في مقاله المنشور في مجلة الثقافة الجديدة، آيار 2026، يقدّم الدكتور هاشم نعمة قراءة نقدية معمقة لليبرالية الجديدة بوصفها منظومة فكرية واقتصادية لم تعد مجرد نظرية في إدارة السوق، بل تحولت إلى بنية عالمية لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والإنسان ذاته. والمقال لا يكتفي بعرض الآثار الاقتصادية لهذا النموذج، بل يحاول تفكيك منطقه الداخلي، والكشف عن التناقض الكامن بين شعارات الحرية التي يرفعها وبين الممارسات السلطوية التي ينتجها في الواقع. ومن هنا تأتي أهمية النص؛ إذ إنه لا يتعامل مع الليبرالية الجديدة بوصفها سياسة اقتصادية تقنية، بل باعتبارها فلسفة سلطة تعيد تعريف معنى الحرية والديمقراطية والعمل والعدالة الاجتماعية. إن القراءة المنهجية للمقال تكشف أن هاشم نعمة لا يهاجم الليبرالية الجديدة بخطاب أيديولوجي انفعالي، وإنما يعتمد مقاربة تركيبية تجمع بين التحليل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مستندا إلى مرجعيات متنوعة تبدأ من ماركس وبولانيي وتشومسكي وهارفي، وتنتهي عند النقد المعاصر للعولمة والتفاوت الطبقي. ولذلك فإن المقال يشتغل على مستويين متداخلين: مستوى تحليل البنية الفكرية لليبرالية الجديدة، ومستوى اختبارها التاريخي في التجربة الواقعية.
تفكيك المفاهيم وبنية الفكرة
المفهوم المركزي الذي يدور حوله المقال هو "الليبرالية الجديدة". غير أن الكاتب لا يتعامل مع المصطلح بوصفه مفهوما أحاديا، بل يقدمه كبنية متعددة الطبقات. فهي، من جهة، فلسفة اقتصادية تدعو إلى تحرير السوق وتقليص دور الدولة والخصخصة وحرية حركة رأس المال. وهي، من جهة ثانية، منظومة سياسية تعيد توزيع القوة داخل المجتمع لصالح الشركات الكبرى والمؤسسات المالية العابرة للحدود. أما المفهوم الثاني المحوري فهو "العولمة"، التي لا تظهر في النص كعملية حيادية للتبادل الاقتصادي، بل كآلية لإعادة إنتاج الهيمنة الغربية، وخاصة الأمريكية، على الاقتصادات الضعيفة. ويُميز المقال بوضوح بين المفاهيم الجوهرية والمفاهيم الثانوية. فالمفاهيم الجوهرية هي: السوق الحرة، الخصخصة، رأس المال العالمي، التفاوت الطبقي، والدولة النيوليبرالية. أما المفاهيم الثانوية فتتمثل في: المرونة الاقتصادية، الكفاءة، الجدارة، والإصلاح الهيكلي. والكاتب يحاول البرهنة على أن المفاهيم الثانوية ليست سوى غطاء لغوي يضفي الشرعية الأخلاقية على البنية الجوهرية للنظام النيوليبرالي. ومن زاوية التحليل المنطقي، يمكن القول إن المقال يبني أطروحته على مقدمة رئيسة مفادها أن الليبرالية الجديدة تدّعي توسيع الحرية الفردية وتحقيق الازدهار العام، لكنها في التطبيق العملي تؤدي إلى تعميق التفاوت وإضعاف الديمقراطية وتوسيع سلطة النخب المالية. ومن هذه المقدمة يستنتج الكاتب أن ثمة تناقضا بنيويا بين الخطاب النظري والممارسة الواقعية.
أما إذا طبقنا التحليل الأرسطي للعلة، فإن العلة المادية لليبرالية الجديدة تتمثل في التحولات البنيوية للرأسمالية العالمية بعد أزمة السبعينيات، والعلة الصورية هي نموذج السوق الحرة المعولمة، والعلة الفاعلية تكمن في المؤسسات المالية الدولية والشركات الاحتكارية الكبرى والدول الرأسمالية المهيمنة، بينما تتمثل العلة الغائية في إعادة إنتاج تراكم رأس المال وتعظيم الربح حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الاجتماعي. واللافت في المقال أن الكاتب لا يقدّم الليبرالية الجديدة باعتبارها انحرافا عارضا عن الرأسمالية، بل بوصفها التعبير الأكثر راديكالية عنها. ولذلك فهو يرى أن الأزمات ليست أخطاء تقنية قابلة للإصلاح، وإنما نتائج منطقية لبنية النظام ذاته. وهذا الاستنتاج يملك اتساقا داخليا واضحا؛ لأن المقال يربط بين مقدماته ونتائجه بسلسلة من الأمثلة التاريخية والاقتصادية التي تمنحه قدرا من التماسك المنهجي.
