مقدمة: الذكاء الاصطناعي إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية بوسائل أكثر تطورًا وتحكما
يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد اهم ميادين الصراع الطبقي في العصر الرقمي، ولا يمكن التعامل معه كأداة تقنية محايدة او كإنجاز علمي مستقل عن البنية الاقتصادية السائدة. فكما أشار كارل ماركس في العديد من كتبه، فإن كل قفزة تكنولوجية تحدث داخل النظام الرأسمالي لا تؤدي إلى تحرير الإنسان، بل إلى إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية بوسائل أكثر تطورًا. ولذلك فإن التطورات التكنولوجية الحالية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ليست مجرد تطورات تقنية بلا خلفية طبقية، بل تتشكل داخل علاقات الإنتاج السائدة وتعمل على تعزيزها. ان كل تقنية جديدة يتم ادماجها في بنية الرأسمالية تتحول تلقائيا الى أداة بيد البرجوازية لتوسيع نفوذها وزيادة قدرتها على السيطرة على العمل والموارد والوعي، ما يجعل من الذكاء الاصطناعي احدى أكثر ادوات السيطرة الرقمية فاعلية في تاريخ النظام الرأسمالي.
ورغم ان الذكاء الاصطناعي يحمل في جوهره إمكانيات هائلة لخدمة البشرية وتقليل جهد العمل، وتحسين جودة الحياة وعلاج الأمراض وتطوير العلوم، وتسهيل الوصول إلى المعرفة، وتطوير التعليم الفردي، وتقليل الأخطاء البشرية في المجالات الحساسة مثل الطب والطيران، وتعزيز السلامة المهنية في الأعمال الخطرة، وتطوير تقنيات بيئية قادرة على مراقبة التلوث وإدارة الموارد الطبيعية بشكل أكثر كفاءة... الخ، إلا أنه داخل النظام الرأسمالي يتحول بشكل أساسي إلى سلاح طبقي يهدف إلى تكثيف الاستغلال والسيطرة. تماما كما حدث في الثورة الصناعية حين لم تُستخدم الآلات لتقليل ساعات العمل أو لتحسين شروط حياة الشغيلة، بل لتسريع وتيرة الاستغلال وتعظيم الأرباح على حساب العمال. واليوم تتكرر العملية ذاتها، إذ تُستخدم الأتمتة والخوارزميات لتخفيض تكاليف الإنتاج، وتقليص الحاجة إلى العمالة البشرية، وفرض أنماط عمل أكثر هشاشة، وتسهيل السيطرة عبر نماذج تقييم ومراقبة رقمية مستمرة. ومن الممكن أن يتحول شغيلات وشغيلة اليد والفكر إلى جزء من منظومة تقنية لا يتحكمون فيها، بينما يجري استبدالهم تدريجيا بالأنظمة الذكية، ما قد يؤدي إلى تفاقم البطالة وتوسيع رقعة العمل غير المستقر من خلال دفعهم الى ايجاد اعمال بديلة، وخلق أشكال جديدة من الاغتراب والتهميش الاجتماعي والاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، تتشكل علاقات إنتاج جديدة تُحكم فيها البرجوازية قبضتها على وسائل الإنتاج الرقمي ذاتها، بما يشمل البيانات، والبنى التحتية، والمنصات، والخوارزميات... الخ. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من عملية إعادة إنتاج الاستغلال في شكله الأكثر تطورًا وحداثة، اذ يجمع بين القدرة التقنية على إدارة العمل والتحكم في الوعي الجماهيري، وبين القدرة الاقتصادية على الاحتكار وتعظيم الأرباح، ما يجعل الفضاء الرقمي امتدادا طبيعيا لمعمل رأسمالي مفتوح يعمل على مدار الساعة.
ومن هنا، فإن فهم الذكاء الاصطناعي اليوم لا ينفصل عن تحليل البنية الطبقية للصراع الاجتماعي، ولا عن المهام اليسارية في مواجهة الهيمنة الرأسمالية. فالمسألة هي صراع سياسي طبقي حول من يمتلك التكنولوجيا، ومن يحدد اتجاهاتها، ولصالح من يتم توظيفها.
الذكاء الاصطناعي كأداة للسيطرة والقمع، ولغسل الوعي الجماهيري
لم تعد السيطرة الرأسمالية على الذكاء الاصطناعي تقتصر على إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، بل أصبحت ايضا أداة مباشرة للسيطرة والقمع السياسي، ووسيلة فعالة لتثبيت بنية السلطة بكل اشكالها الناعمة والخشنة. إذ يُستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم في أنظمة المراقبة الجماعية، والتعرف على الوجوه، وتحليل السلوك السياسي للأفراد والمجموعات، وبناء نماذج تنبؤية تحدد احتمالات الاحتجاج والتمرد، ما يسمح للأنظمة القمعية، وحتى تلك التي تُقدَّم كديمقراطية ليبرالية في الغرب وبدرجات مختلفة، بالتدخل المسبق لإحباط أو إضعاف أي مقاومة يسارية جذرية محتملة. فعندما تقترب حركة ما من تجاوز "الخطوط الحمراء" التي تهدد استقرار النظام الرأسمالي، تتحرك هذه المنظومات لتفكيكها بأشكال مختلفة قبل ان تتطور، عبر تقنيات متطورة قادرة على قراءة النوايا والسلوك وتصنيف البشر والمجموعات وفق معايير سياسية وأيديولوجية وأمنية.
