آذار/مارس 15
   
    مع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية واختفاؤها من اللوحة السياسية العالمية ظهرت إلى الوجود العديد من الدول التي كانت تحت نير الاستبداد العثماني، ومنها العراق الذي تعرض للاحتلال الإنجليزي؛ فظهرت دولة مستقلة اسما، يطمح شعبها إلى الحرية والاستقلال والحياة الكريمة. ومنذ عشرينات القرن الماضي شهدت البلاد نزوعا نحو التحديث وتطلعا إلى بناء دولة يسودها العدل والقانون.
وكتاب "عبدالفتاح إبراهيم والفكر الديمقراطي في العراق" لمؤلفه الأستاذ فياض موزان يلقي الضوء على جهود الرعيل الأول من المثقفين العراقيين المتطلعين لبناء مجتمع الحرية والعدالة، ومنهم المفكر الديمقراطي عبدالفتاح إبراهيم. الكتاب صادر عن دار ومكتبة الأمس ـ بغداد 2024، تضمن ثلاث مقدمات وثمانية فصول وفهرسا بالأعلام، وصورا لعبدالفتاح في شبابه ومع رجالات ثورة تموز، ويقع في أربعمائة واثنتين وثلاثين صفحة من القطْع المتوسط.
مقدمات
يوضح المؤلف في مقدمة الطبعة الأولى بعض الأسباب التي دعته إلى الكتابة عن المفكر عبد الفتاح إبراهيم، منها جحود المثقفين وبخلهم بالكتابة عنه، كما أنه لم يحظ باهتمام كاف يتناسب مع ما قدّمه من إنجازات في السياسة والفكر الديمقراطي.
وأكد الدكتور عامر حسن فياض في تقديمه للكتاب أن عبد الفتاح هو رائد الديمقراطية الاجتماعية والصائغ لها في خارطة الفكر السياسي الحديث، كما اعتبره نهضويا وتنويريا ورمزا من رموز الحركة الوطنية، (ص 19-20). وفي مقدمة الطبعة الثانية شكر المؤلفُ الدكتورَ كاظم الموسوي على دراسته النقدية للكتاب.
عبد الفتاح إبراهيم، سيرته ونشاطه.
في الفصل الأول يسرد المؤلف سيرة عبدالفتاح ونشاطه، فهو من عائلة دينية، أصلها من (عنة). ولد في الناصرية عام 1904 وقيل عام 1907، حيث كان والده واعظا دينيا في جامع فالح باشا السعدون. أكمل الإعدادية في بغداد. سافر إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية، وأكملها عام 1928. التحق بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، لكنه لم يكمل الدراسة واضطر للعودة للوطن بعد ستة أشهر لأسباب عائلية.
أسّس عبد الفتاح جماعة "الأهالي" مع مثقفين آخرين عام 1932، ثم جمعية الإصلاح الشعبي بعد انقلاب بكر صدقي عام 1936، والرابطة الثقافية عام 1943، وحزب الاتحاد الوطني عام 1946، والحزب الجمهوري بعد ثورة 14 تموز، منشغلا خلال هذه المراحل بالتنظير السياسي والكتابة الفكرية (ص 29). يرى المؤلف أن عبد الفتاح ليبرالي العقيدة والفكر والسلوك. ويعتبره من أهم وأكبر المنظرين الليبراليين العراقيين. ويراه ليبراليا عراقيا مع توجهات اشتراكية فابية وشعبوية معتدلة.
