آذار/مارس 15
   

      في ظل صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُعاد طرح أسئلة ماركسية مركزية تتعلق بعلاقة التكنولوجيا برأس المال والعمل. إذ بينما تُقدَّم هذه التقنيات كقوة منتجة مستقلة، فإنها – وفق التحليل الماركسي – ما هي إلا امتداد لرأس المال الثابت، تجسيد للعمل الميت، وتعبير عن آليات جديدة لاستخلاص فائض القيمة.

في الجروندريسه، يضع ماركس تصورًا بالغ الراديكالية للآلة بوصفها عملًا ميتًا، أي تجسيدًا ماديًا للجهد البشري الذي تم بذله في السابق وتم تحويله إلى شكل غير حيّ (آلة، نظام إنتاج، إلخ). هذا العمل الميت لا يملك قيمة ذاتية، لكنه يُصبح منتجًا للقيمة فقط حين يُستخدم لاستخلاص فائض عمل من العامل الحي.

يوضح ماركس: "الآلة، بوصفها رأسمالًا ثابتًا، لا تضيف قيمة إلا بما يتآكل منها خلال الاستخدام، ولا تنتج أي فائض قيمة من ذاتها، بل من خلال عمل العامل بجانبها"(1).

لكن مع الذكاء الاصطناعي، تتغير طبيعة "الآلة" ظاهريًا: فهي لم تعد فقط جسدًا معدنيًا صلبًا يُحرّك، بل أصبحت كيانًا شبه فكري، يتعلّم، يُحلّل، يُنتج رموزًا وصورًا وقرارات. مع ذلك، فإن منطق ماركس يبقى ساريًا: فما زال هذا الكيان الذكي عملًا ميتًا، بل وأكثر تجريدًا وعمقًا من الآلة الصناعية.

الآلة الصناعية التقليدية هي عمل بشري سابق (يدوي) مجسَّد في حديد. أما الذكاء الاصطناعي فهو عمل بشري سابق (ذهني) مجسَّد في خوارزميات. لذا، فإن النموذج المدرب (مثل جي بي تي أو دال دوت إي) هو عمل جماعي ميت، لكنه ينتج ملايين الجمل، والقرارات البشرية، والبيانات المصنفة، ويُختزل ويُخزَّن داخل بنية رياضية، ويُعاد تفعيله كلما طُلب منه استكمال جملة أو توليد صورة. إذن الذكاء الاصطناعي يمكن تسميته بــ "آلة معرفية ميتة".

ماركس اعتبر الآلة الصناعية "أوتوماتون" بأنها تجرد العامل من مهاراته ويُفككها إلى عمليات آلية. إن الذكاء الاصطناعي يُعيد إنتاج هذا المنطق على المستوى المعرفي، حيث ما كان تفكيرًا بشريًا جماعيًا أصبح اليوم مؤتمتًا، وما كان إبداعًا، تحليلًا، حكمًا، أصبح تنبؤًا خوارزميًا. النتيجة هي اغتراب الإنسان عن قدراته المعرفية كما اغتُرِب سابقًا عن قدراته اليدوية.

في المنظومة الرأسمالية، يظل "العمل الميت" (الآلات والتقنيات) خاملًا بلا حركة إلا بفعل "العمل الحي" (جهد العامل البشري). لكن مع الذكاء الاصطناعي، يبدو المشهد مختلفًا: الآلة تُنْتِج نصوصًا، تُحلِّل البيانات، وتتخذ قراراتٍ كأنها "تعمل" باستقلالية. وراء هذه الوهْمَة، يكمن واقعٌ مرير، ما نراه "ذكاءً ذاتيًا" هو في الحقيقة تراكمٌ للعمل البشري المُستَلَبِ — جهدٌ غير مرئيٍّ لعمّال التصنيع، ومُبرمِجي الخوارزميات، ومُدرِّبي النماذج، ومُعدِّي البيانات — جُمع كله في صيغة رقميةٍ تزيد تراكمَ رأس المال. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي، بلغة ماركس، "أعلى مراحل العمل الميت"، آلةً تتحرر من العاملِ الظاهري، لكنها تظل مُعتمدةً على استلابِه الجوهري(2).

