
مقدّمة
ليس الطعام مجرّد حاجة بايولوجية، بل لغة اجتماعية كثيفة الدلالة تُعرِّف من نحن، وتُصنِّف من هم "الآخرون"، وتوزّع المكانات بين الطبقات. عبر الأطباق، تُستدعى الذاكرة الجمعية والحدود الأخلاقية والذائقة الجمالية معًا؛ فتغدو المائدة مسرحا تُؤدَّى عليه أدوار الانتماء والتميّز والمحاكاة والمقاومة. وقد نبّهت ماري دوغلاس مبكرًا إلى أن الوجبة ليست ترتيبًا عشوائيًّا للأطعمة، بل نوعا من القواعد الثقافية التي تضبط ما يليق وما لا يليق، وتُظهر النظام الرمزي للجماعة (Douglas, Mary. 1972 ). ومن زاوية علم اجتماع الذوق، رأى بيير بورديو أن ما نحبّ أن نأكله ليس تفضيلًا فرديًّا بريئًا، بل ناتجٌ عن "تربية الذوق" ومراكمة "رأس مال ثقافي" يستخدمه الفاعلون للتمايز الطبقي (Bourdieu, Pierre.1984). هذه القراءة تستند إلى أدبيات أنثروبولوجية كلاسيكية ومعاصرة، وإلى أمثلة من شرق المتوسط وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وتتتبّع العلاقة بين الطعام والهوية والطبقة عبر خمسة محاور هي:
ليس الطعام مجرّد حاجة بايولوجية، بل لغة اجتماعية كثيفة الدلالة تُعرِّف من نحن، وتُصنِّف من هم "الآخرون"، وتوزّع المكانات بين الطبقات. عبر الأطباق، تُستدعى الذاكرة الجمعية والحدود الأخلاقية والذائقة الجمالية معًا؛ فتغدو المائدة مسرحا تُؤدَّى عليه أدوار الانتماء والتميّز والمحاكاة والمقاومة. وقد نبّهت ماري دوغلاس مبكرًا إلى أن الوجبة ليست ترتيبًا عشوائيًّا للأطعمة، بل نوعا من القواعد الثقافية التي تضبط ما يليق وما لا يليق، وتُظهر النظام الرمزي للجماعة (Douglas, Mary. 1972 ). ومن زاوية علم اجتماع الذوق، رأى بيير بورديو أن ما نحبّ أن نأكله ليس تفضيلًا فرديًّا بريئًا، بل ناتجٌ عن "تربية الذوق" ومراكمة "رأس مال ثقافي" يستخدمه الفاعلون للتمايز الطبقي (Bourdieu, Pierre.1984). هذه القراءة تستند إلى أدبيات أنثروبولوجية كلاسيكية ومعاصرة، وإلى أمثلة من شرق المتوسط وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وتتتبّع العلاقة بين الطعام والهوية والطبقة عبر خمسة محاور هي:
الطعام والهوية؛ "نحن" و"هم" في الطبق
فيما يتعلق بالهوية القومية والوطنية، غالبًا ما تُنتج الأمم "طبخًا وطنيًّا" يُعرَض في المناسبات الرسمية والتمثيلات الدبلوماسية: الكسكسي في بلاد المغرب، المنسف في الأردن، الكشري في مصر، السوشي في اليابان، التاكو في المكسيك. ليست هذه مجرد أطعمة؛ إنها "خطابات قصيرة" تلخّص تاريخًا وبيئة وطرق عيش. يبيّن أرغون أبّادوراي أن "السياسات الغذائية" (Gastro-Politics) لا تنحصر في صراعات المائدة اليومية، بل تمتد إلى بناء قوميات متخيَّلة تُصاغ عبر كتب الطهي والمطابخ "الوطنية" التي تُنتج سردية ذوقية مشتركة (Appadurai, Arjun.1981). ويؤكّد كلود فيشلر أن الطعام يعمل كمرآةً للذات وفق مقولة: "قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت".