مؤلفات وآثار عبدالفتاح إبراهيم
سرد المؤلف أسماء مؤلفاته، وهي مقالاته وأربعة عشر كتابا، أولها "على طريق الهند" عام 1932 ورأى أن منهجه في هذا الكتاب دلّل على بصيرته النافذة وعمق ثقافته، موضحا الآلية التي استخدمتها بريطانيا لاستعمار البلدان، ويدعو المؤلف إلى دراسة نقدية لما قدمه الرعيل الأول من أفكار وتجارب، ويشير إلى مجموعة من الأسماء عايشوا عبدالفتاح، هي أقرب إلى الشهادات عنه، والتي تتفق على تقييمه إيجابيا:
حسين الرحال: الذي كان يتقن عدة لغات، وكان مثقفا ثقافة اشتراكية ماركسية، ووظّف هذا الإتقان في ترجمة ما ينشر في الصحافة الماركسية (ص 35).
محمد حديد: يذكر المؤلف أن عبد الفتاح كان ناشطا في أوساط الطلبة العراقيين الذين كانوا يدرسون في الجامعة الأمريكية ببيروت، وتبلورت هذه النشاطات في تأسيس جمعية (الشعبية) السرية التي ضمّت معه آخرين، منهم محمد حديد.
عزيز الحاج: ينقل المؤلف رأي عزيز الحاج الذي يرى أن عبد الفتاح هو أبرز رواد الحركة الديمقراطية والفكر العلماني، ويعتبره مدرسة فكرية وسياسية. وكان يعتبر نفسه ماركسيا ولكنها ماركسية غير شيوعية - كما كان يقول - قاصدا الاشتراكية المطبقة في الاتحاد السوفياتي.
مهدي الحافظ: قال إن عبدالفتاح مفكر وكاتب عراقي أدّى دورا بارزا في نشر الوعي الديمقراطي التقدمي بين الجماهير.
مجيد خدوري: أبدى رأيا في كتاب عبدالفتاح إبراهيم "معنى الثورة" 1959 وقارنه بكتاب روسو "العقد الاجتماعي" معتبرا أن "معنى الثورة" أفضل دفاع نظري عن ثورة تموز.
شهاب عبد الحميد: قام عبدالحميد بجمع مقالات نشرت في مجلة "العصر الحديث" في كتاب بعنوان "حرية الرأي والفكر" لأجمل ما كتب عن الفكر اليوناني. كما جمع مقالات عبدالفتاح عن حياة غاندي ومقالات أخرى منشورة في جريدة "الأهالي" وطبع الكتاب 2003 بعنوان "المهاتما غاندي".
منطلقات عبدالفتاح الفكرية
يقول المؤلف أن عبدالفتاح اطلع على الفكر الاشتراكي في السنة الأخيرة من دراسته في بيروت عام 1928، ومع ذلك - يواصل القول - لم تبرز الاشتراكية في المضامين الاجتماعية، بل برزت فيها الديمقراطية الليبرالية المعادية للإقطاع والسلطة الحاكمة. ودخلت المفاهيم الديمقراطية تفكيره متأثرا بالثورة الفرنسية التي أشبعت مفاهيمه السياسية بمضامين اجتماعية. وعندما عاد إلى العراق زاد من قراءاته، فقرأ رأس المال لماركس وكراسات شيوعية أخرى. وبدأت مساهماته الفكرية بكراس (مبادئ الشعبية) وهو - برأي المؤلف - أقدم وثيقة سياسية واقتصادية معروفة في تاريخ العراق وربما في المنطقة العربية (ص49).
دور عبدالفتاح في الثقافة العراقية
قدم عبدالفتاح إسهامات كبيرة للثقافة العراقية؛ فقد أصدر في عام 1930 كراس (مبادئ الشعبية) وقد تبنته (جماعة الأهالي) وينقل المؤلف رأي الدكتور عامر فياض في أن جماعة الأهالي ترجع إلى رافدين، الأول: فئة من جمعية النشء أو جناح منها أسّسها الطلبة العراقيون في الجامعة الأمريكية ببيروت في 1924-1925 وعلى رأسهم كان عبدالفتاح إبراهيم. ونتيجة لمضايقات إدارة الجامعة الأمريكية اتجه عبدالفتاح إلى تأسيس (النادي العراقي) ومنه انبثق تنظيم سري ترأسه عبدالفتاح، وأصبح هذا التنظيم نواة التفكير السياسي لهذه الكتلة (ص 51). الثاني: يتمثل بالطلاب المساهمين بالتظاهرات في قضية (النصولي) والتظاهرات ضد الصهيوني (الفريد موند). وبعد عودة عبدالفتاح من أمريكا 1930 اتصل بأعضاء التيار الثاني، ونجح في توحيد التياريْن بعد اندماج (كتلة بغداد) و(كتلة بيروت) في (جماعة الأهالي) نسبة إلى جريدة الأهالي التي صدر عددها الأول في 2|12|1932 والتقى بها تيار ثالث تمثل بكامل الجادرجي.
