تموز/يوليو 18
   
   
مقدمة
   احداث مفصلية برزت على المشهد السياسي والامني عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 في سوريا، وما تبعه من تحديات اساسية في تاريخ سوريا المعاصر، كان أبرزها توقيع الإعلان الدستوري الذي حدّد المرحلة الانتقالية في البلاد بمدة خمس سنوات، وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع في آذار 2025، ادخلت سوريا مرحلة استثنائية في مسار تاريخها الحديث. وقد جاء هذا التحوّل بعد نزاع طويل خلّف خللًا واضحًا في هيكليات الأجهزة الأمنية والعسكرية السابقة. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الأمن الداخلي  كأداة أساسية لفهم طبيعة المرحلة الراهنة، لكونه عملية أساسية لإصلاح المنظومات الأمنية، ولكونه إطارًا شاملًا لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية والأمنية، في ظل واقع هشّ ومفتوح على تهديدات متشابكة.
وتكتسب هذه المقاربة أهميّتها في الحالة السورية من حيث إن التحديات لا تقتصر على إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، بل تتعداها إلى التعامل مع بقايا النظام السابق، وتصاعد نفوذ جماعات مسلّحة محلية وعابرة للحدود، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية التي تتقاطع جميعها في صياغة بيئة أمنية مركّبة، حيث يصبح الأمن الداخلي  في سورية عمليةً معقّدةً، تتجاوز الإجراءات التقنية، لتطرح أسئلة أعمق حول الشرعية، والثقة بين المكوّنات، وإمكانية بناء مؤسسات جامعة قادرة على الصمود في وجه هذه التهديدات.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل واقع الأمن الداخلي في السياق السوري، مع التركيز على خصوصية التحديات التي برزت خلال الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، وتقاطعها مع ظاهرة التهديدات المركبة التي تميّز المشهد الأمني الراهن. 
تمهيد 
مع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، طرأت تغيّرات استثنائية على المشهدَين السياسي والأمني في سوريا، إذ تشكّلت، في أعقاب ذلك، حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير لإدارة المرحلة المؤقتة بعد سقوط النظام. وفي 29 كانون الثاني 2025، انعقد مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية في دمشق، بحضور قادة فصائل المعارضة، حيث أعلن فيه حلّ جميع الفصائل المسلّحة ودمجها في مؤسسات الدولة، وتكليف أحمد الشرع برئاسة المرحلة الانتقالية(1).
وبموازاة ذلك، أصدرت الحكومة الانتقالية إعلانًا دستوريًا انتقاليًا، في آذار 2025، يُحدّد أُطر الإصلاح السياسي والقانوني المطلوب لبناء دولة ما بعد الثورة، ثم شرعت في اتخاذ خطوات تنفيذية لدمج الفصائل المسلحة في وزارة الدفاع، وكان من أبرز هذه الخطوات توقيع “خارطة اتفاقية الدمج”مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في 10 آذار 2025(2).
تندرج هذه الخطوات ضمن جهود الإصلاح الانتقالي للقطاع الأمني في سوريا، وهي تشمل إصلاح القطاع الأمني، إلى جانب نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتقوم هذه الإصلاحات على إعادة بناء الأجهزة الأمنية، ضمن إطار مؤسسي جديد يهدف إلى تفكيك البنية السابقة، وتأسيس أجهزة أكثر مهنية وحيادية. وفي هذا السياق، كان حلّ مجلس الشعب التابع للنظام السابق من بين القرارات التي أُعلنت خلال مؤتمر النصر، في 29 كانون الثاني 2025(3) ، وذلك في إطار تفكيك منظومة الحكم السابقة وهيمنتها الحزبية. وأصدرت إدارة العمليات العسكرية، في الفترة الممتدة بين 9 و12 كانون الأول 2024، عفوًا عامًا، يشمل المجندين في صفوف النظام الذين كانوا يؤدّون الخدمة الإلزامية ولم تتلطخ أيديهم بالدماء(4)، في خطوةٍ هدفت إلى تسهيل عمليات التسريح وإعادة الإدماج، وتجنّب خلق فراغات أمنية مفاجئة. وإلى جانب ذلك، ظهر توجّه نحو نزع سلاح الميليشيات غير الحكومية كافة، تمهيدًا لاحتكار الدولة للقوة الشرعية، وبسط سلطتها على كامل الأراضي السورية.
