عانت الحياة السياسية العراقية منذ عام 2003 من نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، الذي يعيد توزيع السلطة على أساس الولاء الحزبي والمذهبي، وليس الكفاءة أو المصلحة العامة. تعود جذور هذا النظام إلى التسعينيات، حين بدأت بعض الأحزاب والحركات من المعارضة العراقية في المنفى بمبادرات لتقاسم المناصب وفق تقديرات نسب الشيعة والسنة والأكراد، كآلية لضمان تمثيل المكونات الرئيسة في أي حكومة مستقبلية. ومع دخول القوات الأميركية وإسقاط النظام السابق واعلانها احتلال العراق في ما بعد، وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 1483 عام 2003، تمّ اعتماد هذا الترتيب ضمنيًا، ليصبح المعيار السائد لتشكيل السلطة السياسية، بغض النظر عن النصوص الدستورية لاحقا.
رغم أن الدستور العراقي لعام 2005 يحظر التمييز الطائفي صراحة، ولا ينص على أي توزيع للمناصب على أساس ديني أو عرقي، فإن القوى السياسية تعاملت معه كقالب لتثبيت المحاصصة الفعلية. فتمّ تقاسم الرئاسات الثلاث: تولّى الكرد رئاسة الجمهورية، والشيعة رئاسة مجلس الوزراء، بينما نال السنّة رئاسة البرلمان. أما الوزارات والأجهزة الحكومية، فقد تحوّلت إلى مناطق نفوذ حزبية، تُستغل كأدوات للصفقات المالية والسيطرة السياسية، بما أسس لفساد منهجي مستمر.
على مدى أكثر من خمس دورات نيابية، ظلّ البرلمان العراقي عاجزًا عن بناء دولة المؤسسات، ولم تُستثمر السلطة في ترسيخ مبدأ فصل السلطات أو تعزيز المساءلة. واستمر اختيار الرئاسات العليا وفق أعراف المحاصصة الطائفية-الإثنية المعهودة كل أربع سنوات، مما أدى إلى تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات، كما تجلّى في الانتخابات البرلمانية لعام 2018، التي شهدت حالات تزوير وحرق صناديق اقتراع في بغداد ومحافظات أخرى، ما أثر على شرعية البرلمان.
وسط هذا المناخ، تصدّر المطالب الشعبية والسياسية تحجيم المحاصصة وتعزيز الكفاءة والمساءلة، لكن رغم الضغوط، بقيت ممارسات المحاصصة وأدواتها الأساسية صامدة داخل البنية السياسية العراقية، محافظة على هيمنتها على صنع القرار وتأثيرها على حياة المواطنين اليومية.
الدورة النيابية الأولى (2005 – 2010 )
انطلقت هذه الدورة في مناخ سياسي مضطرب اتّسم بتصاعد النزعة الطائفية والعرقية، ما أسّس لمرحلة من الانقسام المجتمعي العميق. فقد قاطع معظم العرب السنّة الانتخابات التشريعية والاستفتاء على الدستور، الأمر الذي انعكس مباشرة على موازين القوى داخل البرلمان.
توزّعت المناصب العليا وفق صيغةٍ طائفية - إثنية شبه ثابتة، حيث تولّى جلال طالباني رئاسة الجمهورية كونه كرديا، وأسند منصب رئيس الوزراء إلى إبراهيم الجعفري في الحكومة الانتقالية كونه شيعيا، قبل أن يخلفه نوري المالكي نهاية عام 2005، فيما نال السنّة رئاسة مجلس النواب.
أما على صعيد المفوضية والدوائر الانتخابية، فقد جرى توزيع المقاعد تبعًا للتقسيمات الجغرافية للمحافظات، مع تخصيص 25% من المقاعد للنساء، وضمان تمثيل الأقليات القومية والدينية وفق ما نصّ عليه الدستور الجديد.
ورغم هذه الترتيبات التي كان يُفترض أن تؤسس لتوازن سياسي، فإنها تحوّلت عمليًا إلى محاصصة سلطوية كرّست مبدأ تقاسم النفوذ بدل بناء الدولة. لم تشهد الدورة إنتاجًا تشريعيًا فاعلًا، إذ طغت حسابات الكتل الكبرى على المصلحة العامة.
