, March 2025, pp.55–66, http://www.paecon.net/PAEReview/issue110/Jahangir110
والكتاب الفخم:
Sara Roy, The Gaza Strip: The Political Economy of De-Development, Third Edition, (Institute of Palestine Studies, 2016)
 3- General Arab Insurance Federation, Arab Insurance Statistics Book, 2017-2023 (Cairo: GAIF, n.d.), Table 1- Total Written Premium (Life & Non-Life), p 22.
4- راجع الهامش رقم 1.
تنص معظم وثائق التأمين على استثناء الخسائر والأضرار الناتجة عنن الحرب أو الأعمال العدائية أو التمرد أو الثورة أو الاحتلال العسكري أو الكوارث الناتجة عن استخدام الأسلحة أو القصف الجوي وغيرها من المسببات المماثلة.
 5- Norman G Finkelstein, The Holocaust Industry: Reflections on the Exploitation of Jewish Suffering (Verso, 2000).
يمكن التعرف على مواقف نورمان فينكلشتاين في فيديوهات اليوتيوب ومنها هذا اللقاء: https://www.youtube.com/watch?v=5g0IC1ZlcIg الذي ذكر فيه أن عدد الناجين من المحرقة كان بحدود 100,000 وكيف جرى تعظيم هذا العدد ليتحول إلى "صناعة" للحصول على تعويضات دون وجه حق في العديد من الحالات حتى من قبل أفراد لم يكونا أصلاً من الناجين، وتحول مع مرور الوقت إلى عملية ابتزاز.
 6- للتعرف على تاريخ سريع لأصول دولة الرفاه في بريطانيا راجع:
Derek Fraser, The Welfare State (Sutton Publishing, 2000)
7- ستقوم حكومة مارغريت تاتشر في أوائل ثمانينيات القرن الماضي بتخويل مجالس الحكومات المحلية ببيع المساكن التي قامت ببنائها لمستأجريها.