 
أهمية التشكيلات الجديدة في تحديث الجهاز الامني
وفي سياق ملء الفراغ الأمني الذي أعقب سقوط النظام، سارعت وزارة الداخلية إلى فتح باب الانتساب إلى جهاز الأمن العام خلال فترة لا تتجاوز الأسبوعين، ما أدى إلى تدفق آلاف العناصر الجدد من دون آليات دقيقة للانتماء أو الفرز، الأمر الذي أفرز فجوات في الانسجام والانضباط، بين عناصر التزمت بالقيم المؤسسية وأسهمت في حفظ الاستقرار، وأخرى استغلت موقعها لمصالح خاصة، ساهم في ذلك غياب المعايير الصارمة في تداول زي رجال الأمن العام وشعاراتهم، إذ أصبحت متاحة في الأسواق، إلى جانب إخفاء بعض عناصر قوى الأمن الداخلي وجوههم باللثام، ما صعّب تمييزهم وأتاح لبعض الفئات انتحال شخصياتهم وارتكاب الانتهاكات من قبل بعضهم، الأمر الذي تسبب في تهديد الثقة المجتمعية التي بدأت تتشكل حياله(5).
وفي محاولة لمعالجة هذه الثغرات، اتخذت الحكومة الجديدة جملة من الإجراءات، شملت إقرار مدوّنات سلوك، وإنشاء مركز لتلقّي الشكاوى، وإطلاق تصريحات رسمية تؤكد على محاسبة مرتكبي الانتهاكات، غير أن معالجة المشكلة لا تقتصر على البعد التنظيمي فقط، بل تتطلب أيضاً بناء رمزية بصرية جديدة لعناصر قوى الأمن الداخلي في سوريا، تستند إلى توصيات ودروس مستخلصة من تجارب ودراسات دولية.
شرعية الاجهزة الامنية وصورتها الرمزية
تعد الأجهزة الأمنية إحدى الوسائل الرسمية التي يمارس بواسطتها الضبط الاجتماعي من خلال تطبيق القانون والنظام الوضعي في المجتمع، والتي يفترض أن يكون عملها حيادياً وعلى مسافة واحدة من المواطنين دون أي استثناء طائفي أو عرقي أو فئوي أو طبقي.
ولتحقيق هذا الهدف لا بد من توفر ثلاثة شروط:
اولا : ثقة الشعب بالجهاز الأمني، وتشمل هذه الثقة الاعتقاد بنزاهة الشرطة أو الجهاز الأمني، وحرصه على أداء واجباته على أكمل وجه، وعلى حماية المجتمع من الجريمة والعنف.
ثانيا : استعداد المجتمع للانصياع للقانون وسلطة الشرطة، أي شعورهم بالالتزام والمسؤولية لقبول سلطة الشرطة.
ثالثا : الاعتقاد بأن إجراءات الجهاز الأمني مبررة أخلاقيًا وملائمة للظروف، وهذا ما يعرف بمصطلح شرعية الشرطة ، ويعني الاعتقاد بوجوب السماح لها بممارسة سلطتها للحفاظ على النظام الاجتماعي، وإدارة النزاعات، وحل المشكلات في مجتمعاتها.
وعادة، عندما تفتقر الشرطة إلى الشرعية، يقل تعاون الشعب معها، وقد تتصاعد التفاعلات المشحونة بانعدام الثقة إلى صراعات تهدد سلامة الجهاز الأمني والمجتمع، ما يعزز حلقة من العداء ويضعف السلامة العامة، خاصة في مجتمعات الأقليات ذات التاريخ الطويل من التوتر مع أجهزة الأمن.
