بين الحاضر والتاريخ عشت موزعا بعد وصولي بغداد عام 2003. أعيش الحاضر وأنا عابر في السيارة. أرى الحدث وأنا في وسطه.. رجل يترنح ونافورة من الدم تتدفق من رأسه، يصرخ ولا من مجيب. أريد أن أغادر السيارة لأنجده فيصرخ بي السائق"ابق في مكانك " الهلع الذي يسود شارعا بلا سلطة يبقي كل واحد محبوسا في جلده وليذهب الآخرون إلى الجحيم! لا أعرف كيف أصيب ولا من أصابه ولا أعرف ما حدث له لاحقاً. في التاكسي وأنا في طريقي لجريدة (المدى) يشير السائق الى بناية: يشير دون أن ينظر "حتى البلاط نهبوه"! قبل أن أسأله "ماهي البناية، من الذين...؟ يتوقف السير فجأة وأرى جنوداّ أمريكيين يصرخون " ارجعوا!" ورشاشاتهم مصوبة نحونا:
- انفجار!
لا ارى موقع الانفجار ولا ضحاياه. فقط سحابة سوداء خانقة واقفة فوق الحشد...
كثير من الأحداث في وقت قصير دون بداية ولا نهاية، أحداث تتداخل وتبتر بعضها ولا تترسب منها خبرة. متابعة قصة ما تعني التقدم وسط حقول من المفخخات والمخاطر الأمنية والتحولات المفاجئة. أتوقع كما تعلمت من الحياة السوية خاتمة أعرفها أو أفاجأ بها، مع ذلك تمنحني حكمة إدراك القصة ككل متكامل، أو فهم كيف ولماذا أدت الأحداث المتتالية إلى هذه الخاتمة. لن تمنحني الأحداث وهي تبتر بعضها هذه الحكمة. كلما ساءت الأمور أحذف الحاضر وألغي وجودي فيه وأسأل: كيف سيرانا التاريخ حين يلتفت إلى الوراء ويرانا بعين الماضي؟ أخاف من برود المؤرخ الأكاديمي الجالس في صومعته الدافئة بين أكداس الكتب. لن يعرف عمق آلامنا ومخاوفنا في لحظات الحدث، سيختصر كل هذه التفاصيل بجملتين (بعد سقوط الدكتاتور دخلت البلاد في الفوضى ثم…)، لذلك استدعي الروائي والسارد. الحاجة إلى الذاكرة وكتابة الذاكرة تزداد في البلاد التي حدثت فيها انقطاعات في الذاكرة الجماعية بسبب حروب داخلية وهزات وكوارث. الكتابة وسيلةً لحفظ المعرفة والمعلومات والأفكار والتاريخ. أستدعيها وأنا على يقين، من أن التاريخ هو أقرب للسرد منه للعلم. ما هو مشتركّ بين التاريخ والسرد هو الحاضر. كلاهما يكتب عن الماضي بحاجات الحاضر. الباحث الأكاديمي آلان روبنسونAlan Robinson في كتابه Narrating The Past يشير إلى قضايا أساسية مشتركة بين التاريخ كعلم وبين الرواية التاريخية كأدب: التجربة المعرفية والتخيليةّ و التعامل السردي مع الزمن، لا سيما المفارقات التاريخية، ويقول "بأن الماضي موجود في الحاضر". المعرفة اللاحقة بالنتائج وما هو شامل وجزئي في الأحداث. الشامل هو الفراغ السياسي الذي تركه الدكتاتور بعد سقوطه والدخول في الحرب الأهليةّ والجزئي في الطبيعة التكوينية للشخصيات الفاعلةّ والفرق بين نواياها وأفعالها، انفعالات الناس العاديين، ومنها طبيعة وانفعال كاتب السرد وتوقعاته.