الرقابة الرقمية اليوم تتجاوز بكثير حذف المحتوى أو حجب الحسابات، إذ تتخذ شكل "المراقبة الذاتية الطوعية"، حيث يبدأ المستخدمون والمستخدمات في التطبيقات الرقمية وحتى المجموعات بتعديل خطاباتهم وآرائهم خوفا من الحجب أو الاختفاء الخوارزمي أو العقوبات الرقمية. وتتحول الخوارزميات نفسها الى سلطة تأديبية، تدفع الافراد نحو الصمت أو الاخضاع والتدجين الفكري والسياسي المُخطّط له، وتقوّض قدرة التنظيمات اليسارية والتقدمية على التعبئة والتحشيد الجماهيري. وبذلك ينزاح الفضاء الرقمي تدريجيا نحو سيطرة منطق السوق الرأسمالي وهيمنة الحكومات وبالأخص في الدول الاستبدادية، ويتحول الانترنت الى ساحة سيطرة ومراقبة لا تقل قسوة عن أجهزة الأمن التقليدية دون الحاجة الى الشرطة والجيوش.
ويظهر القمع الرقمي في صور متعددة، منها "الاحباط الرقمي"، حيث تعمل الخوارزميات على إضعاف إرادة الناشطين والناشطات عبر تقليل انتشار أصواتهم بشكل غير محسوس، وتضخيم فشل التجارب اليسارية، والترويج للخطابات المحبطة، من أجل زرع الشعور بالعجز واستحالة التغيير. ويصل القمع إلى حدود "الاغتيال الرقمي"، وهو محو كامل للبصمة الرقمية لأفراد أو مجموعات، عبر إغلاق الحسابات والمنصات وحجب المواقع وتدمير الروابط التنظيمية الرقمية، ما يؤدي إلى تقييد وتحجيم دور الأصوات اليسارية والتقدمية عن الجماهير وإضعافها في المجال العام. هذه الممارسات لا تختلف في جوهرها عن الاعتقال السياسي التقليدي، لكنها تعمل بطريقة ناعمة وغير محسوسة ومستمرة ولكن مؤثرة جدا، ضمن منطق السيطرة الخوارزمية المستمرة.
ولا يقتصر الذكاء الاصطناعي على القمع السياسي، بل يساهم ايضا في إعادة إنتاج التمييز الجندري والعرقي عبر خوارزميات تعكس انحيازيات البنى الاجتماعية الرأسمالية ذاتها. فالخوارزميات التي تُستخدم في التوظيف، والسكن، وتحديد الفرص والوظائف، والنظرة الى المرأة، غالبا ما تعيد إنتاج العقل الذكوري والعنصري والتمييز ضد النساء والفئات المهمشة، وتكرّس اختلال علاقات القوة في المجتمع، مما يجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من سلسلة طويلة من الاضطهاد الاجتماعي والجندري.
ومثلما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لمراقبة البشر، يُستخدم ايضا في تطوير الأسلحة الذكية، والطائرات المسيرة، والأنظمة العسكرية ذاتية القرار، التي توسع من قدرة الدول الرأسمالية الكبرى والاستبدادية على شن الحروب، وإخضاع الشعوب، وفرض توازنات دولية قائمة على العنف التكنولوجي. ويتحول الذكاء الاصطناعي بذلك إلى أداة لإدارة الصراعات السياسية والعسكرية بكلفة بشرية أقل للرأسمالية، وبكلفة اجتماعية وبيئية أعلى للشعوب، إذ تؤدي الأتمتة الى تسريع تدمير البيئة وتوسيع عمليات استخراج الموارد والمعادن اللازمة للصناعات التكنولوجية.
