أيار 20
   
 
في المفهوم
 
    يسود جدلٌ في الأوساط الأكاديمية حول تعريف الاقتصاد الريعي ومدى انطباق هذا المفهوم على الواقع العياني في الدول المنتجة للنفط، التي تصدّر المواد الطبيعية وتستورد السلع المصنّعة. ويتمحور هذا الجدل حول ما إذا كان الريع يقتصر على إنتاج الثروة النفطية فقط، أم يشمل أيضًا طريقة توزيع هذه الثروة.
ويشير الطابع الوصفي للوقائع إلى أن الثروة النفطية التي تنتجها الأرض تُعد ملكًا للأمة، وتمارس الحكومة المركزية حق إدارتها. وفي هذا السياق، تدفع الدولة أجورًا أو تعويضات للشركات العاملة في قطاع النفط مقابل استخراج الموارد الطبيعية.
ووفقًا للقاموس الاقتصادي الفلسفي، الريع كمفهوم يعني إيرادًا دون سعي أو عمل. أما في المفهوم الاقتصادي الكلاسيكي، فإن الريع هو التصريف الاقتصادي لحق أو لاحتكار الملكية أو لاستثمار مورد اقتصادي معين. والريع بمفهومه الواسع ينصرف إلى كافة أشكال الدخول الراجعة إلى هبات الطبيعة كالمناجم والمعادن والنفط. إنه الدخل المتأتي بانتظام عن الرأسمال والأرض والأملاك، وغير المرتبط بعمل صاحبه. وفضلاً عن الريع الأرضي، تُطلق كلمة الريع أيضًا على الدخل الناجم عن الفوائد التي ينالها أصحاب الرساميل النقدية أو حاملو الأوراق المالية ذات السعر الثابت(1).
بناءً على ذلك، يُستخدم مفهوم الاقتصاد الريعي بوصفه مرادفًا للاقتصاد غير المنتج، القائم على استيراد وتداول السلع بدلًا من إنتاجها، حيث تشكّل الإيرادات المتأتية من بيع النفط - بوصفه أحد أبرز أشكال الريع - الجزء الأكبر من دخل الدولة، وذلك على خلاف الدول التي تعتمد على الزراعة والصناعة والضرائب.
 
جذر المشكلة
 
   يُعدّ مسرح الاقتصاد العالمي والعوامل المتحكمة فيه - وبخاصة الاحتياجات الاقتصادية للقوى الإمبريالية - من أبرز المحددات التي أسهمت في انتشار النمط الريعي للنمو الاقتصادي في عدد من بلدان العالم، وذلك من خلال عدة مؤشرات.
فقد برز ما يُعرف برأسمالية الريع، التي تعتمد في تراكم الثروة على النشاط المالي، من خلال تصدير رؤوس الأموال وتقديم القروض الدولية، ثم المضاربة في الأسهم والسندات كمصدر لتحقيق الأرباح، بصرف النظر عن زيادة الإنتاج الحقيقي في الاقتصاد المتقدم. كما يشمل ذلك التوسع في تملك الأصول الثابتة، مثل العقارات، عبر المضاربة في أسعارها. وقد أدى ذلك إلى تغليب منطق الربح السريع، مقارنة بالطريقة التقليدية لتراكم الثروة في الرأسمالية الكلاسيكية، التي كانت تقوم على اكتمال دورة الإنتاج لتحقيق الأرباح.
إلى جانب ذلك، شهد العالم توسع نمط الإمبريالية الاستخراجية، التي تُعرَّف بأنها سيطرة الأنشطة الاستخراجية المعتمدة على استخراج الموارد الطبيعية - مثل الذهب والبترول - من باطن الأرض(2). وقد أسهم هذا النمط في إخضاع اقتصاديات دول الجنوب لاحتياجات الدول الرأسمالية المتقدمة، التي تعتمد على التكنولوجيا المتطورة، ما أدى إلى تحول طلبها من المواد الخام التقليدية إلى موارد استراتيجية مثل النفط والذهب واليورانيوم والنحاس.
وشكّل هذا التحول الأساس المادي لانتشار الاقتصاد الريعي في دول الجنوب، حيث أصبحت هذه الدول موجّهة لتلبية احتياجات السوق الخارجية من الموارد الطبيعية، وهو ما كرّس واقع التبعية عبر تقسيم دولي غير متكافئ للعمل والتجارة الخارجية.
 