مفارقة التعامل مع الماضي بصفتها حاضرا تكمن في أننا نعيش في الزمن، ونحن في حالة انتقال مستمر، كما يقول روبنسون، "من الحاضر المراوغ إلى مستقبل سرعان ما سيصبح ماضيا متلاشيا. نحن نتعامل مع هذا الانفصال الزمني بالسعي إلى الحفاظ على تجارب الماضي أو استعادتها أو إعادة تفسيرها أو توظيفها". التوقع والاسترجاع جزء لا يتجزأ من ديناميكيات عملية القراءة؟ يرتبط بهذه التحديات فهم وتفسير الفعل ذي المعنى لدى البشر الآخرين: إلى أي مدى يعبر الفاعلون التاريخيون والشخصيات الأدبية، من خلال النية والدافع الواعي وغير الواعي عن قدرتهم على تحديد مصيرهم وإلى أي مدى تتأثر حياتهم بالبنية الاجتماعية، وكيف تتشكل بفعل الظروف الطارئة؛ كيف تتم نمذجة ذلك من خلال الحبكة والسرد في الأدب والتاريخ؟
يسري هذا التفسير على المذكرات والسيرة الذاتيةً. فالعنصر المشترك بينهما هو الاعتقاد بصدق اعتقاد كاتب السيرة بالمعرفة والمصداقية بأن روايته السردية هي الماضي نفسه. تتفاوت المعقولية في هذا الادعاء كما يلاحظ ألان روبنسون لأن المتذكر "يتذكر ويروي ذاتا تاريخية كانت على قيد الحياة". يوفر الإدراك المتأخر فرصة لمواجهة قريبة من الماضي مدعومة بالوضوح المحتمل للبُعد الزمني عن الارتباك العاطفي والإدراكي الذي صاحب تجربة الأحداث في الأصل. من جهة أخرى، تُتيح هذه الميزة فرصة لحذف التناقضات، والإحراجات، والترددات، والإخفاقات، أو الأخطاء من السجل، كما هو الحال في الصور الفوتوغرافية المُعدّلة. ويرى روبنسون أن هذا اختلاق واع أو غير واع معقول بالنسبة للمتلقي. وفي كل الحالات يبقى الماضي نفسه بعيدا، "نقطة الوسط هي الشبه وليس الواقع". ينطبق هذا على شخصية المتذكر. ميزة الإدراك المتأخر توفر فرصة لمواجهة صادقة مع الماضي، لكنها توفر فرصة للتلاعب (الواعي) أو غير الواعي على الجمهور الذي تُوجّه إليه الرواية وشخصية الراوي.
من هنا سندخل مذكرات السياسيين الذين دأبوا على نشر مذكراتهم بكثرة في السنوات الأخيرة، وفي الغالب بعد قطعهم أو انقطاعهم عن ممارسة مهماتهم السياسية. هناك اعتقاد عام بأن الوضع العراقي بالتحديد، شديد الغموض وينطوي على الكثير من الأسرار. دورهم بعد التقاعد يتطلب كشف هذه الأسرار. المذكرات التي يكتبونها تتضمن عقدا مع قارئ مفترض انسدت أمامه كوى الحاضر والمستقبل فاتجه نحو كوى الماضي. ينتظر هذا القارئ وعدا بكشف أسرار الماضي الغامض ووعداّ بالمصداقية. يبدأ السياسي بحياته ما قبل دخول السياسة بوصف شامل للمدينة أو القرية، وصف رومانسي للطبيعة المحيطة بهما، المجتمع وعاداته، العائلة ووضعها الاقتصادي، جولة متمهلة في البيت كوعاء لهذه العائلة، حكمة الأب والأم وكيف أثرت في طباعه… كل ما راه وأثر فيه متسع ومترو في مرحلة ما قبل العمل السياسي. لكن العالم المتعدد الأوجه ينغلق أو يضمحل حال دخول دراما العمل السياسي وتبدأ الاختلافات والانشقاقات