وينقل المؤلف رأي كامل الجادرجي في عبدالفتاح فيرى أنه يدين بالماركسية، وحاول أن يطورها حسب ظروف العراق، فأراد أن يبتدع نظريات جديدة كانت دائما تنقصها الجرأة والصراحة، ويعطي شخصه المقام الأول باعتباره زعيم الحركة الفكرية في العراق. ثم عرض المؤلف الأحزاب التي ساهم في تأسيسها، وهي:
حزب الاتحاد الوطني
أسّس عبدالفتاح جمعية الرابطة الثقافية عام 1944 التي ضمت في عضويتها عددا من اليساريين. وكان الهدف منها نشر الثقافة القومية الديمقراطية، وأصدرت الجمعية مجلة (الرابطة) التي أصبحت فيما بعد أساس فلسفة حزب (الاتحاد الوطني) الذي تأسس في عام 1946. وكانت غالبية قيادة الحزب مؤلفة من جماعة أغلبها من الماركسيين، ومن الأحرار وعلى رأسهم زعيم الحزب عبدالفتاح. تضمن منهاج حزب الاتحاد الوطني الأهداف وسبل تحقيقها بالوسائل الدستورية، وأهمها تعزيز قيم الديمقراطية. نصّ المنهاج على تعزيز كيان العراق الوطني وتوسيع مجال الحريات الديمقراطية وتوثيق الروابط القومية بين العراق والأقطار العربية والعمل من أجل القضية الفلسطينية (ص 56).
الحزب الجمهوري
في 1960 تم تشريع قانون إجازة الأحزاب. قدم الحزب الجمهوري طلب الإجازة، وقامت جريدة (الرأي العام) بنشر منهاج الحزب ونظامه الداخلي، وضمّت الهيئة المؤسسة للحزب عبدالفتاح إبراهيم وآخرين بلغ عددهم 23 عضوا مؤسِسا، ولكن وزارة الداخلية رفضت طلب التأسيس. يذكر عبدالفتاح أن عبدالكريم قاسم استدعاه، مبينا له أن سبب الرفض يعود إلى وجود بعض الأعضاء المؤسِسين من الانتهازيين (ص 63).
موقف عبدالفتاح من ثورة تموز
أصدر كتابا بعنوان "معنى الثورة أو أضواء على ثورة تموز" ليميز ثورة تموز عن الانقلاب أو الفتنة. فالثورة برأيه تبدل عام وشامل في جميع قواعد الحياة العامة. وأكد إيمانه بالفكرة الشعبية الديمقراطية وأمانيه في أن تتحقق الثورة الاجتماعية لترافق الثورة السياسية (ص 64).
