أيار 20
   
                                                                                                        
    مقدمة
     مثّل تبني "نموذج الليبرالية الجديدة" محاولة للخروج من الأزمات الاقتصادية والمالية الدورية التي تمر بها الأنظمة الرأسمالية، خصوصا في الدول المتقدمة، والتي سبق لكارل ماركس أن حللها بعمق وتوقع حدوثها وفسر أسبابها. وقد رسم المنظرون والقادة السياسيون الذين تبنوا هذا النموذج صورة زاهية للتنمية الاقتصادية وازدهار المجتمعات اللذين ينتجان من تطبيقه بداية في الولايات المتحدة وبريطانيا. ولم يقتصر الأمر على هذه الدول، بل فُرض هذا النموذج على العديد من البلدان النامية تحت ضغط شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتزويدها بالقروض، شريطة إعادة هيكلة اقتصاداتها والتنازل عن سيادة الدولة على ترابها الوطني. وقد رافق تطبيق الليبرالية الجديدة تبني العولمة - على الرغم من أنها لم تكن جديدة وتُعد جوانب منها مفيدة -، التي تضمنت فتح الحدود لحركة السلع ورؤوس الأموال. وقد جاءت الأزمة المالية والاقتصادية لعام 2008 وما مثّلته من تداعيات واسعة النطاق على الاقتصادات العالمية، منها فقدان ملايين فرص العمل؛ لتمثّل الفشل المدوي لليبرالية الجديدة. وهذا ما دفع الحكومات التي طبقتها ودافعت عنها خصوصا في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية للتدخل لإنقاذ البنوك والشركات المتضررة، وليتحمل المواطن عبء هذه التكاليف. ولكن هذا التدخل لا يعني التخلي على نحو كامل عن الليبرالية الجديدة؛ لأن هذا يتعارض مع مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى، بل محاولة للتخفيف من آثارها.
   كانت النتائج الاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية التي طبقت الليبرالية الجديدة كارثية؛ فقد تزايد الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي وتراجع النمو الاقتصادي وكثرت المشكلات الاجتماعية، وانعكس ذلك على الواقع السياسي، حيث انخرطت فئات واسعة من الجماهير تناضل ضد الأنظمة التي طبقت هذا النموذج. وفي البلدان العربية كانت هذه السياسات أحد الأسباب الرئيسة في اندلاع انتفاضات عام 2011 التي اسقطت عدة أنظمة، ومثّلت تمرينا ثوريا لما هو قادم من انتفاضات وثورات والتي ستكون أنضج إعدادا، تنظيميا وسياسيا بحكم الخبرات النضالية المتراكمة.
    وإذا عدنا إلى الوراء، وارتباطا بهذه النتائج، نجد أن صندوق النقد الدولي ما كان بحاجة إلى مساندة الحكومات فحسب، بل ومؤازرة الأجهزة القمعية لهذه الدول، وذلك لأن كل تصعيد في شروط الصندوق يدفع الجماهير إلى تصعيد مقاومتها ضد الإجراءات الحكومية الرامية إلى تطبيق تقشف مالي صارم. فعلى سبيل المثال، بعدما نفذ الجنرال بينوشيه عام 1973 انقلابا عسكريا جعل شيلي تسبح في "حمام دم" باعتراف بينوشيه نفسه، اندلعت في الأرجنتين عام 1976 احتجاجات جماهيرية ضد مطالبة صندوق النقد الدولي الأرجنتين تجميد الأجور لفترة 180 يوما، لمواجهة التضخم وتخفيض الدين الخارجي. وكما حدث في شيلي، استولى الجيش هنا أيضا، على السلطة وشرع في فرض نظام إرهابي، كان قد عرض البلاد، لمذابح رهيبة، راح ضحيتها ثلاثون ألف مواطن، كان غالبيتهم من النقابيين وطلبة الجامعات(1). وهذان الانقلابان وغيرهما من الانقلابات العسكرية، جرت كما هو معروف بدعم وتحريض مكشوفين من الولايات المتحدة.     
     وفي إفريقيا وباقي أنحاء العالم كان بركان الثورة يتصاعد من يوم لآخر، ففي كانون الثاني| يناير 1977 اندلعت في كبرى المدن المصرية احتجاجات انصب جام غضبها على مطالبة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الحكومة بضرورة شطب الأموال التي تخصصها كل عام لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي سياق هذه الاحتجاجات قتل 79 متظاهرا وجرح أكثر من 550 مواطنا. وفي المغرب، كانت النقابات العمالية قد أعلنت في عام 1981 إضرابا عاما، لأن الصندوق كان هنا أيضا، قد ربط منح قرض قيمته 1,2 مليار دولار بالتزام الحكومة بإلغاء الإنفاق الحكومي المخصص لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي سياق هذا الإضراب احتج آلاف الشباب من سكان الأحياء الفقيرة، المحيطة بمدينة الدار البيضاء، وقتلت الشرطة أكثر من 600 منهم(2).        
     يأتي المقال هذا لإلقاء الضوء بشكل مكثف على تناقضات الليبرالية الجديدة في التطبيق العملي لأفكارها ونتائج ذلك؛ لذا سيتضمن خلفية نظرية لليبرالية الجديدة تساعدنا في تفسير مآلات تطبيقاتها، وتوجهات الليبرالية الجديدة، كذلك يتطرق لتزايد التفاوت الذي نتج عن سياساتها، ويفحص انعكاساتها على الجانب الاجتماعي وأخيرا يعالج تناقضاتها.