فيبدأ التبرير والدفاع عن النفس في مقابل تكبير نوايا المعارضين السيئة وارتباطاتهم المشبوهة. لا أنفي بعض الموثوقية والأصالةّ في هذه المذكرات حيث يسترجع الذات المتذِكرة، ويروي) ذاتًا متذكَرة يُفترض أنها تُطابق الذات التاريخية التي كانت على قيد الحياة في الوقت). كلاهما الكاتب والقارئ يدركان أن الخيال مستبعد وغير مرغوب. كثير من المعلقين على روايتي (آخر المدن) استنكروا الخيال فيها وأرادوا تسجيلا حرفيا للحدث (وبالأسماء). مع ذلك لا يطلب قارئ السيرة الذاتية الحقيقة مدركا ما يمليه الحاضر، ما يطلبه هو المصداقية، وبالأحرى المعقولية الذاتية. ينطبق هذا على التاريخ. وفي الحالتين، السيرة الذاتية والتاريخ يختار المؤرخ وكاتب السيرة مقاطع مختارة من الحياة يصفها روبنسون بـ"تسليط مصباح يدوي في مخزن، ستتضح بعض الأشياء وستغبش أشياء وتبقى ثالثة في العتمة". تختلف سير السياسيين في روايات الحدث الواحد تبعا لعقائدهم كما يختلف استقبال القارئ. الخوف، كما يحذر منه الباحث صادق الطائي من "أزمة سلطة على المعنى. من يملك أن يروي الماضي يملك أن يحدد موقعه في الحاضر، وأن يرسم أفق المستقبل. ولهذا لم يعد الجدل حول التاريخ شأنا أكاديميا معزولا، بل بات جزءا من صراع سياسي مفتوح: من يعرّف الثورة؟ من يصف ما جرى في سوريا أو العراق أو السودان؟ هل كان انتفاضة شعبية؟ أم مؤامرة كونية؟ أم حربا أهلية؟" هنا أعود ثانية إلى الحدث وامتداداته ومنهما إلى المؤرخ والسارد في اللحظة المعاشة.
الخبر والتاريخ
أراني الآن جالساّ في وكالة (أصوات العراق) أتابع سيلاً من الأخبار يرسلها 80 مراسلاً من كل أنحاء بلادنا المنتجة للأخبار على امتداد ساعات اليوم الواحد.. انفجارات، اغتيالات، اختطافات ... أخبار كتبت باختصار برقي بارد الدم، لا تترك عاطفة ولا حكاية. أخبار لا تتقبل انحيازا ولا عاطفة شخصية. أردت أن أبحث عما وراء الأخبار الباردة من حكايات لا تذكرها الأخبار. لحظات السهو البريئة التي سبقت الانفجار، مشهد عمال المسطر، المياومين مقرفصين على الرصيف في (ساحة الطيران) بانتظار صاحب العمل الذي سيأخذهم لموقع العمل، باعة الحيوانات المدجنة في (سوق الغزل)، زحمة المتبضعين أمام دكاكين الخضراوات في (الصدرية).. الكل منشغل بالحياة العادية قبل أن يباغتهم الانفجار… ثم الانتحاري الذي يحمل قفصا وتحت الببغاء صندوق التفجير، سيندس في الحشد المتجمع ثم يضغط زر التفجير، التلفونات المحمولةّ التي ستبقى ترن ولا من جواب بعد المقتلة. أردت من مراسلي أن يلتقطوا حكاية ذات أثر من صلب الحدث، أو في تبعاته، لكنهم يسمعون ولا يرون، لذلك تأتي الأخبار مكررة وعامة. متى حدث الانفجار، من هو الفاعل؟ عدد الضحايا المفعول بهم وتعليق الجهات الرسمية؟
