أيلول/سبتمبر 07
   

كيف أعادت الحملة الفرنسية تشكيل الوعي النهضوي بمصر والعالم العربي الإسلامي؟
قراءة في دراسة الدكتور رشيد نشيد

                                                                                              
                                                                                                     

     في سابق دراسة له تندرج ضمن حقل تاريخ الأفكار والتحولات الحضارية، يتخذ الدكتور رشيد نشيد(1) من الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، كلحظة تاريخية فارقة وحاسمة، مدخلا تحليليا لفهم مسارات تشكّل الوعي النهضوي-الإسلامي الحديث، فهو لا يتعامل مع الحملة من زاوية الحدث العسكري فحسب، وإنما من منطلق الصدمة كلحظة من أكثر اللحظات التاريخية كثافةً في مسار التحولات الفكرية وتحولات الوعي الحضاري، وكلحظة كاشفة خلقت حالة من الارتباك والاهتزاز المعرفي، وأسهمت بصورة عميقة في إعادة تشكيل الإدراك الحضاري، وكشفت بحدة غير مسبوقة عن اختلال عميق في موازين القوى والمعرفة والتنظيم بين أوروبا والعالم الإسلامي، وأعادت صياغة سؤال النهضة في صيغته الأولى: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟
    ويُمكن تحديد الإشكالية المركزية التي يُعالجها الدكتور رشيد نشيد في دراسته الموسومة بـ"الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري"، في السؤال التالي: كيف أسهم الاحتكاك المباشر بالحملة الفرنسية في تفكيك أنماط الوعي التقليدي لدى النخبة المصرية، وفي إنتاج وعي جديد بالتفاوت الحضاري، مهَّد لبدايات الإصلاح والتحديث؟
    ويعتمد الباحث في دراسته منهجاً تاريخياً تحليلياً تأويلياً يرتكز بالأساس على المصادر الأولية خاصة ما تعلق منها بكتابات عبد الرحمن الجبرتي، ونقولا الترك، وحسن العطار؛ وهي مصادر تعكس وعي النخبة العالمة المعالجة للحدث من داخله. كما اعتمد في تحليله على المقارنة الضمنية بين بنية المجتمع المملوكي-العثماني وبنية المجتمع الأوروبي الحديث، محاولا، في الوقت نفسه، تفكيك الخطاب بقراءة تمثلات "الذات" و"الآخر" في وعي النخبة، وتحولات هذا الوعي من الرفض إلى الإعجاب ثم إلى الاقتباس.
    وفي ضوء ذلك، يقدم الدكتور نشيد قراءة معمقة لهذه اللحظة التأسيسية كلحظة مفصلية في ذهنية النخبة المصرية، والنخبة العالمة على وجه الخصوص، وما استتبعها من حالة وعيٍ إزاء التفاوت الحضاري الحاصل، وأسباب التقدم الأوروبي، ومكامن التأخر الإسلامي؛ خاصة وأن "الفترة التي سيطر فيها الأتراك العثمانيون على العالم الإسلامي كانت فترة خمول للفكر العربي الإسلامي بصفة عامة"(2)، وقد شكلت لحظة الصدام مع الآخر الأوروبي بكل تمفصلاتها صدمة حضارية مزدوجة؛ صدمة بالآخر المتقدم، وصدمة بالذات المتأخرة، فكان هذا الوعي "الصدمي" منطلقاً أولياً لبدايات التفكير الإصلاحي والنهضوي في المشرق العربي، وهي الفرضية التي اتخذها الدكتور نشيد، كما سلف الذكر، منطلقاً أساسياً في دراسته التي نحن بصدد معالجتها في هذا السياق.