تفوق التحالف الشيعي المدعوم من المرجعية الدينية في النجف على منافسيه انتخابيًا، لكنه لم يحقق الأغلبية المطلقة، ما منح الأكراد ثلثًا معطِّلًا داخل البرلمان، وجعل تشكيل أي حكومة رهينًا بتوافق المكونات الرئيسية.
هذا التوازن الهشّ فتح الباب أمام احتكار الأحزاب الكبرى للسلطة والمناصب، وأضعف شرعية العديد من التشريعات، في حين زرع بذور الاحتقان الشعبي الذي سيتحوّل لاحقًا إلى موجات احتجاج واسعة في السنوات التالية.
الدورة النيابية الثانية (2010 – 2014)
جاءت الدورة النيابية الثانية لتكشف هشاشة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية - الإثنية، ولتختبر قدرته على الصمود أمام تناقضات المكونات العراقية؛ ففي انتخابات آذار 2010، تصدّر ائتلاف "العراقية" بزعامة إياد علاوي النتائج بفارق ضئيل عن ائتلاف "دولة القانون" بقيادة نوري المالكي. ومع ذلك، رفضت القوى الشيعية تمكين علاوي من تشكيل الحكومة، معتبرة أن رئاسة الوزراء من "الاستحقاقات الشيعية الثابتة" ضمن معادلة تقاسم السلطة.
وبعد جدل دستوري طويل حول تفسير الكتلة الأكبر، نجح المالكي في الاحتفاظ بمنصبه لولاية ثانية، لتستمر صيغة التوزيع الطائفي في المناصب العليا كما كانت، مع تكريس نفوذ أعمق لحزبه داخل مؤسسات الدولة. كما جرى تقسيم المحافظات ومراكز القرار على أسس الولاء الحزبي والمذهبي، مما عمّق الشرخ بين المكونات.
خلال هذه الدورة، عزّز المالكي تحالفاته مع بعض الفصائل الشيعية على حساب شركائه من القوى السنية والكردية. ولم يتمكّن البرلمان من القيام بإصلاحات جوهرية تُنهي نهج المحاصصة، بل ظلّ أسير التفاهمات السرّية بين زعماء الكتل الكبرى، حيث جرى تمرير القرارات والتعيينات وفق مبدأ تقاسم النفوذ لا بناء المؤسسات. وهكذا رسّخت هذه الدورة سلطة المالكي المطلقة، وعمّقت الانقسام الذي مهد لانفجار الأزمات اللاحقة في البلاد.
الدورة النيابية الثالثة (2014 – 2018)
هذه الدورة جاءت في واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخ العراق الحديث، إذ تزامن انطلاقها مع تمدد تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد، ما فرض على القوى السياسية حالة طارئة من الوحدة الوطنية المؤقتة تحت ضغط التهديد الأمني الوجودي.
أُجريت انتخابات نيسان 2014 وسط استقطاب حاد بين معسكري دولة القانون بقيادة نوري المالكي وخصومه داخل البيت الشيعي نفسه، لتُسفر المفاوضات لاحقًا عن اختيار حيدر العبادي رئيسًا لمجلس الوزراء، في محاولة لامتصاص الاحتقان وإعادة التوازن السياسي بعد سنوات من التوتر بين المكونات.
ورغم الخطاب الداعي إلى تجاوز المحاصصة لصالح "حكومة الإنقاذ"، فإن التوزيع الطائفي للمناصب ظل على حاله، إذ استمر تقاسم الحقائب السيادية بين الشيعة والسنّة والأكراد ضمن القوالب القديمة ذاتها، من دون مراجعة حقيقية لآلية الحكم أو إصلاح مؤسسات الدولة. كانت الأولوية الأمنية هي العنوان الأبرز لتلك المرحلة، فجرى تهميش الملفات السياسية والخدمية لصالح الحرب ضد الإرهاب.
