من التاريخ إلى مستقبل العراق 
يشهد العالم منذ العقود الأخيرة تحولات جذرية في بنية الاقتصاد والمجتمع والسياسة، قادتها ثورة علمية وتقنية غير مسبوقة نقلت البشرية من عصر الاقتصاد الصناعي إلى عصر اقتصاد المعرفة، الذي أصبحت فيه المعرفة العلمية والتكنولوجيا والابتكار أهم مصادر القوة والثروة والنفوذ. ولم تعد الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي وحدهما كافيين لتحقيق التنمية المستدامة، بل أصبح رأس المال المعرفي والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتوظيفها يمثلان العامل الحاسم في تحديد مكانة الدول ضمن النظام الدولي.
لقد أثبت التاريخ الإنساني، عبر آلاف السنين، أن تقدم الحضارات لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة لتوافر الموارد الطبيعية وحدها، بل كان ثمرة مباشرة لتراكم المعرفة العلمية، وتطور التقنيات، وقدرة المجتمعات على توظيفهما في بناء مؤسسات قوية وتنظيم شؤون الدولة وتحقيق التنمية الشاملة. فالعلم لم يكن في أي مرحلة من مراحل التاريخ مجرد نشاط فكري أو ثقافي معزول، بل كان دائمًا قوة دافعة لإحداث التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية التي غيرت مسار الحضارات، وأسهمت في انتقال البشرية من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدمًا.
وتكشف دراسة التاريخ المقارن للحضارات أن الأمم التي استطاعت إنتاج المعرفة، وتطوير وسائل التعليم، وتشجيع البحث والتجريب، كانت الأكثر قدرة على إنشاء مؤسسات إدارية مستقرة، وتنظيم النشاط الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير قدراتها الدفاعية، وبناء نظم قانونية وإدارية أكثر كفاءة. وفي المقابل، فإن الحضارات التي توقفت عن إنتاج المعرفة، أو اكتفت باستهلاك ما ينتجه الآخرون، دخلت تدريجيًا في مراحل من الجمود والتراجع، مهما بلغت ثرواتها أو اتسعت أراضيها.
الحضارات القديمة
تُعد حضارات بلاد الرافدين من أقدم النماذج التاريخية التي تجسد العلاقة الوثيقة بين العلم وبناء الدولة. فقد أسهم السومريون والبابليون والآشوريون في تطوير الكتابة المسمارية، التي شكلت نقطة تحول في تاريخ الإنسانية، إذ أتاحت تسجيل المعارف، وإدارة شؤون الدولة، وتنظيم التجارة، وحفظ القوانين. كما حقق علماء بلاد الرافدين إنجازات مهمة في الرياضيات وعلم الفلك والهندسة، وابتكروا نظمًا متقدمة للري والزراعة، مما ساعد على استقرار المجتمعات وزيادة الإنتاج الزراعي وتعزيز قوة الدولة. ويعد قانون حمورابي مثالًا مبكرًا على توظيف المعرفة في بناء مؤسسات قانونية وإدارية تنظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي مصر القديمة، ارتبط ازدهار الدولة ارتباطًا وثيقًا بتطور علوم الهندسة والرياضيات والفلك والطب. فقد تطلب تشييد الأهرامات والمعابد مستوى متقدمًا من المعرفة الهندسية والتنظيم الإداري، كما أسهمت الخبرة في إدارة مياه نهر النيل في تطوير نظم الري والزراعة، وهو ما وفر فائضًا اقتصاديًا مكّن الدولة من بناء جهاز إداري مركزي قوي، ورعاية الفنون والعلوم، وتعزيز الاستقرار السياسي لقرون طويلة.
أما الحضارة الصينية، فقد قدمت نموذجًا آخر للعلاقة بين الابتكار العلمي والقوة الحضارية، حيث شهدت اختراعات غيرت مجرى التاريخ، مثل صناعة الورق، والطباعة، والبارود، والبوصلة. ولم تقتصر أهمية هذه الابتكارات على أثرها المحلي، بل امتدت إلى مختلف أنحاء العالم، وأسهمت في تطور التجارة والملاحة والاتصالات والقدرات العسكرية. كما تميزت الصين ببناء جهاز إداري يعتمد على الكفاءة العلمية من خلال نظام الامتحانات الإمبراطورية، الذي كان من أوائل النظم التي ربطت تقلد الوظائف العامة بالمؤهلات والمعرفة.