خلفية نظرية
     في معظم النواحي، يُعد القليل جدا من أفكار ما يسمى بـ "نموذج الليبرالية الجديدة" جديدا. لقد روّج مؤيدوها لأفكارها الأساسية على نطاق واسع لأكثر من قرنين. وهذه الأفكار تدعي بأن التقدم الاقتصادي سيكون أعظم؛ فكلما زادت الأسواق الحرة (بدل آليات أخرى) زادت قدرة المجتمع على توزيع موارده وانتاجه. شريطة أن تكون الموارد الأكثر إنتاجية والإنتاج ذات ملكية خاصة للأفراد أو الشركات بدلا من الدولة(3). وهذا يعني عمليا التخلي عن السياسات الكنزية التي تسمح بتدخل الدولة في الاقتصاد والتي طبقت لفترة غير قليلة في العديد من البلدان الرأسمالية المتطورة.
      كانت أفكار الليبرالية الجديدة منتشرة، وانتعشت خلال فترة التاريخ الإنكليزي، حيث كانت الأيديولوجيا مهمة على نحو غير عادي. يبدو أن الليبراليين الجدد هم الناشطون والمجددون الأيديولوجيون لليبرالية أمر لا جدال فيه. وفي الواقع، نجحوا في جعل العديد من أفكارهم المركزية وأنماط تفكيرهم معتمدة في النقاش السياسي، أن لم تكن قد أصبحت بالفعل أفكارا عامة(4)، خصوصا على صعيد بريطانيا.
     في نظر الليبرالية الجديدة، فإن الحرية الفردية في السوق مضمونة، إلا أن كل فرد يُعد مسؤولا، وعرضه للمساءلة، عن أفعاله وعن سعادته. وهذا المبدأ يمتد ليشمل مجالات الرفاه والتعليم والرعاية الصحية وحتى الراتب التقاعدي (تمت خصخصة الضمان الاجتماعي في شيلي وسلوفاكيا). أما نجاح الفرد أو فشله فيفسر عادة بعبارات مثل فضائل المبادرات الخاصة أو العجز الشخصي، مثل عدم الاستثمار الكافي في رأس المال البشري للشخص عينه من خلال التعليم، ولا يُفسر قط بإرجاع الفشل لأي خاصية أخرى مثل الإقصاء الطبقي الذي يُنسب عادة إلى الرأسمالية(5) ، ويقر بوجوده العديد من مفكريها.
    سبق لعدد من المفكرين السياسيين نقد فكرة السوق الذاتي التسيير ومن أهمهم جون جراي، الذي يذهب إلى أن إنشاء السوق الحرة في إنكلترا في القرن التاسع عشر تطلب سن عدد من القوانين أهمها قانون الفقراء عام 1834، الذي حدد مستوى الراتب التقاعدي بأقل من أدنى أجر يحدده السوق، وأضعف الأسرة وأقر نظام "دعه يعمل" الذي كان الأفراد فيه يتحملون وحدهم المسؤولية عن أمانهم المعيشي. وترجع أهمية نقد جراي للسوق الحرة في إنكلترا إلى أن هذا السوق كان النموذج لجميع السياسات الليبرالية الجديدة التي ظهرت منذ سبعينيات القرن العشرين. والملاحظ أن ماركس هو الآخر قد نقد عملية تكوين السوق الحرة هذه، إذ كان معاصرا لها ومتابعا لوقائعها يوميا(6). وانعكس ذلك بتفصيل دقيق في مؤلفه الضخم رأس المال.
     يذكر الباحث الاقتصادي صالح ياسر، "إن النقد الماركسي الجديد لدولة الرفاه قد تبلور أساسا وبقوة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، بعد الأزمة التي واجهتها دولة الرفاه ذاتها. يرى بعض الباحثين أن المسار الفكري الذي كان شائعا في وقت سابق في أوساط الماركسيين هو رؤية دولة الرفاه باعتبارها (رشوة) من الدولة لتهدئة تطلعات العمال الاشتراكية والثورية. في السابق كان يُنظر إلى دولة الرفاه على أنها (أفيون) مهدئ للناس"، ما قلل من نشاطهم الثوري في التغيير. تعتمد هذه الفكرة على نحو كبير على تطور الحركة العمالية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية(7)، حيث شهدت بلدان أوروبا الغربية ازدهارا اقتصاديا ساهم في تبني نموذج دولة الرفاه الاجتماعي، إضافة إلى محاولة محاكاة نموذج الضمان الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الاشتراكية السابقة.
