تموز/يوليو 18
   
                                                                                                     
   "العبودية هي عبودية ولا يمكن تجميلها" ـ العالم السوداني يوسف فضل حسن.  
   تُعرّف المنظمة الدولية لمكافحة العبودية أشكال العبودية الحديثة أو الاستغلال المفرط بأنها الاتجار بالبشر، والعمل القسري، وعبودية الفرق الدينية، وعبودية الأطفال، والزواج القسري، وخاصة زواج الأطفال، والعبودية الجنسية، والعبودية الوراثية، والعبودية المنزلية، أو العبودية في المزارع والحقول وأيضا في المعامل. كما أن نظام الكفالة، الذي يقوم بموجبه أصحاب العمل  ومكاتب العمل حجز تأشيرات العمال المهاجرين وجوازاتهم، غالبًا ما يؤدي هذا إلى شكل من أشكال العبودية أيضا.

   لكن ماذا عن العبودية في عالمنا الإسلامي؟ 
   بعد النجاح الذي حققه كتابه الموسوم "بغداد: مدينة السلام، مدينة الدماء" (2014) الحائز على جائزة أونداتجي من الجمعية الملكية للأدب ((RSL عام 2015، وكتاب "الامبراطوريات الإسلامية: 15 مدينة تعرّف الحضارة" (2020)، صدر للمؤرخ، والصحفي الإنجليزي، جاستين ماروتسي، عام 2025، كتاب جديد، بعنوان "الأسرى والصحابة: تاريخ العبودية وتجارة الرقيق في العالم الإسلامي"، عن دار النشر أومنيبوك، يقع الكتاب في 624 صفحة. لقد اطلعت على ترجمته الحديثة إلى اللغة الهولندية من قبل بريندا مودا ومارتن فان دير فِرف تحت عنوان "عبد". 
   في هذا الكتاب، يستكشف ماروتسي الرق في العالم الإسلامي. بدءاً من العمل الزراعي والمنزلي وصولاً إلى نظام السرائر، وحراسة الأماكن المقدسة، والقيادة السياسية، والقيادة العسكرية وثورة الزنج وغيرها.

حث الإسلام على عتق الرقبة
    تناول ماروتسي في الفصل الأول المعنون (ص44 - 62)؛ "أربعة عبيد: بداية الإسلام" ؛ لقد كانوا عبيدا وأصبحت لهم مكانة رفيعة آنذاك؛ بالأخص بلال وزيد بن حارثة. وتابع بأن المسلمين لم يخترعوا العبودية في الشرق الأوسط، تمامًا كما لم تكن العبودية عبر المحيط الأطلسي اختراعًا مسيحيًا. فمن الخطأ تسميتها بتجارة الرقيق الإسلامية. لقد كان العرب المسلمون محاطين بمجتمعات عبودية عريقة - البيزنطية والفارسية، ورثوا تقاليدهم الخاصة بالرق من أسلافهم العرب الوثنيين، وقاموا بتكييفها مع السياق الإسلامي (ص 40). 
     وذكر أن أبلغ مثال على تحرر المستعبَد؛ عنتر بن شداد (525 - 608 م)، الذي توفي قبل فترة انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية. لقد استطاع أن يرتقي من (عبدٍ عربي أفريقي إلى فارسٍ نبيل، وشاعرٍ رومانسيٍّ مُفعمٍ بالحيوية، ومحاربٍ شرس، ومثالٍ يُحتذى به في الرجولة.
   تُقدّم قصة عنتر مدخلًا إلى كلٍّ من الأحكام المسبقة العربية التقليدية ضد الأفارقة ذوي البشرة الداكنة، وضد ذوي الأصول العربية الأفريقية، وإلى القوة التي تحدّى بها عنترة هذه الأحكام برفضها، غالبًا في أبيات شعرية. كما أن إحدى قصائده الملحمية حظيت بشرفٍ عظيمٍ بإدراجها في المعلقات، وهي "القصائد المعلقة" السبع التي يُقال أنها عُلقت في الكعبة بمكة، قلب الإسلام. 