أما في الحضارة اليونانية، فتطور التفكير العلمي والفلسفي بصورة غير مسبوقة، حيث وضع فلاسفة وعلماء مثل طاليس، وفيثاغورس، وأبقراط، وأرسطو، وأرخميدس أسس المنهج العقلي الذي يقوم على الملاحظة والتحليل والاستنتاج. وقد شكل هذا الإرث الفكري الأساس الذي بنيت عليه العلوم الطبيعية والرياضية في العصور اللاحقة، وأصبح المرجعية الفكرية للحضارة الغربية خلال عصر النهضة والثورة العلمية.
لكن، مع ظهور حضارة الاسلام، شهد العالم مرحلة جديدة من التقدم العلمي، اتسمت ليس فقط بالحفاظ على التراث العلمي للحضارات السابقة، بل بإعادة إنتاجه وتطويره وإضافة إسهامات أصيلة في مختلف فروع المعرفة. فقد أصبحت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة مراكز عالمية للعلم والتعليم، وأنشئت المكتبات الكبرى وبيوت الحكمة والمراصد الفلكية والمستشفيات التعليمية، وترجمت المؤلفات اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية، ثم أضيفت إليها بحوث وابتكارات جديدة.
أسهم علماء هذه الحضارة في تطوير الرياضيات والجبر والبصريات والكيمياء والطب والفلك والهندسة والجغرافيا، وكان لأعمال علماء مثل الخوارزمي وابن الهيثم والرازي وابن سينا والبيروني وجابر بن حيان أثر بالغ في تطور العلوم العالمية. ولم تقتصر هذه الإنجازات على الجانب النظري، بل انعكست في تحسين الإدارة، وتطوير الزراعة والصناعة والتجارة، وتعزيز القوة الاقتصادية للدولة، كما أصبحت الجامعات ومراكز البحث العلمي قبلة للطلاب والعلماء من مختلف أنحاء العالم.
فقد انتقلت هذه المعارف إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية وحركة الترجمة، لتصبح أحد الأسس الفكرية التي مهدت لعصر النهضة الأوروبية. ومن ثم بدأت أوروبا مرحلة جديدة من التحول العلمي مع الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، التي رسخت المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والقياس والبرهان، وأسهمت في تحرير البحث العلمي من القيود التقليدية. وأسفرت اكتشافات علماء مثل كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر ونيوتن عن تغيير جذري في فهم الإنسان للطبيعة، ووضعت الأسس العلمية التي قامت عليها التكنولوجيا الحديثة.
ثم جاءت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر لتبرهن بصورة عملية أن المعرفة العلمية يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية هائلة. فقد أدى توظيف الاكتشافات العلمية في الصناعة إلى زيادة الإنتاج، وتطوير وسائل النقل والاتصالات، وظهور المصانع الحديثة، وارتفاع مستويات الدخل، ونمو التجارة العالمية، وتحول ميزان القوة الاقتصادية لصالح الدول التي استثمرت في العلم والابتكار. وتتابعت بعد ذلك الثورات الصناعية الثانية والثالثة والرابعة، التي اتسمت بدخول الكهرباء، والإلكترونيات، والحاسبات، والإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، مما أدى إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة التقدم العلمي والتكنولوجي.
إن استقراء التاريخ يقود إلى حقيقة جوهرية مفادها أن العلم والتكنولوجيا ليسا قطاعين منفصلين عن عملية التنمية، وإنما يمثلان الأساس الذي تُبنى عليه قوة الدولة الحديثة. فكلما ارتفعت قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات اقتصادية وصناعية، ازدادت قدرته على تحقيق النمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن الوطني، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ مكانته في النظام الدولي. وعلى العكس من ذلك، فإن الاعتماد المستمر على استيراد التكنولوجيا دون امتلاك القدرة على إنتاجها أو تطويرها يكرس التبعية ويحد من فرص التنمية المستدامة.
تشكل هذه الحقيقة المنطلق الفكري لهذا المقال، الذي ينطلق من أن بناء مستقبل العراق لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إعادة الاعتبار للعلم والبحث العلمي والتكنولوجيا بوصفها أدوات استراتيجية لبناء الدولة الحديثة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية المستدامة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والابتكار والإبداع.