إذ يرتبط الذوق بالذاكرة والانتماء والحدود التي ترسم حدود الـ"نحن" والـ"هم". في هذا الأفق، تتحوّل الأطباق إلى رموز سيادية: فاختيار ما يُقدَّم للوفود أو ما يُروَّج له في الحملات السياحية ليس بريئًا؛ إنه استثمارٌ في "علامة تجارية وطنية" تُمسك بمفاتيح التمثيل والاقتصاد معًا. وتَظهر هنا آلية "الاختراع عبر التقليد"؛ فبعض ما يُقدَّم بوصفه "تراثًا خالصًا" هو في الواقع إعادة تركيب حداثية لأصناف متعدّدة الجذور، لكنها تُعرض بوصفها "أصيلة" خدمةً لهوية جامعة ( Fischler, Claude. 1988).
كما تعمل الأديان على صقل المائدة بوصفها حيّزًا طقسيًّا وأخلاقيًّا. في الإسلام، تمثّل مواسم الطعام (رمضان/ اعياد الفطر والأضحى) لحظات تتكثّف فيها قيم التقوى والضيافة والتكافل؛ أمّا اليهودية فتنظّم المائدة عبر أحكام "الكشروت" وهي القوانين الغذائية التي تحدد الأطعمة "المناسبة" للأكل، وتتضمن تحديد أنواع الحيوانات المسموحة (مجترة وذات حوافر مشقوقة)، والأسماك (زعانف وخياشيم)، والطير، وتحريم الخنزير، والمحار، وتتطلب ذبحاً خاصاً (شحيطه)، وفصل صارم بين اللحوم والألبان، وإزالة الدم، والتحقق من خلو النباتات من الحشرات، ويتم الإشراف عليها بشهادات خاصة، كل ذلك يعيد رسم حدود الطهارة والاختلاط.
فيما تحتفظ المسيحية بطقس الإفخارستيا،(القربان المقدس، التناول) وهو سر مقدس مركزي في المسيحية يمثل جسد ودم المسيح، ويتم عبره تذكار العشاء الأخير، وتشمل طقوسه صلوات خاصة، وتقديس الخبز والخمر (إذ يتحولان لجسد ودم المسيح حسب العقيدة)، ثم تناول القربان، وتختلف التفاصيل بين الكنائس (كاثوليكية، أرثوذكسية، بروتستانتية) لكنها تتفق على وجود حقيقي للمسيح فيه حيث يتحوّل الخبز والنبيذ إلى رمز للوحدة الروحية. هذه الأنساق تمنح الطعام وظيفة "تذكارية" - تُذكّر الجماعة بذاتها وتاريخها كلما أكلت، وتحميها من الذوبان عبر ضوابط مستمرة للامتناع والتفضيل ( Eliade, Mircea. 1963).
أما بالنسبة للهويات المحلية للجماعات داخل الأمة الواحدة، حيث نجد تجاور "هويّات مذاقية" صُغرى داخل كل أمة او وحدة اجتماعية وطنية كبيرة: حمّص بيروتي وآخر طرابلسي، دولما إيجة ودولما شرقيّة، معكرونة توسكانية وأخرى نابوليتانية. هذه الفوارق ليست تفصيلًا تقنيًّا؛ إنها "بطاقات هوية" تُعلن الأصول القرابية والمكانية، وتستدعي "وصفات الجدّات" بوصفها أرشيفًا للذاكرة. وفي المهاجر، تتضاعف رمزية الطبق؛ فهو "وطنٌ صالح للأكل" يقي من التلاشي ويمنح الجالية لسانًا جديدًا للتذكّر والانتماء ( Naccarato, Peter, & LeBesco, Kathleen. 2012).
إذ يرتبط الذوق بالذاكرة والانتماء والحدود التي ترسم حدود الـ"نحن" والـ"هم". في هذا الأفق، تتحوّل الأطباق إلى رموز سيادية: فاختيار ما يُقدَّم للوفود أو ما يُروَّج له في الحملات السياحية ليس بريئًا؛ إنه استثمارٌ في "علامة تجارية وطنية" تُمسك بمفاتيح التمثيل والاقتصاد معًا. وتَظهر هنا آلية "الاختراع عبر التقليد"؛ فبعض ما يُقدَّم بوصفه "تراثًا خالصًا" هو في الواقع إعادة تركيب حداثية لأصناف متعدّدة الجذور، لكنها تُعرض بوصفها "أصيلة" خدمةً لهوية جامعة ( Fischler, Claude. 1988).