كتابة السيرة أو اليوميات مثل الخبر الصحفي تتطلب تحديد الفاعل وما فعل والزمان والمكان والسبب. تسمى لوازم الخبر هذه بالإنكليزية (فايف دبليو 5 W,s .). لكن سرد السيرة يختلف عن سرد الخبر بطريقة الوصف المتأني والانطباع الشخصي الذي يلازم الوصف. الخبر عاجل ومساحته في الجريدة محدودة، اليوميات لا تقدم الخبر فقط، بل تروي حكاية بالتفصيل، الضوء المناخ، شكل الوجوه خلال مسار الحدث، نص الأحاديث، وطبعا شخصية الراوي. الزمن خاطف في الخبر (انتحاري فجّر نفسه في سوق الغزل. الانفجار أدى إلى مقتل وجرح سبعة أشخاص) … في اليوميات يتحرك الزمن قريباً من زمن الحادثة: كما في كل جمعة تجمع الناس، واحد اثنان ثلاثة… والوصف يريد ان يعكس زمن الواقعة مستغرقا في الوصف كما حدثت. أقرب للسرد القصصي أو الروائي. ضمير المتحدث (كنت هناك وعشت الحدث بنفسي وها أنا أرويه كما حدث). تكتب وهناك عقد مضمر مع القارئ بأنك كنت هناك. وعشت الحدث بكل حواسك، وها أنت ترويه كما حدث بالضبط. مجموع هذه الأحداث التي عشتها تشكل السيرة.
حين أغادر غرفة والأخبار في آخر النهار اذهب للبيت، اشرب قهوتي وأسترخي على الصوفا وامسح أحداث اليوم بيدي كما الممحاة وأسحب من الرف القريب كتابا وأقرأ عن التاريخ. أقرأ التاريخ بلهفة وأنا غير عارف بأنني أقرأه بعين الحاضر فاستغرب: عجيب! كيف صنع المؤرخون من هذه الفوضى سياقاً؟ كيف جمعوا كل هذه الصدف المتناثرة ليقولوا لنا في النهاية ثلاث جمل" حكم البلد في هذه الفترة حاكم قوي ومستبد. بعده بدأت الفوضى".
يبدو التاريخ بطرا حين ترسم الأحداث الطارئة صورة الحاضر. وأنا أكتب يوميات وسط صخب الحاضر وتلاطم أحداثه. أجمع الأحداث بانتقاء دقيق وأصفها لأصل إلى البنية العميقة للحدث: الأخبار المتواترة عن نهب الآثار التي تجسد هويتنا المشتركة، استمرار نهب الآثار من مواقعها قبل أن تكتشف وتسجل، سرقة وثائق المكتبة الوطنيّة، سرقة تمثال محسن السعدون…أجمعها وأعيد تفسير الظاهرة: إهمال الحكومات المتتالية المتناقضة لما قبل، والتركيز على تاريخ يناسب عقائدها؟…أذهب إلى الجمهور الذي ينهب، وهو كما عرفت جمهور مهمّش ومستبعد لا تذكره الدولة إلا حين تحتاج لجنود في حرب وشيكة، كيف يمكن أن يرى البلاد بلاده، والحكومة حكومته والتاريخ تاريخه.
بين التاريخ المديد وبين فورة الحاضر كتبت " حرب العاجز"، ومن التاريخ وقد سحب نفسه على الحاضر كتبت روايتي "باب الفرج" في الأول رويت الحاضر وهو يسحب نفسه على الماضي. وفي الثاني سحبت الحاضر بعنفه المادي والمضمر على التاريخ. عليّ خلاله أن أبدأ من نقطة مشتركة، هي الحاضر، لكن بين السيرة والسيرة الذاتية، وبينهما وبين التاريخ فجوة هائلة لأننا سندخل في المأزق الملتبس بين فهم هيغل للتاريخ كتاريخ إرادات، وفهم ماركس الذي قلب هيغل على رأسه ورأى من خلال (الجدلية التاريخية) سلسلة من الحتميات تتعلق بتطور الإنتاج وملكية وسائل الانتاج. يشكل الهيكل الاقتصادي، وفق ماركس، القاعدة، التي بدورها تُشكل البنية الفوقية (السياسة، القانون، الأيديولوجيا، الثقافة).