في عام 2016، أقرّ البرلمان قانون هيئة الحشد الشعبي، الذي ضمّ فصائل وميليشيات شيعية مسلحة تحت مظلة رسمية تابعة للدولة، مانحًا إياها امتيازات ورواتب مماثلة للقوات النظامية. شكّل هذا القانون تحولًا جوهريًا في بنية الأمن العراقي، إذ عزّز نفوذ القوى المسلحة الموازية، وأثار مخاوف المكوّن السني من ترسيخ عسكرةٍ طائفيةٍ جديدة تحت غطاء قانوني.
اقتصرت الإنجازات التشريعية في هذه الدورة على قوانين خدمية محدودة، بينما ظلّ الأداء النيابي أسير الانقسامات السياسية وتعطيل التوافقات. عانى المواطن العراقي خلال هذه السنوات من ضعف الخدمات وتفشي الفساد، في وقتٍ كانت فيه مؤسسات الدولة مثقلة بالصراع على النفوذ داخل الوزارات والهيئات.
وبذلك انتهت الدورة الثالثة من دون أن تحقق وعود الإصلاح أو أن تنهي نهج المحاصصة، بل تحولت "الوحدة الوطنية" التي فرضتها الحرب إلى غطاءٍ مؤقتٍ لاستمرار التوازنات ذاتها التي حالت دون بناء دولة مؤسسات حقيقية.
الدورة النيابية الرابعة (2018 – 2021 )
دخلت الدورة النيابية الرابعة وسط آمالٍ عريضة بالتغيير بعد انتخابات أيار 2018، التي شهدت أدنى نسبة مشاركة منذ عام 2005، في دلالة واضحة على تراجع ثقة الشارع بالنظام السياسي القائم على المحاصصة. برز ائتلاف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر في صدارة النتائج، متقدمًا على تحالف "الفتح" المقرّب من فصائل الحشد الشعبي، ما أثار توقعات بولادة حكومة إصلاحية تتجاوز التوازنات التقليدية.
لكن تلك الآمال سرعان ما تلاشت، إذ فشلت القوى السياسية في الاتفاق على آلية جديدة لتقاسم السلطة. تَحَوّلَ الخلاف بين الكتل الكبرى إلى مساومات مغلقة أفضت في نهاية المطاف إلى اختيار عادل عبد المهدي رئيسًا للوزراء بصفته مرشح تسوية توافقية لا ينتمي رسميًا لأي من التحالفين الرئيسيين. تشكّلت الحكومة على أساس المحاصصة نفسها، وتوزعت الحقائب واللجان البرلمانية وفق مبدأ التوازن الحزبي والطائفي، حتى إن تحديد اللجان الدائمة تأخّر لأشهر بسبب صراع الكتل على المناصب والنفوذ.
في ظل هذا الجمود، تصاعدت نقمة الشارع على الأداء السياسي والخدمات المتردية، إلى أن انفجرت احتجاجات تشرين الأول 2019، وهي أوسع حركة احتجاج مدنية في تاريخ العراق الحديث. خرج مئات الآلاف من الشباب في بغداد ومحافظات الجنوب، مطالبين بإنهاء الفساد والمحاصصة وتوفير فرص العمل، ورفعوا شعار "نريد وطن" في مواجهة الطبقة السياسية التي اتُهمت بالفساد والتبعية الخارجية.
قوبلت الاحتجاجات بعنفٍ مفرط خلّف مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ما أدى إلى استقالة حكومة عبد المهدي في كانون الأول 2019 تحت ضغط الشارع. تولّت حكومة انتقالية برئاسة مصطفى الكاظمي مهمة التهيئة لانتخابات مبكرة وإصلاح قانون الانتخابات.
وبالفعل، أُقِرَّ قانون انتخابي جديد يقوم على نظام "الدوائر المتعددة" و"المرشح الفردي"، في محاولة لتمكين المستقلين وتقليص نفوذ الكتل التقليدية. غير أن التنفيذ جاء محدود الأثر، إذ بقيت البنية السياسية خاضعة لنفس منظومة المحاصصة التي عطّلت الإصلاح وأبقت البرلمان عاجزًا عن محاسبة المتورطين بالفساد أو بجرائم قمع المتظاهرين.
