تعريف الأوليغارشية
يرد مصطلح الأوليغارشية في الدراسات والأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة التي تناقش أنظمة الحكم سواء في البلدان المتقدمة أو النامية، ولكن من زوايا رصد وتحليل قد تتباين بحسب الأنظمة السياسية إن كانت ديمقراطية أو مستبدة، لكنها تتفق على أن هذا المصطلح يرتبط بحكم القلة التي تشرك في منحدرها الطبقي أو الاجتماعي أو السياسي أو هذه الجوانب معا. ويمكن استخدام مفهوم الأوليغارشية عندما ينتقل الحديث من التعريف إلى الدور الذي تلعبه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
الأوليغارشية مصطلح يوناني الأصل مشتق من كلمتين الأولى oligo وتعني قليل والثانية archy وتعني الحكم أو الحكومة ليصبح المعنى حكم القلة. ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابات هيرودوت المؤرخ اليوناني، وأشار إليه أرسطو في كتابه السياسة: "عندما تكون السيطرة على الحكومة في أيدي أولئك الذين يملكون الثروات". ويرى أرسطو، أن هذا النظام فاسد، إذ يُفضي إلى حكم أفراد غير أكفاء وغير جديرين بالثقة. وكانت المواطنة في تلك الحقبة تعني المواطنين من الذكور البالغين ولا تشمل النساء والأطفال والأجانب والحرفيين وكل من يقوم بأعمال الخدمة العامة. فالأوليغارشية فئة من السكان أكثر ثراء حتى من الأثرياء العاديين، وتصل إلى مناصب الدولة العليا بطرق رسمية أو تقوم بشرائها بالأموال. واستمرت الأوليغارشية كمصطلح سياسي حتى عصرنا الحاضر وبرزت أكثر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 وظهور الأغنياء الروس(1) الذين سيطروا على المفاصل الاقتصادية واكتسبوا عبرها نفوذا سياسيا مباشرا أو غير مباشر.
يشير مصطلح الأوليغارشية كذلك إلى شكل من أشكال الحكم تتركز فيه السلطة السياسية في أيدي مجموعة صغيرة من الأفراد أو العائلات، وغالبا ما يتميزون بثروتهم ونفوذهم. وعلى مر التاريخ، ظهرت أنظمة أوليغارشية، لا سيما بعد فترات الاضطرابات، حيث يسيطر عدد قليل من الأفراد، مما يؤدي أحيانا إلى حكم استبدادي أو حكم الملكيات.
في الواقع، غالبا ما تكون أنظمة حكم القلة حكرا على عدد قليل من العائلات النافذة. وقد لا تُمارس هذه العائلات سلطتها علنا، بل تُمارسها سرا، من خلال التلاعب السياسي والضغط الاقتصادي على المؤسسات الحاكمة(2) عبر آليات قد تكون متباينة بحسب تباين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هناك بعض التداخل بين الأوليغارشية، والحكم المطلق، وحكم الأثرياء، والأرستقراطية. فالحكم المطلق يُشير إلى حكم الفرد. أما حكم الأثرياء فيكون في مجتمعات يحكم فيها الأكثر ثراء دون عوائق. وفي الأرستقراطية، يكون الحكم عادة في أيدي النبلاء. مع ذلك، لا يُشترط بالضرورة أن يكون المرء من النبلاء ليُصبح عضوا حاكما في نظام حكم القلة(3)، فيمكن أن ينحدر من عائلات لها نفوذ اقتصادي وسياسي.
حاليا، يستخدم مصطلح الأوليغارشية على نطاق واسع لوصف الأنظمة السياسية الحديثة التي يمارس فيها الأثرياء نفوذا سياسيا غير متناسب. في ظل هذه الأنظمة، يمكن للأوليغارشية أن تتعايش مع المؤسسات الديمقراطية، ولا يشترط أن يشغل الأثرياء مناصب حكومية رسمية للوصول إلى السلطة، وإنما يمكن أن يكون تأثيرهم السياسي الاقتصادي غير مباشر. وكذلك يستخدم هذا المصطلح في البلدان النامية خصوصا في وصف الأنظمة المستبدة التي يكون اقتصادها الوطني ريعيا، حيث يستخدم هذا الريع لتعزيز مواقع الأوليغارشية الاقتصادية والسياسية الداعمة للحكم؛ أي يكون هناك تخادم في المصالح.
لمحة تاريخية
يرد مصطلح الأوليغارشية في الدراسات والأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة التي تناقش أنظمة الحكم سواء في البلدان المتقدمة أو النامية، ولكن من زوايا رصد وتحليل قد تتباين بحسب الأنظمة السياسية إن كانت ديمقراطية أو مستبدة، لكنها تتفق على أن هذا المصطلح يرتبط بحكم القلة التي تشرك في منحدرها الطبقي أو الاجتماعي أو السياسي أو هذه الجوانب معا. ويمكن استخدام مفهوم الأوليغارشية عندما ينتقل الحديث من التعريف إلى الدور الذي تلعبه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
الأوليغارشية مصطلح يوناني الأصل مشتق من كلمتين الأولى oligo وتعني قليل والثانية archy وتعني الحكم أو الحكومة ليصبح المعنى حكم القلة. ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابات هيرودوت المؤرخ اليوناني، وأشار إليه أرسطو في كتابه السياسة: "عندما تكون السيطرة على الحكومة في أيدي أولئك الذين يملكون الثروات". ويرى أرسطو، أن هذا النظام فاسد، إذ يُفضي إلى حكم أفراد غير أكفاء وغير جديرين بالثقة. وكانت المواطنة في تلك الحقبة تعني المواطنين من الذكور البالغين ولا تشمل النساء والأطفال والأجانب والحرفيين وكل من يقوم بأعمال الخدمة العامة. فالأوليغارشية فئة من السكان أكثر ثراء حتى من الأثرياء العاديين، وتصل إلى مناصب الدولة العليا بطرق رسمية أو تقوم بشرائها بالأموال. واستمرت الأوليغارشية كمصطلح سياسي حتى عصرنا الحاضر وبرزت أكثر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 وظهور الأغنياء الروس(1) الذين سيطروا على المفاصل الاقتصادية واكتسبوا عبرها نفوذا سياسيا مباشرا أو غير مباشر.
