قراءة استراتيجية في مقولات حسان عاكف بعد الانتكاسة الانتخابية

لم تكن الهزيمة التي مُني بها الحزب الشيوعي العراقي، ومعه عموم القوى الوطنية والديمقراطية، في الانتخابات البرلمانية الأخيرة مجرد تراجع في الأرقام أو خسارة مقاعد برلمانية فحسب، بل جاءت بوصفها لحظة فارقة تضع الجميع أمام مرآة الواقع السياسي العراقي. فقد كشفت هذه النتيجة حجم الاختلالات العميقة التي راكمتها السنوات الماضية، سواء على صعيد البناء التنظيمي للأحزاب المدنية، أو على مستوى البيئة السياسية المأزومة التي تتشكل فيها التحالفات، وتُدار فيها الموارد، وتُصاغ فيها القواعد الانتخابية. ومن هنا فإن وصف الهزيمة بأنها مجرد "انتكاسة انتخابية" لا يفي بحقيقة ما ظهر في تلك اللحظة؛ إنها لحظة صادمة، لكنها تكشف وتُنبه وتُحرض على التفكير الجذري، أكثر مما تدعو إلى الانكفاء أو اليأس. في هذا السياق المتوتر، الذي تتقاطع فيه الحاجة إلى المراجعة مع ضغط الواقع، برزت مقولات حسان عاكف ليس بوصفها تشخيصا عابرا، بل كإطار رؤية يطمح إلى إعادة ترتيب أولويات العمل اليساري الوطني. لقد جاءت طروحاته متحررة من أوهام الأمان التنظيمي أو التبريرات المكررة، ومُصاغة بروح نقدية واعية تدرك أن لحظة السقوط الانتخابي ليست نهاية، بل يمكن أن تكون بداية أكثر صفاء إذا أحسن الحزب قراءتها. فالمقاربة التي يقدمها عاكف لا تستسلم للقدرية السياسية التي ترى في الهزيمة حدثا محتوما، بل تقترب منها باعتبارها مؤشرا على ضرورة إعادة تعريف دور الحزب وموقعه وعلاقته بالناس، بل وإعادة بناء معنى "اليسار" ذاته في سياق عراقي بالغ التعقيد. ولعل أهمية هذه الطروحات تنبع من كونها لا تكتفي بالتشخيص، بل تتحول إلى برنامج عمل عملي. فهي تدعو إلى إعادة وصل ما انقطع بين الحزب وجمهوره الطبيعي، وبين القوى الوطنية فيما بينها، وبين اليسار ومحيطه الاجتماعي. إن عاكف لا ينظر إلى الأزمة بوصفها أزمة أرقام، بل بوصفها أزمة علاقة. علاقة الحزب بأعضائه، علاقته بالشارع، علاقته بالقوى اليسارية، وعلاقته بالبيئة الوطنية الواسعة. وكل هذه العلاقات تضررت، بدرجات متفاوتة، خلال السنوات الماضية نتيجة عوامل ذاتية وأخرى موضوعية. فالتشظي السياسي الذي ضرب البلاد، وهيمنة المال السياسي، وتضخم نفوذ منظومات مصالح لا تخضع للرقابة، وضعف الدولة نفسها، كلها عوامل تجعل العمل السياسي المدني مهمة شاقة. ومع ذلك فإن التذرع بهذه الظروف لن يعفي الأحزاب من ضرورة إصلاح ذاتها.