ونتيجة التحديات التي واجهها جهاز الأمن الداخلي خلال مرحلة إعادة التشكيل، برزت حالات متفرقة  وخروقات امنية أثّرت سلبًا على عملية بناء الثقة بينه وبين المجتمع، ولا سيما في بعض المناطق التي شهدت خللاً أمنياً مثل السويداء والساحل السوري(6) .
الهياكل الجديدة هل تخدم الامن الداخلي
باشرت وزارة الداخلية السورية خطوات تنفيذية نحو اعتماد هيكل تنظيمي جديد يهدف إلى تحديث الجهاز الأمني والشرطي وضبطه إداريًا وميدانيًا، دون المساس بمركزية القرار في دمشق. وقام التوجّه الجديد على تقسيم البلاد إلى خمسة قطاعات جغرافية رئيسية، يشرف على كل منها معاون خاص لوزير الداخلية، مسؤول مباشرة أمامة، ويشمل التقسيم:
المنطقة الشرقية: الحسكة، الرقة، دير الزور
المنطقة الشمالية: حلب، إدلب
المنطقة الساحلية: اللاذقية، طرطوس
المنطقة الوسطى: حمص، حماة
المنطقة الجنوبية: دمشق، درعا، السويداء، القنيطرة
هذة الهيكلية تأتي عقب تنسيق مشترك مع وزارات داخلية (السعودية وقطر وتركيا)  حيث زارت وفود عديدة تلك الدول، للاطلاع على التجارب الأمنية وبحث سبل التعاون بينها(7).
وعملت وزارة الداخلية أيضًا على دمج قيادة الشرطة مع مديريات الأمن العام في هيكل موحد تحت إشراف مشترك بين وزارتي الداخلية والدفاع، مع بقاء الرقابة الكاملة لوزارة الداخلية، وضم الشرطة العسكرية والأمن العسكري إلى هذا الكيان الجديد. وعلى ضوء الواقع الامني المضطرب.. استُحدثت إدارات جديدة، أبرزها:
1 - إدارة ملاحقة الخارجين عن القانون (استجابة لانفلات أمني في الساحل)
2 - إدارة قوات التدخل السريع (وحدة خاصة بلباس مميز ومركبات سوداء)
بالإضافة الى ذلك، تتواصل عمليات تحديث للإدارات التقليدية مثل المباحث الجنائية، المرور، مكافحة المخدرات، السجون، الهجرة والجوازات، والتدريب والتأهيل، إلى جانب افتتاح معسكر خاص بحرس الحدود على الحدود اللبنانية.
ولا تزال بعض الأجهزة الأمنية خارج سلطة وزارة الداخلية، أبرزها: الاستخبارات العامة (تتبع للرئاسة، برئاسة حسين السلامة) و مخابرات الأمن القومي (تحت الإشراف الرئاسي) .
 
الازمات الامنية والحسابات الاقليمية 
في الحالة السورية، أصبحت البيئة الأمنية، مثالًا واضحًا على هذا النمط المعقد من التهديدات، حيث لم تعد البلاد تواجه تهديدًا محددًا يمكن التعامل معه بإجراءات تقليدية، بل صارت أمام مزيج من المخاطر التي يصعب فصلها عن بعضها. فبقايا النظام السابق، وشبكات النفوذ الإيراني، وتحركات الجماعات المتطرفة، وتوترات المناطق ذات الخصوصية العرقية والطائفية، والتدخلات الإقليمية، كلها عناصر لا تتحرك بشكل منفرد، بل تتداخل وتتفاعل ضمن سياق هش، سياسيًا وأمنيًا(8). هذا التشابك لا يؤدي فقط إلى تعدّد الجبهات، بل يُنتج واقعًا متغيرًا باستمرار، حيث تتداخل الأزمات المحلية مع الحسابات الإقليمية، ويتحوّل كل خلل أمني في منطقة ما إلى فرصةٍ لتعزيز النفوذ في أخرى. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن هذه التهديدات لا تنشأ بشكل خطي أو متوقع، بل تتغذى من بعضها البعض، ومن ثمَّ يصعب رسم خارطة مستقرة للواقع الأمني، وتكون أي محاولة للاستجابة، بمعزل عن الفهم الشامل لهذا التداخل، عُرضةً للفشل أو القصور.