    يقول ماروتسي، بأن العبودية لم تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل على العكس، كانت ظاهرة شبه عالمية. فقد وُجدت العبودية في الصين خلال عهد أسرة شانغ (القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد)، وفي مصر القديمة، والهند، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكيتين كانت واقعًا يوميًا في العديد من المجتمعات؛ وكانت الناس تُستعبد في كل من روما القديمة واليونان القديمة. كما انخرط الفايكنج الإسكندرانيون في تجارة الرقيق على نطاق واسع، لدرجة أن الاختطاف والبيع والعمل القسري كانت سمات بارزة في ثقافتهم. ولنأخذ مثالًا من فترة لاحقة؛ ففي عام 1841م، قدّرت الإدارة الاستعمارية البريطانية عدد العبيد في الهند بما يتراوح بين ثمانية وتسعة ملايين (ص 34).
   لم تكن العبودية في العالم الإسلامي ظاهرة ثابتة، بل كانت مؤسسة اجتماعية ديناميكية، تتغير بمرور الزمن وقد تتخذ أشكالًا مختلفة تمامًا في فترات مختلفة. حدثت هذه التغيرات نتيجة لتغير الظروف، مثل التنمية الاقتصادية، وتغير الاحتياجات داخل الأسرة والجيش والزراعة، والظروف الدولية وغيرها. كما أن تجارة الرقيق لم تكن قضية دينية بقدر ما كانت تجارية (ص36).
   فخلال الخمسة عشر قرنا هذه، سادت العبودية وتجارة الرقيق بأشكال مختلفة داخل المجتمعات الإسلامية. كما اضطرت أفريقيا لتلبية معظم الطلب على العمل القسري، حيث تم أخذ ملايين الناس إلى الأسر سيرا على الأقدام عبر الصحراء الكبرى. وعلى عكس تجارة الرقيق عبر الأطلسي، حيث انتهى المطاف بمعظم الرقيق في مزارع أمريكية، كان الرقيق في العالم الإسلامي يؤدون أدوارا مختلفة.
   ويضيف، لا يمكن لأي شخص يرغب في الكتابة عن العبودية في هذا العالم أن يتجاهل القرآن. ففيه تُناقش العبودية في مواضع عديدة. وهذا ليس بالأمر المستغرب، إذ نشأ الدين في بيئة كانت العبودية منتشرة فيها. لكن النص القرآني يحث أيضًا المسلم الملتزم على السعي لتحرير عبيده. وهناك أيضًا باحثون يجادلون بأن التراث الإسلامي لم يُحرّم الرق أو لم يُشرّعه قط (ص94). 

العبودية في الدول الأفريقية الإسلامية
   على مدى عقود، زوّدت تجارة الرقيق القارات، وإن كان ذلك على نطاق أضيق بكثير، بنقل الرجال والنساء والأطفال المستعبَدين إلى مختلف المناطق "المتحضرة"، من الهند والأمريكيتين. وبين عامي 1076 و1600م، قُدّر أن ثلث سكان ما يُعرف اليوم بغانا الإسلامية كانوا مستعبَدين، ويُفترض أن النسبة نفسها تقريبًا كانت في الفترة ما بين 1300 و1900م في منطقة السنغال وغامبيا (السنغال وغامبيا وغينيا بيساو حاليًا، مع أجزاء من موريتانيا وغينيا ومالي). أما بين عامي 1750 و1900م، فإن نسبة الرقيق تراوحت بين ثلث وثلثي سكان ولايات الفولاني الجهادية في غرب ووسط السودان (ص37). 
   والجدير بالذكر، أن نظام الرق كان موجودا في السودان قبل وصول العثمانيين بزمن طويل، بل وقبل ظهور الإسلام بألف عام. يعود أحد أقدم الإشارات إلى الرقيق، إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث يصف هيرودوت غزو الملك الفارسي قمبيز لمصر عام 552 قبل الميلاد، مشيرًا إلى أن الجزية التي كانت تُدفع كل سنتين لمملكة كوش (التي كانت تضم تقريبًا شمال السودان وجنوب مصر) كانت تشمل، من بين أمور أخرى، خمسة عبيد إثيوبيين صغار. وفي عام 652م، أبرم الفاتحون المسلمون أول معاهدة سلام لهم في المنطقة. ووفقًا للمؤرخ المصري تقي الدين المقريزي (1364-1442م)، فرض العرب جزية سنوية قدرها 360 عبدًا على مملكة النوبة المسيحية بموجب معاهدة البقط (651م) . لقد تم أسر آلاف الصبية والنساء والرجال من شرق أفريقيا، ثم أرسلوا كرقيق إلى الشمال، ولا سيما القاهرة وإسطنبول وشبه الجزيرة العربية. وفي عام 1877م، عندما أفادت التقارير بوجود أكثر من ستة آلاف تاجر رقيق نشطين في المنطقة، قدّرت الحكومة البريطانية، في تقرير للسلطات المصرية، أن حوالي ثلاثين ألفًا من الرقيق ينقلون، سنويا، من شرق أفريقيا، إلى شبه الجزيرة العربية وحدها (ص362).