جماعة الأهالي
يشير المؤلف في الفصل الثاني إلى الروافد الفكرية المتعددة التي ساهمت في إذكاء الوعي السياسي لدى الجيل الجديد من العراقيين، ولم يكن تأثيرها مقتصرا على تكوين جماعة الأهالي. فقد برزت خلال عامي 1926-1927 مجموعة متميزة من الشباب المثقف ضمّت: حسين الرحال، محمود أحمد السيّد، عوني بكر صدقي، فاضل محمد البياتي، مصطفى علي. وبالإضافة إلى تأثرهم ببعض الروافد، تأثروا بالأفكار الماركسية وأسّسوا أول خلية ماركسية وأصدروا جريدة "الصحيفة" لتساهم بنشر أفكارهم، وقد تأثر بها بعض جماعة الأهالي (ص 67). ويسرد المؤلف العوامل المؤثرة في تكوين (جماعة الأهالي) وهي حالة التخلف التي كان عليها المجتمع العراقي، وتأثير الأفكار الخارجية التي جاءت عبر مصدرين، أولهما: عودة الشخصيات الوطنية العراقية إلى الوطن بعد الدراسة بالجامعات الأجنبية. ثانيهما: الكتب والمجلات الأجنبية المترجمة وغير المترجمة، كذلك المطبوعات العربية مثل مجلات (المقتطف) و(العصور) إضافة إلى تأثير كتّاب تنويريين عرب عديدين، كذلك حركة التحرر الوطني التي انطلقت في أكثر من بلد.
ويشير المؤلف إلى أن ما يميز جماعة الأهالي أنهم نخبة مثقفة أدركت أهمية الثقافة، وكانت تتخطى الصراعات الطائفية والعرقية والقومية وتهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي حرّ. وكان عبدالفتاح العضو الأكثر فاعلية على المستوى الفكري، وهو صاحب فكرة (الشعبية) وأصبح نشاط الجمعية أكثر فاعلية بانضمام كامل الجادرجي إليها. لكن لها بعض المواقف السلبية، منها تأييدها للحكومة العراقية في قمع تمرد الآشوريين عام 1933 التي استخدمت أقسى وسائل العنف وأباحت النهب والسلب واسترقاق الأطفال والنساء. (ص 71).
جماعة الأهالي وبواكير الحركة الوطنية التقدمية
يبين المؤلف بدايات تطور الحركة الوطنية، فيشير إلى أن حسين جميل ممن عملوا مع جماعة الأهالي، وعاصر وعمل مع عبدالفتاح إبراهيم. وينقل حديث حسين جميل الذي اعتبر أن انضمام الجادرجي إلى الجماعة هو نقطة تحول كبيرة في مسار "جماعة الأهالي" (ص 73). وبعد انضمام الجادرجي تحولت تدريجيا إلى جماعة تتعاطى العمل السياسي اليومي. وكان الشيوعيون المتعاطفون معهم يكتبون في جريدة "الأهالي"، وكان يوسف سلمان (فهد) يراسل جريدة الأهالي من الناصرية، ورسائله لها ذات طابع مميز مهني؛ مقالات وتعقيبات على الأحداث تهم أكثرية الناس.
وبعد أن توقفت (صوت الأهالي) عن الصدور في حزيران 1937 استأنفت الصدور صيف 1942، وقبيل ذلك حدث انفراج في الوضع الداخلي؛ ومن أسباب ذلك دخول الاتحاد السوفياتي الحرب ضد المانيا الهتلرية. وهذا فسح مجال العمل للقوى اليسارية والتقدمية الديمقراطية. وكان بعض الكتاب الشيوعيين يكتبون فيها دون أن تُذكر أسماؤهم. وفي إحدى مراحل العمل ترك عبدالفتاح الجريدة. وفي أوائل 1946 تألفت الأحزاب، فألف الجادرجي (الحزب الوطني الديمقراطي) وعبدالفتاح إبراهيم (حزب الاتحاد الوطني) وعزيز شريف (حزب الشعب) (ص 82).