    يضع الدكتور نشيد القارئ، ضمن الإطار النظري لدراسته، برسم الحالة العامة للقرن التاسع عشر في سياقه التاريخي العالمي، بوصفه قرن التحولات الكبرى كونه شهد نضج مسارين تاريخيين تعود جذورهما الأولى إلى القرن الثامن عشر؛ هما الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، وقد أفضت هاتان الثورتان إلى إعادة ترتيب المجال الحضاري العالمي، وذلك بتمكين أوروبا من تحقيق تفوق غير مسبوق على باقي المجتمعات البشرية، ومنها المجتمعات الإسلامية، التي تقهقرت إلى موقع التلقي والانفعال، في الوقت الذي غدت فيه أوروبا، ولأول مرة في التاريخ الإنساني، في موقع المركز ضمن منظومة الحضارات، الأمر الذي دفع الشعوب الأخرى إلى إعادة تنظيم أوضاعها وإعادة تعريف مساراتها التاريخية في ضوء هذا التحول البنيوي، على أن هذه المركزية الأوروبية لم تكن مجرد تفوق مادي فحسب بل تعدته إلى كونها تفوقا مركبا شاملا طال كل المناحي من أنماط التفكير، وتنظيم الدولة، وبنية الاقتصاد، إلى منظومة القيم الحاكمة للمجتمع.
    على الضفة الأخرى عاش العالم الإسلامي، قُبيل الحملة الفرنسية، في حالة انكفاء ثقافي وانغلاق فكري، واطمئنان زائف إلى الموروث الديني باعتباره ضمانة للتفوق الحضاري، ما أسهم في تعطيل دينامية الاجتهاد والمعرفة، وضيّق أفق التعاطي مع المستجدات العلمية والفكرية التي كانت تتبلور خارج فضائه الحضاري، ومنع تشكل حس تاريخي استشرافي قادر على التنبؤ والتنبّه المبكر لموازين القوة المتغيرة، هذا الوهم، الذي كان يُذكي الشعور بالاكتفاء الذاتي، سرعان ما ينكسر، كما يكشف عن ذلك الدكتور نشيد، عند أول اختبار حقيقي أمام الهزيمة العسكرية الساحقة التي مُني بها المماليك، والتي عرّت القصور البنيوي للمؤسسة العسكرية التقليدية، وكشفت عن الهوة الواسعة بين نمطين من التنظيم؛ تنظيم حديث يتسلح بالانضباط، والعقلانية، والتخطيط، مقابل تنظيم يسوده التنازع، والفردانية، والغفلة، والتفاخر الأجوف من جانب المماليك، وقد "شكلت الحملة الفرنسية على مصر، المناسبة الأكبر لإدراك حجم التفاوت الحضاري بين دار "الإسلام" ودار "الكفر"، (...)، ذلك أن الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، وما تولد عنها من صدمة هزت الشرق هزاً، شكلت منعطفاً في وعي النخبة العالمة بالمشرق، حيث اكتشفت "الآخر" المتقدم، واكتشفت معها "ذاتها"، فوجدتها تعاني التأخر والركود وجمود العقل"(3).
    وأمام لحظة الحقيقة هاته، تخلّق وعي جديد بالتاريخ وبالذات وبالآخر، حين تبدى فيها على مرأى ومسمع من أهل المشرق والمغرب معاً عالم جديد آخذ في التشكل، في وقتٍ كانوا فيه غائبين عن مسارات تشكله، ومقصيين عن شروط حضوره وصناعة تحولاته، طفا على السطح السؤال الإشكالية الذي بات يُؤرق الذهنية الإسلامية: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟ وهنا يبرز رد فعل النخبة المشرقية، المصرية على وجه الخصوص، كأول متعاطٍ مع صدمة التفوق العلمي والحضاري بعد مداهمة الاحتلال لهم في عقر دارهم.