أهمية العلوم والتكنولوجيا في العصر الحديث
تؤكد التجارب المعاصرة أن الدول التي استثمرت بصورة منهجية في التعليم والبحث العلمي والابتكار، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وألمانيا والصين، استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل من اقتصادات محدودة الموارد إلى قوى اقتصادية وتقنية عالمية. ولم يكن العامل الحاسم في هذه التجارب هو وفرة الثروات الطبيعية، بل بناء الإنسان، وإنشاء مؤسسات علمية رصينة، وربط الجامعات بالصناعة، واعتماد سياسات وطنية تجعل من البحث العلمي والابتكار ركيزة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
في القرن الحادي والعشرين تسارعت وتيرة التقدم العلمي بصورة غير مسبوقة مع ظهور الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والتكنولوجيا الحيوية، وإنترنت الأشياء، والروبوتات، وتقنيات النانو، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والاقتصاد الرقمي.
لم تعد هذه التقنيات مجرد أدوات لتحسين الإنتاج، وإنما أصبحت تؤثر في جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، بل وأصبحت تحدد مستقبل الدول وقدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
أصبح الاستثمار في البحث العلمي والابتكار أحد أهم مؤشرات تقدم الدول، حيث تتنافس الحكومات على زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، واستقطاب العلماء، ودعم الجامعات، وإنشاء المدن العلمية، وتحفيز الشركات الناشئة، وتطوير البيئة التشريعية الداعمة للإبداع. كما برزت مؤشرات دولية تقيس مستوى الابتكار، وجودة التعليم، وعدد براءات الاختراع، والنشر العلمي، لتصبح مرآة تعكس قدرة الدول على إنتاج المعرفة وليس فقط استهلاكها.
في المقابل، تواجه الدول النامية تحديات كبيرة تتمثل في ضعف الإنفاق على البحث العلمي، وهجرة الكفاءات، والاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، وضعف الترابط بين الجامعات وقطاعات الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة العلمية والتكنولوجية بينها وبين الدول المتقدمة.
من هنا أصبحت العلوم والتكنولوجيا ليست قطاعًا منفصلًا عن التنمية، بل هي الإطار الذي ترتكز عليه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية، وأصبحت التنمية العلمية والتكنولوجية شرطًا أساسيًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وبناء اقتصاد قادر على المنافسة عالميًا.
الإشكالية في العراق
يمثل العراق حالة جديرة بالدراسة عند بحث العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والتنمية، فهو بلد يمتلك إرثًا حضاريًا وعلميًا استثنائيًا يعود إلى بدايات نشوء الكتابة والحساب والفلك والإدارة في حضارات وادي الرافدين، كما يمتلك قاعدة واسعة من الموارد البشرية والطبيعية، ومؤسسات جامعية وبحثية تمتد جذورها إلى عقود طويلة. وكان العراق، في مراحل مختلفة من تاريخه الحديث، يمتلك قدرات علمية وتقنية كان يمكن أن تشكل أساسًا لبناء اقتصاد حديث قائم على المعرفة والإنتاجية والابتكار.
إلا أن هذا الرصيد الحضاري والبشري لم يتحول، بالقدر المطلوب، إلى منظومة وطنية مستدامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار قادرة على إنتاج المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتحويل نتائج البحث العلمي إلى منتجات وخدمات وقيمة اقتصادية واجتماعية. فقد تعرضت المنظومة العلمية العراقية خلال العقود الماضية إلى سلسلة متراكمة من الصدمات والتحديات، كان من أبرزها سياسات المحاصصة التي أقصت التخصصات عن أخذ موقعها المطلوب، والحروب والصراعات المسلحة، وتدهور الأوضاع الأمنية، وعدم الاستقرار السياسي والمؤسسي، وتراجع الموارد المخصصة للبحث والتطوير، وتضرر البنية التحتية العلمية والجامعية، وهجرة أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية والتقنية.