 
جنوب السودان في فخ الريع
 
   تُظهر اتجاهات الرأسمالية العالمية نحو الربح السريع - خاصة عبر الطابع الاستخراجي والرأسمالية المالية - الظروف الموضوعية التي وُلدت فيها دولة جنوب السودان عام 2011، عقب الاستفتاء الذي أسفر عن استقلالها عن السودان. فقد تراجع الاهتمام بالطابع الإنتاجي لصالح أنماط تراكم الثروة القائمة على استخراج الموارد والمضاربة المالية.
كان نفط جنوب السودان يشكّل الجزء الأكبر من إنتاج النفط في السودان قبل الانفصال، حيث بدأ الإنتاج التجاري عام 1999 بنحو 150 ألف برميل يوميًا. وقد أسهمت عائدات النفط في زيادة إيرادات الحكومة السودانية، ما أدى إلى تحول طبيعة الاقتصاد من الاعتماد على تصدير المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية إلى الاعتماد شبه الكامل على النفط، وانعكس ذلك في أولويات الإنفاق العام.
ورثت النخبة الحاكمة في جنوب السودان، ممثلة في الحركة الشعبية لتحرير السودان، هذا النموذج الريعي، وراهنت على عائدات النفط لإحداث تحول تنموي سريع، مستندة إلى الأرقام الكبيرة لتأثير النفط على الاقتصاد. غير أن هذا الرهان جاء في سياق تاريخي معقد، حيث كانت عملية الانفصال نتيجة صراع طويل حول  معالجة  ما عرف في الادبيات السياسية السودانية بمشكلة الجنوب ذات الطبيعة المترابطة مع عوامل عدة تتعلق بالاضطهاد القومي للمجتمعات من جنوب السودان على أساس مادي، تتمثل في  حرمان الجنوب من نظام سياسي يدير شؤونه ونظام اقتصادي يجعل الجنوب خارج دائرة التنمية وحصوله على ادنى مستوى من خدمات التعليم والصحة واستخدام موارده لتنمية الإقليم، ما ينعكس على الإطار الثقافي عبر روح التعالي القومي والقهر تجاه ثقافاته المختلفة من باقي السودان.
وبموجب اتفاقية نيفاشا لعام 2005، التي أنهت الحرب الأهلية ووضعت ترتيبات الحكم الانتقالي، تم تقاسم عائدات النفط بنسبة 50% بين الحكومة المركزية في الخرطوم وحكومة جنوب السودان. وخلال الفترة الانتقالية، قُدّرت إيرادات حكومة الجنوب من النفط بين 4 و5 مليارات دولار سنويًا(3)، ما رفع سقف التوقعات بإمكانية تحقيق نقلة تنموية سريعة في إقليم عانى طويلًا من ضعف التنمية.
إلا أن الاعتماد المفرط على النفط أثّر سلبًا على بنية الاقتصاد. فقد افترضت القيادة السياسية أن عائدات النفط كافية لتسيير شؤون الدولة، دون إيلاء اهتمام كافٍ لتطوير الزراعة أو الصناعة، رغم توافر موارد طبيعية وأراضٍ خصبة. كما لم تُبذل جهود كافية للاستثمار في رأس المال البشري أو بناء طبقة وسطى قادرة على دعم قاعدة ضريبية مستدامة.
وأدى هذا المسار إلى الوقوع في «فخ الريع»، حيث تراجعت أنماط الإنتاج التقليدية القائمة على الزراعة والرعي، لصالح اقتصاد حضري يعتمد على قطاع الخدمات والوظائف الحكومية. كما شجّعت السياسات العامة على أنشطة الربح السريع، مثل المضاربة في السلع والخدمات، لتلبية الاحتياجات الأساسية عبر الاستيراد.
وفي هذا السياق، أُطلق برنامج العطاءات بهدف خلق «رأسمالية وطنية» تقود عملية البناء الاقتصادي، من خلال تمويل رجال الأعمال لاستيراد السلع وتقديم الخدمات. غير أن هذا التوجه عزّز الطابع الريعي بدلًا من بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
تشير البيانات إلى هيمنة قطاع النفط على الاقتصاد بعد الاستقلال؛ والتي شكّلت حوالي 98% من إيرادات الحكومة الجديدة. وفي عام 2011، بلغ الإنتاج نحو 360 ألف برميل يوميًا، وحققت البلاد ما يقارب 7.3 مليار دولار من عائدات النفط بين الاستقلال ونهاية عام 2014(4). لكن هذا الاعتماد المفرط كشف هشاشة الاقتصاد، خاصة مع اندلاع الصراع في 2014، الذي خفّض الإنتاج إلى نحو 50% من مستوياته السابقة، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط عالميًا.
وتشير تقارير وزارة البترول والتعدين إلى انخفاض إنتاج النفط إلى 50% من مستوياته قبل الصراع في عام 2014، قبل أن يرتفع إلى 169 ألف برميل يوميًا، أي 70% من مستويات ما قبل الصراع، بنهاية العام. وفي الوقت نفسه، انخفضت أسعار النفط في الأسواق الدولية بنسبة 60% منذ يونيو/ حزيران 2014. ولا يمتلك جنوب السودان آلية استقرار تحميه من تقلبات الأسواق الدولية، وقد كان لانخفاض أسعار النفط أثر مدمر على الاقتصاد(5).
وفي ظل غياب آليات للاستقرار الاقتصادي، كان لهذه الصدمات أثر بالغ على الاقتصاد، ما يؤكد أن اقتصاد جنوب السودان يُجسّد نموذج الدولة الريعية، حيث تهيمن عائدات الموارد الطبيعية على الإيرادات العامة، ويعتمد النشاط الاقتصادي بدرجة كبيرة على الخارج، بينما تتحكم آليات الإنفاق العام في توجيه الاقتصاد، بدلًا من قيامه على علاقات إنتاجية متماسكة.
 