الدولة العثمانية وحكم العبيد
   استمرت العبودية في العالم الإسلامي طوال القرن التاسع عشر، وكانت شبه منتشرة في كل مكان تقريبًا، من ساحل المحيط الأطلسي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل وأجزاء كبيرة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى بلاد الشام والأناضول وإيران، ومن شبه الجزيرة العربية إلى إندونيسيا وماليزيا وجنوب الفلبين إلى شبه القارة الهندية. ظلت العبودية جزءًا من الحياة اليومية، حيث لم يطرأ عليها تغيير يُذكر، ولم تحظَ، منذ عهد الإمبراطورية العثمانية، باهتمام يُذكر، إلا عندما بلغ الطلب على العمالة المنتجة ذروته. كان فترة مضطربة، تزامنت فيها ذروة الرق مع ذروة حركة مناهضة له (ص362).
   يبدو أن تجارة الرقيق في العالم الإسلامي لا تزال أقل بحثًا من تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي ونظام الرق في المزارع الأمريكية. حتى في مطلع القرن الحادي والعشرين، كان بإمكان إيهود توليدانو، الخبير في شؤون الرق في الإمبراطورية العثمانية، أن يؤكد أن البحث الأكاديمي، حول تاريخ الرق في المجتمع العثماني والعالم الإسلامي عمومًا، يتسم بـ"نسيان جماعي". وفي ذلك الوقت تقريبًا، لاحظ المؤرخ التركي يوسف هاكان إردم "نسيانًا جماعيًا" شبه تام فيما يتعلق بالرق في الدولة العثمانية. وقبل ذلك بقليل، اعتقد المؤرخ الأنجلو-أمريكي الراحل برنارد لويس بأن تركيز المؤرخ الشاب على الرق في الدول الإسلامية يُعد "مخاطرة مهنية"؛ إذ كان يُنظر إلى هذا النوع من البحث غالبًا على أنه "علامة على سوء النية". وقد لاحظ أن قائمة المراجع حول الرق في اليونان القديمة أو روما أو الأمريكيتين قد تصل بسهولة إلى آلاف الصفحات، بينما تكفي صفحة واحدة لدراسة الرق في قلب العالم الإسلام (ص39).
 
المطالبة بإلغاء العبودية
   هناك شكل آخر من العبودية شبه غير مرئية. إنه نظام الكفالة، المُطبق في العديد من دول الشرق الأوسط، حيث تُلزم العمالة الوافدة بوجود كفيل من الدولة المضيفة. وقد طُرح هذا النظام في سياق اكتشاف النفط وما تلاه من تنمية في المنطقة. ويجعل هذا النظام العامل الوافد مُعتمدًا على الكفيل، هذا ما ذكرته أسماء أزهري في دراستها، بين عامي 2016 - 2017، المنشورة في مجلة SOAS لأبحاث الدراسات العليا، بعنوان "نظام الكفالة في المملكة العربية السعودية: تحليل نقدي من منظور حقوق الإنسان الدولية والقانون الإسلامي" (ص38).
     ومن المهم أيضا أن نذكر أن جيلا جديدا من المؤرخين من المغرب وتونس والجزائر، وخاصة من تركيا، أحرزوا تقدماً كبيراً في هذا الاتجاه. كما انخرط هؤلاء المؤرخون في النقاش الدائر حول الرق وتجارة الرقيق وإلغائه، على الرغم من أن جزءاً كبيراً من العالم العربي لا يزال يتجاهل الأمر. وفي الغرب أيضاً، لم يعد هذا الموضوع خافيا تماماً، كما ادعى موراي غوردون في كتابه "الرق في العالم العربي (1987)"(ص39). ومع ذلك، يبقى هذا الجزء المحوري من تاريخ الرق مهملاً مقارنةً بتاريخ الرق في أمريكا وأماكن أخرى من العالم.   