     وفي هذا السياق، تفرد الدراسة حيزاً واسعاً لتحليل الموقف المُنبهر الصادر عن النخبة المصرية، وعلى رأسها الجبرتي وحسن العطار، تجاه المكانة المركزية التي يحتلها العلم بجميع تلاوينه في المجتمع الفرنسي، فقد نظرت، في تلك اللحظة المفصلية، "النخبة المشرقية إلى نفسها وواقعها مرة، وإلى الحملة الفرنسية وما جلبته معها مرات، متأملة، متسائلة، حائرة، فاندهشت وأعجبت بالعلوم والأفكار والصناعات الحديثة، واستشعرت حدوث تجاوز حضاري أوروبي للأمة الوسط المنعوتة في القرآن الكريم بالخيرية، وعبرت عن ذلك بكل جرأة، حيث صدرت عن هؤلاء مواقف تثبت تشكل الوعي لديهم بهذا "المتغير الحضاري الهام"(4)، هذه الصدمة المعرفية التي كشفت عن وجود منظومة علمية متكاملة ولّدت حالة من الانبهار؛ هذا الانبهار لم يكن سطحياً أو عاطفياً، بل عبّر، كما سلف الذكر، عن وعي ناشئ بأن التقدم الأوروبي ليس نتاج الصدفة، وإنما نتيجة تقديس العلم والتعلم، وتعميم المعرفة حتى على الجنود وعامة الناس، وهو ما حذا بالشيخ حسن العطار، بوصفه نموذجاً لعالم أزهري تجاوز أفق التقليد، إلى الدعوة صراحة إلى الانفتاح على العلوم الحديثة، معتبراً ذلك امتداداً لروح الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها، وهو الشيء الذي يكشف عنه قوله في هذا الشأن بوضوح: "إن من تأمل في علمائنا السابقين يجد أنهم كانوا مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية، لهم اطلاع عظيم على غيرها من العلوم والكتب التي ألفت فيها حتى كتب المخالفين في العقائد والفروع"(5)، ولعل "صوت حسن العطار هو أول الأصوات العربية التي انطلقت من داخل الأزهر منادية بتغيير كتبه وإصلاح برامجه بإدخال العلوم العصرية فيه"(6).
    ويرسم الدكتور نشيد وجهاً آخر للتفوق يتمثل في مقاربة مقارنة بين نموذجين متمايزين على مستوى التنظيم العسكري؛ هما نموذج الجيش الفرنسي من جهة، ونموذج الجيش المملوكي من جهة أخرى؛ حيث اتسم الأول بتفوقه العسكري البادي من خلال امتلاكه مدفعية حديثة ذات قدرة عالية على إطلاق النيران بكثافة وانتظام، مع دقة متناهية على إصابة الأهداف من مسافات بعيدة، في حين عانت مدفعية المماليك من قصور تقني واضح تجلى في بطء معدل الإطلاق والحاجة إلى فواصل زمنية طويلة بين الضربات، كما أن زيادة وتيرة الاستخدام كانت تؤدي إلى تراجع فعاليتها العملياتية سواء من حيث تقلص المدى أو ضعف القدرة التدميرية، وهو الشيء الذي أسهم في اختلال ميزان القوة لصالح الجيش الفرنسي.
    وفي هذا الصدد يقدم الجبرتي قراءة، تتحول في الدراسة إلى وثيقة أنثروبولوجية تكشف اختلاف القيم، لسلوك الجيشين؛ الفرنسي القائم على البنية النظامية والانضباط المؤسسي، والمملوكي الذي تحكمه أنماط تنظيمية مغايرة، لينتهي إلى الإقرار بالتباين العميق بين النموذجين، سواء على المستوى التنظيمي أو المعرفي والأخلاقي، وانعكاسات ذلك على الأداء العسكري في ترجيح الكفة لصالح النموذج الأوروبي، وهنا يتولَّد وعي جديد تتحول في خضمه الهزيمة العسكرية إلى مدخل لإعادة التفكير في أسباب القوة والضعف.