إنّ أحد أهم عناصر مقاربة عاكف يتمثل في رؤيته للعلاقة بين الهزيمة والفرصة. فالمشهد الذي تبدو فيه القوى المدنية ضعيفة ومنكمشة هو ذاته المشهد الذي يكشف حجم الحاجة إليها. وفي بلد تآكلت فيه الثقة بالسلطة والأحزاب التقليدية، وارتفعت فيه مطالب الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، لا يمكن لليسار أن يغيب أو يذوب أو ينكمش داخل إطاره التنظيمي الضيق. ومن هنا جاءت دعوته الواضحة إلى التعامل مع الهزيمة كبوابة لتصحيح المسار، لا كخاتمة لمسيرة. فالهزيمة هنا ليست سقوطا، بل دعوة إلى إعادة البناء. وتُبنى معادلة عاكف على ثلاثية مترابطة: "إصلاح داخلي جذري"، "انفتاح يساري واسع"، "وتشكيل تجمع وطني دائم". وهذه الثلاثية لا تُطرح بوصفها شعارات، بل شروطا تأسيسية لأي قدرة مستقبلية للقوى الوطنية على استعادة المبادرة. فالتجربة العراقية أثبتت أن القوى المدنية لا تُهزم فقط حين تتعرض لضغط خارجي، بل حين تتآكل داخليا. ومن هنا يبدأ المحور الأول: إصلاح الداخل. المقصود بالإصلاح الداخلي لدى عاكف ليس مجرد تحسين إجراءات تنظيمية، بل إعادة نظر في طبيعة العمل الحزبي: كيف تُصنع القرارات؟ كيف تُدار الخلافات؟ كيف تُجدد الكوادر؟ كيف يُفعّل الدور الميداني؟ وكيف يستعيد الحزب مكانته كقوة اجتماعية يومية، لا كمجرد تنظيم موسم انتخابي؟ إن الحزب الذي يفقد تماسّه اليومي مع الناس يفقد مع الوقت القدرة على قراءة نبض الشارع، ويصبح أسير تصورات داخلية لا تعكس الواقع. لذا فإن "إعادة وصل" الحزب بجمهوره العملي تتطلب خطوات شجاعة، تبدأ من الاعتراف بالأخطاء، وتمتد إلى فتح حوارات صريحة مع الأعضاء والرفاق الذين غادروا، وصولا إلى إعادة بناء الثقة داخل التنظيم نفسه. أما المحور الثاني، وهو "الانفتاح على اليسار العراقي"، فيُدرك عاكف من خلاله أن تشتت اليسار ـ عبر مجموعات صغيرة وتنظيمات متنافرة وتيارات فكرية متباعدة ـ يمثل هدرا تاريخيا للطاقة اليسارية في العراق. فاليسار العراقي، الذي كان عبر عقود طويلة يشكل أحد أعمدة الوعي السياسي والنضالي، وجد نفسه بعد 2003 متراجعا أمام صعود الهويات الفرعية ومنظومات السلاح والمال. وتشتت مكوناته بسبب عوامل عديدة، بعضها مرتبط بالإرث التاريخي والصراعات الفكرية، وبعضها مرتبط بالظروف القاسية التي فُرضت على الناشطين المدنيين. ومن هنا يبدو الانفتاح اليساري ليس ترفا أو خيارا ثانويا، بل ضرورة لإعادة بناء الكتلة التاريخية التي يمكن أن تواجه النظام السياسي القائم ببديل مدني ديمقراطي.
إنّ إعادة جمع أطياف اليسار لا تعني إلغاء الاختلافات أو صهر الجميع في تنظيم واحد، بل تعني صياغة فضاء سياسي يسمح بالتنسيق والحوار والعمل الميداني المشترك. فضاء يتجاوز شرط التطابق الأيديولوجي، ويركز على وحدة الهدف: بناء دولة القانون، مكافحة الفساد، حماية الحقوق الاجتماعية، وتأكيد دور الفئات المهمشة. فمن دون هذا الانفتاح سيظل اليسار محاصرا داخل جزر صغيرة معزولة، بينما تحتاج البلاد إلى طاقة موحدة قادرة على حمل خطاب إصلاحي واسع. ويأتي المحور الثالث ليشكل الإطار الأكبر: "تشكيل تجمع وطني واسع ودائم". هنا ينتقل عاكف من اليسار إلى الفضاء الوطني المفتوح، إدراكا منه أن القوى الديمقراطية لا يمكن أن تحقق أهدافها وحدها، وأن العراق بحاجة إلى تحالف وطني عريض يضم قوى