كما تعمل الأديان على صقل المائدة بوصفها حيّزًا طقسيًّا وأخلاقيًّا. في الإسلام، تمثّل مواسم الطعام (رمضان/ اعياد الفطر والأضحى) لحظات تتكثّف فيها قيم التقوى والضيافة والتكافل؛ أمّا اليهودية فتنظّم المائدة عبر أحكام "الكشروت" وهي القوانين الغذائية التي تحدد الأطعمة "المناسبة" للأكل، وتتضمن تحديد أنواع الحيوانات المسموحة (مجترة وذات حوافر مشقوقة)، والأسماك (زعانف وخياشيم)، والطير، وتحريم الخنزير، والمحار، وتتطلب ذبحاً خاصاً (شحيطه)، وفصل صارم بين اللحوم والألبان، وإزالة الدم، والتحقق من خلو النباتات من الحشرات، ويتم الإشراف عليها بشهادات خاصة، كل ذلك يعيد رسم حدود الطهارة والاختلاط.
فيما تحتفظ المسيحية بطقس الإفخارستيا،(القربان المقدس، التناول) وهو سر مقدس مركزي في المسيحية يمثل جسد ودم المسيح، ويتم عبره تذكار العشاء الأخير، وتشمل طقوسه صلوات خاصة، وتقديس الخبز والخمر (إذ يتحولان لجسد ودم المسيح حسب العقيدة)، ثم تناول القربان، وتختلف التفاصيل بين الكنائس (كاثوليكية، أرثوذكسية، بروتستانتية) لكنها تتفق على وجود حقيقي للمسيح فيه حيث يتحوّل الخبز والنبيذ إلى رمز للوحدة الروحية. هذه الأنساق تمنح الطعام وظيفة "تذكارية" - تُذكّر الجماعة بذاتها وتاريخها كلما أكلت، وتحميها من الذوبان عبر ضوابط مستمرة للامتناع والتفضيل ( Eliade, Mircea. 1963).
أما بالنسبة للهويات المحلية للجماعات داخل الأمة الواحدة، حيث نجد تجاور "هويّات مذاقية" صُغرى داخل كل أمة او وحدة اجتماعية وطنية كبيرة: حمّص بيروتي وآخر طرابلسي، دولما إيجة ودولما شرقيّة، معكرونة توسكانية وأخرى نابوليتانية. هذه الفوارق ليست تفصيلًا تقنيًّا؛ إنها "بطاقات هوية" تُعلن الأصول القرابية والمكانية، وتستدعي "وصفات الجدّات" بوصفها أرشيفًا للذاكرة. وفي المهاجر، تتضاعف رمزية الطبق؛ فهو "وطنٌ صالح للأكل" يقي من التلاشي ويمنح الجالية لسانًا جديدًا للتذكّر والانتماء ( Naccarato, Peter, & LeBesco, Kathleen. 2012).
الطعام والطبقة؛ مذاق المكانة و"رأس المال الذوقي"
يفصّل بورديو كيف يُعاد إنتاج اللامساواة عبر الذوق: فالنخب تميل إلى "الخفيف/ المصقول/ الصحي" وإلى النوادر (كمأة، كافيار، سوشي راقٍ)، بينما تتجه الطبقات الدنيا إلى "المُشبِع/ الرخيص/ القابل للتكرار". لا يتعلّق الأمر بالسعر وحده، بل بلغة كامنة تُشفّرها اختيارات المطاعم وطريقة تناول الطعام وأدوات المائدة ومفردات الوصف. الذوق هنا "استثمار رمزي" يراكم "رأس مال ذوقي" يتجسّد في القدرة على تمييز الجودة ولفظها وتمثيلها اجتماعيًا (Bourdieu, Pierre.1984). وقد طوّر باحثون لاحقون الفكرة بإظهار كيف تُترجم مهارات التذوّق وتسمية المكوّنات وحكاية منشأها إلى رصيد اجتماعي قابل للتحويل إلى فرص عمل أو وجاهة ( Naccarato, Peter, & LeBesco, Kathleen. 2012).