إلى جانب دوره في إعادة تشكيل علاقات العمل وتعزيز السيطرة والقمع، تُستخدم معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كما كان الحال مع الإعلام بمختلف أشكاله من قبل ولا يزال، كأداة للتحكم في الوعي والإدراك الجماهيري، وترسيخ القيم الرأسمالية في حياتنا اليومية. يتم ذلك من خلال الخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات، وتوجيه النقاشات العامة، وفرض واقع ثقافي أحادي يُكرّس هيمنة السوق والملكية الخاصة والاستهلاك الفردي باعتبارهما القيم الطبيعية الوحيدة الممكنة. الذكاء الاصطناعي اليوم هو أحد أكثر الأدوات فاعلية في تكريس هذه الهيمنة الفكرية، حيث يتم ضبط الخوارزميات لتوجيه الجماهير نحو قبول الرأسمالية كخيار ونظام أمثل بل ازلي، عبر خدمات تصنف مجانية وعمليات تأثير ناعمة وبطيئة وغير محسوسة، تمنح الأفراد شعورا زائفا بالحرية والاختيار. وعلى المدى الطويل، قد تتحول الجماهير الى "قطيع خانع يُقاد بسهولة"، اذ يُضعف الذكاء الاصطناعي الوعي الطبقي عبر تسطيح الفكر اليساري والتقدمي، وتفريغ النقاشات السياسية من مضمونها، وتحويل الصراعات الكبرى الى قضايا جانبية بسيطة، بعيدا عن تحليل البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة على الاستغلال والنهب. وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى جهاز ايديولوجي شامل، يعيد إنتاج السيطرة الطبقية بطريقة أكثر عمقًا وتغلغلًا وفاعلية من أي أداة استخدمتها الرأسمالية عبر تاريخها.
البديل اليساري الممكن والمطلوب في مواجهة العبودية الرقمية وتحرير التكنولوجيا
إنّ إعادة توجيه الذكاء الاصطناعي نحو خدمة الجماهير بدلا من رأس المال تتطلب تغييرا جذريا في الطريقة التي تُصنع وتُدار بها التكنولوجيا، وفي موقعها داخل الصراع الطبقي الدائر اليوم. فالرأسمالية لم تعد تكتفي باستغلال العمل اليدوي والفكري، بل توسعت نحو خلق نوع جديد من التبعية والعبودية البشرية. ولذلك، فإن مواجهة هذه البنية لا يمكن أن تتم عبر إصلاحات سطحية أو عبر الوعود البراقة للشركات حول اخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إذ أثبتت التجارب ان هذه الأخلاقيات غالبا ما تُستخدم كغطاء لتجاوزات أعمق، وكآلية لاحتواء النقد لا لمعالجة جوهر المشكلة.
ما نحتاجه هو بناء بديل ونموذج تقدمي بديل قائم على أنظمة مفتوحة المصدر وشفافة كبديل ممكن الآن، تُدار ديمقراطيا وتخضع لرقابة وضوابط مجتمعية حقيقية، بحيث يشارك المجتمع في تحديد اتجاهات التطوير واهدافه وقيوده. هذا البديل الممكن يشكل نقطة بداية واقعية في ظل ميزان القوى الحالي، لأنه يسمح بخلق فضاءات رقمية مستقلة نسبيا عن هيمنة الشركات الاحتكارية، ويمنح الحركات اليسارية والقوى التقدمية قدرة على التحرّك وبناء أدواتها الخاصة دون انتظار تغيير جذري في البنية السياسية العالمية. هذه الأنظمة المفتوحة تتيح تبادل المعرفة بشكل أفقي ومحايد، وتعزز التعاون المجتمعي، وتحمي المستخدمين والمستخدمات من الخوارزميات السرية التي تتحكم في الوعي و السلوك والبيانات، وتفتح الباب أمام تطوير تقنيات تتوافق مع مواثيق حقوق الانسان العالمية وقيم العدالة والمساواة. وفي هذا الإطار يصبح العمل على فرض تشريعات محلية وعالمية صارمة تحد من سلطة الشركات التكنولوجية وتقيّد قدرتها على الاحتكار والتحكم في البيانات والخوارزميات جزءًا أساسيًا من أي مشروع تقدمي يسعى إلى تحرير الفضاء الرقمي.
لكن هذا البديل الممكن لا يكفي لتحقيق التحرر التكنولوجي الكامل، لذلك يظهر "البديل المطلوب" كأفق ضروري لا مفر منه، وهو الانتقال نحو ملكية مجتمعية للموارد الرقمية: البيانات، الخوارزميات، البنى التحتية، والمعرفة التقنية. إن تحرير التكنولوجيا من قبضة الشركات الاحتكارية لا يمكن أن يتحقق دون تحويل هذه الموارد الرقمية إلى ملكية جماعية فعليا، تُدار وفق مبادئ الديمقراطية التشاركية وتخضع لرقابة شعبية، بحيث تصبح التكنولوجيا ثروة اجتماعية تُستخدم لصالح الجميع. هذا البديل المطلوب يشكل قلب مشروع يساري معاصر، لأنه يعيد تعريف التكنولوجيا بوصفها حقا إنسانيا ووسيلة للتحرر.
بهذا المعنى، يصبح البديل الممكن خطوة انتقالية ضرورية لفتح الطريق نحو البديل المطلوب. الاول يخلق هامشا للتحرك داخل النظام القائم، والثاني يطرح مشروع التحول الشامل لتفكيك البنية الرقمية الرأسمالية واستبدالها ببنية مجتمعية تحررية. ولا يمكن الوصول إلى البديل المطلوب دون المرور بالبديل الممكن. كلاهما يشكلان معا الأساس العملي والنظري لبناء استراتيجية يسارية معاصرة لمواجهة الرأسمالية الرقمية والعبودية التكنولوجية التي تفرضها.