الريع وقضايا التنمية في جنوب السودان
   بعد تأسيس دولة جنوب السودان، وجدت قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان نفسها أمام تحديات كبيرة تمثّلت في عملية بناء الدولة، عبر اختيار نموذج تنموي يترجم على أرض الواقع الشعارات التي رفعتها خلال سنوات الكفاح المسلح، مثل العدالة والتحرير. وكان المطلوب نموذجًا ينجز مهام البناء الوطني الديمقراطي، ويحقق استقلالًا اقتصاديًا قائمًا على الاكتفاء الذاتي، ويطوّر القوى المنتجة، ويوظّف عائدات النفط في تنشيط القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، بما يحقق تنمية اجتماعية واقتصادية ويوفّر الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وكهرباء ومياه نظيفة، إضافة إلى بنية تحتية تربط مناطق البلاد.
غير أن قراءة الواقع من منظور الاقتصاد السياسي تُظهر أن خيارات السلطة سارت في اتجاه مختلف، يمكن فهمه في إطارين مترابطين: الأول هو الاعتماد شبه الكامل على ريع البترول كمصدر وحيد للدخل بدلًا من تنويع الاقتصاد، والثاني هو تبنّي نموذج اقتصاد السوق الحر، الذي قاد عمليًا إلى نتائج اجتماعية واقتصادية غير متوازنة. فقد أفضى هذا الخيار إلى صعود نزعة فردانية داخل النخبة الحاكمة، ركّزت على الثراء الشخصي بدلًا من بناء اقتصاد يلبي احتياجات المجتمع، كما عمّق التبعية للرأسمالية العالمية ووكلائها الإقليميين.
يقوم الاقتصاد الريعي في جنوب السودان على تصدير النفط بوصفه مادة خام، دون تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة به، مثل التكرير وإنتاج المشتقات النفطية. وقد جرى تكييف الاقتصاد لخدمة احتياجات الخارج بدلًا من تلبية الطلب الداخلي، حيث تُعاد تدوير عائدات النفط بما يخدم مصالح النخبة الحاكمة، في مقابل تزويد الدول الصناعية باحتياجاتها من الطاقة والمواد الخام في الاستخدام الصناعي لمشتقات النفط إلى جانب كونه وقودًا في إنتاج الكهرباء، وخصوصًا في المنتجات الوسيطة القائمة على النفط، التي تُستخدم لاحقًا كمواد خام لإنتاج مجموعة واسعة من المنتجات البتروكيماوية من البوليمرات إلى الأسمدة(6).
وفي ضوء خيارات الطبقة المسيطرة سياسيًا واقتصاديًا منذ عام 2005، برزت عدة مظاهر لفشل النموذج التنموي القائم على الريع:
 