    لقد تراجعت العبودية المؤسسية بشكل حاد على مر القرون الماضية، لكنها لم تختفِ تمامًا. ومن بين آخر الدول التي ألغت العبودية رسميًا، إيران (1928م) واليمن (1962م) والمملكة العربية السعودية (1962م)، وتركيا (1964م) وعُمان (1970م) وموريتانيا (1981م). لكن العبودية لا تزال موجودة. 
   في عهد أحمد باي الذي حكم من 1837 إلى 1855م، اتخذت تونس الخطوات الأولى نحو إلغاء الرق. كما أنها حظرت تجارة الرقيق في عام 1842م. وفي عام 1846م، حُظر الرق نفسه. وبهذا، سبقت تونس فرنسا بعامين، والولايات المتحدة بتسعة عشر عامًا. كما أن الأمور كانت تسير في الاتجاه الصحيح أيضًا في مصر. 
  أما ملك المغرب مولاي عبد الرحمن، حامل لواء السلالة العلوية الملكية، والتي تحكم المغرب منذ عام 1631 إلى يومنا هذا، فكان له رأي آخر:
   "أما بالنسبة لتجارة الرقيق، فهي مُجازة في كتابنا [القرآن]، وكذلك في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فضلاً عن أنه لا خلاف بين العلماء في هذا الشأن، ولا يجوز لأحد أن يُجيز ما هو مُحرَّم أو يُحرِّم ما هو مشروع" (ص  410). 
   لقد بقي المغرب صعب المراس إلى جانب جارته موريتانيا، التي تُعدّ حالةً شاذةً في العالم الإسلامي حيث لا يزال نظام الرق العنصري الموروث قائماً حتى يومنا هذا. لكن عندما تولى الملك محمد السادس العرش عام 1999م، ألغى العبودية أو بالأحرى عتق العبيد الذين يخدمون في القصور الملكية. 
  ومن الجدير بالذكر إلقاء الضوء على موقف بعض العلماء البارزين؛ مثل الفقيه والباحث جعفر بن محمد الصادق (توفي عام 765م)، وحمدان قرمط، مؤسس الحركة القرمطية الإسماعيلية في العراق في القرن التاسع الميلادي، والحاكم بن عبد العزيز آل سعود، والمصلح التونسي محمد بيرم خميس (توفي عام 1889م)، والمؤرخ المغربي أحمد الناصري (توفي عام 1897م)، والفيلسوف والمصلح الهندي السير سيد أحمد خان (توفي عام 1898م)، ومحمد عبده، مفتي مصر (توفي عام 1905م)، والإسلامي المُناهض للغرب رشيد رضا (توفي عام 1935م). فهؤلاء جميعهم، قدّموا حججاً أخلاقية لموقفهم المؤيد لإلغاء الرق، مستندين في كثير من الأحيان إلى القرآن. كما أن بعض المؤلفين المسلمين، ومن بينهم الفقيه والمؤرخ الهندي سيد أمير علي (توفي عام 1928م) والكاتب والسياسي المصري أحمد شفيق (توفي عام 1940م)، مؤلف كتاب "العبودية من وجهة نظر مسلم"، طرحوا فكرة أن المسلمين الأوائل كانوا ينوون دائمًا إلغاء الرق، لكن انتشاره كان متجذرًا بعمق في المجتمع العربي في القرن السابع الميلادي لدرجة أنه كان سيحكم عليه بالفشل منذ البداية. وتتشابه هذه الحجة، القائمة على رسالة النبي في نشر الدين، مع إجابات دعاة إلغاء الرق البريطانيين والأمريكيين على سؤال: لماذا لم يُدن يسوع المسيح الرق أو يحرِّمه (ص94)؟
 
أصوات متطرفة محافظة
   إن العبودية لا تزال تحظى بدعم أيديولوجي من بعض الجماعات الصغيرة ذات النفوذ التي تعتقد أنها جائزة في الإسلام. ففي عام 2003، كشف الكاتب السعودي علي الأحمد أن رجل الدين السعودي الشيخ صالح الفوزان دافع بشدة وبلا تحفظ عن هذه المؤسسة في محاضرة مسجلة سرًا. صرّح الشيخ: "العبودية جزء من الإسلام. العبودية جزء من الجهاد، وسيستمر الجهاد ما دام الإسلام موجودًا". ورفض الادعاءات بأن الإسلام قد سعى بالفعل إلى إلغائها. "إنهم جهلة، ليسوا علماء، بل كتّاب. كل من يقول مثل هذا الكلام كافر" (ص435).