 
بعض توجهات الليبرالية الجديدة 
     استنادا للفكر الليبرالي الجديدة، يُعد الحراك الحر لرأس المال بين القطاعات والأقاليم والبلدان بالغ الأهمية وحاسما، لذلك ينبغي إزالة جميع الحواجز المعوقة لهذا الحراك، مثل التعرفة الجمركية أو الترتيبات الضريبية العقابية أو التخطيط والرقابة البيئية، باستثناء تلك الموجدة في مناطق تُعد شديدة الأهمية "للمصلحة الوطنية" مهما كان تعرفيها. ويجري التنازل عن سيادة الدولة على حركة السلع ورأس المال طوعا وعن طيب خاطر للسوق العالمية. فالتنافس الدولي أمر صحي ذلك أنه يحسّن الفاعلية الإنتاجية ويخفّض الأسعار، وبالتالي يسيطر على النزعات التضخمية. لكن السؤال عما إذا كان ذلك ينطبق على العمالة أم لا فهذا لا يزال موضع جدل(8). والإجابة على هذا السؤال شكلت أحد تناقضات الليبرالية الجديدة والتي سنتطرق إليها فيما بعد.
    في الثمانينيات، في عهد الرئيس رونالد ريغان، أصبحت أفكار الليبرالية الجديدة بالفعل مهيمنة في واشنطن. لقد قلَّص ريغان سلطة الحكومة وخفَّض الضرائب بوتيرة قياسية، ما أفاد الشركات والأثرياء على وجه الخصوص. وكان ريغان قد استوحى توجهاته هذه على نحو مباشر من المنظرين الأيديولوجيين فريدريش هايك وميلتون فريدمان ومراكز الفكر التي تبنت أفكارهم منذ أواخر الستينيات. كما نجح في دمج هذه الأفكار مع أفكار الحركة المسيحية المحافظة(9) والتي استند إليها أيضا رونالد ترامب لكسب قطاعات من السكان البيض المسيحيين - الذين لديهم شعور بتراجع نسبتهم، نتيجة التعدد الثقافي-، لدعم فوزه في الانتخابات الرئاسية.  
     ويتساءل نعوم تشومسكي، كيف تصدر الولايات المتحدة قيم السوق الحرة من خلال منظمة التجارة العالمية، حيث احتفلت بتوقيع اتفاقية الاتصالات لهذه المنظمة. ومن آثارها توفير أداة جديدة للسياسة الخارجية لواشنطن. فالاتفاقية تُمكن منظمة التجارة العالمية من الدخول إلى داخل حدود الدول الموقعة على الاتفاقية، وليس سراً أن المؤسسات الدولية لا تستطيع العمل إلا بقدر ما تلتزم بمطالب الأقوياء، خصوصا الولايات المتحدة. وفي الواقع، تسمح "الأداة الجديدة" هذه للولايات المتحدة بالتدخل بعمق في الشؤون الداخلية للأخرين، وإجبارهم على تغيير قوانينهم وممارساتهم. وستحرص منظمة التجارة العالمية على أن تلتزم الدول الأخرى بتعهداتها بالسماح للأجانب بالاستثمار دون قيود في القطاعات المركزية من اقتصاداتها. ومن الواضح، سيكون المستفيدون من هذا العهد الجديد الشركات الأمريكية، التي تتمتع بأفضل وضعية للسيطرة في هذا الميدان(10)، لهذا نرى أن لهذه الشركات مواقع قوية حتى في البلدان الأوروبية المتطورة، وتخشى هذه البلدان من أن يؤدي توتر علاقاتها السياسية والتجارية مع الولايات المتحدة خصوصا في عهد ترامب الى مغادرة هذه الشركات التي تهيمن على قطاعات مهمة خصوصا قطاع التكنولوجيا.
    تحولت أسواق المال إلى خطر يتهدد الاقتصاد الحقيقي، الاقتصاد الإنتاجي. فهي تحولت إلى كازينو للقمار جذاب فعلا بأضوائه المتوهجة. إن اللاعبين في هذا الكازينو يمكن أن يقوضوا أركان شركات عملاقة ومتوسطة، إذا ما خسروا الرهان، لا بل قد يتسببون في زعزعة الاستقرار في دول بأكملها. وكان آرثر برونز محافظ البنك المركزي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون قد تنبأ في السبعينيات باندلاع هذه المخاطر. فوفق تنبؤاته "يؤدي تحرير أسواق المال إلى شقاء الإنسانية بكل تأكيد". وبعد ثلاثين عاما من التاريخ المذكور، ما كان بوسع خليفته باول فولكر غير التأكيد على صدقية هذا التنبؤ، علماً أن فولكر أمسى واحدا من أهم المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس باراك أوباما. وكان قد هاجم النظام المالي في نيسان| أبريل عام 2008، أمام النادي الاقتصادي في نيويورك، قائلا "إنه لمن الصعب جدا الزعم بأن النظام الجديد قد حقق منافع ذات بال"(11). وقد أكدت الأزمة المالية الأخيرة أن هذا النظام تسبب بحدوث كوارث مالية، منها الانهيارات الضخمة التي حدثت في البنوك الكبيرة وأزمة العقارات.
    تزايد التفاوت
     يقرّ مفكرو الليبرالية باستمرار التفاوت في ظل الرأسمالية، ولكنهم يعتقدون أنه في حال تطبيق الليبرالية الجديدة سيتراجع التفاوت، نتيجة استمرار النمو الاقتصادي والازدهار الذي سيعم المجتمع، لكن الحصيلة كانت عكس ذلك. فقد قالت فوكودا بار التي صاغت تقرير التنمية البشرية لعام 1999 الذي يصدر عن الأمم المتحدة في حديث لها حول النتائج التي توصلت إليها: "للعولمة منافع كثيرة بالنسبة إلى البعض ولكن بالنسبة إلى أغلبية سكان العالم تعني فقط مزيداً من الفقر"(12)، خصوصا في البلدان النامية، ونحن نعرف أن العولمة تعززت أكثر في ظل الليبرالية الجديدة.