مدنية ويسارية وشخصيات مستقلة ومنظمات اجتماعية ومهنية. تحالف لا يقوم على المصالح الانتخابية المؤقتة، بل على رؤية وطنية طويلة النفس، وعلى مرونة تنظيمية تسمح له بالاستمرار والعمل عبر السنوات وليس عبر المواسم. إنّ فكرة التجمع الوطني الدائم تمثل محاولة لكسر واحدة من أبرز مشكلات الحياة السياسية العراقية: الموسمية. فغالبا ما تتشكل التحالفات قبيل الانتخابات، ثم تنهار بعد انتهاء التصويت، لتعود القوى المدنية إلى التشظي والضعف. أما ما يقترحه عاكف فهو نواة صلبة تستمر في العمل داخل الشارع والجامعات والنقابات، تراقب السياسات العامة، وتواجه الفساد، وتدافع عن حقوق الفئات الاجتماعية الأوسع. هذه الثلاثية ليست مجرد أفكار تنظيمية أو سياسية، بل تمثل رؤية شاملة لإعادة بناء المجال المدني العراقي، وإعادة الاعتبار لدور الأحزاب في زمن تتغول فيه القوى غير الحزبية وغير الدستورية. إنها محاولة لاستعادة السياسة من يد المصالح الضيقة والعسكرة، وإعادتها إلى فضائها الطبيعي: خدمة الناس، وحماية الدولة، وبناء المستقبل. ولعل القيمة الأبرز في طروحات عاكف أنها تقاوم الإحباط وتدعو إلى إعادة تأسيس. فهي تذكّر بأن الانكسار الانتخابي ليس خط النهاية، بل نقطة الانطلاق لبناء جديد، شرط توافر الإرادة والجرأة والبصيرة. وفي بلد تزداد فيه الحاجة إلى الصوت المدني، يمكن لهذه الرؤية أن تتحول إلى مسار عمل حقيقي، يعيد لليسار دوره، وللمجتمع ثقته، وللسياسة معناها.
أولا: إصلاح الداخل بوصفه المدخل الإجباري لأي تحول
يشدد عاكف على أن المحور الأول هو الأهم، لأنه بلا إصلاح داخلي جاد لا يمكن لأي تحالفات أو خطوات سياسية خارجية أن تثمر. إن وضع الحزب الشيوعي العراقي اليوم يعكس في جوهره مشكلات تنظيمية وفكرية وميدانية تراكمت عبر سنوات من العمل في بيئة صعبة، مع ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية جعلت الحزب يميل أحيانا نحو الانكفاء أو اعتماد استراتيجيات دفاعية لا تتناسب مع حجم التحديات التي تفرضها اللحظة الوطنية. ومن هنا تأتي الحاجة إلى مراجعة تنظيمية شاملة تعيد بناء الهيكل الداخلي على أسس واضحة: توسيع قاعدة العضوية، وتمكين الكوادر الشابة، وتحديث آليات اتخاذ القرار، وتجاوز إرث الصراعات الصغيرة، وإقامة جسور تواصل حقيقية مع الأعضاء الذين ابتعدوا أو جرى الاختلاف معهم. فالحزب الذي يفقد جزءا من قاعدته التنظيمية يفقد بالضرورة جزءا من قدرته على التحرك بين الناس. إن الدعوة إلى حوارات جادة وصريحة مع المختلفين ليست مجرد خطوة أخلاقية، بل هي ضرورة سياسية، لأن إعادة لملمة القوى تسمح بإحياء الروح النضالية وتغذية العمل الميداني من جديد. كما أن تحويل الحزب إلى قوة اجتماعية يومية، حاضرة في الأحياء والجامعات والمعامل والميادين العامة، يشكل الشرط الموضوعي لعودة الثقة الشعبية، ويجعل وزن الحزب في المجتمع أكبر بكثير من وزنه الانتخابي، خاصة في ظل انتخابات معطوبة يشوبها المال السياسي والتزوير وضعف استقلالية المفوضية. إن نجاح هذا المحور سيعيد للحزب دوره التقليدي بوصفه قوة فاعلة في المجتمع المدني، ومختبرا يوميا للأفكار والتحركات، وليس مجرد ماكينة انتخابية تعمل موسميا. فالمجتمع العراقي في لحظته الراهنة بحاجة إلى صوت نزيه ومستقل، صوت يعمل كل يوم وليس فقط عند صناديق الاقتراع.