   لا أحد يدّعي أن الآراء المؤيدة للرق منتشرة على نطاق واسع أو سائدة في العالم الإسلامي. فعندما تظهر، تكون دائمًا في أقصى درجات التطرف أو المحافظة، في محاضرات أو خطب يلقيها رجال دين، سواء كانت مسجلة أو تُبث علنًا في المساجد أو عبر الإنترنت.
   وبعيدًا عن عدسات الكاميرات الدولية، تستمر العبودية بلا هوادة في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، مثل مالي وموريتانيا. ففي هذه الأخيرة، جرِّمت فيها العبودية لأول مرة عام 2008، ثم مرة أخرى عام 2015، وكان ذلك بمثابة تنازلٍ ضمنيٍّ ومترددٍ من حكومةٍ لطالما أنكرت وجود العبودية، واستمرت في ممارستها عمليًا دون عقاب. مع هذا يواصل النشطاء والمدافعون المحليون الشجعان جهودهم الدؤوبة، ويخوضون معركة شرسة، بدعم من منظمات حقوق الإنسان الدولية ومنظمات مكافحة العبودية.
الغيرية في العالم الإسلامي
  لقد خصّص ماروتسي فصلًا للّغة القوية التي عبّر بها الشعراء والمفكرون المسلمون عن أفكارهم حول السود. كما استشهد ببعض الكتاب العرب المرموقين الذين تناولوا الرق. فاعتمد كتابات وتأويلات المؤرخ الأنجلو-أمريكي الراحل برنارد لويس في قول الكاتب والعالم الجاحظ (776-868 م) أن: "الزنوج هم غربان بين البشر، فهم أدنى الناس وأحطهم خلقًا وطبعًا" (ص 364). لكننا نعلم، بحسب رأيي، أن هذه العبارة بالرغم من تداولها، لم ترد بهذا الشكل في كتابات الجاحظ. وبعد خمسة قرون، تناول ابن خلدون (1332-1406م)، عميد العلماء العرب وأحد أعظم فلاسفة العصور الوسطى نفس الثيمة. ذكر ماروتسي بأن الأمم الأفريقية، مستشهدا بابن خلدون، "عادةً ما تخضع للعبودية بسهولة لأن [السود] يفتقرون إلى الصفات الإنسانية الأساسية، ويمتلكون صفات تشبه صفات الحيوانات البليدة" (ص 89). لكنني اكتشفت أن لابن خلدون رايا أخر حول "أثر الهواء في أخلاق البشر"؛ فبحسبه: "قد رأينا من خُلق السودان على عموم الخفة والطيش وكثرة الطرب ...موصوفين بالحمق في كل قطر". ولفهم خفة دم السودان وطيشهم، "نقل المسعودي عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي بأن ذلك لضعف أدمغتهم..."، أما ابن خلدون فيرى "أن هذا الكلام لا مُحصّل (قيمة) له، ولا برهان فيه" (مقدمة ابن خلدون، ص83-84). 
   ففي منتصف القرن العاشر، نقرأ في كتابات ابن المقفع القبطي (915- 987م)، أسقف مدينة الأشمونين، عن مسلمين ينهبون ويتاجرون بالرقيق، ويبيعون أسراهم في الأسواق المصرية. كما نجد هذا الاتهام أيضًا عند ناصر خُسرو (1004-1088م)، الرحالة والشاعر والفيلسوف الفارسي، الذي كتب أن الأطفال كانوا يُختطفون من منطقة البجا، التي امتدت من جنوب شرق مصر وشرق السودان إلى شمال غرب إريتريا، ويُباعون في مدن وأسواق العالم الإسلامي. وكان المسلمون أيضًا من بين تجار الرقيق. أما الدول الإسلامية التي تأسست على طول النيل الأوسط وبجوار الدول السودانية منذ القرن السادس عشر، فقد استولت على السلطة من أسلافها الوثنيين والمسيحيين، ونظمت غارات على الرقيق عبر الحدود (ص363).