      قدر التقرير العالمي لمنظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة لعام 1996، بأن التباين بين أغنى وأفقر 20 في المئة من سكان العالم ارتفع أكثر من 50 في المئة خلال الفترة 1960 - 1989، وتوقع تزايد التفاوت العالمي الناتج من عملية العولمة. وحصل أيضا تزايد في التفاوت في المجتمعات الغنية، والولايات المتحدة لها الريادة في ذلك، وبريطانيا ليست بعيدة عنها في هذا الجانب، وتُشيد الصحافة الاقتصادية بالنمو "المذهل" و"الرائع" للأرباح، وتُثني على التركيز غير العادي للثروة بين أعلى نسبة قليلة من السكان، بينما تستمر ظروف غالبية السكان في الركود أو التراجع(13).
     ولاحظ الاقتصادي برنك ليندسي "بأنه بين 1973 - 2001، كان متوسط النمو السنوي للدخول الفعلية فقط 0,3 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في خمس الجزء السفلي من توزيع الدخل في الولايات المتحدة، مقارنة مع 0,8 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في الخمس المتوسط، و1,8 بالمائة بالنسبة إلى أولئك الأشخاص في الخمس الأعلى من توزيع الدخل. وتسود أيضا، أنماط مشابهة إلى حد ما في الكثير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى"(14)، خصوصا في البلدان الأوروبية وأستراليا.
      يشير باتريك دينين الى أن المجتمع الأمريكي يُحَّدد بنحو متزايد من خلال الرابحين والخاسرين اقتصاديا، حيث يحتشد الرابحون في المدن الغنية والمقاطعات المحيطة بها، بينما يظل الخاسرون إلى حد كبير في أماكنهم ويغمرهم اقتصاد عالمي يكافئ النخبة المعرفية راقية التعليم، بينما يقدم فتات الخبز لأولئك المنسيين في "الولايات المنسية" التي تقع بين الشرق والساحل الغربي للولايات المتحدة. هذه الاتجاهات التي لاحظها روبرت رايش وكريستوفر لاش منذ عقود مضت، واللذان انتقدا بقسوة "انشقاق الناجحين" و"ثورة النخبة"، أصبحت في الوقت الحالي ذات طابع مؤسسي من خلال الأسرة، والحي السكني، والمدارس، وتُستنسخ من خلال التعاقب الجيلي؛ إذ يتلقى أطفال أولئك الناجحين إعدادا للدخول إلى الطبقة الحاكمة، بينما يكون أولئك الذين يفتقرون إلى تلك المؤهلات أقل قدرة على توفير الشروط الأساسية اللازمة لدفع أطفالهم إلى المستويات العُليا وأقل معرفة بها(15). وهذه الحالة تنطبق بدرجات متفاوتة على البلدان المتطورة خصوصا الأوروبية منها.
     بالإضافة إلى مواجهة تناقص احتمالات أن تخلق رأسمالية السوق رخاء متزايدا لكل المجتمع. أثبتت السنوات الأخيرة، منطقا مدعاة للمفارقة داخل رأسمالية السوق – بالتحديد الجهود الدائمة لكبح الأجور إما من خلال إيجاد أسواق جديدة منخفضة الأجور وإما استبدال البشر بالآلات - سوف يختزل بنحو متزايد كل أنماط العمل ما عدا القليل منها إلى الأعمال الشاقة والمهينة. وقد أدى هذا الاعتراف إلى العودة إلى الرهان الأساسي لجون لوك القائل بأن النظام الذي يوفر الراحة المادية، بغض النظر عن اتساع حجم عدم المساواة، وغياب احتمالات النمو والحراك والتنقل بين الطبقات، من شأنه مع كل ذلك أن يرضي معظم أفراد المجتمع. وأحدث التأملات عن المذهب الليبرالي عند لوك هو للاقتصادي تايلر كوين، الذي يعكس كتابه "الوسط قد انتهى" الخطوط الأساسية لحجة لوك. إذ يشير إلى أن الليبرالية والرأسمالية تديمان أشكالا ضخمة ودائمة من عدم المساواة، والتي يمكن أن تجعل أدوقة العصور الماضية يشعرون بالخجل أمامها، فإن كوين يحاج بأننا في نهاية حقبة فريدة من نوعها في التاريخ الأمريكي، زمن يسود فيه إيمان على نطاق واسع بالمساواة النسبية ومصير مدني مشترك، ودخول عصر نرى فيه بشكل فاعل كيف تُخلق أمتان منفصلتان(16). وهذا القول هو من أدق التعبيرات لحالة تنامي التفاوت الطبقي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي، الذي عمقته الليبرالية الجديدة.