يشير مصطلح الأوليغارشية كذلك إلى شكل من أشكال الحكم تتركز فيه السلطة السياسية في أيدي مجموعة صغيرة من الأفراد أو العائلات، وغالبا ما يتميزون بثروتهم ونفوذهم. وعلى مر التاريخ، ظهرت أنظمة أوليغارشية، لا سيما بعد فترات الاضطرابات، حيث يسيطر عدد قليل من الأفراد، مما يؤدي أحيانا إلى حكم استبدادي أو حكم الملكيات.
في الواقع، غالبا ما تكون أنظمة حكم القلة حكرا على عدد قليل من العائلات النافذة. وقد لا تُمارس هذه العائلات سلطتها علنا، بل تُمارسها سرا، من خلال التلاعب السياسي والضغط الاقتصادي على المؤسسات الحاكمة(2) عبر آليات قد تكون متباينة بحسب تباين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هناك بعض التداخل بين الأوليغارشية، والحكم المطلق، وحكم الأثرياء، والأرستقراطية. فالحكم المطلق يُشير إلى حكم الفرد. أما حكم الأثرياء فيكون في مجتمعات يحكم فيها الأكثر ثراء دون عوائق. وفي الأرستقراطية، يكون الحكم عادة في أيدي النبلاء. مع ذلك، لا يُشترط بالضرورة أن يكون المرء من النبلاء ليُصبح عضوا حاكما في نظام حكم القلة(3)، فيمكن أن ينحدر من عائلات لها نفوذ اقتصادي وسياسي.
حاليا، يستخدم مصطلح الأوليغارشية على نطاق واسع لوصف الأنظمة السياسية الحديثة التي يمارس فيها الأثرياء نفوذا سياسيا غير متناسب. في ظل هذه الأنظمة، يمكن للأوليغارشية أن تتعايش مع المؤسسات الديمقراطية، ولا يشترط أن يشغل الأثرياء مناصب حكومية رسمية للوصول إلى السلطة، وإنما يمكن أن يكون تأثيرهم السياسي الاقتصادي غير مباشر. وكذلك يستخدم هذا المصطلح في البلدان النامية خصوصا في وصف الأنظمة المستبدة التي يكون اقتصادها الوطني ريعيا، حيث يستخدم هذا الريع لتعزيز مواقع الأوليغارشية الاقتصادية والسياسية الداعمة للحكم؛ أي يكون هناك تخادم في المصالح.
لمحة تاريخية
في إيطاليا قديما، كان يُقصد بالحكومة الشعبية حكومة ذات قاعدة شعبية واسعة تضم نسبة كبيرة من المواطنين الذكور البالغين من مختلف المجموعات الاجتماعية والتي يمكن أن تشارك في المجالس الحكومية، وسيكونون مؤهلين لشغل مناصب سياسية وإدارية منتخبة. كانت مثل هذه الحكومات شائعة أكثر في إيطاليا في القرن الخامس عشر أكثر مما في القرن السادس عشر، حيث انحصرت المشاركة في الحكومة في الأنظمة الأوليغارشية في مجموعة ضيقة من أصحاب الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، غالباً ما تكون وراثية، وقد اعتُبرت هذه الطريقة هي القاعدة. عمليا، معظم الحكومات المدنية في عصر النهضة في إيطاليا كانت مزيجا من الحكومات الشعبية والأوليغارشية. وفي قلب العديد من الأنظمة ذات القاعدة الواسعة، توجد مجموعة أصغر من الرجال الذين يميلون إلى شغل مناصب سياسية مهمة على نحو متكرر أكثر من نظرائهم، والذين تحظى آراؤهم بوزن أكبر في المجالس. من ناحية أخرى، يمكن الحد من نفوذ الأوليغارشية من خلال المؤسسات أو الإجراءات أو التقاليد التي توفر فرصا لأولئك الذين خارج الدائرة المغلقة للتعبير عن آرائهم بقبول أو رفض السياسات والمقترحات أو المشاركة في العمليات الانتخابية للمناصب التي لم يكونوا يطمحون إلى شغلها بأنفسهم. في كلا النظامين، يجري استحضار مفهوم الشعب في أوقات الأزمات والاضطرابات السياسية بوصفه تجسيدا للسلطة الدستورية والأخلاقية التي استند إليها النظام السياسي(4). وهذا الاستحضار يكون في الغالب من أجل تجاوز تلك الأوقات الصعبة لا الإيمان بأن الشعب مصدر السلطة.
تؤكد وقائع التاريخ أن إنكلترا في عصر أسرة تيودور (1485 - 1603) لم تملك جيوشا ضخمة، ولا إدارات بيروقراطية متوغلة في المجتمع المدني، بل لم يكن باستطاعة ملوك الإنكليز أن يحكموا إلا من خلال التعاون مع الوجهاء المحليين الأقوياء وأعيان المقاطعات البرلمانية وأوليغارشية التجار في لندن(5).