    بالنسبة للناطقين بالعربية في وادي النيل، كانت كلمتا "نوبي" و"سوداني"، وكلاهما يعني "أسود"، مرادفتين لكلمة "عبد". كما كانت بلاد السودان، التي تعني حرفيًا "أرض السود"، تُطلق على المنطقة بأكملها جنوب الصحراء الكبرى (وقد استمدت دولة السودان الحديثة اسمها منها). ومن المفارقات المؤلمة ذات العواقب الوخيمة أن العرب السودانيين في شمال هذه "الأرض السوداء" لا يعتبرون أنفسهم سودًا. فهم يُطلقون هذا الوصف المُهين على مواطنيهم ذوي البشرة الداكنة (من جنوب السودان)، وكذلك على الأفارقة من مناطق أبعد، الذين استعبدوهم لقرون (ص364). 
   شكّل طريق التجارة العريق بين مصر والسودان شريانًا لنظام الرق، حيث كانت مصر وجهة للرقيق، والسودان مصدرهم. عُرف هذا الطريق لدى العرب باسم "درب الأربعين" أي طريق الأربعين يوما. وكان أقصى طريق تجاري رئيسي شرقًا عبر الصحراء الكبرى، بطول 1800 كيلومتر، من كوبي في دارفور إلى أسيوط في صعيد مصر. كان "الطريق" يمر عبر سلسلة من الواحات، لذا لم يكن المسافرون يبعدون عن الماء أكثر من يومين أو ثلاثة. ومثل العبودية نفسها، كان درب الأربعين موجودًا قبل العرب المسلمين بزمن طويل.  فقد استخدمه الفراعنة المصريون، ومهندسو المعابد الفرس، والغزاة المقدونيون، والرومان بُناة الحصون، ولاحقًا استخدمه التجار العثمانيون أيضًا. كان طريقًا للقوافل؛ الجِمال المحملة بأحمال ثقيلة تسير جنبًا إلى جنب مع صفوف من الرقيق، الأفارقة المقيدين بالسلاسل في الغالب، بالإضافة إلى بعض الحيوانات الغريبة "النادرة" المتجهة إلى بلاط الملك. كانوا يتبعون الطريق إلى مصر ويعودون جنوبًا محملين بالمنسوجات والمعادن والماء (ص363).
   تتجلى الغيرية في المغرب، حسب المؤرخ شوقي الهامل، في أن المغاربة ذوي البشرة الفاتحة كانوا يحملون تحيزات عنصرية ضد مواطنيهم ذوي البشرة الداكنة وضد الأفارقة عمومًا. ووفقًا لكثيرين، ما زالوا يحملونها. ويضيف: "لقد تم تهميش السود في المغرب لقرون". ويقول في كتابه الموسوم Black” Morocco" (2014): "وُصِفوا، من بين أمور أخرى، بالعبيد، والحرّاتين (السود المُحرَّرين)، والسودانيين (الأفارقة السود)، والكَنَاوة (الأفارقة السود من غرب أفريقيا)، والصحراويين (من منطقة الصحراء الكبرى)". ويتحدث الهامل عن "ثقافة الصمت" في المغرب، ورَفْض الخوض في نقاش حول العبودية، والمواقف العنصرية، وقضايا النوع الاجتماعي. ويفسر البروفيسور السوداني عبدو البدوي هذه الغيرية بولع العرب بكل ما هو أبيض واحتقارهم للون الأسود (ص89).
 
العبودية المعاصرة
      ففي الفصل الثالث العشر والأخير المعنون "العبودية المعاصرة" (ص 423-441). تطرق الكاتب إلى مؤشر العبودية العالمي لعام 2023، الذي يدّعي تقديم الصورة الأكثر شمولاً؛ يلاحظ أن العمل القسري يحدث بشكل متكرر في الدول العربية؛ (4.8) لكل 1000 نسمة. وتأتي منطقة آسيا والمحيط الهادئ في المرتبة الثانية (3.3)، وأفريقيا في المرتبة الثالثة (2.4). وفيما يتعلق بالعبودية المعاصرة، يُشير التقرير إلى أن العمل القسري يحدث بشكل أكثر تكرارًا في الدول العربية، وفقًا للمعايير نفسها، متقدمةً على أوروبا وآسيا الوسطى (4.4)، ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأمريكا الشمالية والجنوبية (3.5) لكل منهما) بنسبة (5.3) لكل 1000 نسمة. وإذا جمعنا هاتين الفئتين، نجد أن الدول العربية تضم أعلى نسبة من السكان الذين يعيشون في ظل العبودية المعاصرة؛ 10.1  لكل 1000 نسمة، وهي نسبة أعلى بكثير من آسيا والمحيط الهادئ (6.8)، وأوروبا وآسيا الوسطى 6.6، وأفريقيا  (5.2)، والأمريكيتين (5.0).