    الجانب الاجتماعي
    ركزت الليبرالية الجديدة على الجدارة والكفاءة لضمان توزيع فاعل لعناصر الإنتاج ومكافأتها على دورها في العملية الإنتاجية، إلا إنها أغفلت إلى حدّ بعيد التفاوت في فرص الحصول على التعليم النوعي والخدمات الصحية والظروف المعيشية، وحتى المشاركة السياسية التي لها دور كبير في تحديد ماهية الجدارة. وهناك تباين كبير في هذه المسألة في مجتمعات الدول النامية والمتقدمة، وإن كانت في الثانية أقل حدة. وهذا ما تؤكده دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إذ بيّنت أن الوضع الاجتماعي - الاقتصادي هو عامل محوري في تشكيل الفروق في مهارات القرن الحادي والعشرين؛ ذلك لأن الأطفال والبالغين المنحدرين من أسر أكثر امتيازا يميلون باستمرار إلى امتلاك مستويات أعلى في مهارات القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات، وهي مهارات لها دور حاسم في تحديد آفاق الدخل مستقبلا. وعليه، فالوصول إلى تعليم عالي الجودة والتعلّم المستمر يظل متباينا اجتماعيا؛ ما يعني أن نظم التعليم وأسواق العمل تميل، في ظل غياب سياسات موجّهة، إلى إعادة إنتاج عدم المساواة في المهارات القائمة على الوضع الاجتماعي - الاقتصادي عبر الأجيال بدلا من تقليصها(17). وهنا يكون دور الدولة أساسيا لتصحيح هذا الاختلال من خلال توفير التعليم لكل شرائح المجتمع، وعدم جعله وسيلة للتربح.
    ووفقا لدراسة أعدّها صندوق النقد الدولي، لمجموعة من الدول النامية والناشئة، فإن تحسن المخرجات الصحية وتوسع فرص الوصول إلى التعليم، إضافة إلى السياسات الاجتماعية، تسهم بصفة ملحوظة في تعزيز عدالة توزيع الدخل وضمان فرص دخل أفضل للفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة في هذه المجتمعات. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن مرونة سوق العمل والعولمة المالية والتطورات التكنولوجية كان لها أثر سلبي في عدالة توزيع الدخل، وهي اعتبارات تُعدّ من السمات الملازمة للنموذج الليبرالي الاقتصادي(18) الذي قاد تطبيقه إلى كوارث اقتصادية واجتماعية في البلدان النامية خصوصا.  
     قد تشكّل سياسات الحماية الاجتماعية أدوات مهمة للتخفيف من اختلالات العدالة في التوزيع، فإنها تبقى بفردها، عاجزة عن تحقيق الكفاية والاستدامة المنشودتين. ومن ثم، فإن الخروج من مفارقة العدالة والجدارة يقتضي بالضرورة أن تعمل الدول على الارتقاء بالتعليم، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية وغيرها من الممكنات الأساسية، بما يرسّخ تكافؤ الفرص ويرفع مستواها على نحو مستدام(19)، ومن ثم يقلل من التفاوت الاجتماعي.   
    قادت إعادة الهيكلة استنادا إلى الليبرالية الجديدة إلى وضيعة دعمت فيها النخب السياسية والاقتصادية التكامل الاقتصادي والنقدي في الاتحاد الأوروبي، في حين شككت أقسام كبيرة من السكان في التأثيرات الإيجابية للاتحاد الاقتصادي والنقدي. ومنذ نهاية الثمانينيات، ليس من المبالغة الحديث عن انتهاء "الإجماع المتسامح" السابق. وقد استبدلت على نحو كبير المواقف المؤيدة لتكامل الاتحاد الأوروبي إلى شعور بالتشاؤم، حيث ارتفاع البطالة ومشكلات الميزانية العامة وتراجع المنافع الاجتماعية، باختصار انعدام الأمن الاجتماعي. يشير هذا التحول في الوعي العام إلى أن هيمنة الليبرالية الجديدة فقدت قدرتها في تنظيم الإجماع. وعلى عكس السنوات السابقة، بات الليبراليون الجدد من النادر أن يركزوا على المميزات المتوقعة لمبادراتهم. وبدلا من ذلك، ركزوا على عبارة مارغريت تاتشر الأصلية "لا يوجد بديل" عن تعليمات السياسة النقدية المتشددة وسياسات إلغاء القيود(20).
    لا يرغب الناس والنقابات العمالية والأجنحة اليسارية في الأحزاب، على الأقل في عدد من البلدان، بتقبل وجهة النظر الدوغمائية هذه والتسامح معها. ويؤكد توسع المقاومة الاجتماعية - على سبيل المثال، الإضرابات في فرنسا، وبشكل رئيس المقاومة النسائية ضد تراجع دولة الرفاه الاجتماعي في البدان الإسكندنافية، وإضرابات الفلاحين في اليونان، والتظاهرات الكبيرة للاتحادات العمالية الألمانية - بأن التأثيرات الاجتماعية السلبية للاستراتيجيات الاقتصادية المسيطرة باتت ممكنة التحقق على نحو متزايد. من دون ريب، تتسم هذه الحملات والتظاهرات بالتشظي بدرجة كبيرة وذات طبيعة دفاعية. ومع ذلك، تبدو الأشكال الحديثة للمقامة الاجتماعية كتعبير منطقي عميق بشأن التطور الرأسمالي(21)، وما يفرزه من تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية لشرائح واسعة من السكان. 