 

البيانات والعمل غير المرئي في الاقتصاد الخوارزمي

إن الذكاء الاصطناعي لا يُنتج شيئًا بذاته، بل يُدرّب على بيانات مصدرها البشر. قيمة هذه البيانات لا تُدرك بوصفها نتاجًا للعمل، بل كمواد خام مجانية. لكنها في الحقيقة تمثل فائض القيمة المسروق من التفاعلات اليومية للمستخدمين، ما يعمّق من استغلال العمل غير المأجور.

في الاقتصاد الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي، لم يعد "العمل" مقصورًا على من يجلس في مصنع أو مكتب. بل أصبح كل من يتفاعل مع التطبيقات والمنصات – دون أن يُدرك – جزءًا من سلسلة إنتاج القيمة. هذا الشكل الجديد من العمل يُعرف باسم العمل غير المرئي أو عمل الظل (shadow work).

 أولًا: كيف تتولد البيانات ومن ينتجها؟ إن المستخدم الذي يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي يُنتج لغة حية تُستخدم لتدريب نماذج لغوية مثل جي بي تي، كذلك سائق التوصيل الذي يستخدم تطبيق الملاحة يُنتج بيانات زمنية ومكانية تُستخدم لتحسين الخوارزميات، أو الموظف الذي يتفاعل مع نظام تصنيف تلقائي يدرّب هذا النظام – حتى لو لم يُطلب منه ذلك صراحة.

هذا العمل لا يُدفع عليه أجر، بل كثيرًا ما يدفع العامل (أو المستخدم) ليُنتج بيانات قابلة للاستثمار (مثال: الاشتراك في منصات، أو استخدام "خدمات مجانية").

 ثانيًا: إن الطبقة غير المرئية من العمل اليدوي هي وراء واجهات النماذج الذكية، حيث توجد جيوش من العمال الذين يُطلق عليهم "مصنّفي البيانات"، وهم الذين يوسمون الصور يدويًا، يصنفون ردود الذكاء الاصطناعي على أنها "جيدة" أو "سيئة"، ويفرزون الكلام المسيء أو المحتوى غير المرغوب فيه.

 مثال: شركة أوبن أي آي استعانت بعمال في كينيا بأجور منخفضة جدًا (أقل من 2 دولار في الساعة) لتصنيف محتوى سامّ ومؤذٍ بغرض "تدريب النموذج على ما يجب ألّا يقوله"(3).

هؤلاء لا يظهرون في واجهة المنتج، ولا يُنسب إليهم أي فضل، لكن بدونهم لا يعمل النموذج.

 

(الجدول رقم 1) 
 

ثالثًا: أمثلة من تطبيقات يومية (انظر الجدول رقم 1).

في كل هذه الحالات، المستخدم يُنتج، دون أجر، مواد خام معرفية تُحول إلى فائض قيمة رأسمالي.

أشار ماركس في الجروندريسه إلى أن رأس المال يسعى دومًا إلى استيعاب العمل الحي وتحويله إلى عمل ميت قابل للتراكم دون مقابل. في الذكاء الاصطناعي، نجد هذا يتحقق بوضوح في إن المستخدم يؤدي عملًا معرفيًا دون وعي بذلك. كما إن الرأسمال الرقمي يحوّل هذا العمل إلى بيانات قابلة للتسليع، وإن النموذج الذكي يُقدَّم ككائن مستقل، هو في الحقيقة محمول على ظهور ملايين العمال الخفيين.

العامل كمُدخل بيانات في النظام الخوارزمي

 في ظل الذكاء الاصطناعي، لم يعد العامل مركز العملية الإنتاجية. بل أصبح مجرد عقدة ذكية ضمن شبكة خوارزمية، يُقدّم البيانات، يُراقب المخرجات، أو يُؤدي مهام جزئية لتدريب الأنظمة. الوظائف البشرية تتلاشى تدريجياً لصالح أنظمة تتعلم ذاتيًا، مما يرسّخ منطق الإقصاء التكنولوجي.