وهكذا انتهت الدورة الرابعة وقد فشلت – مثل سابقاتها – في بناء دولة المواطنة، لكنها مثّلت نقطة تحول ووعي شعبي جديد عبّرت عنه ثورة تشرين، التي فتحت الباب أمام جيلٍ سياسي مختلف بدأ يتشكّل على هامش النظام القائم.
الدورة النيابية الخامسة (2021 – 2025)
انطلقت الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول 2021 وسط أجواء من التطلّع إلى التغيير، بعد موجة الاحتجاجات الشعبية التي أعقبها حكم انتقالي. ورغم التعديلات الرمزية التي أدخلت على العملية الانتخابية، مثل خفض السنّ للمشاركة وإعادة تشكيل بعض الدوائر، أسفرت النتائج في نهاية المطاف عن تسوية سياسية مألوفة بدت وكأنها تعيد إنتاج نمط المحاصصة.
برز تحالف كتلة مستقبل الصدري بزعامة مقتدى الصدر كأكبر كتلة نيابية، إلا أنّه لم يتمكّن من تشكيل الحكومة منفرداً، فبدأت مفاوضات كثيفة أدّت إلى تكليف محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة، بينما تمّ انتخاب عبد اللطيف رشيد رئيساً للجمهورية، ومحمد الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب. هذه التوزيعة أعادت تأكيد قاعدة تقاسم المناصب العليا بين المكونات القومية والطائفية ـ الشيعة، والسنّة، والأكراد.
خلال هذه الدورة، اشتدّ التركيز على ما يُسمّى "الإصلاحات التشريعية"، خصوصاً في النصف الثاني من الولاية. في 21 كانون الثاني 2025، صوّت البرلمان دفعة واحدة على ثلاثة مشاريع قوانين شائكة، هي: تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وتعديل قانون العفو العام، وقانون إعادة العقارات إلى أصحابها في محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها.
جاء تمرير هذه المشاريع مثيراً للجدل ليس فقط لمضمونه بل لطريقة التصويت المجمّع التي اتّبعت، وهو ما دفعت به طعون إلى المحكمة الاتحادية العليا، التي اعتبرت أن بعض الإجراءات جاءت مخالفة للدستور.
في المقابل، وعلى الرغم من هذه الحراك التشريعي الظاهر، ظلّ أداء البرلمان محاطاً بانتقادات واسعة لعدم قدرته على محاسبة الفاسدين أو تقديم إصلاحات جوهرية في قطاعَي الخدمات العامة والاقتصاد، وقد بدا أنه أكثر انشغالاً بتوزيع المناصب وصراعات الكتل منه ببناء الدولة.
وفي المحصلة، انتهت الدورة الخامسة – كما سابقاتها – إلى استنساخ نهج المحاصصة وتحويل عملية الإصلاح إلى إعادة إنتاج للسلطة ضمن نفس القوالب، وإن كانت قد سجّلت بعض الحركات التشريعية التي تثير أسئلة حول مستقبل التوازن بين التغيير والمؤسسة.
أمثلة على القوانين الجدلية
شهد البرلمان العراقي في دورته الخامسة سلسلة من التشريعات التي أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والمجتمعية، لما حملته من دلالات على عمق الانقسام بين القوى المتنفّذة ومحدودية النقاش العام حولها:
- أبرز ما لفت الانتباه في هذه التشريعات هو التعديل على قانون الأحوال الشخصية، والذي يعيد بناء العلاقة القانونية بين المواطِن والدولة عبر إتاحة خيار الرجوع للمذهب الجعفري الشيعي في مسائل الزواج والطلاق والميراث، أو البقاء تحت قانون 1959، وهو ما اعتبره المعارضون تراجعاً خطيراً في حقوق المرأة والأسرة. ورأت منظمات مدنية ونسوية أنّ هذا التعديل يمثّل نكسة تشريعية لحقوق النساء بعد أكثر من نصف قرن على صدور القانون الأصلي الذي كان يُعدّ من أكثر القوانين المدنية تقدمًا في المنطقة.
- تعديل قانون العفو العام: واجه معارضة واسعة بدعوى أنه يفتح الباب أمام الإفراج عن مدانين في قضايا إرهاب وفساد، ويقوّض مبدأ العدالة والمساءلة الذي تطالب به الحركات الاحتجاجية. بينما دافعت عنه بعض الكتل بوصفه وسيلة لـ"المصالحة المجتمعية"، اعتبره آخرون محاولة لتبييض ملفات سياسية وأمنية حسّاسة.
- قانون إعادة العقارات إلى أصحابها في كركوك والمناطق المتنازع عليها: فجّر انقسامات بين القوى الكردية والعربية والتركمانية، إذ رأى فيه الأكراد خطوة لاستعادة ممتلكاتهم المصادرة في عهد النظام السابق، بينما اعتبره خصومهم تهديدًا للتوازن السكاني والإداري في المحافظة. وأثار هذا القانون مجددًا إشكالية تنفيذ المادة 140 من الدستور المؤجلة منذ عام 2005.
- قانون النفط والغاز الاتحادي: ظلّ حبيس الخلافات منذ عام 2007، إذ لم يتمكّن البرلمان حتى اليوم من تمريره بسبب الصراع المستمر بين بغداد وأربيل حول إدارة الثروات النفطية وتقاسم الإيرادات. يمثّل هذا التعطيل فراغًا تشريعيًا خطيرًا يكرّس فقدان الثقة بين المركز والإقليم، ويمنع وضع سياسة طاقوية وطنية موحّدة.
نظرة على الدورة السادسة المقبلة (2025 – 2029)
تتجه الأنظار نحو الانتخابات المقررة في تشرين الثاني 2025، وسط حالة من التشكيك العام في قدرة النظام السياسي على تجديد نفسه. تستعد الأحزاب التقليدية لخوض السباق بخطابات جديدة لكنها تحمل الوجوه نفسها التي هيمنت على المشهد طوال عقدين. في المقابل، تسعى قوى ناشئة، بعضها من رحم حركة تشرين، إلى كسر حلقة الاحتكار السياسي، غير أن فرصها محدودة بسبب قوانين انتخابية ترجّح كفة الكتل الكبرى وتمنحها الأفضلية في توزيع المقاعد.
تتسم الحملات الانتخابية بغياب البرامج التفصيلية، إذ تقتصر الشعارات على مفردات عامة مثل "محاربة الفساد" و"تحقيق العدالة الاجتماعية"، دون تقديم خطط تنفيذية واقعية. وفي ظلّ استمرار السيطرة الحزبية على مفوضية الانتخابات والتمويل السياسي، يبدو المشهد مهيّأً لإعادة إنتاج المنظومة القديمة بثوبٍ جديد.
خاتمة
على امتداد عشرين عامًا من التجربة البرلمانية، لم يتحوّل مجلس النواب العراقي إلى فضاء مؤسسي لصناعة التشريعات أو مراقبة السلطة التنفيذية، بل إلى ساحة مساومات طائفية وإثنية تحددها صفقات الكتل لا مصالح المواطنين. استُخدمت القوانين، بما فيها قوانين الانتخابات نفسها، أداةً لضمان التوازن بين القوى لا لبناء الدولة.
لقد فشلت المنظومة السياسية في ترسيخ مبدأ فصل السلطات، إذ ظلّ البرلمان خاضعًا لتأثير الأحزاب المتنفذة والمرجعيات الدينية، ما أفقده دوره التشريعي والرقابي الحقيقي. ولا يزال الإصلاح ممكنًا فقط عبر إعادة صياغة القواعد الدستورية والانتخابية على نحوٍ يضمن:
- قانون انتخابي عادل يُعيد الاعتبار للمواطنة لا للطائفة.
- مفوضية انتخابات مستقلة فعليًا.
- تشريعات تُعزّز الشفافية والمساءلة وتفصل بين النفوذ الحزبي ومؤسسات الدولة.
من دون هذه التحولات البنيوية، سيبقى البرلمان القادم استمرارا لدورة الانسداد السياسي، وسيظل الانقسام والجمود يعوقان قيام دولة قادرة على توجيه ثرواتها نحو التنمية والعدالة. وبين مطرقة المحاصصة وسندان الفساد، يظلّ العراق أمام فرصة ضائعة وأملٍ مؤجل لبناء مؤسسات تمثّل شعبه لا مكوناته.