أما إذا طبقنا التحليل الأرسطي للعلة، فإن العلة المادية لليبرالية الجديدة تتمثل في التحولات البنيوية للرأسمالية العالمية بعد أزمة السبعينيات، والعلة الصورية هي نموذج السوق الحرة المعولمة، والعلة الفاعلية تكمن في المؤسسات المالية الدولية والشركات الاحتكارية الكبرى والدول الرأسمالية المهيمنة، بينما تتمثل العلة الغائية في إعادة إنتاج تراكم رأس المال وتعظيم الربح حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الاجتماعي. واللافت في المقال أن الكاتب لا يقدّم الليبرالية الجديدة باعتبارها انحرافا عارضا عن الرأسمالية، بل بوصفها التعبير الأكثر راديكالية عنها. ولذلك فهو يرى أن الأزمات ليست أخطاء تقنية قابلة للإصلاح، وإنما نتائج منطقية لبنية النظام ذاته. وهذا الاستنتاج يملك اتساقا داخليا واضحا؛ لأن المقال يربط بين مقدماته ونتائجه بسلسلة من الأمثلة التاريخية والاقتصادية التي تمنحه قدرا من التماسك المنهجي.
التناقض بين الحرية والسلطة
يكشف المقال عن واحدة من أكثر المفارقات إثارة في الفكر النيوليبرالي: فالنظام الذي يرفع شعار "تقليص الدولة" ينتهي عمليا إلى توسيع أدواتها القمعية. وهنا تظهر أهمية المقاربة المعرفية التي يعتمدها الكاتب؛ إذ إنه لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يحاول الكشف عن الافتراضات المسبقة التي تقوم عليها. فالليبرالية الجديدة تفترض، ضمنيا، أن السوق كيان عقلاني قادر على تنظيم نفسه بنفسه، وأن الأفراد يمتلكون فرصا متكافئة داخل المنافسة الاقتصادية. لكن هذه الافتراضات، كما يبين المقال، تتجاهل حقيقة التفاوت البنيوي في التعليم والثروة والسلطة والمعرفة. ولذلك فإن الحرية التي تتحدث عنها النيوليبرالية ليست حرية متاحة للجميع، بل حرية مشروطة بالقدرة الاقتصادية. ومن هنا يتولد التناقض الأكبر: فعندما ترفض الجماهير نتائج السوق، وتبدأ بالمطالبة بالحماية الاجتماعية أو العدالة التوزيعية، تضطر الدولة النيوليبرالية إلى التدخل دفاعا عن السوق ضد المجتمع نفسه. وهذا ما يجعل النظام، paradoxically، أكثر سلطوية كلما ادعى الدفاع عن الحرية. ولذلك يستحضر الكاتب تجارب تشيلي والأرجنتين ومصر والمغرب بوصفها نماذج تاريخية تؤكد أن فرض برامج التكييف الهيكلي لم يكن ممكنا من دون القمع السياسي. ويبلغ التحليل ذروته حين يناقش الكاتب مسألة الهجرة. فالنيوليبرالية تحتاج إلى العمالة الرخيصة للحفاظ على معدلات الربح، لكنها في الوقت نفسه تنتج خطابا سياسيا قوميا معاديا للمهاجرين. وهذا يكشف انفصالا عميقا بين منطق الاقتصاد ومنطق السياسة داخل النظام الرأسمالي المعاصر. فالسوق يريد حدودا مفتوحة لرأس المال، بينما تريد الدولة حدودا مغلقة أمام البشر الفقراء. إن هذا التناقض لا يُعد عرضا جانبيا، بل يعكس حدود المعرفة النيوليبرالية ذاتها. فهي تفترض أن الإنسان كائن اقتصادي عقلاني، لكنها تعجز عن تفسير الانفجارات الاجتماعية والهوياتية والثقافية التي تنتج عن التفاوت والإقصاء. ولذلك فإن المقال يلمح إلى أن الأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل أنثروبولوجية أيضا؛ أي أزمة في فهم الإنسان والمجتمع.