جماعة الأهالي وحزب الاتحاد الوطني
أوضحت مجموعة الأهالي أنها -والقول للمؤلف- تهتم برفع مستوى معيشة الأكثرية من الشعب، وخلق نظام سياسي واقتصادي صلب. وكان منهجها المفضل تعميم التعليم وتشجيع التغيير السلمي. ويرى المؤلف أن الأفكار التي تطرحها الأهالي كانت مبهمة، تردد صدى الفابية أحيانا، والماركسية أو الشعبوية أحيانا أخرى. وهذا ناتج -نقلا عن حنا بطاطو- عن مقاومة في صفوفها لما يمكن أن يكون التزاما فكريا، وبعضه الآخر من مؤسسي المجموعة التي لم تكتمل تكوينا. ويواصل المؤلف -استنادا إلى بطاطو- توضيح رأي الجادرجي في عبدالفتاح إبراهيم، فيراه يفتقر إلى الصبر، وينظر إلى آرائه على أنها غير قابلة للمناقشة. ويوضح نقطتين تتعلقان برجال الأهالي، وهي أنه لا صحة للقول بأنهم كانوا منتسبين إلى الأممية الشيوعية (الكومنترن) وليس صحيحا اعتبار الحركة الشيوعية في العراق تفرعا أصله حركة الأهالي.
ونقلا عن بطاطو فإن أول مجموعة لدراسة الاتجاه الماركسي تشكلت في 1924، وأول مجموعة شيوعية تشكلت عام 1927. وعبدالقادر اسماعيل أحد مؤسسي الأهالي انتقل بأفكاره إلى الشيوعية منذ 1928 وأنه هو وشريكه عبدالفتاح إبراهيم كانا من أبناء عمّ محمود أحمد السيد، عضو المجموعة الشيوعية في 1924، (ص83-87).
مواقف الشيوعيين من جماعة الأهالي
يعتمد المؤلف على رأيَ عزيز سباهي في بيان موقف الشيوعيين من جماعة الأهالي، حيث لم تطرح الجماعة مهمة تكوين حزب سياسي في مطلع ثلاثينات القرن العشرين. ويقول: كانت أفكار جماعة الأهالي في بدايتها غامضة وغير متماسكة، وكانت تريد أن تخلق نظاما سياسيا واقتصاديا سليما. وعرّفت الجماعة نفسها بالإصلاحيين وبصيغة الديمقراطية الليبرالية دعوها: الشعبية وأصرّت أنها تختلف عن الشيوعيين. وفي صيف 1935 بدأت (الجماعة) النقاشات لتحويل (الشعبية) إلى حزب رسمي، لكن عبدالفتاح رفض الفكرة. وقد وصف الشيوعيون أفكار الأهالي بأنها ساذجة، وهاجموا فهمها لفكرة الاشتراكية (ص 90).
تشكيل تنظيمات اجتماعية
رأت الجماعة ضرورة إنشاء كيانات مجتمعية تهدف إلى إحداث إصلاحات اجتماعية، فكانت (جمعية مكافحة الأمية) مجالا لتحرك جماعة الأهالي للاتصال بالأوساط الاجتماعية والشخصيات السياسية. ونجحت الجماعة بضمّ جعفر أبو التمن إليها عن طريق هذه الجمعية. وأسست (نادي بغداد) ليكون ملتقى للشباب لإشراكهم في النشاطات الاجتماعية. أُجيز النادي 1933 وانتخبت الهيئة الإدارية عبدالفتاح معتمدا للنادي. كما قام عبدالفتاح بتأسيس (جمعية الرابطة الديمقراطية) انسجاما مع خطه الفكري القائم على ضرورة تبني الديمقراطية منهجا في الحكم، وسمّيت رسميا: جمعية الرابطة الثقافية، بعد أن شطب الرقيب السياسي كلمة الديمقراطية وأحلّ محلها: الثقافية. ويرى المؤلف أن أسباب فشل الهيئات الاجتماعية المشار إليها سابقا هو الأفكار اليسارية لعبدالفتاح، وموقفه من القومية، وضعف قدراتها المالية وتخلي الحكومة عن إسنادها (ص 90-96).
الجبهة الوطنية
يعالج المؤلف في الفصل الثالث موضوعة الجبهة الوطنية، فيتساءل: هل كان ممكنا تأليف حزب واحد للحركة الوطنية الديمقراطية؟ ألم يكن ممكنا قيام جبهة وطنية؟ يجيب: إن قيام حزب واحد للحركة الوطنية لم يكن ممكنا لاختلاف نظريات الأحزاب السياسية والاجتماعية.
وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت الدعوة إلى وحدة الحركة الديمقراطية، وبادر إلى هذا التوجه حزب الاتحاد الوطني بقيادته المتمثلة بعبدالفتاح إبراهيم. وكان رأي عبدالفتاح هو إمكانية اجتماع الديمقراطيين في حزب واحد، كما رأى أن تجزئة الحركة الديمقراطية وتعددها في كيانات تبديد للجهود (ص 102-105).
كامل الجادرجي
يخصص المؤلف الفصل الرابع لسيرة الجادرجي؛ فيلقي الضوء على مسيرته السياسية ودوره المؤثر في الحركة الوطنية، معتبرا إياه أحد رواد الديمقراطية. وقد مرت مسيرته بمراحل ليكتمل مفهومه الديمقراطي ومن ثم انتقاله مطلع الخمسينات إلى تبني الاشتراكية الديمقراطية.
وشهدت العشرينات توقف الحزب الوطني العراقي بزعامة أبو التمن، وبروز حركة النوادي والمنتديات الشعبية في بغداد، وتجمعت في (نادي التضامن) الذي قاد الحركة الوطنية. وبعد إعلان دستور 1925 شكّل الهاشمي حزب الإخاء الوطني، واُختير الجادرجي ليكون محرر الجريدة الناطقة باسم الحزب، ثم استقال من حزب الإخاء الوطني والتحق بجماعة الأهالي. وكان التنسيق بين الجادرجي وعبدالفتاح إبراهيم جيدا. ثم دخل جعفر أبو التمن في جماعة الأهالي، ووجد الجادرجي نفسه أنه يختلف عن عبدالفتاح في مفهوم (الشعبية) وفي التفكير النظري والإيديولوجي، فحصل انشطار في الأهالي (ص 120).
ويعرض المؤلف علاقة الجادرجي ودوره في جماعة الأهالي. فقد برزت الحاجة فترة الثلاثينات لتأسيس حزب وطني هو: الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يمثل الطبقة الاجتماعية الوسطى، وكان تعبيرا خالصا لمتطلبات داخلية وطنية. وتبنى الحزب، وقائده الجادرجي قضية الديمقراطية كأولوية. وكان الحزب الشيوعي ينسق معه في أي نشاط وطني. ويرى المؤلف أن هذا الحزب استطاع أن يقدم خطابا سياسيا وفكريا مقبولا لدى شرائح واسعة من العراقيين (ص 125-131).
تشكيل تنظيمات سياسية وعسكرية
يعود موزان في الفصل الخامس إلى تتبع وضع جماعة الأهالي في فترة ما قبل تموز 1958، فيشير مرة أخرى إلى انقلاب بكر صدقي ومشاركة جماعة الأهالي فيه. وتقدمت الجماعة بطلب تأسيس تنظيم سياسي باسم جمعية الإصلاح الشعبي، وكان منهاجها ونظامها الداخلي مستخلصا من (مبادئ الشعبية). وجرت الموافقة على الطلب. ويعود المؤلف لسرد تاريخ الأحزاب الثلاثة المنبثقة عن جماعة الأهالي. ويرى المؤلف أن موقف الأهالي كان خاطئا بالمشاركة في وزارة الانقلابيين وأن على الديمقراطيين ألا يأمنوا جانب الحكم العسكري (ص 150).
ويشرح موزان بالتفصيل ماهية حركة انقلاب بكر صدقي، والحركات والتمردات التي حصلت في مناطق مختلفة بالوطن وأسلوب قمعها، والوزارات المتعاقبة التي سقطت. ويشير إلى دور المعارضة في بلورة حركة شعبية مناهضة للحكم. وقبيل وقت الانقلاب كان الحزب الشيوعي قد تأسس 1934 وطرح مفاهيم سياسية واجتماعية جديدة. وبظهور الحزب حدث تغيّر كبير في مجمل الحركة السياسية استمر إلى تموز 1958.
ويقيّم المؤلف مرة أخرى اشتراك جماعة الأهالي بانقلاب عسكري باعتباره غلطة، كما يكرر أن الجماعة أصدرت كراسا بعنوان الشعبية، احتوى على عرض موجز لأهدافها. ويتساءل إن كان لجماعة الأهالي برنامج مسبق لانقلاب 1936؟ ويجيب بأنهم تصوروا أنهم يستطيعون تنفيذ برامج (الشعبية) عن طريق الحكم بالتعاون مع جميع العناصر التقدمية ومنهم الشيوعيون الذين أيّدوا الانقلاب (ص 167). ويبين بالتفصيل الملابسات التي أدت إلى فجوة بين بكر صدقي وجماعة الأهالي، وتقديم وزراء الجماعة الاستقالة، وموقف الملك غازي ودور الإنجليز في استغلال الحوادث لصالحهم، ويقيّم موقف عبدالفتاح إبراهيم من بكر صدقي فيراه مصيبا ناتجا عن منطلقه لفهم الديمقراطية.
الديمقراطية الشعبية
في الفصل السادس يبين موزان شخصية عبد الفتاح إبراهيم ومفهومه للديمقراطية؛ فهو يرى أن تشكيل الدولة العراقية كان عبارة عن صراع بين إرادة المحتل وإرادة الجماهير، ولهذا جاء التشكيل بإطار سياسي وصياغة بريطانية. وفي هذا الجو ظهرت وتبلورت شخصية عبدالفتاح الذي يعد رائدا للفكر الديمقراطي في العراق. وتكمن أهميته باعتباره من أوائل الذين اهتموا بالديمقراطية. والديمقراطية التي يؤمن بها عبدالفتاح -والقول لموزان- هي الديمقراطية الشعبية التي تقتضي أن تكون إرادة الشعب هي الحاكمة في الشؤون العامة. وشخّص عبدالفتاح داء المجتمع وهو الاستبداد، والدواء هو الديمقراطية الشعبية التي تضمنت صياغة مجموعة مبادئ غربية حوّرها بمقتضى حاجات المجتمع العراقي من خلال الجمع بين طروحات الديمقراطية والديمقراطية الاشتراكية. يواصل القول أن عبدالفتاح آمن بضرورة تبني بعض فكر الغرب الذي يلائم واقع المجتمع العراقي، ولذلك نجده ينهل من مشارب فكرية مختلفة، آخذا بالاعتبار الجانب السلبي الذي يحمله هذا الفكر والمتمثل بالاستعمار واستغلاله للشعوب (ص 187).
"الشعبية" وجماعة الأهالي
يستعرض موزان وجهة نظر عبدالفتاح في المبادئ التي أسّس عليها جماعة الأهالي؛ وهي الإصلاح الاجتماعي وضمان حقوق الفرد وحريته الشخصية وإفساح المجال أمامه للتكامل الفكري والروحي. ويشير إلى مصادر مبادئ الشعبية، وهي: أفكار الاشتراكية الديمقراطية البريطانية وأفكار التنويريين الفرنسيين والأفكار الماركسية. وتختلف الجماعة عما يراه الشيوعيون في الفكر الماركسي ومنها: إقصاؤها للصراع الطبقي ورفضها لمبدأ دكتاتورية البروليتاريا.
انسحب عبدالفتاح تدريجيا من الشعبية نتيجة التباين بينه وبين أعضاء الشعبية الآخرين في القضايا السياسية والاجتماعية. كما أنه -كما يرى موزان- يقترب تدريجيا من الماركسية فاتسعت الفجوة بينه وبين "الشعبية" و"جماعة الأهالي" كذلك إصراره على إصدار "مطالعات في الشعبية" رغم معارضة "جماعة الأهالي". وقد اتضح تأثر عبدالفتاح بالماركسية في بعض معالجات "المطالعات"، إضافة إلى التنافس الشخصي بينه وبين الجادرجي، الذي أصبح بحكم تفرغه للعمل كرئيس أو قائد للحركة (ص 215).