ولا توجد في بريطانيا وزارة في الفترة 1722 - 1783، كان بإمكانها تجاهل آراء أكبر مجموعتين تجاريتين للضغط في مجلس العموم، والمتمثلة في مصالح شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية. على الرغم من أن الوضعية تغيرت على نحو حاسم تحت حكم الملك جورج الثالث. وكانت مصالح شركة الهند الغربية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الثامن عشر، تتكون من مزارعي قصب السكر أو من مزارعين سابقين، والتجار الذين يتعاملون مع منطقة الكاريبي، ومن مالكي الأراضي الأثرياء الغائبين. وفي المجلس التشريعي، عادةً ما يكون هناك على الأقل ثلاثون من مدراء البنوك أو الشركات، وأعضاء المجلس البلدي، ويشغل تجار لندن الآخرون أو الحرفيون مقاعد المقاطعات الإقليمية، ويمكن لشركات المدينة، بالتعاون مع أعضاء البرلمان المتعاطفين، تنظيم وابل من الالتماسات والخطابات والتعليمات الداعمة(6) لمصالح القلة الاقتصادية والسياسية المسيطرة على الحكم.
في هولندا تاريخيا لم تكن الدولة قوية، نظرا إلى أن الحكومة الهولندية كانت مجرّد اتحاد فدرالي لأوليغارشيات التجار، على الرغم من دورها في نشوء الاقتصاد الرأسمالي العالمي(7)، والذي عزز هذا الدور هو أنها كانت من الدول الاستعمارية المهمة في وقته، قبل أن تتجاوزها بريطانيا وفرنسا في هذا الجانب.
تؤكد وقائع التاريخ أن إنكلترا في عصر أسرة تيودور (1485 - 1603) لم تملك جيوشا ضخمة، ولا إدارات بيروقراطية متوغلة في المجتمع المدني، بل لم يكن باستطاعة ملوك الإنكليز أن يحكموا إلا من خلال التعاون مع الوجهاء المحليين الأقوياء وأعيان المقاطعات البرلمانية وأوليغارشية التجار في لندن(5).
ولا توجد في بريطانيا وزارة في الفترة 1722 - 1783، كان بإمكانها تجاهل آراء أكبر مجموعتين تجاريتين للضغط في مجلس العموم، والمتمثلة في مصالح شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية. على الرغم من أن الوضعية تغيرت على نحو حاسم تحت حكم الملك جورج الثالث. وكانت مصالح شركة الهند الغربية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الثامن عشر، تتكون من مزارعي قصب السكر أو من مزارعين سابقين، والتجار الذين يتعاملون مع منطقة الكاريبي، ومن مالكي الأراضي الأثرياء الغائبين. وفي المجلس التشريعي، عادةً ما يكون هناك على الأقل ثلاثون من مدراء البنوك أو الشركات، وأعضاء المجلس البلدي، ويشغل تجار لندن الآخرون أو الحرفيون مقاعد المقاطعات الإقليمية، ويمكن لشركات المدينة، بالتعاون مع أعضاء البرلمان المتعاطفين، تنظيم وابل من الالتماسات والخطابات والتعليمات الداعمة(6) لمصالح القلة الاقتصادية والسياسية المسيطرة على الحكم.
في هولندا تاريخيا لم تكن الدولة قوية، نظرا إلى أن الحكومة الهولندية كانت مجرّد اتحاد فدرالي لأوليغارشيات التجار، على الرغم من دورها في نشوء الاقتصاد الرأسمالي العالمي(7)، والذي عزز هذا الدور هو أنها كانت من الدول الاستعمارية المهمة في وقته، قبل أن تتجاوزها بريطانيا وفرنسا في هذا الجانب.
خلفية نظرية
في العقد الأخير، تزايدت أهمية تطبيق مفهوم الأوليغارشية على كوميونات العصور الوسطى، بالتوازي مع ظهور انتقادات لنظرية النخبة، وأصبح ذلك أيضا موضع جدل. الأدلة لصالح وجود الأوليغارشية أو ضد وجودها في كوميونات أواخر القرون الوسطى ترافقت وترابطت على نحو وثيق مع تفسير الصراع بين النبلاء والشعب(8) والذي أدى إلى نهاية عصر الاقطاع وصعود البرجوازية ومن ثم الرأسمالية.
هيمن عمل روبرت ميشيلز المتمثّل في "القانون الحديدي للأوليغارشية" فعلياً على المنظرين وغالبية المؤرخين منذ أوائل القرن العشرين. وتطورت من أعمال ميشيلز وآخرين "نظرية نخبوية للديمقراطية"، ولم تُستخدم هذه النظرية فقط لوصف النموذج السياسي-السوسيولوجي، ولكن أيضاً لتبرير تفسير معين للديمقراطية الحديثة وحتمية النخبوية. في هذا النموذج، يقتصر صناع القرار على النخب، وينتج فقط عن الضغط السياسي العام والتغيير السياسي استبدال نخبة بنخبة أخرى. ويقتصر دور الجماهير على اختيار النخب في الانتخابات العامة. لكن هذا يعني أن حكومات النخب يجب أن تحافظ بالتالي على موافقة المحكومين، وهو ما تفعله من خلال توسيع سلطة الدولة لتشمل المنظمات غير الحكومية (المجتمع المدني) وممارسة ما أسماه أنطونيو غرامشي بالهيمنة وما يسميه المنظرون المعاصرون بالتعددية(9) للتقليل من وصمة الهيمنة في المجتمعات الرأسمالية المتطورة.