أما من ناحية طقوس الوجاهة والولائم، فأننا نجد أن المآدب ليست لإشباع البطون فحسب؛ إنها عروضٌ رمزية للمكانة. يتجلّى ذلك في حفلات الزفاف والمناسبات، حيث تتنافس الأسر على عدد "الأدوار"، وعلى تنويع الحلويات، وعلى تصميم الموائد. وفي الأحياء الشعبية، تحضر الولائم بصورة أخصّ جماعية وأكثر تقاسمًا، فتؤدّي - رغم بساطتها - وظيفة "ضمان الشرف" وبناء التضامن. يذكّرنا جاك غودي بأن السيطرة على تقنيات الطبخ وتوزيعها تاريخيًّا شكّلا رافعة للفوارق بين "مطبخٍ عالٍ" و"مطبخٍ شعبي"، مع ما يستتبع ذلك من توزيع للمهارات والرموز عبر الطبقات ( Goody, Jack. 1982).
إن الحراك الاجتماعي عبر الطعام في المدن الحديثة يتضح عبر توسّل الكثيرين "الترقّي بالذوق" وذلك بتبنّي رموز مطابخ "عالمية" (قهوة مختصة، سوشي، معجنات فاخرة) ومشاركتها على الشبكات. هذا "الاستعراض الغذائي" يُظهر ما يسميه أبّادوراي "سياسات المائدة" حيث تُدار المكانة عبر اختيار المطاعم والسرديات المصاحبة للطبق ( (Appadurai.1988ويكشف ذلك أن المائدة لم تعد حكرًا على المطبخ المنزلي؛ إنها أيضًا «منصة عرض» في فضاء عام رقمي، يتداخل فيه الذوق مع الصورة والهاشتاغ والانتشار.
أما من ناحية طقوس الوجاهة والولائم، فأننا نجد أن المآدب ليست لإشباع البطون فحسب؛ إنها عروضٌ رمزية للمكانة. يتجلّى ذلك في حفلات الزفاف والمناسبات، حيث تتنافس الأسر على عدد "الأدوار"، وعلى تنويع الحلويات، وعلى تصميم الموائد. وفي الأحياء الشعبية، تحضر الولائم بصورة أخصّ جماعية وأكثر تقاسمًا، فتؤدّي - رغم بساطتها - وظيفة "ضمان الشرف" وبناء التضامن. يذكّرنا جاك غودي بأن السيطرة على تقنيات الطبخ وتوزيعها تاريخيًّا شكّلا رافعة للفوارق بين "مطبخٍ عالٍ" و"مطبخٍ شعبي"، مع ما يستتبع ذلك من توزيع للمهارات والرموز عبر الطبقات ( Goody, Jack. 1982).
إن الحراك الاجتماعي عبر الطعام في المدن الحديثة يتضح عبر توسّل الكثيرين "الترقّي بالذوق" وذلك بتبنّي رموز مطابخ "عالمية" (قهوة مختصة، سوشي، معجنات فاخرة) ومشاركتها على الشبكات. هذا "الاستعراض الغذائي" يُظهر ما يسميه أبّادوراي "سياسات المائدة" حيث تُدار المكانة عبر اختيار المطاعم والسرديات المصاحبة للطبق ( (Appadurai.1988ويكشف ذلك أن المائدة لم تعد حكرًا على المطبخ المنزلي؛ إنها أيضًا «منصة عرض» في فضاء عام رقمي، يتداخل فيه الذوق مع الصورة والهاشتاغ والانتشار.