 
التهديدات الامنية والاحتواء  
لم تعد التهديدات الامنية مجرد انعكاسات عابرة لحالة الفراغ الأمني بعد سقوط النظام، بل تحوّلت إلى بنية مستقرة ومتداخلة، تُنتج واقعًا تهديديًا يتحرك باستمرار على مستويات متعددة: محليًا، وإقليميًا، ودوليًا. وما يزيد هذه البنية تعقيدًا أن عناصرها لا تعمل بشكل منفصل، بل يتغذى بعضها على بعض. فتعقيدات ملف (قسد)، مثلًا، تتشابك مع الضغوط التركية المستمرة، واستمرار نشاط الجماعات المتطرفة مرتبط مباشرة بحالة الانقسام السياسي. وعلى الرغم من أن نفوذ إيران وميليشياتها لم يشهد تمددًا واسعًا بعد سقوط النظام كما كان متوقعًا، إذ اقتصر على تحركات محدودة لشبكات محلية وبعض المجموعات التي عرفت بولائها التقليدي لإيران، ومنها ما يسمى “جبهة المقاومة الإسلامية في سورية”، من دون وجود مؤشرات على إعادة تموضع واضح لميليشيات إيران المحلية والأجنبية التي كانت تنشط سابقًا، فإن الدور الإيراني ما زال يُعدّ عنصرًا من عناصر البنية التهديدية المركّبة، لكنه لا يشكّل فاعلًا مهيمنًا كما كان في مرحلة ما قبل سقوط النظام. وهكذا تصبح التهديدات في سورية حالة مركبة، يصعب تفكيكها أو احتواؤها عبر أدوات تقليدية أو حلول جزئية(9).
وهذا يعني أن التهديد المركب في سورية ليس مجرد مجموع مكوناته، بل هو نتاج التفاعل بينها. وهذا ما يجعل عملية فهمه والتعامل معه تحدّيًا حقيقيًا لا يمكن مواجهته بالأدوات التقليدية، بل يحتاج إلى مقاربات أمنية جديدة تُدرك أن ما تواجهه البلاد هو شبكة من التهديدات، لا مجرد ملفات أمنية معزولة.
وفي ما يلي أبرز هذه التهديدات:
لا نهدف إلى تقديم توصيف تفصيلي لطبيعة هذه التهديدات أو خلفياتها، بل إلى إظهار النمط الزمني لتكرارها واتساعها 
1 - هشاشة المؤسسات الانتقالية 
إن الجهات القائمة على إدارة المرحلة الحالية، ومعظمها جماعات لم تكن في الدولة المركزية من قبل(10)، لم تحظ بوقت كاف لبناء الثقة المتبادلة مع جميع المكونات الاجتماعية والسياسية. ولذلك، فإن سيطرة الحكومة السورية الانتقالية على أجهزة الأمن لا تزال محدودة، إذ لم تكتمل بعد عملية دمج الفصائل المسلحة تحت قيادة موحدة. وفي هذا السياق، شهدت بعض المناطق، مثل السويداء والساحل، صدامات عسكرية بين قوى محلية وقوات الحكومة الانتقالية، ترافقت معها عمليات انتقام وتهميش، أخذ بعضها طابعًا طائفيًا أو مناطقيًا، سواء أكان ذلك من قبل مجموعات محلية أو من قبل قوات تابعة للحكومة الانتقالية. وقد أسهمت هذه الأحداث في تعزيز مناخ الانقسام وإضعاف الثقة المتبادلة، ما قوّض بدوره جهود بناء ترتيبات أمنية انتقالية شاملة ومستقرة(11).