دعم بعض علماء الاجتماع مثل ميشيلز، حكم الفرد بوصفه ردا ناجحا على نشوء أوليغارشيا البيروقراطية المحافظة والمعوقة للتغيير. وكانت حجته أن الجمهور يقوده فرد، بغرض التغيير الاجتماعي، وأن الكارزما ضرورية لصعود قائد استثنائي يعبئ الجماهير من أجل المشاريع العظمى، وهذه الحركة الجماهيرية المقودة من فرد هي فقط التي يمكنها الانتصار على المؤسسات الأوليغارشية المحافظة الكبرى التي نشأت في المجتمع المعاصر. وفي رأيه المتأثر بماكس فيبر، تتحول البيروقراطيات الحديثة بالضرورة إلى أوليغارشيا(10). وهذه نقطة يدور أيضا حولها الجدل.
أسفر عقد الستينيات من القرن العشرين عن أزمة في نظرية التعددية polyarchical theory ، على الرغم من أن الأزمة نتجت في المقام الأول من طرح مبررات إضافية لحكم النخبة. ولقد تركت هذه الحالة إرثا من الانتقادات النظرية، تمثلت مثلا في ما كتبه كليفورد دوراند وويليام روبنسون. ودوراند في هجومه على نموذج الأوليغارشية-التعددية، وادعاؤه بأهمية "الموجات الشعبية" مثل تلك التي حدثت في عقد الستينيات، يقدم رسالة مختصرة جدا لكنها في الواقع مراجعة ثاقبة لفهم عمل ميشيلز المتمثّل في "القانون الحديدي للأوليغارشية"، موضحا أن ميشيلز كان في الواقع يصف نزعة أو ميلا، ولا يقدم قانونًا لا رجعة فيه. علاوة على ذلك وصف ميشيلز ما اطلق عليه دوراند "نزعة معادية للديمقراطية"، بأنها تتمثّل في موجات متجددة باستمرار من معارضي الهيمنة الأرستقراطية. في نظرية ميشيلز الصراع أمر لا مفر منه، ولكن الهيمنة المستمرة لا تكون لأي من الأرستقراطية أو الديمقراطية. هذا التفسير لنظرية الأوليغارشية يتناقض على نحو حاد مع "مدرسة الإجماع" التي هيمنت على التأريخ الأنكلو-أمريكي، في تأكيدها على حكومة تتشكل من نخبة ملتزمة بالصالح العام، والتي قللت من أهمية النزاع(11)، أي الصراع السياسي والطبقي والاجتماعي.
يشير جون نجمي إلى أن معارضي الأوليغارشية يرون أن السلطة تمارس من جانب نخبة من عائلات كبيرة، ومن خلال الروابط الشخصية والعائلية، المتمثلة بالدم والزواج والصداقة، ومن خلال روابط الرعاية والالتزام والتبعية، والحماية وفي شبكات الأحياء والفصائل التي نظمت هذه الروابط المختلفة في مجموعات يمكن التعرف عليها ولديها القدرة في التأثير على سلوك أعضائها وسلوك المجموعات الأخرى أو تعديله(12).
لم يكن صوت نجمي فقط الاحتجاج الحديث ضد سيطرة مدرسة الأوليغارشية. فقد كان رد فعل ماسيمو فاليراني أيضا ضد هيمنة الأرثوذكسية الأوليغارشية. وينصب تركيزه على البيئة الفكرية التي رعت مدرسة الأوليغارشية. وفي وضعها في سياق النظرية السياسية الإيطالية للقرن العشرين، وعلم الاجتماع، جرى تسليط الضوء على التطور المفاهيمي الرئيس من قبل المنظرين، خصوصا فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا، المتعلق بالثنائية بين السلطة والمؤسسات السياسية والسياسة باعتبارها هيمنة دائمة من جانب النخب المتغيرة، مع فصل الصراع السياسي والتغيير عن الصراع الطبقي(13). وهذا الفصل لا يمكن إثباته لا في الدول الرأسمالية المتطورة ولا حتى النامية منها.
هيمن عمل روبرت ميشيلز المتمثّل في "القانون الحديدي للأوليغارشية" فعلياً على المنظرين وغالبية المؤرخين منذ أوائل القرن العشرين. وتطورت من أعمال ميشيلز وآخرين "نظرية نخبوية للديمقراطية"، ولم تُستخدم هذه النظرية فقط لوصف النموذج السياسي-السوسيولوجي، ولكن أيضاً لتبرير تفسير معين للديمقراطية الحديثة وحتمية النخبوية. في هذا النموذج، يقتصر صناع القرار على النخب، وينتج فقط عن الضغط السياسي العام والتغيير السياسي استبدال نخبة بنخبة أخرى. ويقتصر دور الجماهير على اختيار النخب في الانتخابات العامة. لكن هذا يعني أن حكومات النخب يجب أن تحافظ بالتالي على موافقة المحكومين، وهو ما تفعله من خلال توسيع سلطة الدولة لتشمل المنظمات غير الحكومية (المجتمع المدني) وممارسة ما أسماه أنطونيو غرامشي بالهيمنة وما يسميه المنظرون المعاصرون بالتعددية(9) للتقليل من وصمة الهيمنة في المجتمعات الرأسمالية المتطورة.
دعم بعض علماء الاجتماع مثل ميشيلز، حكم الفرد بوصفه ردا ناجحا على نشوء أوليغارشيا البيروقراطية المحافظة والمعوقة للتغيير. وكانت حجته أن الجمهور يقوده فرد، بغرض التغيير الاجتماعي، وأن الكارزما ضرورية لصعود قائد استثنائي يعبئ الجماهير من أجل المشاريع العظمى، وهذه الحركة الجماهيرية المقودة من فرد هي فقط التي يمكنها الانتصار على المؤسسات الأوليغارشية المحافظة الكبرى التي نشأت في المجتمع المعاصر. وفي رأيه المتأثر بماكس فيبر، تتحول البيروقراطيات الحديثة بالضرورة إلى أوليغارشيا(10). وهذه نقطة يدور أيضا حولها الجدل.