وفي هذا السياق، يُعدّ تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات السياسية والفكرية والتنظيمية والإعلامية والعمل الجماهيري. فكما لا يمكن لقوى اليسار الاعتماد على الإعلام الرأسمالي وتكتفي بنقده دون بناء إعلامها المستقل، وكما تطوّر فكرها وأدواتها التنظيمية خارج قوالب الهيمنة السائدة، فإن عليها أيضًا بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، بما يخدم مشروعها التحرري الشامل.
ولا يمكن فصل الصراع حول الذكاء الاصطناعي عن الصراع الطبقي الأوسع، إذ لم تعد التكنولوجيا أدوات هامشية، بل أصبحت قلب العملية الإنتاجية ومنظومة تعيد إنتاج القوة الطبقية على مستوى عالمي. ولذلك فإن مواجهة استغلال الذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا هي جزء أساسي من النضال التاريخي ضد الرأسمالية. إن انتزاع التكنولوجيا من يد رأس المال وتحويلها إلى قوة تحرر جماعي هو شرط لتحقيق العدالة الاجتماعية والبديل الاشتراكي، وضرورة تفرضها التحولات الجارية أمامنا. وإذا لم تتشكل بدائل يسارية واضحة قادرة على كسر الاحتكار التكنولوجي، فقد نواجه مرحلة جديدة من العبودية الرقمية، بل يمكن القول إننا نعيش بداياتها بالفعل. مرحلة تتحول فيها التكنولوجيا إلى بنية هيمنة شاملة تتحكم بإيقاع الحياة، وتحدد ما يجب التفكير به واستهلاكه والعمل عليه، وحتى تفرض حدود النضال اليساري نفسه. لذلك يصبح تحرير التكنولوجيا ضرورة وجودية، ومهمة مركزية للقوى اليسارية والتقدمية الساعية لبناء مجتمع يقوم على المساواة والعدالة والملكية الجماعية للموارد الرقمية والمادية معًا.
بناء أمميات يسارية رقمية
كما أشرت، تواجه البشرية اليوم سيطرة عالمية غير مسبوقة من قبل الشركات التكنولوجية الكبرى، والدول الرأسمالية، والأنظمة الاستبدادية على الذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا، مما يجعل تشكيل تحالفات وأمميات رقمية يسارية عالمية ضرورة حتمية لمواجهة هذه الهيمنة. وفي مواجهة هذا المستوى من السيطرة، لم يعد بإمكان أي تنظيم يساري أو تقدمي محلي التصدي منفردًا لإمبراطوريات التكنولوجيا العملاقة التي تمتد عبر القارات وتمتلك نفوذا ماليا وسياسيا وإعلاميا يجعلها بمثابة دول عظمى فوق قومية ودون أطر أو قوانين.
لذلك يجب أن تتجاوز الأمميات اليسارية الجديدة الخلافات السياسية والفكرية والتنظيمية التي شتّتت جهود القوى اليسارية والتقدمية لعقود طويلة، وأن تتبنى رؤية وحدوية تستند إلى الدفاع عن الإنسان وحقوقه وقيم المساواة والعدالة في مواجهة العبودية الرقمية التي تُفرض عليه بشكل ناعم ومتدرج. إن بناء جبهة يسارية عالمية في مجال التكنولوجيا هي ضرورة سياسية ووجودية لضمان ألا تتحول البشرية الى مجرد وقود للخوارزميات التي تديرها الشركات الاحتكارية والدول الرأسمالية الكبرى. ويتطلب هذا العمل التحالفي تطوير تقنيات بديلة مفتوحة المصدر، أو نماذج يسارية للتحكم بالتكنولوجيا، تعكس قيم العدالة الاجتماعية والمساواة.
وتحتاج هذه المواجهة إلى سياسات وبرامج فعالة تدار من قبل أطر تنظيمية أممية، تبدأ بتأمين موارد مالية مستقلة عبر التمويل التعاوني، وحملات الدعم الجماهيري، وإنشاء صناديق تضامن رقمية عابرة للحدود، بعيدًا عن التمويل المشروط من الحكومات الرأسمالية والمؤسسات التي تعمل على احتواء أي مشروع يساري تقدّمي. إنّ الاستقلال المالي شرط سياسي يحمي المبادرات اليسارية من الوقوع في فخ التبعية، ويضمن قدرة هذه المشاريع على اتخاذ قرارات جذرية دون ضغط خارجي. كما ينبغي النضال من أجل فرض سياسات ضريبية تصاعدية على الشركات التكنولوجية الكبرى، وتوجيه جزء من أرباحها الهائلة لدعم مشاريع مجتمعية وتعاونية تعزز البنية التحتية الرقمية العامة. فهذه الشركات تعتمد على عمل غير مدفوع، وعلى استغلال بيانات وسلوك ومحتوى المستخدمين والمستخدمات، مما يؤدي إلى خلق فائض قيمة رقمي ضخم يُنتَج يوميًا من قبل الجماهير دون أن يحصلوا على أي مقابل. ومن الطبيعي إذن أن يُعاد توزيع جزء من هذه الأرباح الاحتكارية لخدمة المجتمع الذي تُبنى عليه إمبراطورياتها الرقمية.
