عرف الإسلام في مراحله التاريخية "الزعماتيّة النسائية"، وقد أرخت المصادر والمدونات التاريخية والفقهية لزعامة المرأة عبر آليات الطمس أو التهميش، خلافاً للخطاب التاريخي الشعبي الذي استحضر هذه التجارب وضخمها ـ أحياناً كثيرة - كاسراً المعيار الجنسويّ المتحكم في ذهنية النص العالِم.
تدرس الأكاديمية والباحثة التونسية ناجية الوريّمي بوعجيلة في كتابها "زعامة المرأة في الإسلام المبكّر بين الخطاب العالِم والخطاب الشعبي" (دار الجنوب، تونس، الطبعة الأولى، 2016) حضور الزعامة النسائية في الثقافة الرسمية والتدوين الشعبي، حيث تناولت أدوار الزعيمات في الحرب والقيادة السياسية، استناداً إلى منهجين: تفكيك الآليات التأسيسية والمقارنة بينها وبين التصور الشعبي؛ ومساءلة النصوص العالِمة والشعبية، الساعية إما لاختزال هذا الدور وتقليص حضوره أو لإضفاء المبالغات عليه.
نهضت بمفهوم الزعامة في الخطابات القديمة مصطلحات عديدة أهمها: "زعيم"، "رئيس"، "إمام"، "قائد"، "مقدّم"، و"أمير". هذه المصطلحات، كما تلاحظ أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في المعهد العالي للعلوم الإنسانية (جامعة تونس المنار)، تؤدي دوراً نوعياً في الإعراب عن تصور منتج الخطاب لهذه المسألة، فالنظر في الجهاز المفاهيمي الذي ينبني عليه الخطاب يمثل مدخلاً هاماً من مداخل قراءته وفهم المنظومة الفكرية التي يؤسسها.
الذاكرة الرسمية: التوظيف التاريخي والعزل
تؤسس صاحبة "الاختلاف وسياسة التسامح" عملها حول زعامة المرأة في الإسلام المبكّر على قياس مؤشرات الاختلاف بين الخطابين، أي بين "سلطة النص الرسمي" و"سلطة النص الشعبي". تناولت في الباب الأول صورة المرأة الزعيمة كما رسمها الخطاب التاريخي الرسمي. وذلك من خلال تجارب شهدتها الفترة الإسلامية الأولى، بدءاً بحركات الردّة وصولاً إلى الفتوحات في العهد الأموي، فركزت على شخصيات ثلاث: سجاح بنت الحارث التميمية، وعائشة بنت أبي بكر، والكاهنة دهيا، باعتبارهن تزعمن حركات ناهضت السلطة الشرعية، وأدخلت أخبارهن اضطراباً على الصورة النمطية لامرأة "الخدور" كما تراها الثقافة العالِمة. ظهرت زعامة سجاح في بني تميم وبني تغلب في سياق حركات الارتداد عن الدين الجديد، وهي حركات ظهرت رداً مباشراً على تفرد قريش بقيادة العرب بعد الرسول. وعلى الرغم من "المرحلة الحرجة" للردّة في تاريخ الدعوة والدولة، التي تعاملت معها "الذاكرة الرسمية" بحذر شديد، يبقى أنها تختزن دلالات تاريخية هامة لجهة التمرد والمناوأة، وسجاح التي تزعمت قومها بما يؤشر على مكانتها فيهم، نظر إليها الخطاب التاريخي الإسلامي كـــ "نشاز" نتيجة فاعليتها الاجتماعية من خلال الزعامة، فتم استحضار "الأبعاد الأنثوية الجنسية باعتبارها وصماً للمرأة العورة في تصور منتج الخطاب. فأصبحت سجاح وفق هذا الإخراج: فاشلة عسكرياً، غانمة جنسياً"، وذلك على خلفية التفاوض العسكري بينها وبين مسيلمة بن حبيب. تعتمد الوريمي في مساءلتها للخطابات التاريخية على دراسة ثلاث آليات خطابية: آلية الإضافة، ممثلة في إضافة معطيات مختلفة إلى المعطيات الأصلية المكونة للحدث؛ وآلية التعديل، أي الحفاظ على المعطيات الأصلية للحدث مع تعديلها وفق المطلوب؛ ثم آلية التغييب، وهي السكوت التام أو شبه التام عن الحدث والقائمين به، وفي صدارتهم سجاح (ص 31).