    ولعل النخبة المصرية أدركت، بصورة أو بأخرى، ومنذ اللحظة الأولى "أنها بإزاء حضارة جديدة أرقى من حضارة العثمانيين والمماليك، لا في مقوماتها المادية فحسب، ولكن في كثير من قيمها الاجتماعية ونظمها السياسية"(7)، فكان من محصلة ذلك تبلور موقفين متباينين لدى هذه النخبة العالمة؛ فمن جهة، وبينما يفصح موقف الجبرتي، على نحوٍ غير مباشر، عن إدراكه لقصور الذهنية العلمية العربية السائدة عن استيعاب المنجزات المعرفية الغربية، كما يتبدى ذلك في تعليقاته، المتضمنة في الدراسة، على بعض التجارب التي عاينها في المعهد الذي أنشأه الفرنسيون بمصر، يتبلور لدى الشيخ حسن العطار، كحلقة انتقالية بين التقليد والانفتاح، موقف مغاير يقوم على وعي استشرافي بضرورة النهوض العلمي، وكما لا يخفي إعجابه واندهاشه بالتفوق الفرنسي، يؤكد في الوقت نفسه على أن تقدم مصر رهين بامتلاكها لأنماط من المعارف والعلوم تتجاوز ما هو قائم، وهو ما حدث به علي مبارك عن حسن العطار قائلا: "واتصل بناس من الفرنساوية، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم، ويفيدهم العربية، ويقول: إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها ... ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمة - يعني الفرنسية - من المعارف والعلوم، وكثرة كتبهم وتحريرها، وتقريبها لطرق الاستفادة"(8)، وهذه بلا شك جرأة تحتسب للرجل كونه أقر بالتأخر الحضاري الذي ترفل فيه بلاده مع تطلعه العميق إلى التجديد، والخروج من مأزق التخلف الذي أصاب الجسم الإسلامي برمته لحظتئذ، ولعل محمد علي باشا، "وامتداداً لهذا الوعي بالتجاوز الأوروبي في المجال العلمي، والذي تشكل لدى النخبة المصرية من خلال الاحتكاك بعلماء الحملة الفرنسية"(9)، تلقف الإشارات المتضمنة في عبارة حسن العطار، ولا شك في أنه "كان يسير على ضوء هذه العبارة فيما أحدثه بمصر من نهضة تعليمية، وفيما استحدثه من نظام البعثات التعليمية التي أوفدها إلى الخارج -وخاصة فرنسا- حتى يساعد أعضاءها -حين إتمام دراستهم هناك- على (تغيير أحوال البلاد، وتجديد المعارف التي ليست فيها) وِفقاً لتوجيهات حسن العطار ورغباته في إصلاح البلاد"(10)، والذي أدرك مبكراً أن الجمود المعرفي هو أصل التراجع.
    وعطفاً على ما سبق، تنتقل الدراسة إلى تحليل إدراك النخبة المصرية لقيم العمل والإنتاج بوصفهما ركيزة أساسية من ركائز القوة والتفوق الأوروبي؛ فقد لاحظ المصريون، من خلال تجربة الاحتلال، مدى الاهتمام الفرنسي بالمجال الزراعي حيث شرعوا "بالاهتمام الجدي بإصلاح كثير من قنوات السقي الرئيسية خاصة بمنطقة الدلتا، (...)، كما تم إصلاح كثير من السدود في جهات متعددة، واتخذت إجراءات لضمان توزيع مياه السقي على عدد من القرى التي كانت تعاني من مشاكل السقي"(11)، كما أنهم استعانوا بوسائل حديثة في المجال الفلاحي، إلى جانب إنشائهم لورش صناعية، بما يعكس عقلية عملية إنتاجية تتباين جذرياً عن أنماط الاقتصاد الريعي التقليدي، ويبرز الدكتور نشيد أن هذا الوعي كان من العوامل الحاسمة التي دفعت لاحقاً إلى إصلاحات محمد علي باشا سواء في تحديث البنية الزراعية، وذلك "بفتح الترع، وبناء القناطر، وتنظيم الري وتوسيع شبكته، وتحسين زراعة القطن الخ"(12)، أو في تأسيس قاعدة صناعية "مستهدفاً تأمين ما تحتاجه مصر من سلع مصنعة ذات طابع عسكري أو مدني"(13)، أو في إنشاء مدارس فنية، أو في إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا - كما سبقت الإشارة إلى ذلك - بُغية "التعلم والتدرب على بعض الصناعات؛ مثل السكر في الولايات المتحدة الأمريكية، والنسيج وسبك الحديد في إنجلترا، وصناعة الأحذية في فرنسا"(14)، وهنا يتضح، من خلال الدراسة، أن القوة العسكرية والسياسية لا تنفصل عن قاعدة اقتصادية منتجة حديثة، ولذا كان هذا الوعي أساساً لإصلاحات محمد علي، حيث لم يكن التحديث، في جوهره، محاكاة شكلية، ولكن محاولة جادة، واختياراً استراتيجياً من أجل بناء اقتصاد متكامل.