    تؤكد كثير من الأمثلة تفاقم إرهاق المجتمعات. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: أولا، هناك خصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام. وفي البحث عن كفاءة اقتصادية أكثر، يجري تفويض الكثير من المهام الاجتماعية والخدمات إلى الأسر أو قطاعات أعمال الخدمات. هذا التوجه يؤثر في البنية التحتية، خصوصا في الحقول التي ليست لها صلة مباشرة بالمنافسة الاقتصادية (بعض المدارس، نوادي الترفيه العامة، أقسام من النظام التعليمي، مراكز الاستشارات، الوقاية الطبية... إلخ). المثال الثاني يعود إلى العلاقات الصناعية التي تتسم بمرونة أكثر؛ إذ يحد هذا الجانب عموما من قوة النقابات العمالية، الأمر الذي بدوره يعزز انتشار الأجور المنخفضة، والعمل غير النظامي مع معايير اجتماعية وأمنية متدنية. المثال الثالث، يتعلق بتفكيك أنظمة الضمان الاجتماعي، أي خفض أو إلغاء الحقوق الاجتماعية، مع معايير اجتماعية منخفضة (الحد من الوصول إلى المنافع الاجتماعية وتقليل عددها). بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه التوجهات وسيلة لاستراتيجيات العمل الاجتماعي الجديدة، حيث يُجبر العاطلون عن العمل بالقبول بأي عمل(22)، وهذا ما يؤثر على مستوى الأجور التي يقاضونها ومن ثم على مستواهم المعيشي والاجتماعي.
   على الرغم من أن مبدأ "الحق في العمل" لم يكن منشؤه الفكر الليبرالي، لكن الليبراليين الجدد لديهم الكثير ليقولوه بشأن هذا المبدأ، ويوضح النقاش الذي دار بشأنه اتجاها جديدا في الفكر الليبرالي. وقد تحدد الموقف الليبرالي التقليدي من حق العمل باعتباره حق العاطلين عن العمل في الحصول على عمل في مهنهم الخاصة بأجور جيدة أو بالمعدلات السائدة للأجور(23). وهذا يعني إن لم يستطيعوا الحصول على عمل في هذه المهن فتنتظرهم البطالة.
    وفي العراق وبحسب صالح ياسر، يسمح التأمل العميق في الأصول الفكرية التي ترتكز عليها أيديولوجية ليبرالية التكييف وقراءة ما طرحه بول بريمر الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، أن من بين الأهداف الفعلية للمشروع الاقتصادي الذي طرحه التأثير في العلاقات الاجتماعية المحلية من خلال العمل على خلق فئات اجتماعية تستفيد من السياسات التي تتضمنها برامج التكييف الهيكلي؛ إذ يستحث على تفكيك التحالفات الاجتماعية التقليدية والعمل على خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة، تتضمن تلك القوى التي تدافع عن السياسات الجديدة وتكون أساسا أو قاعدة متينة لسلطة الدولة ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ برامج التكييف الهيكلي(24). وهذا ما ساهم في توسع صفوف البرجوازية الطفيلية التي تشابكت مصالحها مع القوى الحاكمة المتنفذة، نتيجة ضعف الاقتصادي الوطني من الناحية الإنتاجية واعتماده على النفط، وتوجهها نحو القطاعات التي تحقق الربح السريع.
تناقضات الليبرالية الجديدة
    استنادا إلى الفكر الليبرالي، يُفترض بأن الأفراد أحرار في خياراتهم إلا أنهم لا يفترض بهم أن يكون لديهم الخيار في تفسير أن المؤسسات الجمعية، مثل النقابات تتعارض مع الجمعيات الطوعية الضعيفة. وبالتأكيد لا ينبغي أن يختاروا التجمع بغية تأسيس أحزاب سياسية تهدف إلى إجبار الدولة على التدخل في السوق. وبغية حماية أنفسهم من أعظم مخاوفهم - ألا وهي الشيوعية والاشتراكية والشعبوية الشمولية، وحتى حكم الأكثرية - يتعين على الليبراليين الجدد أن يضعوا حدودا قوية للحكم الديمقراطي، معتمدين عوضا منه على مؤسسات لا ديمقراطية ولا تخضع للمساءلة مثل بنك الاحتياط الفدرالي أو صندوق النقد الدولي، لصنع القرارات الهامة. وهذا الوضع يؤسس لمفارقة تتمثّل بتدخلات للحكومة بالغة الشدة من قبل النخب و"الخبراء" في عالم يفترض أن الدولة لا تتدخل فيه. لذلك تجد الدولة النيوليبرالية نفسها عندما تواجه حركات اجتماعية تطالب بالتدخل تكون في هذه الحالة مجبرة على التدخل، واحيانا بأسلوب قمعي، وعلى هذا النحو ترفض الحريات التي يفترض أنها تؤمن بها. وهذا هو الخوف الذي تحدث عنه بولانيي القائل بأن المشروع الطوباوي الليبرالي (واستطرادا النيوليبرالي) قد لا يطول بقاؤه في نهاية المطاف إلا باللجوء إلى السلطة الشمولية. وهذا يعني تقييد حرية الجماهير الشعبية لصالح حريات القلة القليلة(25). وهذه النزعة تكون أكثر وضوحا في البلدان النامية التي تبنت الليبرالية الجديدة وذات أنظمة مستبدة.