ولا يمكن تجاهل ردّ الفعل الرأسمالي المتوقع، اذ ستعمل الشركات الاحتكارية والدول الكبرى المهيمنة على فرض عقبات قانونية وتقنية وسياسية لإحباط أي بدائل تكنولوجية يسارية وتقدمية. ولن تتردد هذه القوى في استخدام أدوات الرقابة والضغط الاقتصادي والسياسي وشيطنة المبادرات التقدمية، بل وحتى تخريبها عبر الهجمات السيبرانية أو تشويه سمعتها في الإعلام الرأسمالي السائد. ولذلك يصبح من الضروري تبني استراتيجيات استباقية تقوم على تطوير أنظمة مقاومة للقمع التكنولوجي، وأنظمة لامركزية قادرة على العمل رغم الضغوط، بما يضمن الاستقلالية الرقمية، واستمرارية المشاريع التقدمية، وكذلك القدرة على المنافسة التكنولوجية الفعلية في مواجهة الشركات الاحتكارية. وفي هذا السياق، تصبح الأمميات اليسارية الرقمية مساحة لتشارك المعرفة والتنسيق والعمل المشترك في المجال الرقمي، وتطوير المهارات التقنية، وبناء شبكات تضامن حقيقية تعمل من اجل خلق توازن قوى جديد داخل الفضاء الرقمي.
جذب الشباب وتطوير الكفاءات ومحو الأمية الرقمية داخل التنظيمات اليسارية
تستثمر الرأسمالية بشكل مكثف ومتواصل في الأدوات الرقمية لتعزيز هيمنتها. وفي المقابل، تعاني معظم التنظيمات اليسارية من فجوة رقمية واضحة تشل قدرتها على التأثير في الفضاء العام وتحد من حضورها في المجتمع، رغم كون هذا الفضاء اليوم أحد أكبر مسارح الصراع الاجتماعي والسياسي. لم يعد الوجود الرقمي مقتصرًا على إدارة صفحات التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية ونشر البيانات التقليدية، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية مرتبطة ببناء بنية تحتية تكنولوجية مستقلة تملكها وتديرها التنظيمات اليسارية والتقدمية، وتسمح لها بممارسة دورها السياسي دون تبعية لمنصات رأسمالية تتحكم بخوارزميات الانتشار والتفاعل. وفي هذا السياق، تبدو المواجهة الرقمية اليوم أقرب إلى معركة الفيل والنملة :رأسمالية تمتلك شركات عملاقة وموارد لا محدودة وخوارزميات مهيمنة، في مقابل يسار محدود الموارد ولكنه قادر، عبر التنظيم والوعي والابتكار، على إحداث تأثير فعلي وتغيير مسار الفضاء الرقمي نفسه.
ولضمان بقاء اليسار في هذا العصر، يصبح التركيز على محو الأمية الرقمية ضرورة تنظيمية وفكرية، لذلك يجب تطوير برامج تدريبية تُمكن القيادات والأعضاء ومن مختلف المستويات من فهم الأدوات الرقمية واستخدامها بشكل فاعل، بل والمساهمة في تطويرها ايضا، بما يشمل الاستخدام الفاعل للذكاء الاصطناعي، إدارة البيانات، الأمن الرقمي، فهم الخوارزميات، تحليل الجمهور، وانشاء المحتوى التقدمي المؤثر... الخ. ان امتلاك المعرفة الرقمية اليوم هو جزء من امتلاك أدوات الإنتاج نفسها، وكل تنظيم يفشل في تحقيق هذا التحول الرقمي سيجد نفسه خارج الصراع السياسي الفعلي، مهما كانت شعاراته تقدمية ويسارية.
ويلعب الشباب دورا محوريا في هذا التحول، فهم الفئة الأكثر قدرة على استيعاب التطورات التكنولوجية الحديثة، والأكثر تفاعلا مع أدوات الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل والمنصات الرقمية الجديدة. ومن خلال مهاراتهم في مجالات مثل اليوتيوب، الأمن الرقمي، البرمجة، تحرير الفيديو، تحليل البيانات، والتعامل مع الخوارزميات..... الخ، يمكنهم ليس فقط سد الفجوة الرقمية داخل التنظيمات اليسارية، بل قيادتها نحو بناء سياسات رقمية مستقلة تتجاوز روتين العمل التقليدي. ويصبح دور الشباب هنا ليس تنفيذيا فقط، وإنما قيادي، اذ يمتلكون القدرة على إدخال اليسار إلى فضاءات جديدة كانت حكرا على القوى الرأسمالية لعقود، والمشاركة في صياغة سياسات أكثر علمية وواقعية، تستند إلى ما هو قابل للتحقق الآن، لا إلى ما هو مرغوب نظريًا فقط، وبما يضمن انتقال اليسار من مستوى الشعارات إلى مستوى الفعل القادر على تغيير موازين القوى وفق التوازنات الطبقية القائمة.