أسفر عقد الستينيات من القرن العشرين عن أزمة في نظرية التعددية polyarchical theory ، على الرغم من أن الأزمة نتجت في المقام الأول من طرح مبررات إضافية لحكم النخبة. ولقد تركت هذه الحالة إرثا من الانتقادات النظرية، تمثلت مثلا في ما كتبه كليفورد دوراند وويليام روبنسون. ودوراند في هجومه على نموذج الأوليغارشية-التعددية، وادعاؤه بأهمية "الموجات الشعبية" مثل تلك التي حدثت في عقد الستينيات، يقدم رسالة مختصرة جدا لكنها في الواقع مراجعة ثاقبة لفهم عمل ميشيلز المتمثّل في "القانون الحديدي للأوليغارشية"، موضحا أن ميشيلز كان في الواقع يصف نزعة أو ميلا، ولا يقدم قانونًا لا رجعة فيه. علاوة على ذلك وصف ميشيلز ما اطلق عليه دوراند "نزعة معادية للديمقراطية"، بأنها تتمثّل في موجات متجددة باستمرار من معارضي الهيمنة الأرستقراطية. في نظرية ميشيلز الصراع أمر لا مفر منه، ولكن الهيمنة المستمرة لا تكون لأي من الأرستقراطية أو الديمقراطية. هذا التفسير لنظرية الأوليغارشية يتناقض على نحو حاد مع "مدرسة الإجماع" التي هيمنت على التأريخ الأنكلو-أمريكي، في تأكيدها على حكومة تتشكل من نخبة ملتزمة بالصالح العام، والتي قللت من أهمية النزاع(11)، أي الصراع السياسي والطبقي والاجتماعي.
يشير جون نجمي إلى أن معارضي الأوليغارشية يرون أن السلطة تمارس من جانب نخبة من عائلات كبيرة، ومن خلال الروابط الشخصية والعائلية، المتمثلة بالدم والزواج والصداقة، ومن خلال روابط الرعاية والالتزام والتبعية، والحماية وفي شبكات الأحياء والفصائل التي نظمت هذه الروابط المختلفة في مجموعات يمكن التعرف عليها ولديها القدرة في التأثير على سلوك أعضائها وسلوك المجموعات الأخرى أو تعديله(12).
لم يكن صوت نجمي فقط الاحتجاج الحديث ضد سيطرة مدرسة الأوليغارشية. فقد كان رد فعل ماسيمو فاليراني أيضا ضد هيمنة الأرثوذكسية الأوليغارشية. وينصب تركيزه على البيئة الفكرية التي رعت مدرسة الأوليغارشية. وفي وضعها في سياق النظرية السياسية الإيطالية للقرن العشرين، وعلم الاجتماع، جرى تسليط الضوء على التطور المفاهيمي الرئيس من قبل المنظرين، خصوصا فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا، المتعلق بالثنائية بين السلطة والمؤسسات السياسية والسياسة باعتبارها هيمنة دائمة من جانب النخب المتغيرة، مع فصل الصراع السياسي والتغيير عن الصراع الطبقي(13). وهذا الفصل لا يمكن إثباته لا في الدول الرأسمالية المتطورة ولا حتى النامية منها.
الولايات المتحدة الأمريكية
يرى المفكر دوت. ب في كتابه "تداعي النظام الكولنيالي أو أزمة الحضارة الغربية" الذي صدر عام 1952، - من أهم الكتب العلمية التي نشرت بعد الحرب العالمية الثانية لتحليل الموقف السياسي العالمي - أن "أوليغارشيات (حكومة القلة) رؤوس الأموال المالية في أمريكا وأوروبا الغربية اليوم، تصدت لقيادة الرجعية العالمية في محاولاتها اسناد النظام القديم بالعنف والإكراه ضد الحركات الشعبية في كل العالم. ولم تتردد في اسناد جميع النظم الرجعية، بما فيها الأنظمة التي جرفتها الرأسمالية نفسها، كالأنظمة الإقطاعية، في كل انحاء المعمورة؛ وبهذا لم تعد العنصر التقدمي في الحضارة العالمية، بل العنصر المخرب، الهدام، البربري، في العالم المعاصر، العنصر الذي لا يتورع عن ابتذال الثقافة وتشويه العلم وتسخيرهما لأغراض التخريب الذري الماحق، بل لإبادة البشر بمجموعهم. وما هذه الأسطورة الجديدة، اسطورة (الحضارة الغربية) إلا هذا الستار المهلهل وهذا الشعار الإجرامي لتقديس هذا التفسخ العام للرأسمالية..."(14). نقول على الرغم من تغير الظروف فإن جوهر ما ورد لم يتغير إلا في بعض جوانبه ومن الناحية الشكلية، فما زالت الرأسمالية متوحشة، وتبحث عن تراكم الأرباح بغض النظر عن النتائج التي تتعارض مع سيادة الدول واستقلالها والأهداف الإنسانية الكبرى وحقوق الإنسان وكرامته والحفاظ على البيئة.
على الرغم من الدور المؤثر الذي تتمتع به الأوليغارشية اقتصاديا وسياسيا في الولايات المتحدة طيلة تاريخها الحديث، لكن اسطع مثال لذلك قد تمثّل في فترة حكم دونالد ترامب خصوصا الفترة الثانية التي بدأت منذ عام 2025؛ إذ بنت إدارته علاقات وثيقة مع رموز الأوليغارشية الأمريكية وامتداداتها الخارجية تبادلا للمصالح الاقتصادية والسياسية.