    يعالج الدكتور نشيد في محور أساسي من محاور دراسته أثر التنظيمات السياسية والقانونية التي أدخلها الفرنسيون إلى مصر لا سيما الدواوين والمجالس بوصفها تماساً أولياً مع الفكر السياسي الحديث، وأول احتكاك عملي مع مفاهيم من قبيل التمثيل والمشاركة والشورى الحديثة-المنظمة، وعلى الرغم من محدودية صلاحيات هذه المؤسسات، كونها لم تتمتع بصلاحيات تقريرية حاسمة في أي أمر من الأمور، إذ انحصر دورها على تقديم الرأي والمشورة دون أن يرقى إلى مستوى السلطة الإلزامية أو القرار النهائي، إلا أنها أسهمت، بشكل أو بآخر، في زرع بذور الوعي السياسي، خصوصاً بعد الاطلاع على أفكار الثورة الفرنسية، وذلك بالتمييز بين السلطة التنفيذية والهيئات التمثيلية، وكسر احتكار السلطة المطلقة، كما أنها فتحت الأذهان على إمكان الحكم وِفق قواعد عقلانية، وهو ما "ظهرت نتائجه مباشرة حين طالب المصريون بمحمد علي والياً عليهم، فمارسوا بذلك أول حق سياسي تمثل بذلك الاختيار، وكانت تلك الحادثة الأولى من نوعها في تاريخ الدولة العثمانية أن فرض الشعب إرادته عليها محدداً من سيحكمه"(15)، وهذا إن دل فإنه يدل على نشوء وعي جديد أحدث زعزعةً في البُنى الذهنية التقليدية بشأن مفهوم السلطة وآليات الحكم، وإعادة طرحها كموضوع للمساءلة وإعادة النظر. 
    كما تتوقف الدراسة مطولا عند دهشة الجبرتي من نظام القضاء الفرنسي، خاصة في محاكمة سليمان الحلبي، حيث اكتشف مفاهيم لم تكن مألوفة في السياق المملوكي؛ مثل علنية المحاكمة، حيث يقول: "ومنها أيضاً قراءة قرار الاتهام أمر ساري عسكر رينيه بحضور المتهمين المذكورين قدام القضاة وهم من غير قيد ولا رباط بحضور وكيلهم والأبواب مفتحة قدام كامل الموجودين"(16)، وتنظيم الإجراءات، وافتراض البراءة الأصلية، "إذ لم يوصف المتهمون بأنهم مذنبون إلا بعد صدور الحكم"(17). ويرى الدكتور نشيد أن هذا الوعي القانوني الناشئ كان من أهم نتائج الاحتكاك بالدولة الحديثة حتى وإن ظل محكوماً بتناقضات ثقافية وأخلاقية جلية لا تحتاج إلى إيضاح. "وهكذا جسدت الحملة النابليونية مناسبة اكتشفت من خلالها النخب العالمة بمصر وغيرها من البلدان الإسلامية أهمية وخطورة التحولات النوعية التي كانت تشهدها ما بات يعرف عندهم إلى ذلك الحين بـ"دار الكفر والحرب"، (...)، فتيسر لهم بفضل ذلك اكتشاف الهوة الحضارية التي أضحت تفصل بين الدول والمجتمعات الإسلامية ونظيرتها في أوروبا، كما مكنهم مكوث هذه الحملة بهذا البلد لمدة ثلاث سنوات من تشخيص الأسباب الكامنة وراء هذا التفوق وما يقابله من ضعف في الجانب الإسلامي"(18).