ويتطلب ذلك ايضا جذب الكفاءات التقنية نحو الفكر اليساري، وتوفير بيئات تنظيمية مرنة تتناسب مع طبيعة العمل التكنولوجي، وتتيح للمهندسين والمبرمجين والمصممين والمهتمين بالتكنولوجيا العمل على مشاريع تقدمية مستقلة، بعيدا عن ضغوط ومتطلبات الشركات الاحتكارية. يجب ان يشعر هؤلاء بأن التنظيمات اليسارية ليست كيانات جامدة وبيروقراطية، بل فضاءات حية تستطيع احتضان الإبداع الرقمي وتقديره بوصفه جزءا من النضال الاجتماعي، ويتطلب ذلك اشكالا مرنة من التنظيم والعمل الحزبي. ويجب أن تشمل هذه الجهود إنشاء مدارس رقمية وورشا تعليمية مفتوحة محليا وعالميا، تُقدم تدريبات متقدمة في الاستخدام الفاعل للتكنولوجيا، الأمن الرقمي، تحليل البيانات، بناء المنصات الرقمية، تطوير البرمجيات التعاونية، وتدريب كوادر على إنتاج إعلام يساري قادر على المنافسة في فضاء تهيمن عليه الرأسمالية. كما ينبغي تعزيز التأثير اليساري داخل الشبكات المهنية والمنصات التقنية الكبرى، لتوسيع نطاق الأفكار التقدمية في الأوساط التكنولوجية، وجذب المزيد من الكفاءات إلى صفوف اليسار، بحيث يصبح اليسار فاعلا حقيقيا داخل البنية الرقمية بدل ان يبقى متفرجا وبعيدا عنها.
إن تحويل الشباب إلى قوة يسارية رقمية مؤثرة، وتطوير كفاءات تقنية داخل التنظيمات اليسارية، يشكلان جزءًا أساسيًا من مواجهة الرأسمالية الرقمية، وشرطًا ضروريًا لبناء بديل تقدمي قادر على الصمود والمنافسة وخلق رؤى جديدة للتحرر والعدالة الاجتماعية في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للوعي ذاته. وفي هذا السياق يبرز اليسار الإلكتروني بوصفه امتدادًا مكملًا ومطوِّرًا لليسار التقليدي، يستفيد من الأدوات الرقمية والمعرفة التكنولوجية لبناء منصات مستقلة، وصياغة خطاب أكثر تأثيرًا، وتعزيز قدرته على التنظيم والحشد في الفضاء الرقمي. إن هذا اليسار الرقمي، بمرونته الفكرية والتنظيمية وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع، يشكل رافعة مهمة لتجديد الفكر والممارسة اليسارية وربط النضال الاجتماعي بأدوات العصر ووسائله.
الموقف من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية، هل نستخدم أدوات العدو؟
السؤال المهم هنا: هل يمكن للقوى اليسارية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي الحالي رغم كونه منتجا رأسماليا غير محايد؟؟!
هذا السؤال يعكس الازدواجية الصعبة بين الحاجات الآنية للنضال وبين الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد لبناء بدائل رقمية يسارية تقدمية. فالذكاء الاصطناعي، كما يُنتج ويوجه اليوم، ليس أداة تقنية محايدة يمكن استخدامها دون ثمن سياسي. هو جزء من بنية السيطرة الرأسمالية، ومحصلة لجهود شركات احتكارية ودول عظمى تهيمن على البيانات والبنية التحتية والمعايير التقنية. لذلك فإن الجواب لا يمكن أن يكون بسيطا أو مباشرا بنعم أو لا، بل يجب أن ينطلق من إدراك أن أي استخدام لهذه الأدوات يجري داخل فضاء طبقي منحاز بطبيعته.
هذا السؤال يعكس الازدواجية الصعبة بين الحاجات الآنية للنضال وبين الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد لبناء بدائل رقمية يسارية تقدمية. فالذكاء الاصطناعي، كما يُنتج ويوجه اليوم، ليس أداة تقنية محايدة يمكن استخدامها دون ثمن سياسي. هو جزء من بنية السيطرة الرأسمالية، ومحصلة لجهود شركات احتكارية ودول عظمى تهيمن على البيانات والبنية التحتية والمعايير التقنية. لذلك فإن الجواب لا يمكن أن يكون بسيطا أو مباشرا بنعم أو لا، بل يجب أن ينطلق من إدراك أن أي استخدام لهذه الأدوات يجري داخل فضاء طبقي منحاز بطبيعته.