    كان الهدف المعلن من الخصخصة وسياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، التحول إلى اقتصاد يقوم على حرية السوق والاحتكام إلى آلياته، إلا أن النتائج المحققة في الدول التي اضطرت إلى انتهاج هذه السياسة (البلدان النامية والدول الاشتراكية السابقة)، أدت باعتراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى "انكماش الناتج الوطني بصورة حادة" وإلى مجموعة من الاختلالات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والتوترات السياسية، كما أدت الإصلاحات الاقتصادية في البلدان الصناعية المتطورة إلى تراجع ما كان يُدعى بنموذج دولة الرفاه الاجتماعي(26) والذي كانت تتفاخر به هذه الدول على اعتبار أنه يحقق العدالة الاجتماعية.
     تفشل المجتمعات المتقدمة في حماية نفسها من الأثر المدمر للأسواق غير المنظمة. يؤكد ذلك مثال أستراليا في الثمانينيات؛ إذ نجحت تجارة السوق الحرة التي طبقتها حكومة حزب العمال بخفض الدخل القومي بأكثر من 5 في المائة سنويا بحلول نهاية العقد، وانخفضت الأجور الحقيقية، وسقطت المشاريع الأسترالية تحت التحكم الأجنبي. وتقدمت البلاد نحو قاعدة للموارد في خدمة منطقة رأسمالية الدولة المتمركزة حول اليابان. وهي المنطقة التي حافظت على نمو ديناميكي بفضل ابتعادها الجذري عن العقيدة الليبرالية الجديدة، هذا الابتعاد الذي حفز التطور في المقام الأول(27). وهو خلاف ما يدعيه منظرو الليبرالية الجديدة بأن تدخل الدولة يمثّل عائقا أمام النمو الاقتصادي المستدام.
     يلاحظ آثر ماك إيوان، في مراجعته للسجل الموحّد للتنمية الصناعية والزراعية في الولايات المتحدة المحققة من خلال السياسات الحمائية وغيرها من إجراءات تدخل الدولة، إن "بإمكان الأمم عالية التطور استخدام التجارة الحرة لبسط سلطانها وسيطرتها على ثروات العالم. وبإمكان التجارة الحرة أن تحد من الجهود الهادفة لإعادة توزيع الدخل بشكل أكثر مساواة، وأن تقوض البرامج الاجتماعية التقدمية، وأن تمنع الناس من التحكم ديمقراطيا بحياتهم الخاصة"(28). وهذا ما جرى طيلة عقود؛ إذ دعمت الولايات المتحدة الأنظمة المستبدة، ونفذت انقلابات عسكرية دموية أو قامت بغزو عسكري مباشر لعدد من البلدان، كما حدث للعراق من أجل تأمين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية. 
     تتخذ المجتمعات الصناعية الغنية شيئا من هيئة العالم الثالث، بوجود جزر من الغنى الفاحش يحيطها بحر متلاطم من الفقر. يصح هذا خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين خضعتا لتعاليم ريغان وتاتشر. ولا تختلف أوروبا عنهما كثيرا، على الرغم مما بقي فيها من قوة الطبقة العاملة والعقد الاجتماعي الذي دافعت عنه. رغم قدرتها على صنع أحياء الفقر عبر "العمال الضيوف"(29). وهذا ما نجده على سبيل المثال أكثر وضوحا في حالة سكن عدد غير قليل من العمالة المهاجرة في فرنسا.
    وفي جانب الهجرة أيضا، تتميز الرأسمالية النيوليبرالية بنزعتين متناقضتين تجاه الهجرة الوافدة – هما زيادة الهجرة وفي الوقت نفسه تقييدها. ومن الأمثلة التي تُبرز هذا التناقض هي أعمال إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في تقييد الهجرة الوافدة، مستهدفة على نحو محدد، بلدانا فقيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأماكن أخرى. والدعوة في الوقت نفسه إلى زيادة الهجرة المنظمة، وهناك مجموعة معقدة من المؤسسات الدولية والأكاديميين والبرامج البحثية والتقارير والوصفات السياسية وصانعي السياسات. هذه المجموعة مكرسة أيضا لتسهيل تدفقات رأس المال دون عوائق على الصعيد العالمي في خدمة الرأسمالية النيوليبرالية. وهناك بُعد آخر للتناقض وهو أن الرأسمالية النيوليبرالية تعزز الهجرة المنظمة، بحيث يجري تفضيل فقط المهاجرين الذين يتوفرون على المال والمهارات العالية للقبول في البلدان الغنية (30).

    ومن ناحية أخرى، يعكس هذا التناقض انفصالا بين السياسة والاقتصاد في ظل العولمة النيوليبرالية. إذ يبدو أن هناك فارقا زمنيا بين القاعدة الاقتصادية والنظام السياسي بشأن مسألة الهجرة الوافدة. بينما تتطلب المنفعة الاقتصادية النيوليبرالية توظيف العمالة المهاجرة الرخيصة لتخفيض تكاليف الإنتاج وتحفيز الربح، نجد النظام السياسي الذي أقيم لتسهيل سير عمل القاعدة الاقتصادية بسلاسة، يقوم بإقامة الحواجز أمام دخول المهاجرين(31). وهذا التوجه يكون مدفوعا من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تحمّل المهاجرين سبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر فيها البلدان الرأسمالية المتطورة، لكن واقع هذه البلدان يشير إلى حاجتها الماسة للمهاجرين في ضوء تزايد شيخوخة السكان.