لقد أدى تراكم هذه العوامل إلى إضعاف البيئة التي يحتاجها العلم لكي يتطور بصورة طبيعية؛ فالبحث العلمي لا يزدهر في ظل الانقطاع المستمر في التمويل أو ضعف المختبرات أو غياب الاستقرار المؤسسي، كما أن الجامعات ومراكز البحوث لا تستطيع أداء دورها التنموي إذا بقيت منفصلة عن احتياجات الاقتصاد والمجتمع والقطاع الإنتاجي.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما لا تتوافر سياسة وطنية مستقرة وطويلة الأجل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، تتجاوز التغيرات الحكومية والإدارية الدورية، وتحدد بوضوح الأولويات العلمية والتكنولوجية للدولة، وحجم الموارد التي ينبغي تخصيصها لها، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، وآليات قياس نتائجها. فالتقدم العلمي لا يتحقق من خلال قرارات متفرقة أو مبادرات مؤقتة، وإنما يحتاج إلى استراتيجية ممتدة لعقود، وإلى مؤسسات مستقرة تستطيع تنفيذها وتقييمها وتطويرها. (مثال صارخ على ذلك؛ دمج وزارة العلوم والتكنولوجيا مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بقرار مجلس الوزراء -الأمر الديواني رقم (312) لسنة 2015- ثم ارتبطت إجراءات تنفيذ الدمج لاحقًا بقرار- مجلس الوزراء رقم (87) لسنة 2016).
من المشكلات المهمة كذلك ضعف العلاقة بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الإنتاجي. إذ ما تزال هناك فجوة بين جزء من النشاط البحثي في الجامعات ومراكز البحث وبين احتياجات الصناعة والزراعة والطاقة والصحة والمياه والخدمات. ويؤدي غياب هذه العلاقة إلى انخفاض قدرة الاقتصاد على الاستفادة من المعرفة المنتجة محليًا، بحيث تبقى نسبة من البحوث في إطارها الأكاديمي دون أن تتحول إلى براءات اختراع أو منتجات أو تقنيات أو شركات ناشئة أو حلول عملية للمشكلات الوطنية.
كما أن هجرة الكفاءات العلمية والتقنية تمثل خسارة مضاعفة؛ فالدولة لا تفقد العالم أو المهندس أو الطبيب بوصفه فردًا فحسب، وإنما تفقد معه سنوات من الاستثمار في التعليم والتدريب والخبرة، إضافة إلى الشبكات العلمية والعلاقات الدولية التي يمتلكها. ولذلك فإن معالجة مشكلة هجرة العقول لا ينبغي أن تقتصر على محاولة منع الهجرة، وإنما ينبغي أن تتضمن بناء بيئة تجعل العراق قادرًا على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها وإعادة إشراك العلماء العراقيين في الخارج في مشاريع التنمية والبحث والابتكار داخل البلاد.
كما تبرز كذلك مشكلة ضعف البنية التحتية العلمية والتكنولوجية، بما في ذلك المختبرات ومراكز البحث وقواعد البيانات وشبكات الاتصالات والمنظومات الرقمية ومرافق الاختبار والتطوير. فالبحث العلمي الحديث أصبح يعتمد بصورة متزايدة على بنية تحتية متقدمة ومكلفة، ولا يمكن للباحث العراقي أن ينافس عالميًا إذا لم تتوافر له الأدوات والمختبرات وقواعد البيانات والبرمجيات والموارد اللازمة لإجراء البحوث الحديثة.
تتصل بهذه المشكلة قضية ضعف التمويل واستدامته. فالإنفاق على البحث والتطوير ينبغي ألا ينظر إليه بوصفه نفقات استهلاكية، بل باعتباره استثمارًا طويل الأجل في القدرة الإنتاجية للدولة. وتحتاج الدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة إلى موارد مستقرة للجامعات ومراكز البحوث، وإلى آليات تمويل تنافسية تشجع البحوث ذات الجودة والأولوية الوطنية، وإلى تمويل يربط البحث العلمي بالتطبيقات الاقتصادية والاجتماعية.
من الجوانب التي تستحق الدراسة أيضًا أثر ضعف الحوكمة والإدارة العامة في أداء المنظومة العلمية والتكنولوجية. فالتكنولوجيا وحدها لا تستطيع إصلاح المؤسسات إذا لم تكن هناك إرادة مؤسسية لاستخدامها. وقد أدى التأخر في اعتماد وتطبيق بعض تطبيقات الحكومة الرقمية، وقواعد البيانات المترابطة، وأنظمة الإدارة الإلكترونية، وتحليل البيانات في صناعة القرار، إلى استمرار أنماط إدارية تقليدية تحد من الكفاءة والشفافية وسرعة اتخاذ القرار. ولذلك فإن التحول الرقمي ينبغي أن ينظر إليه باعتباره إصلاحًا مؤسسيًا وليس مجرد إدخال أجهزة وبرمجيات جديدة.