المجتمع المنهك وصعود التفاوت
من أكثر جوانب المقال قوة تحليله للآثار الاجتماعية لليبرالية الجديدة. فالكاتب يرفض اختزال الأزمة في المؤشرات المالية، ويرى أن الخطر الحقيقي يتمثل في تفكيك الروابط الاجتماعية وتحويل المجتمع إلى ساحة تنافس دائم. ويبرز هنا نقده لفكرة "الجدارة". فالنيوليبرالية تزعم أن النجاح نتيجة الكفاءة الفردية، والفشل نتيجة العجز الشخصي. لكن المقال يبين أن هذه الفكرة تتجاهل البنى الاجتماعية التي تحدد فرص الأفراد منذ البداية. فالتعليم والصحة والسكن ورأس المال الثقافي ليست موزعة بالتساوي، وبالتالي فإن الحديث عن منافسة عادلة يصبح وهما أيديولوجيا. ويعتمد الكاتب على تقارير دولية ودراسات اقتصادية لإثبات أن العولمة المالية ومرونة سوق العمل أدتا إلى توسيع الهوة الطبقية، لا إلى تقليصها. ومن هنا تأتي أهمية استدعائه لأفكار باتريك دينين وروبرت رايش وكريستوفر لاش، الذين تحدثوا عن "انشقاق الناجحين" وتحول المجتمع الأمريكي إلى فضاء منقسم بين نخبة فائقة الثراء وطبقات مهمشة تعيش خارج دائرة النفوذ. ومن الناحية المنهجية، يتميز المقال بقدرته على الربط بين الجزئي والكلي؛ فهو لا يتحدث عن البطالة أو الخصخصة كظواهر منفصلة، بل يربطها بتحولات الرأسمالية العالمية وبنية الدولة الحديثة. كما أن المقال يتجنب التفسير التبسيطي؛ إذ لا يدّعي أن كل أزمات العالم سببها الليبرالية الجديدة وحدها، بل يعتبرها عاملا بنيويا ضمن شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية. غير أن المقال، رغم قوته، يواجه إشكالا معرفيا مهما؛ فهو يقدّم نقدا عميقا لليبرالية الجديدة، لكنه لا يطرح بوضوح بديلا اقتصاديا متماسكا. فالنقد هنا يتفوق على البناء. وهذه نقطة ضعف منهجية نسبية، لأن تفكيك نموذج مهيمن يتطلب أيضا تصور أفق بديل قابل للتطبيق، لا مجرد الكشف عن تناقضاته.
ما بعد النيوليبرالية
تكمن القيمة الفلسفية الأهم في مقال هاشم نعمة في أنه لا يقرأ النيوليبرالية كمرحلة اقتصادية عابرة، بل كتصور شامل للعالم. ولذلك فإن نقده يتجاوز الاقتصاد إلى مساءلة معنى الحرية والديمقراطية والسيادة والعدالة. ومن خلال هذا التحليل يمكن استخلاص عدد من الأسئلة البحثية الجديدة: هل تستطيع الرأسمالية المعاصرة الاستمرار من دون توسيع التفاوت؟ وهل يمكن بناء عولمة إنسانية لا تخضع لمنطق الربح؟ وهل ما نشهده اليوم من صعود الشعبويات واليمين المتطرف هو نتيجة مباشرة لفشل النيوليبرالية؟ ثم هل تعود الدولة القومية اليوم بوصفها ردة فعل على هيمنة السوق العالمية؟ إن هذه الأسئلة تجعل المقال مفتوحا على أفق بحثي واسع، خصوصا في العالم العربي، حيث ارتبطت برامج "الإصلاح الاقتصادي" غالبا بتفكيك الدولة الاجتماعية وتعميق التبعية الاقتصادية. ولذلك فإن أهمية النص لا تكمن فقط في نقده النظري، بل في تحذيره من تحويل الإنسان إلى مجرد رقم داخل معادلة السوق. في المحصلة، ينجح هاشم نعمة في تقديم قراءة نقدية رصينة لليبرالية الجديدة، تكشف أن الأزمة ليست مجرد خلل في السياسات الاقتصادية، بل تناقض بنيوي بين خطاب الحرية ومنطق الهيمنة. فالنيوليبرالية، كما يظهر في المقال، لم تنتج مجتمعا أكثر عدالة، بل عالما أكثر هشاشة، تتراكم فيه الثروة عند القلة، بينما يُطلب من الأغلبية أن تتحمل وحدها كلفة الأزمات. ولهذا فإن السؤال الذي يظل معلقا بعد قراءة المقال ليس: كيف نصلح الليبرالية الجديدة؟ بل: هل يستطيع نظام يقوم على أولوية السوق أن ينتج إنسانا حرا بالفعل؟