فقد ضمّ حفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب لولاية ثانية، نخبةً من المسؤولين الحكوميين والمشرعين والمرشحين للوزارات. لكنّ ما كان غير مألوف هو حضور مجموعة من المليارديرات الذين تصدّروا المشهد. فقد جلس مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، وجيف بيزوس، مؤسس أمازون، وسوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة غوغل، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي تسلا وسبيس إكس، في الصف الذي يلي عائلة ترامب وأمام العديد من مرشحيه للوزارات. ويرى كثيرون أن هذا الحضور البارز للمليارديرات، وما بدا من استعداداتهم لتنصيب ترامب، يُشير إلى اتفاق جديد بين النخب الاقتصادية الأمريكية والرئيس. ولا يقتصر خطر هذا الاتفاق على ديمقراطية البلاد فحسب، بل يمتدّ ليشمل النخب الاقتصادية التي تُبرمه. كما أنه يُقرّب الولايات المتحدة من دول أخرى تُعدّ فيها التحالفات بين قادة الحكومات وأقطاب الأعمال أكثر شيوعًا(15).
لكن مثل هذه التحالفات مع رموز الأوليغارشية قد تكون محفوفة بالمخاطر. فقد سقط ماسك من حظوة ترامب بعد خمسة أشهر فقط من توليه ولايته الثانية، إثر انتقاده مشروع قانون الإنفاق التاريخي الذي أصدره ترامب. وعلى الرغم من أنه خرج في نهاية المطاف سالما إلى حد كبير، إلا أن ترامب أبدى استعدادا واضحا لممارسة ضغوط مالية شديدة على رجل الأعمال، مهدداً بإلغاء العقود الحكومية الممنوحة لشركات ماسك، ما أدى إلى انخفاض أسهم تسلا بنسبة 14 في المئة. لا شك في أن ترامب يُقدّر مبادرات قادة الأعمال، بل وقد يكافئهم بطرق مُجزية. لكن هؤلاء القادة لا يتسامحون مع المشاريع الخاصة، إذا تعارضت مع جهودهم في تجميع سلطتهم السياسية والاقتصادية والحفاظ عليها(16). وهذا المنحى يقود إلى ممارسة المزيد من الإجراءات التي تتسم بالتسلط والاستبداد في نظام ديمقراطي يُفترض أن لا تمارس فيه مثل هذه الإجراءات بهذا المستوى من التغول.
تُشكل الأوليغارشية حلقة مفرغة؛ إذ يمتلك الأثرياء نفوذا سياسيا، مما يُفضي بدوره إلى سياسات تُزيد من ثرواتهم. وبمرور الوقت، تتسرب موارد الدولة من المشاريع التي تخدم المصلحة العامة إلى جيوب الأوليغارشية المتضخمة. يُقدم ميشيل، الخبير في غسيل الأموال والتهرب الضريبي والجرائم المالية الأخرى، نقدا لاذعا لكيفية تشكل الأوليغارشية في الولايات المتحدة. ففي عام واحد، 2024، أضافت 19 أسرة أمريكية تريليون دولار إلى ثرواتها، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لسويسرا في ذلك العام. ويستغل الأوليغارشيون الأمريكيون، مثل جاريد كوشنر وإيلون ماسك وبيتر ثيل، القنوات المالية السرية والفساد للإضرار بالمصالح الوطنية للولايات المتحدة وإضعاف ديمقراطيتها على نحو مباشر. ويختتم ميشيل بمراجعة شاملة للسياسات اللازمة للتراجع عن هذا التطور الضار، بدءا من الخطوات البسيطة، مثل إحياء سجل الشركات الوهمية وإنفاذ القوانين الحالية، بما في ذلك قانون ممارسات الفساد من جانب الشركات الأجنبية، وصولا إلى أكثرها طموحا، مثل سن ضريبة على ثروة الأثرياء(17)، علما أن النقطة الأخيرة كثيرا ما تكون ميدانا للمزايدات الانتخابية الرئاسية، لكسب الشركات الكبرى بالوعد في تخفيض الضرائب عنها كي تدعم الحملات الانتخابية بملايين الدولارات، وتبني علاقة شراكة اقتصادية وسياسية مع الإدارة الجديدة.
روسيا
كان لينين في كتابه الدولة والثورة يطمح ببيروقراطية منتخبة ودولة تشكّل مرحلة انتقالية إلى الشيوعية، لكن واقع الدولة الاشتراكية الذي نشأ كان معاكسا تماما، فلا السلطة السياسية كانت منتخبة ولا البيروقراطية، وبدلا من أن تكون الاشتراكية مرحلة انتقالية نحو زوال الدولة، تضخم حجم البيروقراطية ودورها. وفي الدول الاشتراكية تحديدا، نشأت أهم أشكال تحوّل البيروقراطية إلى أوليغارشيا(18) حزبية - سياسية، وهي من أهم الأسباب التي قادت إلى فشل هذا النموذج على الرغم مما حققه من منجزات خصوصا على صعيد الضمان الاجتماعي والاقتصادي.
شكل تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 علامة فارقة في تسليط الضور على الدور الذي تلعبه الأوليغارشية اقتصاديا وسياسيا، وفي التأثير على توجهات الدولة وسياستها الداخلية والخارجية. فبعد خصخصة الأصول المملوكة للدولة، برزت طبقة من الأوليغارشية الروسية في عالم الأعمال. سيطرت على قطاعات كبيرة من الاقتصاد، لا سيما في قطاعات الطاقة والمعادن والموارد الطبيعية. وحافظ العديد من هؤلاء الأفراد على علاقات وثيقة مع المسؤولين الحكوميين، وخاصة الرئيس، ما دفع البعض إلى وصف روسيا الحديثة بأنها حكم أوليغارشي متشابك مع الدولة(19)، واستمر هذا الوصف إلى الوقت الحالي.