المجال الاجتماعي؛ مدينة/ ريف، وتقسيم العمل الجندري
في الريف، تُبنى الوجبة حول ما تتيحه الدورة الزراعية: حبوب وبقول وخضر موسمية، ولحوم أقل انتظامًا. الأكل جماعي، والزمن بطيء نسبيًّا، وثقافة "المونة" التي تخزن وتحفظ فائض المواسم معروفة وأساسية في حياة أبناء الريف. أما في المدينة، فيتكثّف الإيقاع وتتصاعد الفردية، فتزدهر الوجبات الجاهزة والمطاعم، ويقلّ الطهي المنزلي بسبب العمل المأجور ومحدودية الوقت. هذا التحوّل لا يبدّل فقط مكوّنات الصحن، بل يعيد تشكيل أنماط القرابة والضيافة ومعاني "البيتية". وتُظهر دراسات الغذاء أن تمدينَ الذوق لا يعني اختفاء "المحلي"، بل إعادة تعبئته في قوالب تجارية جديدة تشمل أسواق المزارعين، مطاعم "المطبخ المنزلي"، ماركات "تراثية" Counihan, Carole. 2012)).
ولا بد من القول إن النساء تقليديًا، قد أنيط بهن العمل المنزلي غير المأجور في الطبخ والرعاية، فيما احتكر الرجال نسبة معتبرة من المهن الاحترافية في المطاعم الراقية. هذا التوزيع ليس قدريًّا؛ إنه نتاج بنية عمل وأجور ومعايير مهنية تُقوِّم "الإبداع" و"القيادة" بطرق تُحابي الذكور. في المقابل، حافظت النساء على سلطةٍ "ناعمة" داخل البيت عبر "سيادة المطبخ"، حيث يُعاد إنتاج الذائقة العائلية وتنتقل الوصفات عبر الأجيال. وتوثّق الأدبيات كيف تحوّل الطهاة إلى "مشاهير" في القرن العشرين، بينما ظلّ عمل ملايين النساء غير مرئي اقتصاديًا رغم أنه يحمل المعرفة الموروثة، ويضمن أمن الغذاء الأسري. وفي السياق العربي، تُظهر بلقيس شرارة أن تاريخ الطبّاخ ليس هامشيًّا؛ بل هو صُلبُ الحضارة من حيث تنظيمه للمائدة وآدابها، واشتباكه مع مقامات الضيافة والوجاهة (بلقيس شرارة. 2000).
ولا بد من القول إن النساء تقليديًا، قد أنيط بهن العمل المنزلي غير المأجور في الطبخ والرعاية، فيما احتكر الرجال نسبة معتبرة من المهن الاحترافية في المطاعم الراقية. هذا التوزيع ليس قدريًّا؛ إنه نتاج بنية عمل وأجور ومعايير مهنية تُقوِّم "الإبداع" و"القيادة" بطرق تُحابي الذكور. في المقابل، حافظت النساء على سلطةٍ "ناعمة" داخل البيت عبر "سيادة المطبخ"، حيث يُعاد إنتاج الذائقة العائلية وتنتقل الوصفات عبر الأجيال. وتوثّق الأدبيات كيف تحوّل الطهاة إلى "مشاهير" في القرن العشرين، بينما ظلّ عمل ملايين النساء غير مرئي اقتصاديًا رغم أنه يحمل المعرفة الموروثة، ويضمن أمن الغذاء الأسري. وفي السياق العربي، تُظهر بلقيس شرارة أن تاريخ الطبّاخ ليس هامشيًّا؛ بل هو صُلبُ الحضارة من حيث تنظيمه للمائدة وآدابها، واشتباكه مع مقامات الضيافة والوجاهة (بلقيس شرارة. 2000).
عولمة الطعام؛ بين التوطين والمقاومة
في البدء يجب الحديث عن التهجين المذاقي (Glocalization)، إذ جعلت العولمة البيتزا والبرغر والسوشي مألوفةً في كل مدينة في مختلف دول العالم. لكن "العالمي" لا يَهبِط نقيًّا؛ بل يُعاد "توطينه" في أذواق محلية كما تمت الاشارة الى ذلك في اوراق بحثية سابقة، والامثلة على ذلك كثيرة: "برغر التيرياكي" في اليابان، "بيتزا الفلافل" في شرق المتوسط، وسلاسل عالمية تعدّل قوائمها بحسب السوق. يصف جيمس واتسن هذا بـ"الأقواس الذهبية شرقًا". فبراند عالمي واحد يتخذ حيوات محلية متعدّدة بحسب معنى العائلة، والإكراميات، ونُظُم النظافة، وتوقّعات الزبون ( (Appadurai.1988وفي المقابل، تستعيد حركات "الغذاء البطيء" ومبادرات "المزارع إلى المائدة" شرعيةَ "المحلي" بوصفه أصالةً وصحّةً واستدامةً (Wilk, Richard. 2006).