في نموذج الإنتاج الرأسمالي الكلاسيكي، كان العامل يُنظر إليه بوصفه فاعلًا مباشرًا في العملية الإنتاجية: يُنتج السلع، يُشغّل الآلات، ويُضيف قيمة من خلال جهد عضلي أو ذهني. لكن مع صعود الذكاء الاصطناعي، يُعاد تشكيل دور العامل من جذورها، فلم يعد هو مَن يُنتج، بل أصبح هو ما يُنتَج منه. لقد تحوّل إلى "مُدخل بيانات" ضمن بنية خوارزمية تتغذى عليه، حيث:

 أولًا: العامل كمصدر تغذية للنظام، حيث إن العامل المعاصر، سواء في المصانع أو في "الاقتصاد المنصاتي"، لا يملك السيطرة على العملية الإنتاجية، بل يتحرك داخلها كحلقة مراقَبة في كل قرار يتخذه، كل حركة، كل تقييم يُسجَّل. كما إن النظام يتعلم من سلوك العامل ليُعيد تشكيل شروط عمله لاحقًا، وحتى أداء العامل يُستخدم لتدريب أنظمة تقييم تلقائية، تُقرّر مستقبله المهني. النتيجة: العامل لا يعمل فقط، بل يدرّب النظام الذي سيُقصيه لاحقًا.

مثال من اقتصاد التطبيقات؛ فسائق في شركة آبر أو شركات طلبات التوصيل لا يحدد الأسعار، ولا يختار الزبائن، ولا يرى كيف يتم تقييمه بالضبط. لكن، كل تفاعل له يُسجَّل كبيانات، ويُستخدم لتعديل الخوارزميات، وتُعاد هندسة العمل نفسه بناءً على سلوك العاملين. السائق هنا لا يعمل فقط كناقل؛ بل كـمُدخل بيانات حيّ يُعيد إنتاج البنية الخوارزمية التي تحكمه.

 أمثلة من البيئات الذهنية؛ كقطاع التعليم الرقمي، الطب، التصميم، البرمجة. يُطلب من العامل أن يستخدم أدوات ذكية مثل أنظمة تصحيح، مساعدة برمجية، تحليل بيانات. هذه الأدوات لا تكتفي بالمساعدة، بل تجمع بيانات عن طريقة العمل، وتُعيد إنتاج "النموذج المثالي" للقيام بالمهمة. في النهاية، قد تُستبدل هذه المهام جزئيًا أو كليًا بالخوارزمية التي تعلمت من العامل نفسه. هنا العامل يُدرّب خوارزمية لتحلّ مكانه – دون أن يُدرك.

رأى ماركس، هنا، في انتقال المهارة من العامل إلى الآلة تفريغًا للعامل من محتواه المعرفي(4). مع الذكاء الاصطناعي، هذه "المهارة" لا تُبرمج يدويًا، بل تُستخلص من العامل عبر مراقبة مستمرة وغير متبادلة. النتيجة هي فقدان السيطرة على عملية الإنتاج، اغتراب أعمق؛ إذ يُحوَّل العامل إلى مادة خام لنموذج رياضي، واستدامة الرأسمالية عبر تحويل الذكاء البشري إلى ملكية فكرية مخصخصة.

 

البنية الخوارزمية لرأس المال الرقمي

رأس المال الثابت في الذكاء الاصطناعي يتجسد في الخوارزميات والنماذج المدربة، بينما يُعاد إنتاج رأس المال المتداول عبر تدفق البيانات والمخرجات. البنية الإنتاجية تتحول إلى بنية خوارزمية، تُقاس قيمتها بالقدرة على التعلّم، ودقة التنبؤ، وقابلية التوسع الرأسمالي.

إن الأنظمة الذكية، رغم خطاب الحياد العلمي والتقني المرافق لها، ليست بنيات مستقلة عن الاقتصاد السياسي، بل هي تجسيدٌ معمّق للعلاقات الرأسمالية في عصر البيانات. فهي لا تُبنى ولا تُستخدم في فراغ، بل داخل منطق تراكم القيمة وفائض الإنتاج، حيث كل عنصر من النظام يخضع لمنطق الربح والسيطرة.

في تحليل ماركس، رأس المال الثابت هو كل ما يُستخدم مرارًا في الإنتاج دون أن يُستهلك مباشرة (كالآلات والمباني). في الذكاء الاصطناعي، يتمثل رأس المال الثابت في الخوارزميات مثل النصوص البرمجية، النماذج الرياضية، أنظمة التعلم العميق. البيانات البنيوية التي تشمل قواعد البيانات الضخمة التي تُبنى مرة وتُستخدم مرات لا تحصى، والبنى التحتية الرقمية مثل مراكز البيانات، السحابة، أنظمة التوزيع والمعالجة.

هذه المكونات لا تنتج شيئًا بذاتها، بل تُستخدم لاستخلاص فائض قيمة من عمل بشري غير مرئي أو من بيانات المستخدمين. إنها تجسيد حيّ لما أسماه ماركس "العمل الميت" الذي يسيطر على العمل الحي.

على النقيض من رأس المال الثابت، يتمثل رأس المال المتداول هنا في تدفق البيانات عبر بيانات المستخدمين، ردودهم، تفاعلهم، والنطاق الحسابي الذي يوفر القدرة المستأجرة لمعالجة هذه البيانات وتحويلها إلى منتج أو خدمة. إذن البيانات تُستهلك، تُعالَج، وتُحوَّل إلى معرفة قابلة للبيع – وهذا هو موضع التدوير الحقيقي للرأسمال الذكي.

لقد تحدث ماركس عن "العقل الجمعي" (General Intellect)(5) كقوة إنتاج اجتماعية تتراكم عبر التاريخ البشري. اليوم، يتحول هذا العقل – أي المعرفة الجماعية التي تُستخلص عبر البيانات والخوارزميات – إلى ملكية خاصة، حيث إن الشركات تحتكر النموذج المدرب، وتمنع الوصول المفتوح إليه، كما تحوّله إلى أداة للربح لا للتمكين. من الأمثلة: نموذج جي بي تي أو أي نظام توصية تجاري – هو نتاج تعلم من ملايين النصوص والأفعال البشرية، لكنه مملوك لمؤسسة واحدة تُحدد كيف يُستخدم، ولمن يُتاح.

(جدول رقم 2)

نموذج القيمة الرأسمالية الذكية

 

 هذه البنية لا تحيد عن منطق رأس المال؛ بل تعيد صياغته في شكل جديد: رأسمالية معرفية متمركزة حول الخوارزمية. إن الذكاء الاصطناعي لا يعمل خارج الرأسمالية، بل يعمل بها ولأجلها. وما يبدو عقلًا مستقلًا، هو في جوهره تجميع مركّز للمعرفة البشرية المسلوبة، المعالجة، والمملوكة من قبل قوى السوق.

 

الذكاء الاصطناعي وإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية

 ما يُقدَّم كتقدم تقني، يُخفي في جوهره علاقة هيمنة: حيث يُسلب العامل من قدرته على التحكم، وتُحتكر أدوات الإنتاج الرقمية من قبل نخبة تكنولوجية. النماذج اللغوية، روبوتات الإنتاج، أنظمة التوصية – كلها أدوات لرأس المال لإخضاع العمل البشري وتحويله إلى تدفق بيانات.

من منظور ماركسي، لا يَظهر الذكاء الاصطناعي كمجرد تقدم تقني محايد، بل كمُنتَج اجتماعي يعمل في خدمة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج. إنه يتجاوز كونه مجرد أداة لإدارة أو أتمتة المهام، ليصبح أداة بنيوية لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية بأشكال أكثر دقة وتخفيًا.

في المصنع التقليدي، كان الرأسمالي أو من ينوب عنه يُراقب الأداء، يُقيّم، ويعاقب أو يكافئ. أما في أنظمة الذكاء الاصطناعي فتتولّى الخوارزميات مهام الإدارة والتحكم، وإن العامل يُقيَّم لحظيًا بناء على "مقاييس أداء" غير مرئية، كما إن الخوارزمية تُحدّد ساعات العمل، المهمات، الأولويات – غالبًا دون تدخل بشري.

 لقد حلّت الإدارة الخوارزمية محل الإدارة الكلاسيكية، فحوّلت العلاقة بين الرأسمالي والعامل إلى علاقة بين الإنسان والنظام – لكنها أبقت على البنية الطبقية ذاتها.

إن أحد أخطر أشكال الهيمنة التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي هو الرقابة غير المرئية: العامل لا يعرف متى يُراقَب أو كيف يُقيَّم. كذلك الامتثال الذاتي لأنه بسبب الغموض، يبدأ العامل بضبط سلوكه ذاتيًا بشكل دائم، خشية من تقييم سلبي أو فقدان عمله.

مثال: في شركات التوصيل، يُراقب الأداء لحظيًا: سرعة التوصيل، عدد الطلبات، تقييم الزبائن. العامل قد لا يرى الواجهة الخوارزمية، لكنه يعيش تحت سطوتها اليومية.

إن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تُستخدم فقط لمراقبة العامل، بل لتحديد من يُوظَّف ومن يُقصى، من يحصل على قرض ومن يُرفض،ومن يُراقب ومن يُترك.

هكذا تُستنسخ الهياكل الطبقية والتمييزية (العرقية، الجندرية، الجغرافية) في قلب الأنظمة الخوارزمية، عبر بيانات تاريخية منحازة، أو معايير "محايدة" ظاهرًا، منحازة ضمنيًا.

ما كان يومًا قرارات بشرية تُخضَع للنقاش، أصبح اليوم نتائج "علمية" لا تقبل الاعتراض.

إن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل المجال السياسي نفسه عبر التحكم في تدفّق المعلومات (خوارزميات وسائل التواصل)، وتوجيه الرأي العام، وإدارة السلوك الاستهلاكي والسياسي.

لم تعد الهيمنة تعتمد على الإقناع أو الأيديولوجيا فقط، بل على التحكم التكنولوجي الصامت.

إن الذكاء الاصطناعي، كما يُستخدم اليوم، لا يُنتج فقط أدوات ذكية، بل يُنتج نظامًا اجتماعيًا خفيًا يعيد إنتاج التقسيم الطبقي، مع طبقة خوارزمية فوقية تُحدّد شروط اللعبة، وطبقة بشرية تحتية تؤدي العمل، وتُراقَب دون أن ترى من يراقبها.

 

الاغتراب المعرفي والسلطة الخوارزمية

العامل اليوم لا يُنتج المعرفة، بل يُدرّب خوارزمية تنتجها عنه. الذكاء الاصطناعي يحوّل الإبداع البشري إلى مدخلات لتعلّم غير مرئي. وبهذا، يصبح الوعي نفسه مُستلبًا، حيث تُبرمَج القرارات، وتُصاغ المعرفة، خارج إرادة الإنسان.

في تصور ماركس، كان الاغتراب(6) يشير إلى انقسام الإنسان عن نتاج عمله، عن نشاطه، وعن ذاته. العامل لا يرى ذاته في ما يُنتجه، بل يرى شيئًا غريبًا عنه، مملوكًا لغيره. مع الذكاء الاصطناعي، هذا الاغتراب يتخذ شكلاً معرفيًا خالصًا: لم يعد الإنسان فقط مغتربًا عن الجهد الذي يبذله، بل عن تفكيره، قراره، وإدراكه لذاته.

إنّ الذكاء الاصطناعي كأداة نزع للمعرفة، لأنه في السابق، كان العامل يُنتج، ويفكر، ويقرّر كيف يعمل. أما اليوم فإن الخوارزمية تقترح ما يجب فعله، وتقيس أداء العامل، وتصنفه، وتوجهه، بل قد تُنتج عنه معرفة، ثم تُعامله على ضوئها. مثال: المعلم يُراقَب عبر نظام تحليل الأداء، ثم يُوصَف على أساس نماذج سابقة، ويُقيَّم وفق معايير لم يشارك في صياغتها، وفي النهاية، تُحدّد هويته المهنية بناءً على خوارزمية تعلّمت من زملائه، وربما منه هو نفسه.

هذا هو الاغتراب المعرفي في صورته الكاملة: تُسحب من الفرد ملكة التفكير، ويُعاد تقديمها له من خارج وعيه، كشيء "موضوعي"، "أدق"، و"علمي".

الذكاء الاصطناعي، اليوم، حوّل الإنسان من الذات المفكّرة إلى الكائن القابل للتوقّع، حيث حوله من كائن يفكر ويقرّر إلى كائن يُتوقع سلوكه ويُدير نفسه وفق النموذج الإحصائي.

المنصة تعرف مسبقًا ما سيقرأ المستخدم، ما سيشاهد، ما سيشتري – وتُعيد تشكيل وعيه حول هذا التوقع.

وهكذا، يتحوّل الإدراك الذاتي إلى استجابة للسيناريوهات الخوارزمية، لا إلى انعكاس حرّ.

إن الإنتاج المعرفي مسلوب؛ فالطالب يستخدم أداة تكتب عنه، والكاتب يستعين بمساعد ذكي يُنتج الأفكار، والمبرمج يُكمل النص البرمجي آليًا. فبمرور الوقت تُنقل المهارة إلى النظام، وتضمحل القدرة البشرية على الإنتاج المستقل، ثم يُسلب العامل ليس فقط من ناتج معرفته، بل من القدرة على إنتاجها أساسًا.

 يصبح الإنسان مستهلكًا لمعرفة كانت في الأصل ثمرة تفاعله العقلي – لكنه لم يعد يمتلك شروط إنتاجها.

إن الذكاء الاصطناعي هو قمة الاغتراب: حين يصبح الوعي البشري نفسه موضوعًا لإعادة التشكيل، والمراقبة، والتسليع. ما كان نشاطًا حرًّا للذات يُختزل إلى بيانات نمطية يُعاد توجيهها.

 

الذكاء الاصطناعي كتجسيد متقدم لرأس المال

إنّ الذكاء الاصطناعي، بقدرته على العمل دون راحة، على إنتاج محتوى لا نهائي، وبقيم استعمالية هائلة – هو التجلي الأعلى لرأس المال الميت. إنه آلة تنتج بدون أن تطالب بأجر، تؤدي أعمالًا إبداعية، وتحقق أرباحًا غير مشروطة، مما يجعل العامل هامشيًا أمامها.

في الجروندريسه، يقدّم ماركس تصورًا عميقًا للرأسمالية بوصفها مشروعًا لتحويل العمل الحي إلى عمل ميت – أي إلى أدوات إنتاج مستقلة عن العامل، قابلة لإعادة الإنتاج دون تدخل بشري مباشر. وفي ضوء هذا التصور، يمكن فهم الذكاء الاصطناعي لا كمجرد تكنولوجيا جديدة، بل كأقصى ما وصلت إليه الرأسمالية في تجسيد رأس المال نفسه كذات معرفية منتجة.

إن الآلة التقليدية تشتغل وفق أوامر محددة مسبقًا، لا تتعلم من التجربة، ولا تتجاوز وظيفة الدعم أو الإزاحة الجزئية للعامل. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي فهي تتعلم من البيانات، وتُطوّر قدرتها تلقائيًا، كما تُنتج محتوى، قرارات، وحتى معرفة نظرية.

لقد أصبحنا أمام آلة معرفية تستبطن خصائص العمل البشري نفسه، لكنها تعمل خارج شروط الأجور والزمن والعمل العضوي.

ماركس يرى أن غاية رأس المال هي إنتاج فائض قيمة دون الاعتماد الضروري على العامل. في الذكاء الاصطناعي تُنتج النماذج نصوصًا، صورًا، موسيقى، برمجيات...، تُباع كخدمة أو كسلعة، ودون حاجة مباشرة إلى عمل بشري لحظة الإنتاج.

إن النموذج اللغوي أو المرئي هو تجسيد لعمل سابق مسروق، لكنه ينتج الآن قيمة مضافة جديدة دون عمل جديد. إنه رأس المال وقد تحرر من "سلاسل" العمل الحي، فهو تراكم دون حدود بشرية، حيث لا ينام النموذج، لا يُضرب عن العمل، لا يمرض، ولا يطالب بأجور.

إنه رأس مال نقيّ: يعمل باستمرار، يتوسع باستمرار، ويُنتج باستمرار – من دون العامل. حلم الرأسمالية قديمًا في التحرر من الحاجة إلى البشر يتحقّق تكنولوجيًا، وإن بقي في جوهره مبنيًا على عمل بشري مسلوب سابقًا.