2 - ضيق نطاق الخدمات والموارد الحكومية
 تعاني الحكومة السورية الانتقالية عجزًا ماليًا ونقصًا في الخدمات الأساسية العامة ، نتيجة سنوات النزاع والعقوبات الدولية، ويضعف ذلك من قدرتها على توفير الأمان الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين، وهو عنصر أساسي لبناء الثقة وتعزيز التماسك نحو مفهوم الأمن الإنساني. في ظل هذا الفراغ، تكتسب بعض الفصائل المسلحة نفوذًا متزايدًا وتطرح نفسها كبديل للأمن المحلي. وإذا استمرت الحكومة في الاعتماد على القوة وحدها لفرض قراراتها الأمنية، فقد يتكرس الشعور بالمظلومية، ويستمر اعتماد الجماعات المحلية على آليات الحماية الذاتية، كما حدث في محافظة السويداء، وهو ما يبرز فشلًا جزئيًا لمقاربة الأمن الانتقالي التي ترتكز على الشراكة المجتمعية وبناء مؤسسات جامعة(12) .
3 - تعقيد النزاعات الموازية 
إن وجود تهديدات مركبة يمثل تناقضًا جوهريًا مع النموذج التقليدي للأمن الانتقالي؛ ففي الحالات الأخرى كان يُفترض أن يتوفر حد أدنى من الهدوء النسبي، يسمح بتركيز الجهود على إعادة بناء الأمن الداخلي. أما في الحالة السورية، فإن الموازنة الإقليمية بين إسرائيل وتركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة تفرض تنافسًا مستمرًا داخل الأراضي السورية. حتى في حال نجاح الحكومة السورية الانتقالية في نزع سلاح الميليشيات ودمج القوات، يبقى خطر التدخلات الخارجية، مثل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، والخروقات  الامنية على الحدود اللبنانية  من طرف حزب الله وغيرها(13). وهذا يجعل الآليات التقليدية للأمن الانتقالي غير كافية بمفردها، ويؤكد أن قدرة المؤسسات الناشئة على الاستجابة ما زالت محدودة أمام اتساع التهديدات.
باختصار.. يكشف التفاعل بين الأمن الانتقالي والتهديدات المركبة في سورية عن تناقضات بنيوية عميقة. فعلى الرغم من صياغة خطط سلام وإصلاحات أمنية، تبقى التهديدات الأمنية معقدة ومتشابكة. وإن بعض الإصلاحات الأمنية مثل الاندماج الجزئي لبعض الميليشيات قد تحقّق تقدمًا محدودًا، إلا أن إخضاع كل قوات النظام السابقة للشرعية الجديدة أو وضع آليات فعّالة للمساءلة لا يزال بعيد المنال، بسبب طبيعة المرحلة المعقدة. وهذا يشير إلى أن النظام الانتقالي ما زال مقيدًا بظروف داخلية وخارجية تتجاوز قدرته الحالية، الأمر الذي يستدعي مراجعة دائمة للتكتيكات والموارد الأمنية المتاحة. 