وأصبحنا نشهد تزايد عمليات تسجيل الأطباق كتراث غير مادي، وما يصحبها من "قومية ذوقية" حيث تُتَّخذ المأكولات علاماتٍ للسيادة الثقافية وحدود الأمة، من "حروب الحمص" إلى نزاعات البقلاوة والكسكسي. وبيّنت دراسات علم الاجتماع الثقافي أن "الأصالة" ليست خاصية جوهرية للطبق، بل نتيجة تفاوض بين الطهاة والمستهلكين والدولة والسوق؛ فما يُعدُّ "أصيلًا" اليوم قد يكون هجينيًّا بالأمس، والعكس صحيح (DeSoucey, Michaela.2010).
وفي أمريكا اللاتينية، يوضح جيفري بيلتشر كيف انتقل التاكو من طعام شارعٍ اقتصادي إلى رمز وطنيّ يُسوَّق عالميًّا عبر سرديات الأصل والمزرعة والذرة الموروثة، بينما تعيد مدن المكسيك تشكيله في مطابخ راقية بصفته "تراثًا مُعاصرًا" ( Pilcher, Jeffrey M. 2012). وفي شرق آسيا، ارتبط دخول الوجبات السريعة في الثمانينيات بصعود طبقة وسطى حضرية، لكن صعود الوعي الصحي والوطني أعاد الاعتبار للمطابخ التقليدية، لا رفضًا للعالمي بل تفاوضًا معه.
وأصبحنا نشهد تزايد عمليات تسجيل الأطباق كتراث غير مادي، وما يصحبها من "قومية ذوقية" حيث تُتَّخذ المأكولات علاماتٍ للسيادة الثقافية وحدود الأمة، من "حروب الحمص" إلى نزاعات البقلاوة والكسكسي. وبيّنت دراسات علم الاجتماع الثقافي أن "الأصالة" ليست خاصية جوهرية للطبق، بل نتيجة تفاوض بين الطهاة والمستهلكين والدولة والسوق؛ فما يُعدُّ "أصيلًا" اليوم قد يكون هجينيًّا بالأمس، والعكس صحيح (DeSoucey, Michaela.2010).
وفي أمريكا اللاتينية، يوضح جيفري بيلتشر كيف انتقل التاكو من طعام شارعٍ اقتصادي إلى رمز وطنيّ يُسوَّق عالميًّا عبر سرديات الأصل والمزرعة والذرة الموروثة، بينما تعيد مدن المكسيك تشكيله في مطابخ راقية بصفته "تراثًا مُعاصرًا" ( Pilcher, Jeffrey M. 2012). وفي شرق آسيا، ارتبط دخول الوجبات السريعة في الثمانينيات بصعود طبقة وسطى حضرية، لكن صعود الوعي الصحي والوطني أعاد الاعتبار للمطابخ التقليدية، لا رفضًا للعالمي بل تفاوضًا معه.
الطعام؛ فضاء لصراع الهوية والذاكرة والسياسة
أحيانًا، يتحوّل الطبق إلى جبهة صراع صريحة: مَنْ يملك "الحقيقة" التاريخية للكنافة أو البقلاوة أو الحمص؟ ليست هذه مجادلات سطحية؛ إنها معارك على الذاكرة والسيادة الرمزية. يذكّرنا أبّادوراي بأن التحكم في "من يقدِّم لمن؟ ومتى؟ وبأي شروط؟" هو جوهر "السياسات الغذائية" (. (Appadurai.1988. حين تعلن دولة ما امتلاك طبقٍ ما، فهي لا تضع علامة جغرافية فحسب، بل تصوغ "نحن" في مواجهة "هم" وتؤدي سيادةً ذوقية تتجاوز المطبخ إلى الثقافة والاقتصاد.