فقد قرر الرئيس بوريس يلتسين عام 1993 إرسال الدبابات لقصف البرلمان وحجز قادة المعارضة، مما مهد السبيل أمام الخصخصة الواسعة النطاق التي خلقت الأوليغارشيات سيئة الذكر التي تحكمت في البلاد(20). ويشير الباحث الاقتصادي صالح ياسر الى انه: "نشأت فئة من أصحاب المليارات تملك 70-80 في المئة من الدخل الوطني في حين لا تشكل سوى نصف من الواحد في المئة من مجموع السكان. إن هذه الشريحة الضيقة التي حصلت على امتيازاتها من يد السلطة بدأت تطمح الى دمج الثروة والنفوذ السياسي فقاد ذلك الى نشوء (طبقة اوليغارشية) شبيه بتلك التي عرفتها مصر أثناء (الانفتاح الساداتي) أو التي تكونت في إندونيسيا أو كوريا الجنوبية"(21).
في عام 1996، خوفًا من احتمال فوز الحزب الشيوعي، موّلت الأوليغارشية، ولا سيما (المصرفيون السبعة)، حملة إعادة انتخاب بوريس يلتسين ودعموها على نحو كبير، واستمروا في التأثير عليه وممارسة نفوذهم على حكومته خلال السنوات التالية(22)، مما جعله ضعيفا أمامهم، وهذا قاد إلى ضعف النظام عموما، وتفشي الفساد المالي والإداري والسياسي في مفاصله.
تعمق الفساد على نحو كبير، بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في الفترة 1995-1996. فالرئيس بوريس يلتسين أحاط نفسه خلال تلك الفترة بمجموعة كبيرة ومؤثرة من رموز (الأوليغارشيا) المالية الجديدة. وتنامت تأثيرات ما سمي بـ (عائلة يلتسين) التي كان موضع اهتمامها الرئيس هو توسيع ثروتها الخاصة. وأدت النزاعات بين (الإصلاحيين الشباب) والأوليغارشية المالية المدعومة من يلتسين إلى تغيرات متلاحقة في الحكومة الإتحادية أفضت إلى إقالة الحكومة بمجملها دون أن يعلن يلتسين عن الأسباب الدافعة لذلك، والتي شكلت صدمة للجميع. وإضافة إلى ذلك استمر النزاع بين البرلمان الذي كان تسيطر عليه أغلبية شيوعية من جهة وبين الحكومة ويلتسين من جهة أخرى(23).
خلال تسعينيات القرن الماضي، اعتمد يلتسين على نحو متزايد على الأوليغارشية التابعة له في الحكم، ونتيجة لذلك، اكتسبت نفوذا أكبر على الاقتصاد الوطني والسياسة الاقتصادية ومراكز صنع القرار السياسي. وعندما تولى فلاديمير بوتين رئاسة روسيا عام 2000، شرع في مهمة كبح جماحها. وكما وصف عالم السياسة جوردان غانز-مورس، فقد أفسحت "العصابات" التي سادت في التسعينيات المجال أمام "الرجل". وخلال ولاية بوتين الرئاسية الأولى، واجه كل من بيريزوفسكي وفلاديمير غوسينسكي وفلاديمير بوتانين تحقيقات، وفي كثير من الحالات، صودرت أصولهم من قبل جهاز الدولة الذي استعاد قوته. وفي عام 2003، سجن بوتين خودوركوفسكي - الذي كان قد استحوذ على شركة نفط وغاز من الحكومة، وكان من بين أغنى رجال العالم - بتهم الاحتيال والتهرب الضريبي. فسّر كثيرون هذه الخطوة بأنها (إعلان حرب) على الأوليغارشية. وبدأت الشركات التي كانت تُسيطر على الدولة في السابق تخشى ذلك. لكن بنزع أصول أوليغارشية ما بعد الحقبة السوفيتية، استطاع بوتين إعادة ملء خزائن الدولة وتوزيع الغنائم الإضافية على نخبته الحاكمة الجديدة(24). وبحلول نهاية العقد الأول من الألفية الثانية، كان بوتين قد أنشأ طبقة جديدة من الأوليغارشيين تتألف غالبا من أصدقائه وزملائه الشخصيين، واستمر في قمع معارضيه. ووفقاً لإذاعة NPR، فقد "غيّر الشخص الجالس على الكرسي، لكنه لم يغيّر الكرسي"(25)، أي جرى استبدال الأفراد وليس الحد من نفوذ الأوليغارشية كطبقة اقتصادية - سياسية إذا جاز التعبير.
شكل تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 علامة فارقة في تسليط الضور على الدور الذي تلعبه الأوليغارشية اقتصاديا وسياسيا، وفي التأثير على توجهات الدولة وسياستها الداخلية والخارجية. فبعد خصخصة الأصول المملوكة للدولة، برزت طبقة من الأوليغارشية الروسية في عالم الأعمال. سيطرت على قطاعات كبيرة من الاقتصاد، لا سيما في قطاعات الطاقة والمعادن والموارد الطبيعية. وحافظ العديد من هؤلاء الأفراد على علاقات وثيقة مع المسؤولين الحكوميين، وخاصة الرئيس، ما دفع البعض إلى وصف روسيا الحديثة بأنها حكم أوليغارشي متشابك مع الدولة(19)، واستمر هذا الوصف إلى الوقت الحالي.