وعلى الرغم من أن سوريا استطاعت تجنب الانزلاق إلى العنف على نطاق واسع إلى حد كبير في الأشهر الأخيرة، تأتي  حوادث وقعت في احياء  دمشق  مؤخرا لتذكرنا بقسوة أن أسس الاستقرار لا تزال هشة في البلاد. في معظم الأحيان تستطيع السلطات احتواء الاضطرابات، ولكن لا تستطيع منعها، ويمكنها الاستجابة بسرعة، ولكن ليس دائما بفعالية. وبهذا المعنى، يبقى الاستقرار متفاوتا، وخطر التصعيد حاضرا باستمرار(14)؛ حيث أدت القدرة المحدودة للشرطة المحلية إلى تقييد الاستجابة بشكل أكبر. كذلك لم يتمكن الضباط من منع المهاجمين من دخول المدينة أو الوقوف في وجه موجة التخريب الأولى. وعلى الرغم من أن التعزيزات نجحت في سد النقص في القوى العاملة، إلا أن تكتيكاتها للسيطرة على الحشود أثبتت عدم نجاعتها. وأدى تفريق الحشود الغاضبة من الشوارع الرئيسة إلى دفع العنف نحو مناطق جانبية، بدلا من إيقافه أو ضمان محاسبة المسؤولين عنه. 
 
معضلة المقاتلين الأجانب 
تشكل معضلة “المقاتلين الأجانب” أحد أعقد الملفات الموروثة من حقبة الحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا في العام 2012 قبل أن يسدل الستار عنها في الثامن من كانون الأول| ديسمبر 2024 بعد نجاح هيئة تحرير الشام التي تضم في صفوفها الآلاف من المقاتلين الأجانب في الإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد.
وتتجاوز هذه المعضلة الجانب الأمني الصرف لتشتبك مع حسابات الشرعية الدولية والاستقرار الداخلي. وتكمن صعوبة تفكيك هذه الكتلة البشرية في طبيعة تكوينها الأيديولوجي والسياسي؛ فهؤلاء “المهاجرون” الذين شكلوا لسنوات عصب القوة الضاربة في تشكيلات مختلفة بينها هيئة تحرير الشام، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع سياسي جديد يسعى لتقديم صبغة “وطنية” سورية خالصة، ما يضعهم في موقف “الفائض عن الحاجة” أو العبء الذي يجب التخلص منه.
ويفرض هذا التحول على الرئيس أحمد الشرع وحكومته السير على حبل مشدود، حيث إن أي محاولة للصدام المباشر مع هذه المجموعات قد تفجر صراعات جانبية دموية في وقت تحتاج فيه السلطة إلى كل ذرة استقرار لتثبيت أركانها، خاصة وأن هذه المجموعات تمتلك خبرات قتالية عالية ولا تملك ما تخسره.
وتزداد حدة هذه المعضلة مع انسداد مسارات العودة لهؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية، حيث ترفض الكثير من الدول استقبالهم أو سحبت منهم جنسياتهم، ما يحولهم إلى “جيوش منسية” داخل الجغرافيا السورية، يخشى أن تتحول إلى جيوب للتمرد أو خلايا نائمة قابلة للاستقطاب من قوى مناوئة للسلطة الجديدة.
وسعت الحكومة السورية إلى إضفاء الطابع الرسمي على وضع عدد من المقاتلين الأجانب ودمج الآلاف منهم في الجيش ‌السوري الجديد. وتولى بعضهم مناصب رفيعة في الدولة، مثل الأردني الذي يقود الحرس الجمهوري المكلف بحماية الرئيس والأسترالي الذي يرأس الصندوق السيادي حديث الإنشاء.
وأفادت وكالات انباء العام الماضي بأن الولايات المتحدة وافقت على خطة سورية لدمج حوالي 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور من الصين والدول المجاورة، في فرقة عسكرية حديثة التأسيس بحجة أن إخضاعهم لسيطرة الدولة أفضل من تركهم خارج المؤسسات الرسمية.
لكن هناك من المقاتلين الأجانب الذين يرفضون الاندماج ضمن مؤسسات رسمية، وهم يحملون مشاريع “جهادية” عابرة للحدود، الأمر الذي يعقد جهود احتوائهم، فضلا عن كون الدولة السورية لا تستطيع استيعاب الجميع منهم.
وتعد الاحداث الاخيرة في ادلب ثاني مواجهة في الشهور القليلة الماضية ‌بين قوات من الحكومة السورية ومسلحين أجانب في إدلب، بعد التوترات التي ارتبطت بمخيم يقوده المقاتل الفرنسي عمر ديابي، ‌المعروف باسم عمر أومسين، بالقرب من الحدود التركية..
ونتيجة لذلك، لم يواجه معظم الجناة أي عواقب جدية. ولم تسهم جهود خفض التصعيد اللاحقة، ولاسيما وعود المسؤولين بالإفراج عن المحتجزين، في تعزيز الأمن بل انطوت على خطر تقويض الردع إلى حد كبير. وفي غياب المساءلة، قد تخفف مثل هذه الاستجابات من حدة التوترات على المدى القصير، إلا أنها تزيد من احتمالية تكرارها(15).
 
الخاتمة والتوصيات
بعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة أمنية مركّبة لم تعرفها من قبل. فبينما أتاح انهيار السلطة السابقة نافذةً انتقالية لتحقيق المصالحة وإعادة البناء، برزت تهديدات داخلية وخارجية متشابكة تعوق عملية الاستقرار. ويتضح أن مفهوم الأمن الداخلي وحده لا يكفي لتفسير الواقع السوري المعقد، بل يجب أن يقترن بمقاربة التهديدات المركّبة التي تشمل تفاعل الإرهاب، وبقايا الميليشيات، وتدخلات القوى الإقليمية، والمتغيرات الاجتماعية كالهجرة والنزوح.
وتتمثل التحديات الأساسية التي تواجه الدولة الناشئة في ضعف المؤسسات، من حيث القدرات المالية والموارد البشرية والتجهيزات، وفي وجود هياكل موازية للسلطة، مثل الميليشيات والجماعات المحلية، إضافة إلى الضغوط الخارجية المتبادلة. وفي ضوء ذلك، يمكن تحديد مجموعة من التوصيات الضرورية:
1 - تعزيز الشرعية والاندماج السياسي: ينبغي للحكومة السورية الانتقالية أن تعتمد عملية تسوية شاملة، تضم جميع المكونات العرقية والطائفية، مع بناء مؤسسات تشريعية منتخبة تضمن قبولًا شعبيًا للتحولات، وتوفّر أساسًا للإصلاح الأمني.
2 - تكثيف إصلاح قطاع الأمن: يتطلب النجاح في المرحلة الانتقالية إعادة هيكلة مؤسسات الأمن والجيش، وفق معايير مهنية، مع إطلاق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. ويجب أن تقتصر القيادة الأمنية على عناصر لم تتورط في انتهاكات حقوقية، وأن تُطبّق آليات مساءلة قضائية عادلة.
3 - مواجهة الجماعات الإرهابية: تظل مواجهة تنظيم (داعش) والتنظيمات المتطرفة أولوية قصوى، ويحتاج ذلك إلى تعاون دولي استخباراتي وعسكري، وتقديم خدمات إنسانية للسكان في المناطق الهشة، للحيلولة دون استغلال حالة الفقر والتهميش في تجنيد عناصر جديدة.
4 - إشراك المجتمع الدولي والإقليمي بحكمة: ينبغي ربط أي دعم دولي بشروط واضحة لاستمرارية الانتقال السياسي، مع دفع القوى الإقليمية الفاعلة إلى تجنّب المواجهات المباشرة داخل سورية، والتزامها بوقف العمليات العسكرية ضد المدنيين.
5 - الإصلاح الاقتصادي والإنساني الموازي: لا يمكن تحقيق الاستقرار من دون تعافٍ اقتصادي تدريجي. ويتطلب ذلك تخفيف العقوبات بشكل مشروط بالتقدّم في الإصلاحات، وتشجيع الاستثمارات في مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى تنظيم عودة اللاجئين تحت إشراف دولي محايد.