 التوزيع غير العادل للثروة
 
   تتركز الثروة في يد طبقة مهيمنة تضم كبار المسؤولين في الدولة، من بيروقراطيين وعسكريين، إضافة إلى شبكات من السماسرة وكبار التجار المرتبطين برأسمالية تجارية طفيلية. وتعتمد هذه الفئة على السيطرة على مؤسسات الدولة للوصول إلى عائدات النفط، دون امتلاك حقيقي لوسائل الإنتاج. كما تعمل على تهريب الفائض الاقتصادي إلى الخارج، عبر ارتباطها بشبكات إقليمية في دول مثل كينيا وأوغندا. وتُعيد هذه الطبقة إنتاج هيمنتها من خلال الإنفاق الريعي على شبكات الولاء ذات الطابع القبلي والسياسي، عبر التوظيف والمنح الدراسية والمساعدات المالية.
في المقابل، تعاني غالبية السكان من أوضاع معيشية صعبة؛ إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن "7.7 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، و2.3 مليون طفل من سوء التغذية، بينما يعيش 92% من السكان تحت خط الفقر"(7)، ما يعكس فجوة كبيرة بين الطبقات، خاصة بين الريف والحضر.
 
تغذية الصراع السياسي

    فشل الاقتصاد الريعي في توفير التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التوزيع العادل للثروة، كان سببًا في اشتعال حدة الصراع الاجتماعي بين الطبقات المختلفة، من أجل الوصول إلى مصدر الثروة المتمثل في الريع النفطي وامتلاكه. وقد أخذ هذا الصراع منحىً سياسيًا عبر التنافس على السلطة بالطرق المدنية والعسكرية.
تمثّل الجانب العسكري من هذا الصراع في اندلاع الحرب بين مراكز القوى داخل الحزب الحاكم (الحركة الشعبية) عام 2013، وتجددها مرة أخرى عام 2016، للسيطرة على مركز السلطة السياسية في جوبا، باعتبار أن التحكم في السلطة يتيح الوصول إلى الثروة النفطية. ويشبه ذلك ما حدث في بعض البلدان النفطية التي أسهم النفط في تفجر الصراعات فيها، مثل انغولا وليبيا ونيجيريا
 وفي جنوب السودان، شكّل النفط أيضًا حافزًا للصراع السياسي على المستوى المحلي، خاصة في الولايات المنتجة له، حيث ينص القانون على تخصيص نسبة قدرها 2% من الإنتاج لتلك المناطق. وقد أدى ذلك إلى تنافس النخب السياسية المنتمية لهذه المناطق على المناصب المحلية، بهدف السيطرة على نصيب الإقليم من عائدات النفط.
 