وفي المقابل، تُنتج الهجرةُ مطبخًا "هجينًا" يربك الحدود: مطابخ الشتات تُعيد تركيب النكهات بحسب المتاح والمسموح والمطلوب، فتولد طبقاتٌ جديدة من الانتماء: "شرق أوسطي–أمريكي"، "هندي–بريطاني"، "صيني–بيروفي". حيث الطبخات لا تنقل "الأصل" كما هو؛ بل تخلق أصولًا بديلة تعيش وتتكاثر، وتدخل بدورها في السوق العالمي للأصالة المعلَّبة.
وفي المقابل، تُنتج الهجرةُ مطبخًا "هجينًا" يربك الحدود: مطابخ الشتات تُعيد تركيب النكهات بحسب المتاح والمسموح والمطلوب، فتولد طبقاتٌ جديدة من الانتماء: "شرق أوسطي–أمريكي"، "هندي–بريطاني"، "صيني–بيروفي". حيث الطبخات لا تنقل "الأصل" كما هو؛ بل تخلق أصولًا بديلة تعيش وتتكاثر، وتدخل بدورها في السوق العالمي للأصالة المعلَّبة.
الخاتمة
تكشف هذه القراءة أن الطعام نصاً اجتماعياً مركّباً تتقاطع فيه مستويات الهوية والطبقة والمجال الاجتماعي والعولمة. فهو من جهة يضمخ معنى «نحن» بذكريات وطقوس وأماكن، ويعيد إنتاج الانتماء القومي والديني والمحلي عبر وجبات متكرّرة، تحمل في تفاصيلها قصص الجماعة وذاكرتها. ومن جهة أخرى، يعمل كآلية لتوزيع المكانات الاجتماعية؛ فاختيار المطعم أو الطبق أو حتى طريقة السرد عنه يصبح محطة للتمايز أو وسيلة لمحاولة الارتقاء الطبقي، إذ يختزن كل ذوقٍ رأس مال رمزي يكشف عن موقع صاحبه في السلم الاجتماعي.
وفي مستوى ثالث، يبرز الطعام بوصفه مجالًا اجتماعيًا يُعيد تقسيم الأدوار بين الريف والمدينة، وبين العمل المنزلي غير المرئي الذي تقوم به النساء، والعمل الاحترافي في المطاعم الذي ظل في الغالب ذكوريًا، بينما تتحول «البيتية» نفسها إلى علامة تجارية تُسوّق وتُباع. أما في ظل العولمة، فيفتح الطعام فضاءً واسعًا للتهجين والمقاومة معًا، حيث يتحوّل المحلي إلى علامة مسوّقة في الأسواق العالمية، بينما يعاد تشكيل العالمي ليأخذ طابعًا محليًا جديدًا وفق أذواق وثقافات مختلفة.
في كل لقمة إذن تُكتب قصة صغيرة عن الذاكرة والجسد والسلطة. ومن خلال تتبع هذه القصص، يصبح الطعام مدخلًا ضروريًا لفهم المجتمع: أين تُصنع الهويات؟ وكيف تُستعرض المكانات؟ ولماذا نقول "هذا نحن" و"ذاك ليس نحن" من خلال طبق واحد؟ إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا إلى قلب الحياة اليومية، حيث تختلط المتعة بالسياسة، ويتشابك الذوق مع الاقتصاد، ويصبح البيت والسوق وجهين لعملة واحدة.
مصادر الورقة البحثية:
• Appadurai, “How to Make a National Cuisine,” Comparative Studies in Society and History", 30(1), 1988.
• Appadurai, Arjun. “Gastro-Politics in Hindu South Asia.” American Ethnologist, Vol. 8, No. 3 (1981).
• Bourdieu, Pierre: A Social Critique of the Judgement of Taste. Harvard University Press, 1984.
• Counihan, Carole, & Van Esterik, Penny (Eds.). Food and Culture: A Reader. Routledge, 2012.
• DeSoucey, Michaela. “Gastronationalism: Food Traditions and Authenticity Politics in the European Union.” American Sociological Review, 75(3), 2010.
• Douglas, Mary. “Deciphering a Meal.” Daedalus, Vol. 101, No. 1 (1972).