ومع ذلك، ورغم الطابع الرأسمالي للذكاء الاصطناعي الحالي، يمكن للحركات اليسارية والتقدمية استغلاله تكتيكيا والاستفادة منه وبحذر مدروس ووعي نقدي لتوسيع نطاق تأثيرها في مواجهة الهيمنة الرأسمالية وأنظمة الاستبداد. فالتكنولوجيا، وإن كانت منتَجًا رأسماليًا، يمكن أن تُعاد قراءتها وتوظيفها في سياقات مقاومة، بحيث نستخدم أحد أقوى أسلحة الرأسمالية في مواجهتها نفسها. حيث يمكن توظيف هذه التكنولوجيا في تحليل البيانات السياسية والاجتماعية، وفهم أنماط التغيرات الاقتصادية، وتحديد القضايا الأكثر إلحاحا بالنسبة للطبقات الكادحة، مما قد يتيح رؤية تحليلية أكثر عمقا، ويمنح التنظيمات اليسارية قدرة على صياغة سياسات واقعية تستند الى قراءة أكثر علمية ومادية للواقع. كما يمكن دراسة توجهات الرأي العام باستخدام تقنيات النمذجة والتحليل التنبئي والتغذية العكسية، مما يساعد على تطوير برامج سياسية تتوافق مع الاحتياجات الفعلية للجماهير، ويجنب اليسار الوقوع في فخ التجريد أو الانفصال عن الواقع الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة فعالة لكشف التضليل الإعلامي الذي تمارسه المؤسسات الرأسمالية والأنظمة الاستبدادية، وتحليل الخطاب الإعلامي السائد لتفكيك سياسات التلاعب والهيمنة الفكرية. والاستفادة منه في تطوير خطاب يساري تقدمي قادر على فضح البنى الطبقية والآليات الدعائية للرأسمالية، وتعزز من حضور اليسار في الفضاء العام. حيث يمكن لهذه الأدوات ان تعزز الإعلام اليساري الذي يعكس مصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر، من خلال إنتاج محتوى دقيق وبلغات عديدة، سريع، منخفض الكلفة، وأكثر قدرة على الوصول الى الجماهير. فالخوارزميات، رغم انحيازها الهيكلي للرأسمالية، يمكن استخدامها في تحديد الفئات المستهدفة، وتحسين الاستراتيجيات الإعلامية، وتوسيع نطاق التأثير السياسي لليسار.
وعلى المستوى التنظيمي، يمكن للذكاء الاصطناعي ان يسهم في تحسين آليات التنسيق والتفاعل داخل التنظيمات اليسارية، عبر تحليل ديناميكيات العمل التنظيمي ورصد مكامن القوة والضعف وتعزيز الانسجام بين الأعضاء والكتل، وتحسين إدارة الصراعات الداخلية بطريقة علمية، بالإضافة الى دعم اتخاذ القرار عبر تحليل البيانات التاريخية والتنظيمية. كما يمكن ان يساعد في إدارة المعلومات داخل التنظيمات، وتحليل مدى فاعلية السياسات الحالية، وتحديد أنماط العمل الأكثر نجاحا، مما يسهل تحسين الأداء الجماعي وتقليل البيروقراطية وتعزيز التفاعل الداخلي بشكل أكثر سلاسة وفعالية.
ومع ذلك، لا بد من التعامل مع هذه التكنولوجيا بحذر ووعي نقدي صارم وحس أمني دقيق، بحيث تظل أداة مساندة لا قوة مهيمنة، ويُمنع تماما ان تتحول الى بديل عن النضال السياسي والجماهيري والميداني على الارض. فالاعتماد المفرط على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمكن ان يؤدي الى إعادة تشكيل أولويات الحركات اليسارية وفق منطق تقني محكوم ببيئة رأسمالية معادية بالجوهر، مما قد يفرغ العمل اليساري من مضمونه الطبقي ويحوّله إلى نشاط تقني منفصل عن جذوره الاجتماعية. كما يجب ان تكون جميع هذه الأنشطة تحت رقابة بشرية واعية، مع تطوير معايير أخلاقية وتنظيمية داخلية تمنع تحول التكنولوجيا الى سلطة فوقية داخل التنظيم نفسه. فالخطر لا يكمن فقط في الخوارزميات التي تهيمن عليها الرأسمالية، بل ايضا في انتقال هذه الهيمنة الى داخل الحركة اليسارية دون وعي وبشكل غير مباشر. ولذلك يجب ان تبقى التكنولوجيا اداة تُستخدم ضمن أهداف سياسية واضحة، لا صاحبة القرار ولا محددة لوجهة النضال.