الذاكرة الإلكترونية
اشتريت حزمة كبيرة من الكتب من (سوق الحويش) في النجف. كتب لا تتعلق بقراءاتي الحالية، إنما بذاكرة ناس آخرين بالمدينة. هل فعلاً تدمّر الكلمات المكتوبة الذاكرة كما اعتقد سقراط؟ ها أنا أستعين بذاكرة آخرين لأغني ذاكرتي بما لم أعشه. أقرأ وأتذكر بأن استعادة الماضي هي معرفة، تمتزج بالإرادة مقدمة لفعل. يدري بائع الكتب الحزين في سوق الحويش بسليقته بهذه الحقيقة فيحرّضني وأنا أتصفح الكتاب واقفا في المساحة الضيقة بين أكداس الكتب:
- أنتم الذين تقرأون وتكتبون، لديكم القدرة على أن تفعلوا شيئا لإنقاذ المدينة من الخراب والجهل. يحرضني فتتهيأ عضلات ذهني لفعل لم تتضح صورته بعد…
الكتابة التي استنكرها سقراط باعتبارها تضعف الذاكرة، صارت وعاء وأداة ووسيلة لحفظ الذاكرة، كما تُتيح الكلمة المكتوبة إعادة النظر في المعلومات وتنظيم الأفكار. ما لم يتوقعه سقراط هو أن تُوفّر الكلمة المكتوبة لمزيد من الناس مصدرًا أكبر وأكثر تنوعًا من الحقائق والآراء والأفكار والقصص أكثر من أي وقت مضى. نحن الأحياء محظوظون لأننا عرفنا وسائل التواصل الاجتماعي التي نشكو كثيراً من أضرارها، لكن أبرز فوائدها هو انها كسرت عدداً من الحواجز:
أولها الحاجز بين التاريخ الرسمي والتاريخ المعاش، فالتاريخ، كما علمتنا الكتب المدرسية والحرم الجامعي، يصنعه الحاكمون. بقراراتهم، تحدث الحروب او السلام. تبنى المدن وتشيّد السدود. حين نتذكر أول خطوات العراق نحو الحداثة تأتي إلى الذهن مباشرة إنجازات (مدحت باشا) الذي حكم العراق عام 1868. فرغم قصر فترة حكمه (3 سنوات و21 يوما) أدخل الكثير من ادوات التطور الحديث مثل البواخر والمكائن والبريد، المطابع والصحف. في عهده تأسست أول جريدة رسمية (الزوراء). نعدد إنجازاته وننسى أن في فترة حكمه تحولت العديد من القرى بحكم علاقات الإنتاج إلى مدن منتجة لطبقة من المثقفين المدنيين الذين يقدمون الثقافة المكتوبة والمقروءة. ومن هذه المدن العمارة، الناصرية، الرمادي، الشطرة … هذا إضافة للمدن الكبيرة مثل بغداد والبصرة والنجف التي زاد عدد سكانها الى ما يقارب الضعف خلال 10 سنوات. هذه المدن كانت حاضنة للمتعلمين الذين ارتفع عددهم في المدن عام 1850 من نصف بالمائة إلى 5-10 بالمائة عام 1900. لم تتحول القرى إلى مدن بقرارات من مدحت باشا. التاريخ لا يسير وفق الأوامر من فوق لأنه سينزل لجنود وعمال يحولون الأوامر إلى أفعال.