الديمقراطية "الشعبية" والديمقراطية "الجديدة"
يوضح المؤلف في الفصل السابع الرابطة بين الديمقراطية "الشعبية" التي دعا إليها عبدالفتاح وبين التطورات التي طرأت على الديمقراطية عموما. يسهب في بيان مفهوم الديمقراطية، والثقافة وعلاقتها بالديمقراطية وأهمية دور المثقف في وضع العراق الحالي. ويبحث أهم الروافد لدخول الفكر الديمقراطي الليبرالي إلى العراق. ويرى أن الدولة العراقية اعتمدت عند تأسيسها الديمقراطية الليبرالية بصيغتها البرلمانية نظاما لها، ويفضح ديمقراطية العهد الملكي. وينتقل المؤلف إلى عرض اللوحة السياسية في البلاد بعد 2003، والعوامل المؤثرة في مسار العملية الديمقراطية، ويتناول موضوعة التحالفات. وتتشعب طروحات هذا الفصل، وتعالج قضايا عديدة تدور كلها حول موضوعة الديمقراطية عبر أكثر من أربعين عنوانا فرعيا يشغل مائة وعشرين صفحة (219-339). أي ثُلث الكتاب تقريبا.
 الإسلام والديمقراطية
في الفصل الثامن يلقي المؤلف نظرة على تاريخ الدولة في الإسلام. ويتوقف عند "الشورى" فيقول: وتعني عبارة يصير الأمر شورى طرح القضية على الجمهور لأخذ رأيه (ص 345). وهو ما لم يحصل مطلقا. ويقول أن الشورى توسعت لتكون حق المسلمين في اختيار الخليفة، ويعرضه كتصور مباشر للديمقراطية. فمتى توسعت؟ ومتى اختار المسلمون خليفتهم؟ ويجنح المؤلف إلى تصورات غير صحيحة بالقول أن التصويت العام كان ميسورا ضمن حدود المدينة وأصبح صعبا في دولة كبيرة أن تختار ممثليها في مجلس واحد يسمّيه (مجلس الشورى) لا وجود له عبر التاريخ. ثم بعد صفحات يقول قولا صحيحا مناقضا للطرح السابق "إن السلطة الإسلامية بعد الراشدين لم تُعْنَ بالبحث على أساس دستوري لسياستها ومنذ الأوان الأموي لم تكن تدار على أسس دستورية" (ص 348).
ويستعرض جهود المفكرين الإسلاميين لبحث مسألة الدولة، ويناقش مفاهيم الحركات السلفية، وموقف الإخوان المسلمين من الديمقراطية. ويشير إلى براغماتية الحركات الدينية في التعامل مع الديمقراطية، واتخاذها الديمقراطية ذريعة للوصول إلى السلطة، ويصل المؤلف إلى قناعة أنه لا يمكن الجمع بين الديمقراطية والإسلام أو أي دين آخر (ص 343-384).
إن ما بذله المؤلف في الكتاب جهد يستحق الشكر، أوضح المؤلف فيه بجلاء الدور الريادي لعبدالفتاح إبراهيم ونشاطه المتعدد الأوجه، فهو شخصية متميزة بفكرها الديمقراطي المبكر بالنسبة لظروف البلاد السياسية والاجتماعية، الخارجة من ظلم الاستبداد العثماني والواقعة تحت الاحتلال الإنجليزي، والباحثة عن غد أفضل. قَرَن عبدالفتاح النظرية بالتطبيق وعمل جاهدا على تحويل أفكاره إلى نشاط ملموس يعبّر عن هموم الناس وتطلعهم لحياة كريمة حرّة.