الخاتمة والاستنتاجات
إنّ تحرير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية من قبضة رأس المال وتحويلهما إلى أدوات في خدمة الجماهير هو ضرورة نضالية ملحّة في مواجهة النظام الرأسمالي، الذي يُسخّر هذه التقنيات لتعزيز الهيمنة الطبقية وتعميق الفجوات الاجتماعية. لا يمكن أن تُترك التكنولوجيا تحت سيطرة الشركات الاحتكارية والدول المهيمنة والاستبدادية، بل يجب أن تكون تحت رقابة شعبية ديمقراطية تُعيد توجيهها نحو تحقيق العدالة والمساواة، وتفكيك علاقات الإنتاج القائمة على الاستغلال، وبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي قائم على الملكية الجماعية والإدارة المجتمعية للموارد الرقمية. كما يجب أن يكون الاستخدام التكنولوجي خاضعًا لمعايير بيئية صارمة، بحيث يُوظَّف الذكاء الاصطناعي في الحد من الأضرار البيئية، بدلًا من أن يكون أداة جديدة لاستنزاف الموارد وتفاقم التغير المناخي.
ولكن مقاومة هذه الهيمنة لا يمكن أن تتم بشكل فردي أو معزول، بل تتطلب بناء أمميات يسارية وتحالفات تقدمية رقمية قادرة على فرض بدائل تقنية تقدمية، وتعزيز التعاون والتنسيق بين التنظيمات اليسارية والتقدمية، والنقابات العمالية، والمنظمات الحقوقية، والمهتمين بالتكنولوجيا. ومن الضروري أيضًا تأمين موارد مالية مستقلة تدعم هذه الجهود، عبر آليات تمويل جماعية وتعاونية. إضافة إلى ذلك، يجب سدّ الفجوة الرقمية داخل التنظيمات اليسارية عبر تعزيز محو الأمية الرقمية، واستقطاب الكفاءات التقنية. لا يمكن لليسار أن يظل متفرجًا على تطورات التكنولوجيا، بل عليه اختراق القلعة الرقمية، ليس فقط عبر نقد النظام القائم، بل من خلال إنتاج بدائله التقنية اليسارية.
وفي المرحلة الحالية، ينبغي على التنظيمات اليسارية التعامل مع الذكاء الاصطناعي بحذر ووعي نقدي، مستثمرةً إمكانياته في التحليل السياسي، والحشد الجماهيري، والإعلام، وغيرها. إنّ النضال من أجل تحرير التكنولوجيا هو جزء لا يتجزأ من النضال الطبقي ضد الرأسمالية، ولا يمكن تحقيق تحرر حقيقي دون السيطرة الجماعية على أدوات الإنتاج الرقمية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالصراع على مستقبل المجتمع الإنساني نفسه: على من يحدّد اتجاه المعرفة، ومن يتحكم في تدفق المعلومات، ومن يصوغ الوعي الجماعي، ومن يقرر شكل المستقبل. إنّ السؤال الجوهري يبقى معلّقًا بإلحاح: هل نحن، كقوى يسارية وتقدمية في العالم أجمع، مستعدون فعلًا لخوض غمار هذه الحرب الرقمية المعقّدة والطويلة والمتعددة الجبهات؟
بعد أن تراجعنا وخسرنا معارك عديدة أمام الرأسمالية، محليًا وعالميًا، هل نملك الجرأة على إعادة بناء اليسار فكريًا وتنظيميًا وسياسيًا ليكون على مستوى التحديات التي يفرضها العصر الرقمي؟ اللحظة التاريخية لا ترحم، والمستقبل لن ينتظر أحدًا. فإما أن نلتحق به ونشكّله بوعي ونضال، أو نُترك على هامشه خاضعين لصيغ جديدة ومتطورة من الاستغلال والقهر. ليس أمامنا خيار سوى المواجهة. ولتكن هذه المعركة الرقمية لحظة ولادة جديدة ليسارٍ أكثر شجاعة، أكثر جذرية، أكثر علمية، وأكثر قدرة على قيادة عصره.
*****
للمزيد راجع:
-
اصلاح اجتماعي أم ثورة - روزا لوكسمبورغ – نسخة الكترونية
-
العمل المأجور ورأس المال - كارل ماركس – نسخة الكترونية
-
السيطرة على الإعلام - نعوم تشومسكي – نسخة الكترونية
-
الذكاء الاصطناعي الرأسمالي، تحديات اليسار والبدائل الممكنة: التكنولوجيا في خدمة رأس المال أم أداة للتحرر؟ رزكار عقراوي – نسخة الكترونية
-
الرأسمالية الرقمية من منظور ماركس - إبراهيم يونس
- دانيال مورلي: الذكاء الاصطناعي: هل هو خطر على البشرية أم على الرأسمالية؟
- يونس الغفاري: شبكات التواصل الاجتماعي والقيمة المضافة
- حسن إسميك: "الذكاء الاصطناعي: بين خدمة البشرية أو التفوق عليها" - مركز ستراتيجيكس للدراسات.
- https://strategiecs.com/ar/analyses/artificial-intelligence-serving-humans-or-surpassing-them
-
Tony Burns: Marx, automation and the politics of recognition within social institutions
https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/03017605.2024.2391619#d1e107
- Nigel Walton: Rethinking of Marxist perspectives on big data, artificial intelligence (AI)
- Rezgar Akrawi: The most prominent intellectual and organizational foundations of the electronic left (E-Left)