يأتي خطاب الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" والذي يمثل مرجعاً أساسياً بالنسبة للمصادر اللاحقة، في قائمة النصوص المستندة إلى "آلية الإضافة" التي تجافي الوقائع التاريخية، إذ عمل في القصة التي يوردها عن سجاح على إبراز ثلاث مراحل: أطوار الحملة العسكرية التي قادتها سجاح في طريقها إلى المدينة، مع التركيز على تفاوضها العسكري مع مسيلمة؛ قصة إغواء مسيلمة لسجاح وإيقاعه بها؛ النتائج التي أسفر عنها التفاوض من التزام مسيلمة بدفع مغارم لسجاح وقومها. تنقد الوريمي رواية الطبري عبر قراءة متأنية للوقائع التاريخية، وترى أن قصة الإغواء أُقحِمت في النص وهي من "اختلاق المؤرخ الفقيه"، وتتباين مع المتعارف عليه من عمليات التفاوض العسكري في الحروب القديمة. اتجهت آلية التعديل التي ظهرت في "البدء والتاريخ" للمقدسي و"الفخري في الآداب السلطانية" لابن الطقطقا، و"كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمة" لسرحان بن سعيد الأزكوي الإباضي، إلى "تشذيب" الخبر و"تثقيفه" حتى ينسجم وسلم القيم الذي يريد العقل الفقهي فرضه. لقد أهمل المقدسي – كما تلفت الكاتبة - الحديث عن تحركات سجاح العسكرية، ولم يركز إلاّ في جانب واحد مداره صورة الأنثى وانصياعها للذكر. وصور لقائها بمسيلمة في صورة لقاء سلمي جرى في مستقر الأحوال، وليس في حالة حرب أعلنتها هذه الزعيمة. وحوارها معه لم يتجاوز المسائل الجنسية (ص 42). همشت نصوص البلاذري واليعقوبي وخليفة بن خيّاط وابن الجوزي هذا الحدث بأطواره وفواعله، إما عن طريق الإيجاز المخلّ، أو عن طريق السكوت التام؛ ففي "تاريخ خليفة بن خياط" أسقط الخبر تماماً في تاريخه، فقد تعرض للردّة وحروبها وأهمل تماماً ذكر حركة سجاح" "المرأة المرتدة" الباحثة عن زعامة لقبيلتها بين القبائل المتناحرة في هذه الحقبة المفصلية من تاريخ الإسلام المبكّر.
تعامل الخطاب التاريخي الرسمي مع حركة عائشة بسبب دخولها في الصراع السياسي الدائر بين عثمان بن عفان وأنصاره وعلي بن أبي طالب وأنصاره ضمن ثلاث استراتيجيات: الأول، التبرئة من "إثم" الخروج؛ الثانية، ممارسة النقد غير المباشر عن طريق التوظيف الرمزي "للجمل"؛ والثالثة، ممارسة النقد المباشر لزعامة المرأة وإن كانت زوج الرسول (ص 52). تحاجج الوريمي المدونات التاريخية والفقهية الرسمية التي سجلت قراءات مختلفة حول موقع "أم المؤمنين" و"حبيبة الرسول" في "حرب الجمل". لقد "جاءت تفاصيل الدور المنسوب إليها خالية من أفعال الزعامة، فهي لا تمضي الاتفاقات باسمها، بل كانت تمضَى باسم الرجلين معها طلحة والزبير، كما يثبته نص الاتفاق التالي الذي أمضى عندما قدموا إلى البصرة ووقع خلاف بين البصريين أنفسهم: "هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين، وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين". إذن، إن عائشة وفق هذا التصور لم تتزعم حركة التمرد، ولم تساهم في إشعال فتيل الفتنة، بل هي إما مكتفية بالقول دون الفعل في الحرب، أو هي ساعية إلى الصلح. فلا أثر "لتهمة الزعامة" التي نسبت إليها" (ص 55). أعادتنا آلية التهميش في الخطاب التاريخي الرسمي لحركة عائشة "المرأة الزعيمة"، "امرأة الظهور" إلى التحليل الذي قدمه المؤرخ التونسي هشام جعيط في "الفتنة"؛ لم يستمد الانشقاق السياسي/ السلطوي في الإسلام، نفوذه من مطلب عائشة فحسب، لكن أهمية هذه الواقعة التاريخية تتمثل في تحويل "تحرك عائشة" إلى معركة تُقاد حول هودج زوج النبي، فيغدو الرمز أكثر إثارة: رمز المرأة، السلبية، المحجَّبة عن الأنظار، التي لا تحارب بل تجري الحرب والموت لأجلها. فهي زوج النبي، عرضه الذي يجب الذود عنه وصونه، رمزياً في الحقيقة، نظراً لأنه لم يكن في الوارد إذلالها ولا تلويث شرفها".