   وبحسب التقرير نفسه، قُدّر عدد ضحايا العبودية الحديثة في العالم العربي بنحو 1.7 مليون شخص عام 2023. ومن هذا العدد، تُشكّل السعودية (740 ألفًا)، والعراق (221 ألفًا)، واليمن (180 ألفًا)، وسوريا (153 ألفًا)، والإمارات العربية المتحدة (132 ألفًا). وتجدر الإشارة إلى أن العبودية الحديثة مشكلة دولية منتشرة في العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ويُشير مؤشر العبودية العالمي إلى وجود 1.1 مليون شخص في الولايات المتحدة و122 ألفًا في المملكة المتحدة. أما في هولندا، فيُقدّر عدد الأشخاص الذين يعيشون في عبودية حديثة بنحو عشرة آلاف شخص.
  ولا ننسى طبعا، ما تعرضت له اليزيديات في عامي 2014 و2015، من قبل منظمة داعش الإرهابية التي كانت ترحل النساء، وخاصة من الأقلية الدينية اليزيدية، على نطاق واسع وتخضعهن للزواج القسري وبيعهن كسبايا للجنس في الأراضي المحتلة في العراق وسوريا؛ مستندة على آيات قرآنية. وقد فعلت جماعة بوكو حرام الإرهابية، المتمركزة في شمال نيجيريا، الشيء نفسه عندما استعبدت 276 فتاة، أغلبهن مسيحيات، عام 2014، وتعرض العديد منهن للاغتصاب لاحقًا (ص438).
 
أهمية التوثيق لخدمة المعرفة
   ففي الكتاب المذكور أعلاه، الموجه بالأخص للقارئ العام في الغرب، يسعى ماروتسي لشرح تجارة الرقيق أكثر بكثير مما يعرف من خلال الكتب والأفلام؛ ففي تركيا وأفريقيا والشرق الأوسط بشكل خاص، كانت أشكال مختلفة من العبودية جزءا مقبولا من الحياة منذ العصور القديمة (ما قبل الإسلام)، حتى عام 1981، عندما أصبحت موريتانيا آخر دولة تحظر ليس فقط تجارة الرقيق، بل أيضا مؤسسة العبودية.
      يُقدّم الكتاب توليفة رائعة بين التاريخ وروايات معاصرة مباشرة عن هذا الإرث في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك نهب داعش واستمرار العبودية المتوارثة في مالي وموريتانيا والأحداث الأخيرة في السودان. كما يُبيّن الكاتب كيف عانت أفريقيا من الطلب على عمالة الرقيق في القرن التاسع عشر. فقد جابت، آنذاك، تجارة الرقيق سواحل أفريقيا، ونهب التجار المناطق الداخلية بحثًا عن البشر كبضائع.
   وليقدم سردا قابلا للقراءة، واضحا، مفيدا ومثيرا للاهتمام، استخدم الكاتب، لإثراء النص، توثيقا محكما من خلال مجموعة من المصادر، على شكل أرشيفات وتواريخ وسير ذاتية وأشعار ومذكرات رحلات ورسائل وخرائط وصور فوتوغرافية. وتتخلل هذه السجلات المكتوبة مقابلات مع انطباعات حية وشخصية عن أشخاص وأماكن. يسلط الضوء على أصوات المستعبَدين أنفسهم، وتجاربِهم وذكرياتِهم من منظورهم الشخصي. 
   إن ماروتسي، المتحدث بطلاقة للعربية، والمرشح، أيضا، لجائزة بيلي جيفورد للكتابة غير الروائية لعام 2025، قضى جزءا كبيرا من مسيرته المهنية كصحفي ومؤلف، في الدول العربية والإسلامية، يحاول فهم الشرق الأوسط من خلال عدسة تاريخية. ويعود عمله جزئيًا إلى فهمه العميق وحبه للشعوب والأماكن التي يكتب عنها.