الاستهلاكية والتبعية
 
   من أسوأ نتائج الاعتماد على ريع النفط إهمالُ القطاعات المنتجة في الزراعة والصناعة، لذا لجأت دولة جنوب السودان إلى الخارج لتلبية احتياجات المواطنين من السلع والخدمات. وبذلك أصبح جنوب السودان دولةً مستهلكة وغير منتجة، حيث تأتي أغلب السلع الأساسية من الخارج، ويُسيطر الاستيراد من دول شرق أفريقيا، مثل أوغندا وكينيا، على النصيب الأكبر من السلع، إلى جانب دولٍ مجاورة أخرى.
أما على صعيد الخدمات، فيعتمد جنوب السودان على نظام المساعدات الدولية لتقديم الخدمات الأساسية، وهو ما يُعد أداةً تكرّس بها الرأسمالية واقع التبعية في بلدان الجنوب، حيث تموّل المنظمات الدولية المشاريع الأساسية في مجالي الصحة والتعليم في مختلف مناطق البلاد.
ومن مفرزات ذلك فقدان مؤسسات الدولة لاستقلالها، إذ أصبحت رهينةً لشروط القوى الخارجية، نتيجة الضعف البنيوي للدولة الناجم عن عدم استكمال الاستقلال السياسي الشكلي بالاستقلال الاقتصادي القائم على السيادة على الموارد الاقتصادية والطبيعية، وإلغاء نفوذ الدول الخارجية على القرار السياسي، تحقيقًا للسيادة الوطنية.
 
سوء الخدمات الأساسية
   تشير التقارير الرسمية والدولية إلى تدهور كبير في الخدمات. فوفقًا لوزارة المالية: "هناك نقص في إمكانية الحصول على مياه شرب آمنة… مما يؤدي إلى انتشار الأمراض وارتفاع معدلات الوفيات"(8). كما تفيد اليونيسف بأن "أكثر من 2.8 مليون طفل، أي ما يزيد على 70%، خارج المدارس"(9).. وفي جانب الإنفاق العام: "القطاع الصحي، الذي يُفترض أن يحصل على 2.5% من الميزانية، لم يحصل إلا على 0.7%، والتعليم حصل على 1.5% بدلًا من 10%".
كما أن "برنامج النفط مقابل الطرق… لم يُنجز سوى أقل من 5% من الأعمال، مع وجود 1.7 مليار دولار غير مبررة"(10).
 
أزمة العمالة
   الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للإيرادات لا يعيق تنمية القطاعات الأخرى في الاقتصاد فحسب، بل يعيق أيضًا تهيئة الظروف اللازمة للتنمية، مثل تنمية العمالة، باعتبارها الحجر الأساس للعملية التنموية في جنوب السودان. فرغم هيمنة النفط على إيرادات الحكومة، فإنه لا يُوظّف سوى نسبة بسيطة ومحدودة من القوى العاملة، إذ يساهم بنسبة ضئيلة نسبيًا في التشغيل. وتشير التقديرات إلى أن 4.8% فقط من العاملين في الشركات الوطنية العاملة في قطاع النفط هم من الموظفين الإداريين والفنيين والعمال(11).
وتحصل الفئة المحدودة العاملة في قطاع النفط على أجور مرتفعة، ما خلق نوعًا من )أرستقراطية العمل(.
ونتيجة لاعتماد الاقتصاد على النفط، يتعرض الناتج المحلي لتقلبات حادة بسبب تذبذب أسعار النفط ونوبات الصراع المتكررة، مما يؤدي إلى اختلالات كبيرة في العجز المالي وميزان الحساب الجاري في جنوب السودان، نظرًا لاعتماد غالبية موارد الحكومة على عائدات النفط.
كما يعاني موظفو الخدمة المدنية من عدم انتظام صرف الرواتب، حيث لم يتقاضَ بعضهم أجورهم لأكثر من عام، في حين ينتظر الجنود رواتبهم داخل الثكنات.
 
تدمير البيئة
   النشاط الاستخراجي بشكل عام، والنفط بشكل خاص، يقوم على التعدي على البيئة ويُنتج نمطًا إنتاجيا يضرّ بالبيئة ويؤثر سلبا على المجتمعات المحلية ومعاشها.
تسبّب إنتاج النفط في جنوب السودان بأضرار بيئية جسيمة وواسعة النطاق، لا سيما في ولايتي الوحدة وأعالي النيل، مما أدى إلى تلوث شديد للمياه والتربة. وقد أدت النفايات المُدارة بشكل سيئ، وتسربات النفط، ومياه الصرف الصحي (المياه المُنتَجة) إلى تلوث مياه الشرب بالمعادن الثقيلة والهيدروكربونات، ما تسبب في تشوهات خلقية ومشاكل جلدية ونفوق الماشية.
كما يؤدي تلوث الهواء الناتج عن حرق الغازات المصاحبة لاستخراج النفط إلى إطلاق كميات كبيرة من الغازات السامة في الغلاف الجوي. وأسهم ذلك في تدمير النظم البيئية، حيث تسبب التلوث في أضرار جسيمة للحياة المائية، وأجبر الحيوانات البرية على مغادرة المنطقة (12).
 