في كتب التاريخ لم نسمع أو نقرأ تجربة المهندس الذي أشرف على بناء الجسر وكيف تحمّل العمال المنفذون الشمس التي تطبخ التمور أو كيف تعايشت المعلمة الأولى في الأرياف مع الأطفال الذين يأتون للمدرسة شبه حفاة يمشون على أرض مثلجة، ولم تنقل لنا مستوى وعي قراء الجرائد الذي يجلسون في المقاهي ويقرأون للعامة ما تقوله الجرائد؟ المنفذون يعطون للتاريخ طابعه الحسي. كيف جرت الأمور فعلياً وعلى الارض…الكتابة وعاء وأداة ووسيلة لحفظ الذاكرة. كما تُتيح الكلمة المكتوبة إعادة النظر في المعلومات وتنظيم الأفكار، سواءً كانت قوائم مهام أو مقالات أكاديمية. مع اختراع آلات الطباعة، وفّر ازدياد توفر وتوزيع الكتب والمجلات مكملات لما يُطلق عليه "المخزن البيولوجي للدماغ". ما لم يتوقعه سقراط خرجت المعرفة من قمقم النخبة المتعلمة إلى طيف واسع من الناس عبر وسائل تمتد من الكتاب إلى الذكاء الصناعي مرورا بالراديو والتلفزيون والحاسوب.
الحاجز الثاني الذي أسقطته وسائل التواصل هو الحاجز بين الكاتب المحترف الذي ينشر في الصحف والكتب، وبين المواطن العادي الذي عاش نفس التجربة ولم يكتب عنها. بدلاً من ان يرويها شفاهيا لشلة من المعارف صار عبر (السوشيال ميدياّ) يكتب عن تجربته خلال الحرب أو الحصار. ميزة كتابة السيرة سواء كتبت خلال أو بعد هي أنها ترينا الشكل الحسي والملموس للتجربة وفي نفس الوقت الانفعال الحي بالحدث. وقبل ذلك تعرفنا على طبيعة كاتب السيرة وتشركنا في تجربته المستعادة.
الحاجز الثالث الذي أزالته السوشيال ميديا بين الواقع والخيال، وبينه وبين الحلم. التذكر مقيّد بواقعية الزمان والمكان وما فيهما من معدات. حين أتذكر حديقة والدي سأتذكرها في زمان محدد في أواخر الخمسينات قبل أن يبيعها والدي. سأتذكر بابها والعتبة العالية ثم تواجهني هويتها المكونة من أكبر شجرة سدر في المدينة كلها. أتذكر والدي وبيده المسحاة يفتح سواقي الماء، على، وأنا أتذكر، أن أدقق في نقل صور الأشياء كما هي. يعاند الخيال هذه الصورة الواقعة حين أعود للصورة وأضعها في روايتي (باب الفرج) فيزيح جدران الحديقة العالية ويفتحها على موقع أكثر غرابة، لا هو في الصحراء بعيدا عن الجيران المتلصصين. الخيال يحررني من الولاء للواقع ويطلق مخيلتي وهي إرادة. لا أحد يحاسب كاتب السوشيال ميديا على شطحات غير أكاديمية. التجربة لا تكتفي بواقعها المحسوس، إنما تختلط بالخيال وتداهمنا خلال النوم في شكل كوابيس. في طفولتي كنت أسمع كثيرا عن الأسد الذي يأتي من الصحراء ليقف على تلة ويرفع يده ليحيي الإمام علي. الكل يتحدثون عنه وما من أحد رآه. إنه جزء من المخيال الجمعي الذي يهمله التاريخ ولا يدرج في الكتب لأن المؤرخين يعتبرونه من الترهات. التفاعل بين الواقع الموصوف والخيال يدخل في روايات السيرة. ماركيز مثالاً، المرأة التي كانت تنشر الشرشف على الحبال طارت من القرية واختفت نهائياً.
للتثبت هناك ذاكرة الناس الآخرين، التسجيلات المتوفرة يوميات مكتوبة قبلاً، محاضر محاكمات السوشيال ميديا وفرت لنا تسهيلات هائلة للتدقيق في الحدث عدا الذاكرة الشخصية.
الذاكرة فرديةّ وجماعية
التذكر شفاها أو كتابة هو استعادة ووعي ذاتي ولذلك تصير ذاكرتي أنا، وليست ذاكرة أي شخص آخر. أنا الذي كنت في الحدث، أنا شهدته أو عشته، أنا الذي سجلته وكتبته. كيف تصبح هذه ذكرياتي الخاصة وليست ذكريات شخص آخر؟ حين يدخل انطباعي وفكرتي الخاصة عن الحدث الذي أكتب عنه في صلب الصورة. إن ما شهده وعاشه هو مصدر معرفته وما عاشه هو وما وعاه يشكل عند الاستمرارية تاريخه الشخصي. هذه الذاكرة هذا المخزن الذي وضعت فيه التجارب لكي تنتقد وتعدّل وتستخدم في المستقبل. تختلف هذه الذاكرة من شخص إلى آخر، تختلف من حيث طبيعةّ المتذكر وزمن ومكان التذكر. لكن هذه الذاكرة الفردية ليست معزولة لوحدها. إنما تتصل بذاكرة الآخرين الذين عاشوا في المحيط الاجتماعي نفسه وعاشوا الأحداث نفسها. بمجموعها تشكل الذاكرةً الاجتماعية للمجموعة التي انتمى اليها فتشكل هويتي. تنبثق ثقافات الذاكرة، سواء كانت سياسية أو فكرية أو فنية، من تجارب فردية، لكنها تفلت وهي تكتب أو ترسم بذاكرة ومخيال اجتماعي، ويمكن أن تستقبل في سياقها الاجتماعي، ويمكن للمراقبين تمييزها كأنماط وتعبيرات وسرديات اجتماعية. في شبابي، متأثرا برواية سارتر (الغثيان)، كنت أسعى جاهداً لعزل نفسي عن المحيط تحت شعار (الجحيم هم الآخرون). يبدو الآخرون كتلة صمّاء تعزلني أو تعاديني. لكن ذاتي في فرديّتها وبعزلتها، وحتى بتمردها، تحيلني إلى مجتمع أردت أو رفضت أن أكون فيه وأتمرد على تقاليده وعلى ذاتي المقيدة بتقاليده. حين أعود متأخراً من نقاشات البارات ممتلئاً بوحدتي يستيقظ أهلي من نومتهم وأسمع وشوشاتهم فيحسسونني بأنني فرد من عائلة، وهذه العائلة جزء من مجتمع. في هذه المذكرات الخاصة بي أحاول أن أصف نفسي، أقول، أصفها لنفسي وأخفي الدفتر لي ولقارئ قد يكون أنا اللاحق. أكتب وأفسّر له السبب والنتيجة. فيما بعد عرفت أن شقيقي وشقيقاتي يقرأون هذه المذكرات في غيابي. صرت أرى عيونهم تتبع مسار قلمي فتسللت رقابتهم وصارت رقابتي على يومياتي. صرت أكثر حذراً في اعترافاتي. وما أن يتم الكشف عن الطبيعة الشخصية لكاتب المذكرات حتى يتم إشراك الآخرين فيها وسيجد الآخرون أنهم مشاركون في حياة أخرى، فيهم بعض ما فيها وقد عاشوا التجربة نفسها.
للذاكرة دور أكبر هي تشكيل هويتنا وتعيننا في هذا العالم، ننتمي لقومية، نتكلم لغتها، أو دين نحفظ تعاليمه، نحفظ عادات وتقاليد المجتمع الذي ننتمي اليه، نحفظ كل هذا الإرث في ذاكرتنا. الذاكرة والهوية مرتبطتان بعرى لا تنفصم، إذ لا يعد اي من المفهومين سابقاً للآخر أو منفصلاً عنه. الإحساس بالهوية الذي يمتلكه كل واحد منا، هو إحساس بالاستمرارية الزمنية، ولا يمكن امتلاكه دون الذاكرة بالمعنى التام لكلمة التذكر.
كما (بول ريكور) أتحسّب من ربط الذاكرةّ بالهوية خاصة حين تتسم الهوية بالهشاشةّ فتستعين بالذاكرة. مشكلة العلاقة بين الهوية والذاكرة تكمن حسب ريكور في كتابه الباهر (الذاكرة والنسيان) في "علاقتهما بالزمان". تستند الهوية على الذاكرة باعتبارها "عنصر مكون زمني على صلة بتقدير الحاضر وإسقاطه على المستقبل". لكن ماذا يعني أن يبقى المرء هو نفسه على مر الأزمنة؟ أتساءل مثل ريكور: هل بقى خالي (سعيد الجزائري) هو نفسه حين انتقل من مدينته الأحادية الطائفة إلى حي المهندسين في بغداد الذي يسكنه أفراد تجمعهم المهنة والاختصاص وتفرّقهم الأديان والقوميات، هل يبقى هو نفسه؟
هناك طبعا ما هو ثابت وما هو متغير "يولد الإنسان في منتصف الطريق" وأنا أستعير هذا المصطلح من نقاش مع (فلاح رحيم)، يولد في عالم من تقاليد وخبرات تأسست قبله. في طفولتي كنت أسير مع والدي العلماني فندخل صحن (الإمام علي) في طريقنا لنادي الموظفين. حين ندخل من (باب الفرج) يضع والدي كفّه اليمين على صدره وينحني سائلا (أمير المؤمنين):
- أأدخل يا مولاي…
لا ينتظر جواباّ، إنما يدخل، وعند الخروج يعيد كفه إلى صدره ويلتفت إلى الخلف ويعيد الانحناء مودعا! لم أفهم سر خشوع والدي الذي اعتاد أن يساجل كل مسلمة وإيمان ثابت في المدينة. أسأله وأنا طفل لم يفعل ذلك والرجل في ضريحه؟ لم ولن يجاوبني. بالسليقة عرفت أن هذا جزء من التقاليد المتأسسة قبلي بمئات السنين. هذا المكان الذهبي كان رمزا موحِدا لنا نحن سكان هذه المدينة المقدسة… في شبابي وخلال ستينات التمرد حاولت أن أقدّم المدينة كما هي مخترقاً الطبقة الذهبية السميكة من القداسة وما تحتها من نفاق، لكنني لم أجرؤ. أنا ابن النجف المدينة التي تقدم المجاملة على الأخلاق والمجاملة تقوم على حفظ ديباجات الكلام المنمق حتى لو أخفى المصالح الضيقة الكامنة. ذاكرتي حتى في عمقها انتقائية تحطّ رغماًّ عنّي فوق النقاط الوسطية بين الصراحة المطلقة المؤذية للمشاعر العامة وبين التقاليد في بعدها الاجتماعي. يتنحى عقلي الشكاك حين أدخل الصحن. جسدي يمارسها قبل عقلي. ألتفت إلى الخلف أضع يدي على صدري وأردد "السلام عليك يا مولاي…" ثم أغادر (باب الفرج).
أفعل ذلك تلقائيا كما يفعل والدي وجدي ومن حولي. تعلمت ذلك دون توجيه أو اجبار، من السطوة الضمنية للسلوك الأخلاقي السائد في المحيط الذي عشت فيه. لم أعرف وأنا أستعيد الطقس إن كان هذا استدعاء حرا لذاكرتي أو موجها بحكم تقاليد المحيط؟ هذه التقاليد هي في نهاية المطاف تقاليدنا نحن، وهي التي تجعل الماضي خليقاً باعتباره ماضينا وتجعلنا بالكيفية التي نحن عليها نحن، وحتى في الحالات التي ننكر هذه التقاليد فإننا نظلّ مأسورين بها، وبهذه الكيفية يمكن عدُّ التقاليد الشكل الأقوى تعبيراً عن "الذاكرة الجمعية".
* مقاطع من كتاب معد للنشر