ثانيا: الانفتاح على اليسار العراقي وتوحيد ما تشتت
يدعو عاكف في المحور الثاني إلى أن يقوم الحزب الشيوعي، بوصفه عميد اليسار العراقي، بدور قيادي في توحيد القوى اليسارية على اختلاف مشاربها. لا يخفى أن اليسار العراقي اليوم يعاني من التشتت وتعدد المجموعات التنظيمية والفكرية، وغياب رؤية مشتركة، وتآكل الروابط بين الأفراد والتنظيمات، نتيجة ظروف تاريخية معقدة. ومع ذلك فإن إعادة التواصل مع هذه القوى تشكل خطوة ضرورية لإحياء المجال اليساري بوصفه كتلة تاريخية قادرة على الفعل. فاليوم، وبعد سنوات من التراجع الديمقراطي وعودة الولاءات الطائفية والعشائرية، أصبح من الضروري أن يعاد الاعتبار للتيار اليساري الذي طالما شكّل رافعة للمصلحة العامة، والمدافع الأكثر صلابة عن العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والنساء والشباب. إن الانفتاح على مجموعات اليسار والأفراد والتنظيمات القائمة يشكل فرصة لصياغة علاقات جديدة تتجاوز الإرث التنظيمي التقليدي، عبر أشكال متنوعة من العمل والتنسيق الميداني المشترك. ويمكن لهذه الخطوة أن تؤسس لبنية يسارية واسعة، لا تقوم على شرط التطابق الأيديولوجي، بل على وحدة الهدف: الدفاع عن الدولة المدنية، ومحاربة الفساد، ومواجهة عسكرة المجتمع، وتوفير بديل سياسي أمام جيل جديد يبحث عن معنى جديد للالتزام السياسي. ومن شأن هذا الانفتاح أن يكسر حالة العزلة المتبادلة، ويمنع الهدر المستمر للطاقات اليسارية التي تتبدد بسبب النزاعات الفرعية أو حساسية الهويات التنظيمية. إن بناء جبهة يسارية مرنة وواسعة سيخلق ثقلا نوعيا في الساحة السياسية يمكن أن يؤثر في مسار الأحداث، حتى لو لم يتحول مباشرة إلى قوة انتخابية ضخمة.
ثالثا: نحو تجمع وطني واسع ودائم
يعد المحور الثالث امتدادا طبيعيا للمحورين الأولين، إذ يدعو إلى تأسيس تجمع وطني واسع يضم القوى الديمقراطية واليسارية والوطنية والشخصيات المستقلة والمنظمات المهنية والاجتماعية. إن أهمية هذا التجمع تنبع من ضرورة تجاوز موسمية التحالفات داخل العراق، وهي مشكلة بنيوية تُضعف أي حراك وطني لأن القوى غالبا ما تتجمع فقط قبيل الانتخابات ثم تتفكك بعدها. أما المقترح فيقوم على بناء إطار دائم، مرن، منفتح، قادر على صياغة برنامج وطني يتبنى أهدافا عامة ومتسقة تعبّر عن تطلعات السواد الأعظم من المواطنين. كما يشجع على صياغة آليات تنظيمية تحافظ على ديمومة العمل المشترك، عبر هيئة عامة مرنة تدير شؤون التحالف، وتحدد أشكال المشاركة في الانتخابات، وتضع خطة للتحركات السياسية والاجتماعية. إن مثل هذا التجمع يمكن أن يشكل الوعاء الوطني الذي طالما افتقدته القوى الديمقراطية، وعبره يمكن تحويل الغضب الشعبي إلى طاقة سياسية منظمة. كما يمكن لهذا الإطار أن يواجه القوى المسيطرة بمشروع بديل لا يقوم على المحاصصة أو الطائفية، بل على إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية. يرى عاكف أن النجاح في المحاور الثلاثة سيقرب العراق خطوة نحو خوض انتخابات بقانون انتخابي عادل، والتخلص من الصيغ المشوهة مثل "سانت ليغو 1.7" الذي شكل أداة لإقصاء القوى المدنية وإعادة إنتاج النخب الحاكمة. كما سيساهم في محاصرة المال السياسي، وحصر السلاح بيد الدولة، وبالتالي خلق بيئة انتخابية أقرب للعدالة والمنافسة الحقيقية. وإذا تحققت هذه الشروط فإن الدخول في معارك انتخابية وسياسية يصبح أكثر ضمانا للنجاح، لأن الحزب لن يدخل حينها بوضعه الحالي، بل بوضع متجدد، مسنود بجبهة يسارية، ومسنود أكثر بتجمع وطني واسع يعبر عن مصالح الأغلبية الصامتة.
نحو أفق جديد لليسار العراقي
تضع مقولات حسان عاكف أمام اليسار العراقي، وفي مقدمته الحزب الشيوعي، لحظة تأمل تاريخية يجدر استثمارها بعمق ومسؤولية. فهذه المقاربة لا تقف عند حدود نقد الظواهر السطحية أو تسجيل المواقف، بل تتجاوزها إلى تشريح بنيوي يضع اليد على مواطن الضعف العميقة التي عطّلت قدرة قوى اليسار على التأثير في الحياة السياسية، وأفقدتها ما كان لها يوما من حضور راسخ في الوعي الاجتماعي العراقي. إن الإصرار على أن الهزيمة مجرد «طارئ انتخابي» يعكس غياب القراءة الجذرية؛ أما الاعتراف بكونها مؤشرا على أزمة عميقة، فهو المدخل الحقيقي لأي مشروع نهضوي جديد. ومن هنا تكتسب رؤية عاكف أهميتها بوصفها خارطة طريق تعيد تعريف الممكن السياسي في سياق تتغوّل فيه قوى المال والسلاح، وتتعزز فيه الانقسامات الهوياتية على حساب المشروع الوطني الجامع. في جوهر هذه المقاربة تتجاور ثلاثة محاور مترابطة: إصلاح داخلي جذري يعيد للحزب حيويته، وانفتاح يساري يرمم ما تهشّم من علاقات القوى التقدمية فيما بينها، وتجميع وطني واسع يتجاوز حدود الأيديولوجيا التقليدية نحو أفق ديمقراطي شامل. إن هذه المحاور، رغم بساطتها الظاهرية، تمثل تحولا نوعيا في التفكير السياسي؛ فهي تنقل العمل اليساري من دائرة الدفاع الانفعالي عن الذات إلى دائرة بناء البدائل الواقعية. ولا يمكن لأي حزب، مهما كانت خبرته، أن يتجاوز أزمته دون مراجعة هيكلية تلامس طبيعة القيادة، والديمقراطية الداخلية، والآليات التنظيمية، وطرق تجديد الكوادر، وأشكال الوجود الميداني. فالوصف الذي قدمه عاكف لأوضاع الحزب الحالية لا يهدف إلى الإدانة، بل إلى الإشارة إلى أنّ استعادة المبادرة تبدأ من الداخل، وتحديدا من إعادة تأسيس علاقة سليمة بين العضوية والقيادة، وبين الهيكل التنظيمي والواقع الاجتماعي.
على الضفة الأخرى، يفترض الانفتاح على قوى اليسار أن تتجاوز الأطراف تاريخ خلافاتها ونزاعاتها، وأن تدرك أن الزمن السياسي الحالي لا يسمح برفاهية التشرذم أو الحسابات الصغيرة. فالتجربة العراقية بعد 2003 أثبتت أن القوى اليسارية، رغم امتلاكها للرصيد الأخلاقي والفكري الأعمق بين التيارات السياسية، بقيت عاجزة عن تشكيل كتلة تاريخية قادرة على فرض حضور وازن في لحظة الصراع السياسي. يعود ذلك إلى التشتت، وضعف التنسيق، والانكفاء داخل مساحات ضيقة، فضلا عن غياب رؤية مشتركة تعيد تعريف أولويات اليسار في دولة منهكة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. من هنا تبدو دعوة عاكف إلى إعادة بناء فضاء يساري مشترك بمثابة محاولة لإعادة بناء الجسور بين مكوّنات مشتتة لكنها تحمل تراثا نضاليا واحدا، ولديها إمكانات كامنة يمكن، إذا ما نُظمت، أن تنتج قوة ضغط حقيقية تعيد التوازن إلى المشهد السياسي. أما المحور الثالث، المتعلق بإقامة تجمع وطني واسع ينفتح على القوى المدنية الديمقراطية والشخصيات المستقلة والمنظمات المهنية، فيرتبط بإدراك طبيعة التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع العراقي. فالتغيير، كما أثبتت السنوات الماضية، لا يأتي من صراع الأيديولوجيات القديمة، بل من قدرة القوى الوطنية على بناء مشروع شامل يستوعب حاجات المواطن اليومية، ويستجيب لمطالب الطبقات الشعبية، ويواجه منظومة الفساد والمال السياسي والسلاح المنفلت. وفي ظل الانقسام المجتمعي وغياب الثقة بالدولة، يصبح تشكيل كتلة وطنية ديمقراطية واسعة ليس مجرد خيار سياسي بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على تجاوز أزماتها البنيوية. وهذا التحالف، لكي يكون فاعلا، يجب أن يكون مرنا ومنفتحا ومتواصلا، لا موسميّا كما اعتادت القوى المدنية في العراق، حيث تتشكل التحالفات ثم تختفي مع انتهاء الحدث الانتخابي.
إن المقاربة التي يقدمها عاكف ليست وصفة جاهزة بقدر ما هي إطار للتفكير وإعادة الترتيب. فهي تذكّر بأن العمل السياسي الناجح لا يقوم على ردود الأفعال، بل على بناء قواعد اجتماعية ثابتة، وعلى الحضور المستمر في الشارع والجامعة والنقابة ومحيط العمل، وعلى صياغة خطاب سياسي قادر على مخاطبة حاجات الناس الحقيقية. فاليسار العراقي لا يعاني من نقص في الأفكار، بل من نقص في ترجمة تلك الأفكار إلى ممارسات يومية تُراكم تأثيرا تدريجيا. وقد أثبتت التجارب العالمية أن الأحزاب اليسارية التي نجحت في التحول إلى قوى اجتماعية راسخة لم تفعل ذلك عبر القفزات الكبرى فقط، بل عبر العمل الدؤوب على الأرض، وإعادة بناء الثقة مع الطبقات التي تدّعي تمثيلها. إنّ تنفيذ هذه المحاور الثلاثة يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، لكنه يحتاج أيضا إلى شجاعة في ممارسة النقد الذاتي، وإلى استعداد للتخلي عن بعض المسلّمات التنظيمية التي أثبتت السنوات عدم جدواها. فالتحول من حزب نخبوي إلى قوة اجتماعية لا يتم بقرار إداري، بل عبر إعادة بناء منظومة كاملة من العلاقات والانفتاح والمبادرة. كما أن بناء التحالفات يتطلب مرونة سياسية لا تُفهم على أنها تنازل عن المبادئ، بل كقدرة على توسيع قاعدة الفعل الوطني، وإعادة تعريف الأولويات وفق ما يفرضه الواقع وليس وفق ما تمليه الذاكرة السياسية.
وعلى المدى البعيد، يمكن لهذه الرؤية أن تعيد لليسار دوره التاريخي في تطوير الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق. فالحزب الذي ينجح في إصلاح نفسه، ويوسّع دائرة تحالفاته، ويعيد بناء علاقته بالناس، سيكون قادرا على خوض صراعاته السياسية بثقة أكبر، وعلى مواجهة منظومة المال والسلاح، وعلى المطالبة بقانون انتخابي عادل، وعلى المشاركة في إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة الاجتماعية. والأهم من ذلك، سيكون قادرا على تحويل الهزيمة من نهاية لمسار قديم إلى محفّز لمسار جديد، أكثر قدرة على التفاعل مع التحولات العميقة التي تشهدها البلاد. في النهاية، تشير مقولات حسان عاكف إلى حقيقة مركزية: أن مستقبل اليسار العراقي لن يُصنع بانتظار الظروف أو التحولات الكبرى، بل بالعمل اليومي المتراكم، وبالقدرة على ترجمة القيم اليسارية إلى ممارسات ملموسة في حياة المواطنين. وإذا تمكنت القوى الوطنية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، من تحويل هذه الرؤية إلى برنامج عمل مستمر، فإن الأفق سيظل مفتوحا أمام إمكانية نهضة يسارية جديدة، أكثر نضجا وواقعية، وأكثر قدرة على بناء عراق يتسع للجميع. إنها ليست مهمة سهلة، لكنها مهمة ضرورية؛ بل ربما تكون الفرصة الأخيرة لليسار كي يستعيد زمام المبادرة في بلد يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.