خلاصة
    تؤكد الوقائع المذكورة أعلاه فشل الاعتماد على نموذج الاقتصاد الريعي في إحداث تنمية اجتماعية واقتصادية في دولة جنوب السودان. وتحاول بعض الدراسات الأكاديمية إرجاع أسباب هذا الفشل إلى غياب الشفافية وانتشار الفساد، إلا أن التعمق في التحليل يُظهر أن مظاهر غياب الشفافية هي في الواقع نتائج مباشرة للفشل، وليست أسبابًا له. أي إن هذه الرؤية الأكاديمية تتعامل مع الظواهر بشكل معزول عن سياقها الكلي، على عكس مقاربة الاقتصاد السياسي التي تنظر إلى الوقائع بصورة شمولية، حيث تكون الأجزاء مترابطة ومتفاعلة فيما بينها.
وبالعودة إلى الدراسات التي تتناول إشكاليات اقتصادات الدول الريعية، نجد أنها تتشابه إلى حد كبير مع الوقائع المذكورة في حالة جنوب السودان، غير أن الوضع في جنوب السودان أكثر حدة مقارنة بغيره، لأن العديد من الدول الريعية الأخرى قد مرّت بمرحلة التأسيس ما بعد الاستعمار، حيث لعب القطاع العام دورًا في وضع الأسس الاقتصادية عبر مشاريع تنموية وبنية تحتية. أما في حالة جنوب السودان، فإنه لم يمر بمرحلة تأسيس اقتصادي حقيقي لبناء الدولة، بل اختارت النخبة الحاكمة التوجه نحو النموذج الأسهل قائمًا على الريع النفطي.
ونتيجة لذلك، جاءت النتائج كارثية، حيث يواجه جنوب السودان أزمة اقتصادية حادة، مع تعثر كبير في مشروع بناء الدولة وفشل في تحقيق التنمية.
 
أديسون جوزيف قرنق - كاتب من دولة جنوب السودان
 
 الهوامش:
(1) صالح ياسر، قاموس اقتصادي فلسفي.. الريع، طريق الشعب، 14 اذار/ مارس 2026:
(2) بندر نوري، الاقتصاد السياسي للتبعية من الاستعمار القديم الى الإمبريالية الاستخراجية، أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2021، ص: 23
(3) بيتر أدوك نيابا، جنوب السودان والحروب الدائمة النخبة الإثنية والدولة المعطوبة، ترجمة: يدجوك اقويت، منشورات ويلوز هاوس، جنوب السودان، ٢٠٢١، ص: ٣٧٢
(4) Astrid Haas, The perils of relying on oil as the only resource for development, 4 Apr 2016:
 (5) Paul Gal Atem, Oil Revenue Management in South Sudan, International Journal of Economic Policy, Vol. 4, Issue No. 4, 2024, pp 73 - 92.
(6) أندي هيغينبوتوم، رأسمالية النفط، ترجمة: سري، موقع صفر، 18 تشرين الأول 2024:
 
(7) South Sudan: Inside the Oil Ministry’s Shadow Economy, African Security Analysis, 17 okt. 2025 23:19:
 
(8) Ministry of Finance and Planning – South Sudan, Sustainable Development Goals (SDGs) Rescue Plan 2024–2030. 
(9) South Sudan: Inside the Oil Ministry’s Shadow Economy, African Security Analysis.
(10) Labour Market Assessment with Focus on Migrant Workers from the IGAD Region: South Sudan Country Report, 2021, International Labour Organization (ILO)
(11) XCEPT Research, Why South Sudan’s Unity State is Drowning in Pollution: