تموز/يوليو 18
   
   
                                                                                        
                                                                        
 تقديم 
   تعني العبودية، في معناها اللغوي والاجتماعي، خضوع الإنسان لإرادة سيده وامتثالَه لأوامره. وقد عرفت مجتمعات كثيرة في آسيا وأفريقيا والأميركيتين أشكالًا متعددة منها. ومن أبرز نماذجها الكلاسيكية ما شهدته روما وأثينا، حيث مثّلت العبودية نمطًا من علاقات الإنتاج في البنية الاجتماعية   الاقتصادية القائمة عليها، وانقسم المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين: السادة الأحرار والعبيد الذين عُدّوا ملكيةً منقولة للسيد. واتسمت العبودية القهرية بطابع وراثي؛ إذ كان العبيد يُباعون ويُشترون في أسواق النخاسة، ولا ينالون حريتهم غالبًا إلا بالموت، وهو ما يميزها عن السخرة. وفي تلك المجتمعات شكّل العبيد القوة الأساسية المنتجة للثروة، وعملوا على نطاق واسع في الزراعة والتعدين والحرف والخدمة المنزلية. ومع ذلك، اختلف انتشار العبودية من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر. ومنذ ظهورها في الشرق القديم، تعددت صورها؛ فقد يفقد الإنسان حريته عبر نظم مثل القنانة في المجتمعات الإقطاعية، أو بسبب الدين، أو كعقوبة، أو من خلال الخدمة في المعابد الدينية(1)
تجلّت أبشع صور العبودية القهرية وأكثرها انحطاطًا في ممارسات الاستعمار الأميركي والأوروبي منذ القرن السادس عشر، حين اختُطف ملايين الأفارقة من سواحل أفريقيا ونُقلوا بحرًا إلى المستعمرات في ظروف بالغة القسوة، ليُستغلوا في المزارع أو خدمًا في بيوت الأرستقراطية، في ظل عنف جسدي ونفسي شديد الوحشية(2)
ومع ذلك، استمرت العبودية مفهومًا وممارسةً حتى حُظرت في أميركا وأوروبا خلال القرن التاسع عشر، بينما استمرت تجارة الرقيق في البلدان الإسلامية حتى مطلع القرن العشرين(3)
أما العبودية الطوعية، بوصفها مصطلحًا قانونيًا، فتعني دخول الفرد طوعًا في حالة من العبودية وفق شروط محددة. وقد عُرفت هذه الممارسة في عدد من الحضارات القديمة؛ ففي شريعة حمورابي (1754–1750 ق.م) في بلاد الرافدين، كان يجوز للفرد أن يسترق نفسه لتسديد دين، أو لتحسين الوضع الاقتصادي لأسرته لمدة ثلاث سنوات، أو عقوبةً في بعض الحالات، مثل إهمال مزارع صيانة قناته الإروائية بما يفضي إلى فيضان يتلف محاصيل مجاورة، فيُلزم بتعويض أصحابها من خلال عبوديته. كما وثّقت الألواح الطينية وبعض المراسلات الملكية في بلدان الشرق الأدنى القديم عقودًا يخضع فيها أفراد للعبودية مدةً محددة، وكانت تتضمن عادةً اسم شاهد حيّ على الاتفاق بين الطرفين، وكان هؤلاء يُعرَّفون بقَصّةٍ خاصة لشعر الرأس(4)
 
إتيان لابويسي والعبودية الطوعية 
غير أن مفهوم العبودية الطوعية، كما صاغه إتيان دو لابويسي (1530–1563)، يختلف عن معناه القانوني؛ إذ يندرج في المجال الاجتماعي النفسي. وقد عرضه في رسالة كتبها في القرن السادس عشر، حين كانت فرنسا تخضع لنظام ملكي مستبد يستند إلى فكرة الحق الإلهي ويحظى بدعم الكنيسة، فيما كانت الطبقات الحاكمة تنعم بترف بالغ. وفي المقابل، كان الشعب الفرنسي يعاني الفقر والجهل والجوع وانتشار الأمراض، فضلًا عن الاعتقالات والسجون والتعذيب والزج بالشباب في الحروب الإقليمية والطائفية. وفي تلك المرحلة بدأت ملامح النهضة الفكرية الأوروبية، التي عُرفت لاحقًا بعصر التنوير، بالظهور، وكان لابويسي من أوائل ممثليها بنزعته الإنسانية. وقد قامت هذه الحركة على ترسيخ سيادة العقل والعلوم التجريبية بوصفهما مصدرين للمعرفة، إلى جانب تعزيز قيم الحرية والمساواة والتسامح الديني والعلمانية. ومن رحمها تبلورت الرؤى العقلانية والوضعية التي مهّدت لقيام الدولة الحديثة. وقد رأى الفيلسوف الألماني كانط (1724–1804) أن التنوير هو انتقال الإنسان من حالة القصور العقلي، المتمثلة في التبعية وضعف القدرة على اتخاذ القرار والطاعة العمياء للقادة ورجال الدين، إلى مرحلة النضج وبلوغ الرشد، حيث تتجلى الاستقلالية الفكرية وروح النقد عبر التحليل والنقاش والشك والجدل، تحررًا من قيود الميتافيزيقا واللاهوت وتقديس النصوص(5)
وخلال حياة لابويسي، عرفت فرنسا صراعات سياسية ودينية حادة، كان أبرزها النزاع بين الكاثوليك والهيجونوت (البروتستانت الفرنسيين). إلا أن جوهر هذه الصراعات كان سياسيًا؛ إذ وظّفتها السلطة الملكية لإثارة الفتنة الداخلية وصرف الأنظار عن هزائمها الخارجية وممارساتها القمعية. وفي الوقت نفسه، كانت إرهاصات النهضة تتبلور في فرنسا بوصفها حركة فكرية وثقافية ازدهرت فيها الآداب والفلسفة والسياسة والفنون والعلوم، ومهّدت لأن تصبح فرنسا، بعد قرنين، أحد مراكز النهضة الأوروبية.
وفي خضم هذه الظروف، نشأ لابويسي، المنحدر من أسرة أرستقراطية ميسورة، يتيمًا، وبرز طالبًا متفوقًا في دراسة القانون بجامعة أورليان. وقد تخرّج فيها عام 1553 بامتياز، وكان أصغر من كثير من أقرانه، مما أهّله للحصول على ترخيص ملكي للعمل قاضيًا في مجلس قضاء بوردو. وهناك توثقت صداقته بميشيل إيكيم دي مونتين (1533-1592)، الذي نشر أعماله بعد وفاته المبكرة وهو في الثلاثين من عمره(6)
وبنزعاته الإنسانية واهتماماته الفلسفية، عمل لابويسي على ترسيخ قيم التسامح والحوار، مؤكدًا حق طرفي الصراع الديني في امتلاك كنائسهم وأديارهم وممارسة شعائرهم. غير أن مسعاه إلى جمع الطرفين أخفق، وحذّر من أن استمرار العنف لن يؤدي إلا إلى تعميق العداء ودفع فرنسا إلى حرب أهلية دينية.
وعلى الرغم من حداثة سنّ لابويسي حين كتب رسالته في العبودية الطوعية، بين السادسة عشرة والثامنة عشرة تقريبًا، فقد شخّص فيها ظاهرة خضوع الفرد طوعًا للحاكم المستبد، الذي لا يختلف عنه في الأصل إلا بانتمائه إلى السلالة الحاكمة، وتنازله عن حريته مفضّلًا العبودية على رفض الإذعان والانخراط في التمرد والعصيان دفاعًا عن الحرية. ومن هنا عُدّ لابويسي من أوائل الداعين إلى العصيان المدني والمقاومة اللاعنفية.
وحاول لابويسي في رسالته تحليل ثنائية الاستبداد والإذعان من منظور اجتماعي نفسي. فالملك يحكم، وفق هذا التصور، بتفويض إلهي يُفترض معه خضوع الرعية وطاعتها، فينقسم المجتمع إلى حاكم مستبد ومحكومين يسهمون، بسلوكهم، في إنتاج الاستبداد ذاته. وفي هذا السياق، تُوظَّف الخرافات والطقوس والرموز والسرديات الدينية أدواتٍ للهيمنة والسيطرة النفسية المقبولة اجتماعيًا. وهكذا ينشأ العبد الطوعي بوصفه نتاجًا لمسار طويل من الاضطهاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حتى تغدو العبودية عادةً وثقافةً ووعيًا مهيمنًا تتناقله الأجيال. وفي ظل هذا الواقع، يتكيّف الفرد مع القهر والإقصاء، وينكمش إلى عالمه الخاص المحدود باهتماماته الأساسية، مثل القوت اليومي والأسرة والطمأنينة الروحية عبر الطقوس والدعاء والتأمل، منتظرًا منقذًا متوهَّمًا يخلّصه من الذنب والإثم، من غير صلة حقيقية بالعدالة أو الأخلاق. وهكذا قد يغدو مؤمنًا بعمق بالسرديات الروحية والدينية، لكنه في الوقت نفسه يسرق ويكذب، ويتغاضى عن ممارسات المستبد اللاأخلاقية والعنيفة ضد المواطنين، بل يدعو إلى العزوف عن السياسة وعدم الانخراط في أي نشاط يهدف إلى تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي. وهو يخشى مواجهة السلطة، ويتجنب المشاركة السياسية تحت وطأة الخوف والتردد، في مناخ من التضليل تهيمن فيه السلطة على نظم المعلومات، فتنشر ما يخدم مصالحها وتحجب ما يخالفها، بقصد تضليل الوعي وتجهيل العقل. كما تستخدم وسائل متعددة لإشاعة ثقافة الخرافة والأساطير المكسوّة بغطاء روحي، حتى يتحول الحكام إلى رموز مقدسة يُطلب الانصياع الأعمى لها.
وفي هذا السياق، يرى لابويسي أن طريق الخلاص واستعادة الحرية يبدأ ببناء أساس فكري إنساني تنويري يناهض تشكّل ظاهرة المستبد، ويكشف دور المجتمعات في إنتاجها نتيجة جهل المواطنين بذواتهم وواقعهم، وبفعل التعود والاستكانة. ويقارن لابويسي بين النفس المستكينة التي تقبل بالدونية، والذات الواعية بواقعها والرافضة للعبودية من خلال ممارسة الحرية؛ إذ يرى أن الطاغية لا يستعبد المجتمع إلا بالقرارات التي يوافق الناس عليها طوعًا، وباستعدادهم لخدمته بإرادتهم.
ويُعرب لابويسي عن دهشته من أن الناس يمنحون الطاغية هذه القوة، بما فيها القدرة على إيذائهم، ثم يقبلون تبريراته كلها، بل يحوّلونه إلى رمز مقدّس، ويتغنّون بفضائله، ويدافعون عنه دفاعًا أعمى، ويزكّون ممارساته القمعية، بل ويتصدّون لمعارضيه. ويستنتج أن العنف والقتل لا يحرران العبد الطوعي، لأن خضوعه نابع من ذاته وبقراره؛ فالحرية لا تُستعاد إلا بالعودة إلى الطبيعة البشرية الأصيلة التي تجعل من الفرد فاعلًا ومؤثرًا سياسيًا في عالمه الاجتماعي.
ويشخّص لابويسي ثلاث طرائق لوصول الطغاة إلى السلطة: أولها التوارث، حيث يتعامل الحاكم مع السلطة بوصفها قدرًا وحقًا خاصًا به، ويرى رعاياه مجرد قطيع خاضع. وثانيها الاستيلاء عليها بالسلاح والاحتلال، فيتصرف الطاغية كأنه غازٍ لأرض غريبة، ويعامل الناس كسجناء. أما ثالثها فهو الوصول عبر الانتخابات، إذ قد يتحول الحاكم إلى متغطرس يرى نفسه فوق الجميع، ويستبد به شعور بالعظمة، فيرفض التخلي عن كرسي الحكم الذي منحه له الشعب، ويفضل توريثه لأبنائه وأقاربه، بينما ينظر إلى شعبه باحتقار، بوصفهم مغفلين وجهلة.
ويؤدي تحوّل القائد السياسي الفائز، تحت تأثير نشوة الانتصار، إلى مستبدّ جديد؛ فتغدو الديمقراطية مجرد آلية انتخابية قد تعزّز العبودية الطوعية. وبذلك يشيع الوهم الذي يصنعه الحاكم المنتخب، مدعومًا بأجهزته الإعلامية وحاشيته، بأن الفرد يملك قرارًا ذا مصداقية ويشارك في تحديد ما يجري في البلد، بينما لا تعدو العملية في الواقع أن تكون احتواءً واسعًا للجماهير عبر تجريدهم من القوة، وإشاعة الإذلال والإذعان لهيمنة المال السياسي والسلطة وأذرعها الإعلامية أو المسلحة. ومهما اختلفت أشكال الطغاة وطرائق وصولهم إلى الحكم، فإن العامل المشترك بينهم يظلّ ترسيخ ثقافة العبودية الطوعية وتعميمها، والتضييق على قيم الحرية وحق الاختيار والمساواة، والسعي إلى محوها من عقول رعاياهم وذاكرتهم.
ويُبدي لابويسي استياءه من شيوع العبودية الطوعية واستسلام الناس للخرافات والأوهام، في وقتٍ يسلبهم فيه الحكّام كل ما هو جميل ونقي في حياتهم. وفي المقابل، يرسم للشعب الفرنسي طريق التحرر من المستبد، بدءًا بتقويض الوهم الذي تستند إليه سلطته؛ فالشعب الذي أقامه قادرٌ كذلك على إسقاطه متى أعلن إرادته في الحرية، وانتقل من الخضوع إلى العصيان، وكفّ عن دعمه. وعندئذ ينهار الحكم سريعًا كتمثال من طين، لأن الحرية في متناول الجميع. فالحيوان لا يتخلى عن حريته إلا بعد صراع عنيف، أما الإنسان فقد يفرّط فيها بفعل التعود أو الحاجة أو الخوف أو غياب الوعي. وهذه عدوى تنتقل من حاشية المستبد إلى سائر المجتمع، فتشكّل له جيشًا من المتزلفين والطامعين والعبيد، بفعل الجهل والتربية على الطاعة، لأنهم لم يذوقوا طعم الحرية ولم يدركوا حجم ما فقدوه. ومن دون أن يشعروا، يغدو عدوهم الحقيقي ليس قوةً خارجية، بل بنيةً اجتماعية يصنعها المستبد عبر شبكة من الأتباع والبيروقراطيين، يزيّنون للناس عبوديتهم بالهبات والهدايا والأوسمة، أو يخدعونهم بغطاء الدين واللاهوت، حتى تُنسج حوله معجزات وأكاذيب ليست سوى ثمرة خيال العبيد الطوعيين(7)
بعد هذا العرض الموجز لفكرة العبودية الطوعية، كما صاغها لابويسي قبل خمسة قرون، يبرز شعور بأن هذا التوصيف ما يزال حاضرًا في واقعنا العربي والعراقي. وهو أيضًا المشهد نفسه الذي حاول عدد من فلاسفة ومفكري القرون اللاحقة في أوروبا مقاربته من زوايا مختلفة.
غير أن ما عُدَّ حقائقَ مطلقة في أوروبا القرن السادس عشر تهاوى مع صعود ثقافات التمرد و الآثار العميقة التي خلّفتها الثورة الفرنسية 1789. وقد كان  للشك الديكارتي دورا في تقويض  المسلّمات الموروثة وفتح المجال أمام نقدٍ حادّ للسرديات التقليدية، فتكاملت ملامح ثقافة عصر التنوير وبدأت معالم الحداثة تتضح تدريجيًا. وفي هذا السياق برزت رموز فكرية كبرى، مثل فولتير (1694-1778) وجان جاك روسو (1712- 1778)، وأصبحت باريس عاصمةً للثقافة والتنوير في أوروبا، تنافس بريطانيا، ولا سيما في الفكر السياسي والأدب. وفي هولندا برز أيضًا باروخ سبينوزا (1632-1677)، الذي تأثر بالديكارتية ونظر فلسفيًا إلى الجسد والعقل بوصفهما جوهرين منفصلين(8)
وظهرت الليبرالية في إنكلترا بوصفها فلسفةً سياسية تؤكد قيم الحرية والمساواة وحق التملك، وترفض شرعية تنصيب الملوك استنادًا إلى الحق الإلهي، داعيةً إلى انتخاب الحكّام بدل توارث السلطة. ويُعدّ جون لوك (1632–1704) أبرز مؤسسيها في القرن السابع عشر، مع مفارقة لافتة تتمثل في أنه كان من كبار المتاجرين بالعبيد في بريطانيا، مع أنه يُنظر إليه بوصفه مؤسس المذهب الليبرالي وأحد أعمدة الفلسفة السياسية الحديثة. ومع أن المدرسة الليبرالية لم تتناول ظاهرة العبودية الطوعية صراحةً، فإنها طرحت النظام الديمقراطي بوصفه وسيلةً للحد من الطغيان والاستبداد، وضمان ممارسة الفرد لحريته عبر التداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وفي المقابل، عارضها المفكر الإنكليزي توماس هوبز (1588–1679)، المعروف بدفاعه عن الملكية المطلقة، مع إقراره في الوقت نفسه ببعض أسس الفكر الليبرالي، مثل الحرية والمساواة. وخلاصة رأيه، كما عرضها في كتابه الشهير الليفاثان، أن أمن المجتمع مرهون بوجود حاكم ذي سلطة مطلقة يضع حدًا للصراعات السياسية والمذهبية. ومن الواضح أن فلسفة هوبز تناقض أطروحات لابويسي بشأن أولوية حرية المواطن وحقه في تقرير مصيره في مواجهة واقع القوة والهيمنة الذي يفرضه الاستبداد؛ إذ إن حماية الحرية، في منظور لابويسي، لا تكون من المستبدين وحدهم، بل أيضًا من الإغراءات الداخلية التي تدفع الفرد إلى التخلي عنها(9)
   ويرى الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه (1844–1900) في كتابه ولادة المأساة أن الإنسان يلجأ إلى وسائل متعددة لتخفيف قلق الوجود، من أبرزها الدين، الذي يمنحه تفسيرًا زائفًا لواقعه، كأن كل شيء مرسوم سلفًا، فيعفيه من تحمّل تبعات أفعاله. كما توفّر له الطقوس والشعائر والأدعية والتعاويذ العزاء والطمأنينة والأمل والإحساس بالنظام في حياة تتسم بالفوضى واللامبالاة. أما الفلسفة، فيراها نيتشه سبيلًا إلى تحليل العالم وتأمل الذات وتقويمهما، بما يمنح الإنسان فهمًا أعمق لدوره ومكانه في العالم(10)

  القرن التاسع عشر وولادة التحولات الفكرية والمعرفية   
  كان لا بد أن يتغير المشهد السياسي والاجتماعي الأوروبي مع تحولات القرن التاسع عشر، إذ شهدت أوروبا تبدلات عميقة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أنهت النظم الإقطاعية السائدة. بينما واصلت الليبرالية حضورها بوصفها فلسفةً للنظام السياسي في بعض الدول التي سلكت طريق الانتخابات، لكنها واجهت مدرستين فكريتين برزتا مع تصاعد دور الطبقة العاملة واتساع النشاط الجماهيري، من اعتصامات وإضرابات وعصيان مدني، هما الماركسية والفوضوية. وقد تناولت كلتاهما مفهوم العبودية الطوعية، لكن من منظور مختلف تمامًا.
تميّزت الماركسية عن سائر المدارس الفكرية باعتمادها المنهج المادي الجدلي النقدي، الذي مثّل ماركس وانجلز أبرز رموزه، في تفسير تطور المجتمعات وحركة التاريخ. وترى أن الرأسمالية، بوصفها تشكيلةً اجتماعية اقتصادية، تقوم على بنية طبقية خاصة، وأن تناقضاتها الداخلية ستقود تاريخيًا إلى ثورات اشتراكية تمثل مرحلةً من مراحل التطور التاريخي(11)
لم تتناول الماركسية مفهوم العبودية الطوعية بالمعنى الذي طرحه لابويسي، بل ركزت على أثر الانتماء الطبقي في تشكيل موقف الفرد ووعيه تجاه السلطة؛ فالطبقة العاملة والفئات الكادحة تميل، بحكم موقعها الموضوعي، إلى رفض هيمنة البرجوازية والتمرد عليها، بينما تتأرجح الفئات الوسطى بين المهادنة والتمرد تبعًا لظروفها ومصالحها، فتقع أحيانًا في فخ العبودية الطوعية.
ومن المنظور الماركسي، يتسم النظام الرأسمالي على الصعيد النفسي الاجتماعي بثلاث ظواهر رئيسة: الاغتراب، والصنمية، والتشيؤ. فالاغتراب يعني انفصال الإنسان عن نتاج عمله بسبب الطابع الاستغلالي لعلاقات الإنتاج؛ إذ يتحول ما ينتجه العامل إلى سلع لا يملكها ولا يسيطر عليها، ويُحرم في الوقت نفسه من ثمرة جهده ومن الشروط الكفيلة بتحقيق سعادته ورفاهه ورفاه أسرته، فلا يعود مالكًا فعليًا لطاقته أو لما ينتجه. أما الصنمية، فتعني تحوّل المال والبضائع إلى قوى تتحكم في رغبات الفرد، وتدفعه إلى السعي لاكتنازها طلبًا للذة وتعويضًا عن حاجة نفسية داخلية. وأما التشيؤ، فيقصد به فقدان العلاقات التي تنشأ أثناء عملية الإنتاج طابعها الإنساني، لتغدو مجرد أشياء، ويعيش الفرد عندئذ في عالم تتمركز أحلامه فيه حول الأشياء والمنافع والمصالح(12). أما سبيل عودة الإنسان إلى طبيعته، فيكمن في النضال من أجل إقامة مجتمع قائم على العدالة والمساواة، يُلغي الفوارق الطبقية، ويحقق العدالة الاجتماعية، ويؤسس لنمط اشتراكي في الإنتاج.
في التحليل الماركسي، تُفهم العبودية الطوعية بوصفها مظهرًا من مظاهر الخضوع والاستكانة في المجتمعات الطبقية، ناتجًا عن ضعف الوعي الطبقي على المستويين الفردي والجمعي. وترى الماركسية أن الوجود مادي في جوهره، ويتجلى في صور متعددة، منها وجود الفرد موضوعًا لعلم النفس، والوجود الاجتماعي موضوعًا للعلوم الاجتماعية والتاريخية. ومن هنا تبرز فكرة الانعكاس، أي التفاعل المتبادل بين وعي الإنسان والعالم الخارجي، وبين الإدراك والنشاط العصبي للدماغ؛ فالإنسان يتكيّف مع العالم المادي ويؤثر فيه في آنٍ واحد، ويظهر ذلك في أفكاره وسلوكه وممارسته. والممارسة، هنا، هي النشاط المادي للإنسان في العمل والحياة الاجتماعية، وهي عنصر حاسم في تطوره وفي اختبار المعرفة بمدى مطابقتها لقوانين الواقع الموضوعي. أما الإدراك، بما يضمّه من إحساسات وتصورات وأفكار، فهو انعكاس للواقع المادي، وتتعاظم أهميته حين يسهم في فهم العالم وتغييره، سواء عبر العلوم الطبيعية أو عبر الصراع الطبقي. وذهب لينين أبعد من ماركس، فرأى أن الوعي الطبقي، وإن ارتبط بالبنية الاقتصادية، لا ينشأ عفويًا، بل يتكوّن عبر التنظيم والنشاط الثوري. فالتشيؤ والصنمية والاغتراب آليات لإنتاج الطاعة، ولا تُكسر إلا بالممارسة الثورية التي يقودها تنظيم من طراز خاص. فالناس لا يثورون لأنهم يدركون علاقات الاستغلال فحسب، بل لأن السوق والدولة تبدوان في وعيهم قوتين جبارتين لا يمكن تغييرهُما إلا بنضال متعدد الأشكال يقوده حزب قادر على كشف هذه الآليات وتفكيكها. ومن هنا يغدو الحزب الطليعي، عند لينين، أداة لإزالة التشيؤ وردّ العلاقات الاجتماعية إلى حقيقتها، فتتحول الطبقة العاملة من موضوع إلى فاعل. وفي كتابه ما العمل؟ يؤكد لينين حق الإنسان في أن يحلم ويعمل من أجل حياة أفضل عبر المشاركة الفعلية في النضال الثوري، والانخراط في العمل الفكري والسياسي والدعائي والتحريضي لتعميق التنظيم والوعي الطبقي بالاستغلال والعبودية وضرورة الثورة لتغيير البنية الاقتصادية الاجتماعية. وهذا الوعي هو ما ينقل الثورة من العفوية إلى التنظيم، ويوقظ الجماهير من سباتها، أو من حال العبودية الطوعية، لأن الجماهير هي التي تصنع التاريخ أساسًا(13)
أما الفوضوية، فقد نهضت على النقيض من الماركسية، واستثمرت أفكار لابويسي للدعوة إلى إلغاء الدولة بوصفه هدفًا محوريًا في مشروعها التغييري. ويُعدّ ماكس شتيرنر (1806–1856) من أبرز ممثليها؛ وهو فيلسوف ألماني رفض الماركسية والمسيحية والرأسمالية والإنسانية والليبرالية وحق الملكية، لأنها جميعًا، في نظره، تفرض على الفرد سلطاتٍ تعلو عليه. كما انتقد الشيوعية لأنها تنقل الملكية إلى مجتمعٍ متخيَّل لا وجود له في الواقع، ورأى أن الفلسفات الإنسانية تسعى إلى إقامة دين جديد يحلّ فيه البشر محل الله. ويذهب شتيرنر إلى أن الذات الإنسانية منقسمة بين ذاتها الحقيقية وذاتٍ مثالية خارجية تتجسد في شبحٍ أخلاقي أو عقلاني يقيس الفرد نفسه عليه ويخضع له. ولهذا التصور أثر سياسي واضح؛ إذ يغدو الفرد خاضعًا للدولة ومنقادًا لها. وهنا يقترب من لابويسي حين يرى أن هذا التجريد للذات لا يقوم إلا لأننا سمحنا له بالوجود وتنازلنا له عن سلطاننا على أنفسنا. فسلطة الدولة، في هذا المنظور، تستمد قوتها من خضوع الأفراد لها، لأنهم لا يدركون قدرتهم الخاصة، بل ينحنون أمام سلطة خارجية تُشبع بعض احتياجاتهم النفسية مقابل قبولهم العبودية الطوعية. ولا يتحقق التحرر منها، في رأيه، إلا بتحرير الذات ورفض الهويات الاجتماعية المقيِّدة للحرية، وبناء فضاء عقلي داخلي راديكالي لا يطلب الكمال، بل المتعة. وهذا التحرر لا يأتي عبر ثورة تغيّر المجتمع من الخارج، بل عبر عصيان يحرر الذات ويمكّن الفرد، بحيث يغدو العيش بلا دولة ولا قانون شرطًا لممارسة الحرية والاستقلال الذاتي(14)

  العبودية الطوعية والتحليل النفسي 
ويُعَدّ ميشال فوكو (1926–1984) من أبرز مفكري القرن العشرين، وقد ارتبط اسمه بما بعد الحداثة والبنيوية وبمقاربته الخاصة لتحليل السلطة والذات. وتناولت أعماله موضوعات مثل تاريخ الجنون والجنس وأركيولوجيا المعرفة، وقدّم فيها نقدًا حادًا لمؤسسات المجتمع والدولة وآليات السلطة. كما انشغل بتحليل الهيمنة والسيطرة وأشكال السلطة، ولا سيما السيادية والتأديبية، وبكيفية توظيف المعرفة لفهم هذه الآليات ومقاومتها، مع تصور بدائل مجتمعية ممكنة. وفي سياق تطوره الفكري، استعان بمفاهيم مثل السيطرة والإخضاع، وأكد ضرورة مقاومة هذه الآليات، مع تشديده على أن الفرد نفسه نتاجٌ لهيمنة السلطة. وفي أعماله أخضع الدولة لتحليلٍ ميكرو سياسي دقيق، ورأى أن الخلاص يكمن في التحرر من هيمنة السلطة وآليات ضبط الأفراد ومراقبتهم، وهي آليات تعتمد في المجتمع العقابي القسري على الثواب والعقاب والتهديد لتوجيه السلوك وحشد الجهد نحو الإنتاج، بما يضمن تدفق الأرباح في المجتمع الرأسمالي. وهذه، في نظره، سمةٌ من سمات الخضوع للنظم السلطوية التي تستخدم الإقصاء والمنع أدواتٍ لترسيخ هيمنتها(15)
وفي القرن العشرين ظهر تيار فكري ارتبط بمعهد الدراسات الاجتماعية في فرانكفورت، جمع بين التحليل النفسي وبعض موضوعات الفلسفة الماركسية، مع رفضٍ للتفسير المادي للتاريخ. وقد لامست أفكار هذا التيار بعض جوانب العبودية الطوعية بصيغتها الحديثة. ومن أبرز ممثليه فيلهلم رايش (1897–1957)، الذي فسّر خضوع الجماهير للفاشية بوصفه تعبيرًا عن رغبة لاشعورية في الامتثال لسلطة أعلى. ومن هنا صاغ سؤاله الدال: إذا كان الجائع قد يسرق، فلماذا تخضع أغلبية الناس لأقلية تعمل ضد مصالحها؟
وفي طرحٍ آخر، يقدّم ثيودور أدورنو (1903–1969) قراءةً تتقاطع في بنيتها التحليلية مع ما عرضه لابويسي في العبودية الطوعية، وإن لم يذكره بالاسم أو يتناوله مباشرةً. فخضوع الناس للطغيان، في نظره، لا ينفصل عن مشاركتهم في إنتاجه وإعادة إنتاج الهيمنة داخل المجتمع الرأسمالي، لأن وعيهم يتشكل عبر آليات الثقافة والصناعة والإعلام. ومن ثمّ لا تعود الطاعة مجرد عادة اجتماعية، بل تصبح نتيجةً للصناعة الثقافية. وفي أعماله المشتركة مع ماكس هوركهايمر (1895–1973)، ولا سيما جدل التنوير الصادر عام 1947، يبيّن أدورنو كيف تسهم السينما والموسيقى الشعبية والإعلانات والتلفزيون والترفيه في تشكيل الوعي، بحيث يغدو الفرد مطيعًا ومستهلكًا وعاجزًا عن التفكير النقدي. ويغدو التشيؤ، في هذا السياق، صورةً حديثة من العبودية الطوعية؛ إذ يرى الفرد العالم أشياءً ثابتة لا علاقات قابلة للتغيير، فيتقبل النظام القائم، وينظر إلى السوق بوصفه قانونًا طبيعيًا، وإلى الاستهلاك باعتباره حرية، وإلى الهيمنة كواقع لا يمكن تغييره. وعلى خلاف لابويسي، الذي ركّز على الطاعة السياسية، رأى أدورنو أن الطاعة تتجذر في بنية العقل نفسه عبر ما سماه «العقل الأداتي»، أي نمط التفكير الذي لا ينشغل بالحقيقة أو القيم أو المعنى، بل بالوسائل والنتائج وحدها. وهكذا تتحول الحداثة، في نظره، من مشروع للتحرر إلى أداة للهيمنة، ويغدو الإنسان مشاركًا في إنتاج العبودية الطوعية الحديثة(16)
وقد واصل بعض مفكري هذا التيار تعميق فهم الرابطة النفسية بين الفرد والسلطة، ومنهم هربرت ما ركوزه (1898-1979)، الذي يرى أن الرغبة في التحرر والانعتاق تصطدم بنزعات استبدادية كامنة وممارسات سلطوية تمارسها المؤسسات، فضلًا عن غموض الرغبات الإنسانية والسلوكيات غير العقلانية، وما يصاحبها من دوافع عدوانية ورغبات لاشعورية في السلطة والهيمنة، وهي كلها عوامل تحدّ من ممارسة الفرد لحريته.
وطوّر مفكرو هذا التيار مفهوم «الشخصية التسلطية» لتفسير انخراط أعداد كبيرة من الألمان، على اختلاف أعمارهم، في الحزب النازي. وتتسم هذه الشخصية بثلاث سمات رئيسة: طاعة مفرطة للقيم والمعتقدات التي تفرضها السلطة، وسلوك صارم وقمعي تجاه المرؤوسين، وعداء للأقليات التي تصوّرها السلطة أهدافًا مشروعة للعنف. ويرى إريك فروم (1900–1980) أن هذه السمات رافقت صعود الفاشية في ثلاثينيات القرن العشرين، واقترنت بمعاداة السامية والعداء للديمقراطية. ويعزو التحليل النفسي ذلك إلى صراع داخلي بين «أنا أعلى» صارمة تجسد الطاعة العمياء للتقاليد والسلطة، و«أنا» ضعيفة تعاني هشاشة في الإحساس بالأمن الداخلي وتتجنب الانفعالات الحادة. ومن ثم تغدو طاعة الاستبداد آلية دفاعية تُنتج أحكامًا نمطية قاسية، وعداءً للأقليات، وميلًا إلى الخرافة، ومقاومةً للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ويُفسَّر ذلك أيضًا بأن النفس الإنسانية تحمل، وفق التحليل النفسي، نزعات عدوانية وميلًا إلى التماهي مع المستبد. وهذا قريب من موقف جاك لاكان (1901–1981)، المحلل النفسي الفرنسي، من انتفاضة الطلبة في فرنسا في مايو 1968، حين حذّر من أنها قد تُفضي إلى خلق سادة مستبدين جدد.
ويرى بعض علماء الأنثروبولوجيا من أنصار المدرسة التطورية أن العبودية الطوعية ظاهرة معقدة تعود جذورها إلى مجتمعات بدائية سبقت نشوء الدولة. ووفق هذا التصور، تستمر عبر الأجيال السلوكيات التي تعزز البقاء والإنجاب والحصول على الغذاء، مثل بناء هرمية اجتماعية تحفظ الاستمرار، وتبني الإيثار المتبادل والتضحية، ونقل الثقافة والقيم من جيل إلى آخر. كما قد يصقل التطور سمات نفسية تدفع الفرد إلى طلب رضا الآخرين، وتجنب الصراع، والتماهي مع القيم السائدة، حتى لو قاده ذلك إلى الخضوع الطوعي. ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه مايكل توماسيلو (مواليد 1950)، الذي فسّر نشوء الطاعة والامتثال والهيمنة الرمزية من داخل آليات التعاون البدائي، بوصفها ظواهر تطورية سبقت الدولة وتوضح كيف يخضع البشر لبعضهم بعضًا، وكيف تتشكل السلطة الرمزية وتنشأ الطاعة من حاجات التعاون. وبذلك لا تبدو العبودية الطوعية ظاهرة سياسية فحسب، بل امتدادًا لسلوكيات تطورية تعود إلى مئات آلاف السنين. ومن كتبه المهمة المصادر الثقافية للإدراك البشري، الصادر عام 1999.
 
العبودية الطوعية في القرن الحادي  والعشرين   
لكن ما الذي يضيفه القرن الحادي والعشرون إلى فهم ظاهرة العبودية الطوعية وكيف يعيد النظر في المقاربات الفلسفية والسياسية والاجتماعية والنفسية التي فسّرت هذا السلوك خلال القرون الثلاثة الماضية؟ وما الإسهام الذي قدمته الثورة العلمية والتكنولوجية، ولا سيما ثورة الاتصالات، في هذا المجال؟
وباختصار، شهد فهمنا للدماغ البشري خلال العقود الثلاثة الماضية تقدمًا يفوق ما تحقق في قرون سابقة، ولا سيما في دراسة الوعي بوصفه مجالًا تكامليًا يصل الفلسفة بعلوم الأعصاب وعلم النفس والطب العصبي والطب النفسي وعلوم الحاسوب وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ولو عاش رينيه ديكارت في هذا القرن، لعلّه كان سيستبدل مقولته الشهيرة بـ: «أنا واعٍ، إذن أنا موجود».
وبعد أن ظلّ مفهوم الوعي، لقرون، موزعًا بين الفلسفة والسياسة ونظريات التحليل النفسي، استعاد منذ تسعينيات القرن العشرين مكانته بوصفه محورًا أساسيًا لفهم وظائف الدماغ، ولا سيما أعقدها: الوعي بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد ترتبط بإدراك الإنسان لذاته ووجوده ومشاعره وأفكاره، وللعالم الطبيعي والاجتماعي المحيط به، فضلًا عن قدرته على التعبير عن ذلك عبر الإحساس، والانفعال، والسلوك، واللغة.
 فلسفيا هناك ثلاثة عوالم للإنسان: الأول المادي  وهو  الدماغ و يعتبر ارقى عضو بشري وهو متشابه نسبيا لدى البشر، وثانيا  الوعي الذي هو يحدد طبيعته  كانسان  والجسر الذي يربط بين العالم الأول والثالث،  و الثالث وهو  التاريخي الاجتماعي ومنه يتلقى الدماغ البيانات و المعلومات التي يقوم بتحليلها و اتخاذ قرارات بشأنها في معادلة معقدة بعضها يرتبط بنظام الحوافز و المكافئات في داخلة وبتفاعل جميع مكوناته وخاصة الشبكات العصبية في القشرة الدماغية و مكونات الجهاز الحوفي وكلا من العالمين الثاني و الثالث يختلف من انسان  لأخر.  
ويتجلى الوعي البشري في ثلاثة مجالات رئيسة: الفضاء الخارجي، أي ما تدركه الحواس؛ والفضاء الداخلي، ويشمل التخيل وأحلام اليقظة والذاكرة والأفكار الإبداعية والحدس وسائر الخبرات الذاتية؛ ثم مجال العاطفة والانفعالات، مثل الفرح والغضب والإحباط والخوف والدهشة والرغبة والكبرياء، والقلق، والكآبة والخنوع واحد مظاهرها العبودية الطوعية .
ويعمل اليوم ما لا يقل عن ثلاثين مركزًا بحثيًا في جامعات ومؤسسات أكاديمية رائدة حول العالم على دراسة هذه الأسئلة، التي وصفها الفيلسوف الأسترالي وعالم الأعصاب ديفيد تشالمرز (مواليد 1966) بأنها «الأسئلة السهلة» و«الأسئلة الصعبة» في بحث الوعي. فالأسئلة السهلة تتعلق بالقدرات العقلية، مثل الإدراك والذاكرة والسلوك، ويمكن دراستها ورصدها علميًا عبر تحليل فسيولوجيا الدماغ. أما الأسئلة الصعبة، فتتناول تفسير الصلة بين نشاط مليارات العصبونات (الخلايا لعصبية) وتريليونات الشبكات العصبية وبين تشكّل الأفكار والمشاعر والخبرات الذاتية وسائر مكوّنات الوعي، بما في ذلك الجوانب التي قد تسهم في انخراط الفرد في سلوك العبودية الطوعية. ولا تزال هذه الأسئلة بلا جواب حاسم حتى اليوم. ومع ذلك، ثمة اتفاق على أن علم الوعي ما يزال في بداياته، رغم التقدم الذي شهده القرن الحادي والعشرون، ولذلك سنبقى، وربما لعقود، في نطاق التعميمات الفلسفية والفرضيات إلى أن تُختبر هذه التصورات بمنهجية علمية وتجريبية.
أما القضية الأخرى المرتبطة بالقرن الحادي والعشرين فهي الثورة الرقمية، ولا سيما في الاتصالات والتواصل، التي جعلت إيصال المعلومات إلى الأفراد ممكنًا في أي مكان وفي الزمن الحقيقي. وقد غدت هذه الثورة تؤدي دورًا غير مسبوق في تشكيل الوعي والرأي العام، وفي توجيههما والتلاعب بهما لخدمة أهداف سياسية وثقافية واقتصادية، بما يؤثر في مستوى المعرفة والإدراك لدى المتلقين، ويبلغ أحيانًا حدّ الحرب النفسية التي أصبحت عنصرًا محوريًا في حروب الجيل الرابع. ومن ثم أسهمت في تعميق ظاهرة العبودية الطوعية عبر إشاعة ثقافة الخوف والاستكانة والخضوع مقابل مكافآت مادية، مثل الوظائف والامتيازات والمنح المالية، ولا سيما في الدول الريعية، حيث يتحول المستبد وجهازه الإداري إلى قناة لتوزيع فتات الموارد لقاء الولاء. وفي الوقت نفسه، نعيش في بيئة إعلامية رقمية، صوتية ومرئية، وفي منظومات معلوماتية يروّج كثير منها في البلدان العربية والإسلامية سرديات سياسية ودينية وثقافية مشبعة بالخرافات والقيم السلبية. وتعمل هذه السرديات على تبرير الخضوع لهيمنة المستبدين، وتجميل ابتزاز الحكّام، وتكريس الخنوع مقابل مصالح مادية ومعنوية، كما تنتج أشكالًا معاصرة من العبودية الطوعية تحت مسميات مختلفة، مثل البراغماتية، والوسطية والنفعية والليبرالية. غير أن الوجه الآخر لهذه الثورة العلمية والتكنولوجية والإعلامية يتمثل في أنها تتيح أيضًا إمكانات لمن يسعون إلى التغيير والخلاص من العبودية الطوعية، وبناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة الاجتماعية، شريطة تطوير أشكال التنظيم السياسي والاجتماعي وآليات العمل وأدواته بما ينسجم مثلا مع خصوصيات الواقع العراقي في العقد الثالث من هذا القرن.
ومع انفجار ثورة الذكاء الاصطناعي، يتصاعد الحديث عن «التشيؤ الخوارزمي»، ومن أبرز تجلياته صنمية البيانات والاغتراب الرقمي. ويثير ذلك سؤالًا ملحًّا: كيف نواجه السلطة الخوارزمية حين تُستخدم لفرض الهيمنة والقمع وتزييف الوعي، حتى يغدو العقل بلا قيم ولا غاية ولا معنى، ويتحوّل العالم إلى أداة والإنسان إلى وسيلة؟ إن هذا المسار يرسّخ التشيؤ، ويعمّق الاغتراب، ويفعّل آليات الصناعة الثقافية، بما يعيد إنتاج أشكال معاصرة من العبودية الطوعية في ظل سلطة خوارزمية تملكها طبقة شديدة الثراء وتتحكم بأجهزة المراقبة وأدوات السيطرة. وهذه قضايا تتكشف أبعادها اليوم بوضوح، وتتجلى معها ملامح الاغتراب والتشيؤ والصنمية في القرن الحادي والعشرين، حيث تسهم الثورة العلمية والرقمية في تعميق هذه الظواهر والتغطية عليها في آنٍ واحد.
 
المادة في الأصل محاضرة قُدمت في منبر حوار التنوير
 
المصادر 
1.    The Cambridge World History of slavery, Volume 1, The Ancient Mediterranean World, edited by Keith Bradley and Paul Cartledge, Cambridge University Press, 2011
2.    Eric Williams, Capitalism and slavery, The University of North Carolina Press, 1945.
3.     The Cambridge World History of slavery, Volume 3, edited by David Eltis, Emory University, Stanley L. Engerman, University of Rochester, Cambridge University Press, 2011
4.    Hammurabi's Laws: Text, Translation, and Glossary M.E.J. Richardson, published by T&T Clark International, 2000.  
5.    Oxford University Studies in the Enlightenment.
وتُعدّ سلسلة دراسات جامعة أكسفورد حول عصر التنوير من أهم المراجع الأكاديمية العالمية لدراسة التنوير الأوروبي، وتمثل مرجعًا أساسيًا للبحث المتخصص في القرن الثامن عشر. ومنذ عام 1955، نشرت السلسلة أكثر من 600 كتاب في مجالات متعددة مرتبطة بالتنوير الأوروبي، وتمتاز بصرامة أكاديمية عالية وشمول في التغطية وتنوع في الاختصاصات، إذ تشمل موضوعاتها تاريخ الأفكار، والفلسفة، والأدب، والمسرح، والفنون البصرية، والموسيقى، والعلوم، والاقتصاد، ودراسات المرأة. وتتوفر العديد منها على الرابط التالي: 
6.    Gerbier, Laurent. “La Boétie.” In the Encyclopaedia of Renaissance Philosophy. Springer, 2015.
7.    The Politics of Obedience: The Discourse of Voluntary Servitude by Étienne de la Boétie, introduction by Murray N. Rothbard, translated by Harry Kurz, Ludwig von Mises Institute, Auburn, Alabama. Introduction and footnotes, 1975. 
8. J.S. McClelland, 1966, A History of Western Political Thought. First published by Routledge1996
    
9.   متوفر على الرابط التالي:
                          The Project Gutenberg eBook of The Birth of Tragedy, or Hellenism and Pessimism, by Friedrich Nietzsche.
10.     J.S. McClelland, 1966, A History of Western Political Thought. First published by Routledge1996 .

11.     إنجلز، رسائل حول المادية التاريخية. 1840–1894، دار التقدم، موسكو، 1980
12.    Christman, J.P. (2021). Alienation, Reification and Recognition. In: Siep, L., Ikäheimo, H., Quante, M. (eds) Handbuch Anerkennung. Springer VS, Wiesbaden.

13.     يُعدّ كتاب ما العمل؟ أهمَّ عملٍ نظري كتبه لينين، ومرجعًا أساسيًا لفهم فكره السياسي والتنظيمي. يتناول الكتاب دور الحزب، والوعي الطبقي، والتنظيم الثوري، ويناقش نقده للعفوية ورفضه لفكرة أن الطبقة العاملة ستبلغ الوعي الثوري تلقائيًا، كما يوضح تصوره للحزب الطليعي والعلاقة بين النظرية والممارسة. وقد كتبه لينين بين خريف 1901 وفبراير 1902، ونُشر لأول مرة كتابًا مستقلًا في مارس 1902.
14.     Stirner, M. (1995). The Ego and Its Own (D. Leopold, Ed.). Cambridge University Press.
15.     توماس ليمكي واخرون: ماركس وفوكو ترجمة: حسن الحاج  مجد، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع   2011.
16.     الرابط Theodor W. Adorno (Stanford Encyclopedia of Philosophy)