    وبحسب نعوم تشومسكي لا تقبل أي من مجتمعات رأسمالية الدولة الحركة الحرة لقوة العمل التي هي شرط ضروري لنظرية السوق الحرة؛ وبالتالي على أوروبا الشرقية، أو معظم أجزائها على الأقل، أن تعود إلى الدور الخدمي الخاص بالعالم الثالث(32). وهذا الموقف ينطبق أكثر على العمالة المهاجرة الوافدة من البلدان النامية.
    وهناك واقع آخر لم تستطع الليبرالية الجديدة تجاوزه، فعلى الرغم من الأزمة المالية العالمية الأخيرة لعام 2008، لا تزال شركات النفط الوطنية تسيطر على ثلاثة أرباع الموارد الأولية الإستراتيجية في العالم، ولا تزال الشركات العائدة للدولة والشركات الوطنية المملوكة للقطاع الخاص والنصيرة للدولة تتمتع بميزات تنافسية أساسية على منافسيها من القطاع الخاص، ولا تزال صناديق الثروة السيادية تفيض بالسيولة النقدية. هذه الشركات والمؤسسات، حقاً، أكبر من أن تتعرض للفشل. هذا يعني أن "هذه الاتجاهات تعيد تشكيل السياسة الدولية والاقتصاد العالمي بواسطة تحويل وعلى نحو متزايد مفاصل القوة الاقتصادية الكبيرة والتأثير أو النفوذ إلى السلطة المركزية للدولة. وبهذا فهي تغذي ظاهرة كبيرة ومعقدة لرأسمالية الدولة"(33). وهذا المنحى ازداد أكثر بعد تداعيات الأزمة الأخيرة وما رافقها من تدخل الدولة في الجانب المالي والاقتصادي، وفي المعاقل التي انطلقت منها الليبرالية الجديدة مثل الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية.
 
الهوامش:
1 - أرنست فولف، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، ترجمة عدنان عباس علي، الكويت: عالم المعرفة، 435، أبريل 2016، ص 61 - 62.
2- المصدر نفسه، ص 62.
  3- Andrian Vlachou, (ed.), Contemporary Economic Theory: Radical Critiques of Neoliberalism, London: Macmillan Press, 1999, p. 72.
  4- Michael Freeden, The New Liberalism: An ideology of social reform, Oxford: Clarendon Press, 1978, pp. 195-196.
5-  ديفيد هارفي، الوجيز في تاريخ النيوليبرالية، ترجمة وليد شحادة، دمشق: وزارة الثقافة، 2013، ص 95.
 6- اشرف منصور، الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2008، ص 323.
 7- صالح ياسر، "الرفاهية الاجتماعية .. "تعاون طبقي" أم "صراع طبقي"! جدل الثنائيات"، الثقافة الجديدة، العدد 435، كانون الثاني 2023، ص 12.
  -8 هارفي، ص 95.
9- NRC Handelsblad, 25 November 2022.
10-  Noam Chomsky, Profit over People: New liberalism and Global Order, New York: Seven Storis Press, 1999, p. 69.
 11- أولريش شيفر، انهيار الرأسمالية، ترجمة: عدنان عباس علي، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 371، يناير 2010، ص 63-64.
12- NRC Handlesblad, 12 Juli 1999.
13- Chomsky, p. 112.
14- جيري مولر، "الرأسمالية وعدم المساواة"، ترجمة: هاشم نعمة، "الثقافة الجديدة"، العدد 373، أيار 2015، ص 85.  
15- باتريك دينين، لماذا فشلت الليبرالية، ترجمة يعقوب عبد الرحمن، الكويت: عالم المعرفة، 483، أبريل 2020، ص 158. 
16- المصدر نفسه، ص 149-151. 
17- عمر الرزاز وحازم رحاحلة، "تقهقر النيوليبرالية: الدروس والسياسات المستخلصة"، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شباط 2026، ص 7-8.
18- المصدر نفسه، ص 8.
19- المصدر نفسه، ص 12.
 20- Hans-Jurgen Bieling, New – Liberalism and Communitarianism: towards a new type of employment policy in Western Europe, Amsterdam: University of Amsterdam, 1998,  p. 12.
21- Ibid., pp. 12-13  .
22- Ibid., pp. 13-14.
23- Michael Freeden, p. 212.
24- صالح ياسر حسن، الخصخصة و"الإصلاحات الاقتصادية" بين خيبات العقيدة ورهانات الواقع - محاولة في نقد الخطاب والممارسة -، بغداد: دار الرواد المزدهرة، 2016، ص 437.
25- هارفي، ص 99-100.
26- صالح ياسر حسن، الخصخصة، ص 132-133.
27- نعوم تشومسكي، سنة 501 الغزو مستمر، ترجمة مي النبهان، دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 1996، ص 99.
28-المصدر نفسه، ص 187.
29- المصدر نفسه، ص 99-100.
 30- Dennis C. Canterbury, Capital Accumulation and Migration (Leiden/ Boston: Brill, 2012), p. 173.
 31- Ibid., p. 173.
32-  تشومسكي، ص 145.
33-  إيان بريمر، "رأسمالية الدولة عصر يتشكل، هل هو نهاية السوق الحرة؟"، ترجمة: هاشم نعمة، الثقافة الجديدة، العدد 339، السنة 2010، ص 74.