أثارت زعامة الكاهنة دهيا "ملكة البربر" المرأة غير المسلمة وغير العربية الآليات الخطابية غير الخاضعة لأية رقابة. هذه المرأة الزعيمة التي حاربت وقومها الجيوش العربية، عدّها الخطاب التاريخي كشخصية نسائية شاذة، ناظراً إليها من زاوية أقل سلبية حين يعتبرها "أماً" مفيدة للمسلمين بفضل أولادها الذكور "الأبطال الذين أسلموا بنصيحة منها، فكانوا عوناً للإسلام والمسلمين حسب تصور المؤرخ المسلم". (ص 85). وبعيداً من تفاصيل الأحداث التاريخية المتمركزة حول العمل العسكري، تعاطى "المؤرخ الرسمي" مع فرادة هذه المرأة ومآثرها بنمط سلبي/ إقصائي لاسيما حين يؤرخ لنشاطها السياسي، متهماً إياها بالتعسف واتخاذ القرارات الهوجاء.
الزعامة النسائية: الإقصاء الاصطلاحي والخطاب العمراني
تعمد صاحبة "الإسلام الخارجي" إلى تحليل العوامل التي دفعت الخطاب التاريخي العالِم لعدم استعمال المصطلحات الخاصة بفعل التزعم في تجارب الزعامة التاريخية التي درستها. وتلفت إلى أن النصوص التي استندت إليها لم تورد ولو لمرة واحدة مصطلحات مثل "الزعيمة" أو "الرئيسة" أو "القائدة" أو غيرها. فهي تتحدث عن سجاح أو عائشة أو الكاهنة دهيا دون الإشارة إلى التعيين الوظيفي، أي دون تسمية أو وصف يحيل عليها. (ص 95). تستعين الوريمي بنماذج نصية عديدة حددت فيها أسباب الإقصاء الاصطلاحي الذي قام به المؤرخ العالِم، ومن بين هؤلاء العلماء الطبري وابن الأثير وسيف بن عمر. لم يرتبط هذا التغييب بالحقبة المبكّرة: "والجدير بالملاحظة أن ثبات المؤرخ على عدم استعمال الزعامة في حديثه عن قيادات نسائية، لم يقتصر على هذه الحالات المبكّرة من التاريخ الإسلامي، بل انسحب أيضاً – وبشكل غريب - على تجارب الملكات اللاتي اشتهر أمرهن بعد ذلك، ومارسن السلطة من أعلى هرمها وهو الملك. في مقدمة هؤلاء السيدة أروى الصليحيّة (444-532 هــ) ملكة اليمن لمدة طويلة. فالمصادر القليلة التي تحدثت عنها ثبتت على عدم استعمال أي اسم وظيفي في الحديث عنها" (ص 88).
ما هو موقع المرأة في الخطاب العمراني الذي أسس له ابن خلدون؟ تشير الوريمي إلى أن المعجم الخلدوني استخدم عبارات "الرجولية" و"الرجولة" و"الرجالات" في سياق حديثه عن قيمتي البأس والشجاعة. فهو يربط بين استفحال الترف في المدينة، وحصول الجبن والكسل لدى سكان الحاضرة "بما يعانونه من خنث الحضارة المؤدي إلى الانسلاخ من شعار البأس والرجولة". لقد استعمل في هذا الربط سجلاً جنسياً طرفاه "الرجولية" من ناحية، و"الخنث" من ناحية ثانية. و"الخنث صفة من ينحرف عن الذكورة ويكتسب من الأنوثة خصائص" (ص 112). بعد تعقبها الدلالي لمصطلحات الرجولة في مدونة ابن خلدون تتناول الكاتبة الطريقة التي شكل بها ابن خلدون أخباره السياسية ذات العلاقة بالمرأة، ومن بين الملاحظات التي تسجلها، حضور معاني الإدانة والاتهام بالتسبب في الضعف و"ضياع الأمر" في تجارب في الحكم كان للمرأة فيها أدوار متفاوتة الأهمية. ورد في "تاريخ ابن خلدون": لمّا ضعف أمر الخليفة العباسي المقتدر وخُلع، جُعل أحد أتباعه يعاتبه قائلاً: "كنت أخشى عليك مثل هذا ونصحتك، فلم تقبل وآثرت قول الخدم والنساء على قولي".