• Eliade, Mircea. Myth and Reality. Harper & Row, 1963.
• Fischler, Claude. “Food, Self and Identity.” Social Science Information, 27(2), 1988.
• Goody, Jack. Cooking, Cuisine and Class: A Study in Comparative Sociology. Cambridge University Press, 1982.
• Naccarato, Peter, & LeBesco, Kathleen. Culinary Capital. Berg, 2012.
• Pilcher, Jeffrey M. Planet Taco: A Global History of Mexican Food. Oxford University Press, 2012.
• Watson, James L. (Ed.). Golden Arches East: McDonald’s in East Asia. Stanford University Press, 1997.
• Wilk, Richard (Ed.). Fast Food/Slow Food: The Cultural Economy of the Global Food System. Altamira Press, 2006.
وفي مستوى ثالث، يبرز الطعام بوصفه مجالًا اجتماعيًا يُعيد تقسيم الأدوار بين الريف والمدينة، وبين العمل المنزلي غير المرئي الذي تقوم به النساء، والعمل الاحترافي في المطاعم الذي ظل في الغالب ذكوريًا، بينما تتحول «البيتية» نفسها إلى علامة تجارية تُسوّق وتُباع. أما في ظل العولمة، فيفتح الطعام فضاءً واسعًا للتهجين والمقاومة معًا، حيث يتحوّل المحلي إلى علامة مسوّقة في الأسواق العالمية، بينما يعاد تشكيل العالمي ليأخذ طابعًا محليًا جديدًا وفق أذواق وثقافات مختلفة.
في كل لقمة إذن تُكتب قصة صغيرة عن الذاكرة والجسد والسلطة. ومن خلال تتبع هذه القصص، يصبح الطعام مدخلًا ضروريًا لفهم المجتمع: أين تُصنع الهويات؟ وكيف تُستعرض المكانات؟ ولماذا نقول "هذا نحن" و"ذاك ليس نحن" من خلال طبق واحد؟ إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا إلى قلب الحياة اليومية، حيث تختلط المتعة بالسياسة، ويتشابك الذوق مع الاقتصاد، ويصبح البيت والسوق وجهين لعملة واحدة.
مصادر الورقة البحثية:
• Appadurai, “How to Make a National Cuisine,” Comparative Studies in Society and History", 30(1), 1988.
• Appadurai, Arjun. “Gastro-Politics in Hindu South Asia.” American Ethnologist, Vol. 8, No. 3 (1981).
• Bourdieu, Pierre: A Social Critique of the Judgement of Taste. Harvard University Press, 1984.
• Counihan, Carole, & Van Esterik, Penny (Eds.). Food and Culture: A Reader. Routledge, 2012.
• DeSoucey, Michaela. “Gastronationalism: Food Traditions and Authenticity Politics in the European Union.” American Sociological Review, 75(3), 2010.
• Douglas, Mary. “Deciphering a Meal.” Daedalus, Vol. 101, No. 1 (1972).
• Eliade, Mircea. Myth and Reality. Harper & Row, 1963.
• Fischler, Claude. “Food, Self and Identity.” Social Science Information, 27(2), 1988.
• Goody, Jack. Cooking, Cuisine and Class: A Study in Comparative Sociology. Cambridge University Press, 1982.
• Naccarato, Peter, & LeBesco, Kathleen. Culinary Capital. Berg, 2012.
• Pilcher, Jeffrey M. Planet Taco: A Global History of Mexican Food. Oxford University Press, 2012.
• Watson, James L. (Ed.). Golden Arches East: McDonald’s in East Asia. Stanford University Press, 1997.
• Wilk, Richard (Ed.). Fast Food/Slow Food: The Cultural Economy of the Global Food System. Altamira Press, 2006.
المصادر العربية
- بلقيس شرارة، الطبّاخ ودوره في حضارة الإنسان: التطوّر التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة. بيروت: دار المدى، 2000.
- بلقيس شرارة، الطبّاخ ودوره في حضارة الإنسان: التطوّر التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة. بيروت: دار المدى، 2000.
المقال فصل من كتاب سينشر لاحقا