    وبناءً على هذا، يخلص الدكتور رشيد نشيد في دراسته إلى أن الأثر الأعمق للحملة الفرنسية لم يكن في نتائجها العسكرية أو السياسية المباشرة، وإنما في ما أحدثته من تحول جذري في الوعي، في فترة لم يكن للفكر العربي الإسلامي ملامح خاصة يتميز بها(19)، فقد استيقظت النخبة المصرية، ومن خلالها العالم العربي الإسلامي، للمرة الأولى، على حقيقة أنها تعيش خارج السباق الحضاري، وأن عالماً جديداً قد تبلور من دون مشاركتها، مما جعل من "حضور الاحتلال الفرنسي مرآة تنظر فيها الذات إلى حقيقة واقعها وما عليها من ضعف وتأخر ووهن حضاري"(20)، ومن هنا تبلور السؤال النهضوي الذي شكل المنطلق لمركزي لبداية وعي تاريخي نقدي مهّد لظهور مشاريع الإصلاح والتحديث في القرن التاسع عشر، وأسّس لتحول طويل ومعقد في مسار الفكري العربي الإسلامي الحديث، وإن كانت بعض الدراسات ترى بأن "اليقظة الفكرية قد سبقت هذا الغزو الغربي بأمد طويل"، وأنها قد انبعثت من أعماق -الفكر العربي- "وصدرت من فهم صادق لضرورة استعادة دوره في الصدارة، ومقاومة الاستبداد العثماني والنفوذ الأجنبي ولم يكن مصدر هذه اليقظة أي مصدر أجنبي"(21).
    ختاماً، فإن دراسة الدكتور رشيد نشيد للمشهد العربي الإسلامي إبان الحملة الفرنسية على مصر تشكل إسهاماً علمياً مهما في فهم تشكّل الوعي النهضوي العربي الإسلامي من خلال ربط الحدث التاريخي بالتحول الفكري، وتحليل الصدمة الحضارية من منطلق لحظة كشف وإعادة نظر، فالحملة النابليونية، كما تبيّن الدراسة، لم تكن مجرد احتلال عابر في الذاكرة النخبوية للعالم العربي الإسلامي، والمصري خصوصاً، بل كانت مرآة حضارية عاكسة وكاشفة نظرت فيها النخبة المصرية إلى ذاتها فاكتشفت مكامن ضعفها، وبدأت، على استحياء، في التفكير في سُبل النهوض والتجاوز، فالدراسة إذاً تؤسس لفهم عميق لمسار التحول من وعي مغلق إلى وعي إصلاحي قلق وضع اللبنات الأولى للنهضة العربية الحديثة لا بوصفها مجرد استيراد آلي لنماذج وافدة، ولكن كاستجابة تاريخية لصدمة حضارية.

الهوامش:
1- أستاذ باحث بجامعة السلطان المولى سليمان-المغرب.
2-  أنور الجندي، أضواء على الفكر العربي الإسلامي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، 1966، ص: 13.
3-  رشيد نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري، عن بوابة الرابطة المحمدية للعلماء على الأنترنت. 
4- أنظر: بوابة الرابطة المحمدية.
5- المصدر نفسه.
6- محمد عبد الغنى حسن، نوابغ الفكر العربي: حسن العطار، ط 2، دار المعارف، مصر، د. ت. ص: 73.
7- انظر: بوابة الرابطة المحمدية للعلماء: رشيد نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري.
8- علي باشا مبارك، الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ج3، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 1305 هجرية، ص: 38.
9- نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري.
10-  محمد عبد الغنى حسن، ص: 75.
11- انظر: بوابة الرابطة المحمدية للعلماء: رشيد نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري.
12- المصدر نفسه.
13- المصدر نفسه.
14- المصدر نفسه.
15 - المصدر نفسه.
16- الجبرتي، م، س، ص: 192، نقلا عن بوابة الرابطة المحمدية للعلماء: رشيد نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري.
17- رشيد نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري.
18-  المصدر نفسه.
19-أنور الجندي، ص: 13. 
20- رشيد نشيد، الحملة الفرنسية وبدايات الوعي العربي الإسلامي بالتجاوز الحضاري.
21- أنور الجندي، ص: 17.