في هذا السياق، فإن ما يمكن وصفه بـ التأخر أو المقاومة المؤسسية في تبني التقنيات الحديثة ونظم الحوكمة الرقمية يمثل أحد عناصر الإشكالية، وينبغي تحليله بصورة علمية بعيدًا عن التعميم. فالمشكلة ليست بالضرورة في غياب التكنولوجيا، وإنما في ضعف القدرة المؤسسية على اختيار التكنولوجيا المناسبة، وتمويلها، وتطبيقها، وربطها بإصلاح الإجراءات، وقياس أثرها. وقد يؤدي إدخال التكنولوجيا دون إصلاح المؤسسة إلى تحويل الإجراءات القديمة إلى إجراءات إلكترونية دون تحقيق التحول الحقيقي في الأداء.
إن المحاصصة السياسية وضعف معايير الكفاءة والاستحقاق المؤسسي، متى ما أثرت في التعيين أو إدارة المؤسسات العلمية والبحثية وتوزيع الموارد، يمكن أن تضعف قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها العلمية. ولذلك فإن بناء منظومة علمية فعالة يتطلب تعزيز مبادئ الكفاءة والاستقلالية الأكاديمية والشفافية والمساءلة والتنافس على أساس الجدارة، مع حماية المؤسسات العلمية من التقلبات السياسية والإدارية.
من هنا تتجاوز الإشكالية العراقية مسألة نقص التكنولوجيا إلى مشكلة أعمق تتمثل في ضعف القدرة على إدارة المعرفة وإنتاجها وتوطينها وتحويلها إلى قوة اقتصادية وتنموية. فالعراق يستطيع شراء أحدث المعدات والبرمجيات، ولكنه لن يتحول إلى اقتصاد معرفي بمجرد استيراد التكنولوجيا. إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء القدرة الوطنية على فهم التكنولوجيا وتكييفها وتطويرها وإنتاج جزء منها، وربطها بالجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية.
تظهر أهمية هذه الإشكالية بصورة أكبر في ظل التحولات العالمية المتسارعة، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات. فالفجوة بين الدول لا تقاس اليوم فقط بامتلاك المصانع والموارد الطبيعية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة والاستفادة من التكنولوجيا بسرعة وكفاءة.
وعليه، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه الحالة العراقية لا يتمثل في: هل يمتلك العراق الموارد اللازمة للتقدم العلمي والتكنولوجي؟ فالعراق يمتلك بالفعل عناصر مهمة من هذه الموارد؛ وإنما يتمثل السؤال في:
لماذا لم تتحول الموارد البشرية والطبيعية والإرث العلمي والحضاري للعراق إلى منظومة وطنية مستدامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار قادرة على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وما الإصلاحات المؤسسية والتمويلية والتعليمية والتكنولوجية اللازمة لتحويل العراق من مستهلك للتكنولوجيا إلى مشارك في إنتاجها وتطويرها؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الأساسية: كيف يمكن إعادة بناء المؤسسات العلمية والبحثية؟ وكيف يمكن وقف نزيف الكفاءات واستعادة جزء من الطاقات العلمية العراقية في الداخل والخارج؟ وكيف يمكن زيادة فاعلية الإنفاق على البحث والتطوير؟ وكيف يمكن ربط الجامعات بالصناعة والاقتصاد؟ وما السياسات اللازمة لتشجيع الابتكار والشركات التكنولوجية؟ وكيف يمكن توظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في إصلاح الإدارة العامة؟ وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع العلمي في بناء نظام وطني عراقي للابتكار؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل جوهر الإشكالية التي يجب دراستها؛ إذ ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن التنمية المستدامة في العراق لن تتحقق بالاعتماد على الموارد الطبيعية وحدها، وإنما تتطلب بناء منظومة متكاملة تجعل العلم والتكنولوجيا والابتكار جزءًا من صميم السياسة الاقتصادية والإدارة العامة والتعليم والتنمية الوطنية.
من هذا المنظور، فإن استعادة العراق لدوره العلمي لا ينبغي أن تكون مجرد محاولة لاستعادة ماضٍ حضاري مجيد، وإنما ينبغي أن تكون مشروعًا للمستقبل يقوم على إنتاج المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء رأس المال البشري، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، والتحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع. فالإرث الحضاري يمكن أن يكون مصدر إلهام، لكنه لا يتحول إلى قوة تنموية إلا عندما يتحول إلى مؤسسات حديثة وسياسات فعالة وقدرات علمية متجددة.