إن الذكاء الاصطناعي ليس فقط أداة إنتاج، بل هو شكل تجسيدي متقدّم لرأس المال نفسه: آلة معرفية مملوكة، تعمل ذاتيًا، وتُنتج فائض قيمة قائم على اغتراب الإنسان عن عمله، عن معرفته، وعن ذاته.

 

من البيانات إلى الربح: ديناميكيات القيمة في الاقتصاد الرقمي

تُنتج القيمة في الاقتصاد الرقمي من خلال تسليع البيانات، وتحويل كل نشاط بشري إلى مدخل يمكن استثماره. منصات الذكاء الاصطناعي تخلق رأس مال معرفي مركّز، يحتكره من يمتلك البنية التحتية والبرمجيات، لا من يشارك بالمعرفة أو العمل.

الاقتصاد الرقمي لا يختلف في جوهره عن الاقتصاد الصناعي الذي حلّ محلّه، بل يُعيد إنتاج منطق تراكم رأس المال وفق بنيات جديدة تتجاوز السلع المادية. في هذا السياق، تُصبح البيانات، الانتباه، والمعرفة مواد خام رئيسية، وتُبنى آليات تراكم القيمة ليس من خلال الاستهلاك الكلاسيكي، بل عبر التفاعل، السلوك، والوجود الشبكي.

يرى ماركس أن الإنتاج يبدأ بتحويل الطبيعة إلى مادة قابلة للاستخدام في الاقتصاد الرقمي من خلال تشيؤ السلوك البشري (النقر، التصفح، الموقع، التعبير) وتحويله إلى بيانات. هذه البيانات تُنظَّم وتُعالج وتُحوّل إلى رأس مال معلوماتي. ما كان نشاطًا عابرًا، يُصبح قيمة قابلة للاستخلاص، دون أجر، دون عقد، دون إدراك.

في الرأسمالية الصناعية، كانت أدوات الإنتاج مادية (الآلات، المصانع). أما اليوم؛ تُصبح الخوارزميات، قواعد البيانات، النماذج الإحصائية هي الوسائط الجديدة لتراكم القيمة. كما إن القيمة لا تُقاس بعدد السلع المنتَجة، بل بدقة التنبؤ، وحجم قاعدة المستخدمين، وعمق التعلم الآلي. لقد تحوّلت القدرة على فهم وتوجيه السلوك البشري إلى قوة إنتاج رأسمالية مستقلة.

إن منصات الذكاء الاصطناعي هي مراكز لتراكم القيمة. فنموذج جات جي بي تي أو بارد أو كلودي لا يعمل كأداة فكرية فقط، بل كمركز تراكم لرأس مال معرفي، حيث كل تفاعل يُغذّي النموذج، يُحسّن من أدائه، ويُرسّخ هيمنة الشركة المالكة عليه. كما إن المعرفة العامة تتحوّل إلى ملكية خاصة، تُباع لمن يدفع، وتُمنع عمّن لا يملك. نحن لا ندفع فقط مقابل الخدمة، بل ندفع بوعينا، بسلوكنا، بوقتنا، بمعرفتنا.

إن الاقتصاد الرقمي هو مرحلة متقدمة من الرأسمالية، حيث يُنتج فائض القيمة من اللاشيء الظاهر – من الحياة اليومية ذاتها. فالذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، ليس مجرد تقنية، بل هو بنية مركزية لتجميع وتضخيم هذا التراكم الجديد، حيث يتحوّل الإنسان إلى مورد بيانات، والوعي إلى حقل للاستثمار.

الخلاصة: من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي، يحقق رأس المال حلمه القديم: إنتاج من دون عامل، وربح دون أجر. لكن هذا الحلم يتحقق فقط عبر إعادة تعريف العمل، واستلابه، وتفكيكه إلى مهام جزئية تُدار آليًا. إن تحليل ماركس للآلة كنظام رأسمالي يهيمن على العامل، يتحقّق اليوم في كل خوارزمية تديرنا، وكل نموذج يتحدث باسمنا.

الهوامش:

(1) Marx, K. “Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy (Penguin Classics). (1973), p. 596.
(2) Ibid., 599-602.
(4) Marx, K., cit., p. 596, p. 599, p. 601.
(5) Ibid., (1973), p. 611.

(6) Ibid., pp. 608-609, p. 626.