المرأة في الخطاب التاريخي الشعبي: فتوح الواقدي
اغتنت فتوح الواقدي أو التاريخ الكبير (فتوح الشام، فتوح مصر والإسكندرية، فتوح الجزيرة والخابور وديار بكر والعراق، فتوح إفريقية) بالكتابة عن التجارب النسائية (العسكرية والسياسية). وقد تميز هذا النوع من التأريخ الشعبي بخصائص المنهج التجريبي في الحصول على المعلومة. تسجل الوريمي على هذا المنهج "مزيتين": الأولى، الانتباه إلى قنوات تُتناقل عبرها المعلومة التاريخية، هي غير القنوات الرسمية "المقننة" بإخضاع سلسلة الرواة لمعايير محددة في التعديل والتجريح. أي بحث الواقدي عن الاتصال المباشر برواة لهم بالحادثة علاقة ما عملية أو تجريبية، وليس مجرد علاقة احترافية. والثانية، في المنهج الذي تفرد به الواقدي، ويتمثل في فتح جسور التواصل مع الثقافة الشعبية وغير المحترفة ويرفعها إلى درجة الاعتراف بها علمياً.
ترتكز صاحبة "في الائتلاف والاختلاف: ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم" بشكل أساسي على "فتوح الشام" في استجلائها لعلاقة المرأة بالزعامة في مجتمع عصر الفتوحات، مع مراعاة تهذيب الإفراط في تضخيم هذه الزعامة في الذاكرة الشعبية، التي تفضل تعظيم دور المرأة على نقيض من الثقافة الرسمية العالِمة المقيدة والضابطة للحضور الأنثوي في المجالين السياسي والعسكري. تبحث الوريمي في كيفية تقديم خطاب الفتوح لبطولة المرأة، وفي مقدمة هؤلاء "النسوة البطلات" المرأة العربية المسلمة "خولة بنت الأزور"، التي خصص لها الواقدي مساحات نصية هامة في حديثه عن دورها في الحملة العسكرية التي أرسلها أبو بكر إلى الشام.
أضفيت على المشاركة الفاعلة للنساء في الفتوح هالة من التبجيل اتضحت من خلال الخطاب الفروسي الذي عكس صورة "المرأة البطلة النموذجية" المحتفية بدورها الحربي وانتصاراتها واندفاعاتها. لقد "حفل كتاب فتوح الشام بذكر مساهمات عديدة لنساء بطلات في حرب اليرموك مثل: أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوّام، وخولة بنت الأزور، ونسيبة بنت كعبة، وأم أبان زوجة عكرمة بن أبي جهل وعزة بنت عامر بن عاصم الضمري ورملة بنت طليحة الزبيري ورعلة وأمامة وزينب وهند ويعمر ولبنى وأمثالهن رضي الله عنهن، فلقد كنّ يقاتلن قتالاً يرضي به الله ورسوله" (ص 140). في المقابل تأرجح رد الخطاب العالِم عند الطبري وابن كثير وابن الجوزي على دور المرأة في الفتوح بين منهجين: السكوت، وقصره على ما هو مسموح به من مشاركتها وهو تقديم الخدمات للمقاتلين، ليس أكثر.
تخرج الوريمي بخلاصتين: الأولى، حرص الخطاب التاريخي الرسمي على مصادرة التجارب الزعامتيّة النسائية، حجباً وتشويهاً؛ والثانية، رؤية الخطاب الشعبي لزعامة المرأة من زاوية الإعجاب والاحتفاظ به في الذاكرة الجمعية، وإعادة إنتاجه ما أمكن.
اجتهد الخطاب العالِم في تهميش الدور الريادي والقيادي للمرأة المسلمة والعربية. يستمد هذا التهميش مقوماته وإنتاجه النصي من الخلفية الذكورية/ البطريركية التي تنظر إلى الأنثوي كفاعل سلبي، يرمز إلى الفتنة وثقافة العورة، ولذا عمل على حصر السلطة السياسية بالرجال ومنعها عن النساء تحت ذرائع اجتماعية وجنسوية طاول تأثيرها النصوص الفقهية السنية والشيعية والإباضية، خصوصاً ما يتعلق بالإمامة ورئاسة الدولة. على الجانب الآخر حافظ الخطاب الشعبي على الصور القيادية للمرأة المستمدة من الواقع، وإن أفرط في تقديسه أو تبجيله، ما يؤشر على الأهمية المعطاة للزعامة النسائية في المتخيل الشعبي، الأكثر التصاقاً بالأنثوي القيادي الغائر في التاريخ.