في المحصلة.. ما تزال الصورة الذهنية لقوى الأمن الداخلي في سوريا في مرحلة التشكل، إذ إن بناء هذه الصورة عملية تراكمية وبطيئة تتطلّب وقتًا كافيًا وجهدًا مؤسسيًا مستمرًا لإصلاح الممارسات وترسيخ القيم الجديدة. ولا يمكن إحداث تحول حقيقي في هذه الصورة ما لم يمتلك أفراد الجهاز وقياداته إرادة التغيير وقناعة راسخة بضرورته، إلى جانب تحسين العوامل التي تسهم في تكوين هذه الصورة ومعالجة الواقع الذي تنتج عنه.
يرتبط موقف المواطنين من الأجهزة الأمنية واتجاهاتهم نحوها، وكذلك الصورة المتكوّنة في أذهانهم عنها، بمدى عدالة السلطة الحاكمة أو ظلمها في استخدام أجهزة الأمن والشرطة والعسكر، كما يتأثر هذا الموقف أيضًا بحالة الأمن والاستقرار والطمأنينة التي توفرها الدولة. فعندما يشعر المواطن بالأمان على نفسه وممتلكاته، تتعزّز نظرته الإيجابية نحو رجل الأمن، بينما تؤدّي ممارسات القمع أو التسيس إلى تكوين صورة سلبية تُضعف الثقة وتُكرّس الفجوة بين المجتمع ومؤسساته الأمنية.

المصادر 
1-    بشير زين الدين، المعضلة الامنية السورية مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 16ايلول
                  2025https://www.omrandirasat.org /
2-    عبيدة العلي، اعادة تعريف الامن الداخلي في سوريا، موقع الجزيرة -دراسات - 28 - ايار 
             2025https://www.aljazeera.net/blogs/2025/5/28
3-    الولاء مقابل الكفاءة.. معضلة اعادة هيكلة الامن والدفاع في سوريا - المركز السوري لدراسات الامن والدفاع - 17 ايلول - 2025
         https://damascusinstitute.org/researches/
4- Co-operation, Contestation and Complexity in Post-Conflict Security Sector Reform, 8 November 2019, https://shorturl.at/NoOjE
5 -The Compound Security Dilemma: Threats at the Nexus of War and Peace, 16 July 2020, https://shorturl.at/BMLUE
6- عمر حرقوس، الاستخبارات الخليجية تفكك خلايا نائمة –مجلة المجلة السعودية - 21  -ايار -  2026، الرابط:
                           https://shorturl.at/1NK0i

7- Policy Center, Syria’s Post-Conflict Recovery: Challenges and   Prospects for Reconstruction and Stability, 11 April 2025,  
                https://shorturl.at/CtM4g
8-House of Common Library, Syria after Assad: Consequences and interim authorities 2025, 23 July 2025,
               https://shorturl.at/TyjfR
9-  إدارة العمليات العسكرية تعلن انتصار الثورة السورية، الذاكرة السورية، 29 كانون الثاني -
                    2025، https://shorturl.at/USIzK
10 - إدارة العمليات العسكرية تصدر عفوًا عامًا عن المجندين، الذاكرة السورية، 9 كانون الأول -
                          2025، https://shorturl.at/MJpBQ
11- ODI Global, How humanitarians can support Syria’s fragile post-conflict transition, 7 August 2025, https://shorturl.at/CrLlj 
12- MDPI, A Resilience-Augmented Approach to Compound - Threats and Risk Governance: A Systems Perspective on Navigating Complex Crises, 12 February 2025, https://shorturl.at/jFaUz
13- Mikael Weissmann, Future Threat Landscapes: The Impact on Intelligence and Security Services, 2 February 2025, https://tinyurl.com/43mpk8j2
14- رياض الحسن، سوريا في استراتيجية الامن القومي الأمريكي، مركز جسور للدراسات – كانون الثاني – 2026https://jusoor.co/ar/ D9%8A, 
15 - رستم محمود، احوال سوريا تغير المزاج السياسي لسنة العراق، مجلة المجلة السعودية – 18 شباط - 2026 https://www.majalla.com
-----------------------------------------