فقد قرر الرئيس بوريس يلتسين عام 1993 إرسال الدبابات لقصف البرلمان وحجز قادة المعارضة، مما مهد السبيل أمام الخصخصة الواسعة النطاق التي خلقت الأوليغارشيات سيئة الذكر التي تحكمت في البلاد(20). ويشير الباحث الاقتصادي صالح ياسر الى انه: "نشأت فئة من أصحاب المليارات تملك 70-80 في المئة من الدخل الوطني في حين لا تشكل سوى نصف من الواحد في المئة من مجموع السكان. إن هذه الشريحة الضيقة التي حصلت على امتيازاتها من يد السلطة بدأت تطمح الى دمج الثروة والنفوذ السياسي فقاد ذلك الى نشوء (طبقة اوليغارشية) شبيه بتلك التي عرفتها مصر أثناء (الانفتاح الساداتي) أو التي تكونت في إندونيسيا أو كوريا الجنوبية"(21).
في عام 1996، خوفًا من احتمال فوز الحزب الشيوعي، موّلت الأوليغارشية، ولا سيما (المصرفيون السبعة)، حملة إعادة انتخاب بوريس يلتسين ودعموها على نحو كبير، واستمروا في التأثير عليه وممارسة نفوذهم على حكومته خلال السنوات التالية(22)، مما جعله ضعيفا أمامهم، وهذا قاد إلى ضعف النظام عموما، وتفشي الفساد المالي والإداري والسياسي في مفاصله.
تعمق الفساد على نحو كبير، بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في الفترة 1995-1996. فالرئيس بوريس يلتسين أحاط نفسه خلال تلك الفترة بمجموعة كبيرة ومؤثرة من رموز (الأوليغارشيا) المالية الجديدة. وتنامت تأثيرات ما سمي بـ (عائلة يلتسين) التي كان موضع اهتمامها الرئيس هو توسيع ثروتها الخاصة. وأدت النزاعات بين (الإصلاحيين الشباب) والأوليغارشية المالية المدعومة من يلتسين إلى تغيرات متلاحقة في الحكومة الإتحادية أفضت إلى إقالة الحكومة بمجملها دون أن يعلن يلتسين عن الأسباب الدافعة لذلك، والتي شكلت صدمة للجميع. وإضافة إلى ذلك استمر النزاع بين البرلمان الذي كان تسيطر عليه أغلبية شيوعية من جهة وبين الحكومة ويلتسين من جهة أخرى(23).
خلال تسعينيات القرن الماضي، اعتمد يلتسين على نحو متزايد على الأوليغارشية التابعة له في الحكم، ونتيجة لذلك، اكتسبت نفوذا أكبر على الاقتصاد الوطني والسياسة الاقتصادية ومراكز صنع القرار السياسي. وعندما تولى فلاديمير بوتين رئاسة روسيا عام 2000، شرع في مهمة كبح جماحها. وكما وصف عالم السياسة جوردان غانز-مورس، فقد أفسحت "العصابات" التي سادت في التسعينيات المجال أمام "الرجل". وخلال ولاية بوتين الرئاسية الأولى، واجه كل من بيريزوفسكي وفلاديمير غوسينسكي وفلاديمير بوتانين تحقيقات، وفي كثير من الحالات، صودرت أصولهم من قبل جهاز الدولة الذي استعاد قوته. وفي عام 2003، سجن بوتين خودوركوفسكي - الذي كان قد استحوذ على شركة نفط وغاز من الحكومة، وكان من بين أغنى رجال العالم - بتهم الاحتيال والتهرب الضريبي. فسّر كثيرون هذه الخطوة بأنها (إعلان حرب) على الأوليغارشية. وبدأت الشركات التي كانت تُسيطر على الدولة في السابق تخشى ذلك. لكن بنزع أصول أوليغارشية ما بعد الحقبة السوفيتية، استطاع بوتين إعادة ملء خزائن الدولة وتوزيع الغنائم الإضافية على نخبته الحاكمة الجديدة(24). وبحلول نهاية العقد الأول من الألفية الثانية، كان بوتين قد أنشأ طبقة جديدة من الأوليغارشيين تتألف غالبا من أصدقائه وزملائه الشخصيين، واستمر في قمع معارضيه. ووفقاً لإذاعة NPR، فقد "غيّر الشخص الجالس على الكرسي، لكنه لم يغيّر الكرسي"(25)، أي جرى استبدال الأفراد وليس الحد من نفوذ الأوليغارشية كطبقة اقتصادية - سياسية إذا جاز التعبير.
هنغاريا
في هنغاريا، عدّ استخدام القانون والمال مسألتين أساسيتين بالنسبة إلى الحكام المستبدين؛ إذ من ركائز نظام رئيس الوزراء السابق فكتور أوربان، والتي تميزه عن النظام البولندي الذي يتشابه معه في جوانب عديدة، إنشاء ما يُطلق عليه عالم الاجتماع الهنغاري بالينت ماغيار "دولة المافيا". لا تقوم هذه الدولة على الفساد العادي، كما في تبادل الأموال سرا، بل على الاستخدام السياسي لهياكل الدولة والتلاعب بما يبدو ظاهريا وسائل قانونية: لا سيما عمليات الشراء العامة التي ويا للعجب، لا يتقدم فيها سوى مُزايد واحد. وقد أدّى هذا إلى رعاية الحكومة المستمرة لمشاريع مُبالغ في تكلفتها - خاصة في قطاع البناء - لإثراء خزائن الأوليغارشية المُوالين للنظام؛ ويجري تقديم العديد من هذه المشاريع إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على التمويل(26) الذي جرى تجميد أجزاء كبيرة منه من جانب الاتحاد الأوروبي نتيجة هذه السياسات، وتحاول الحكومة الجديدة إعادته، علما أن هذا التمويل هو الأعلى في هنغاريا، نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.
من خلال هذه الآليات، يتم ضبط ما وصفه ماغيار بـ(العائلة السياسية) من الموالين لأوربان، وفي المقابل، يقدمون خدمات للنظام مثل الاستحواذ على شركات الإعلام في البلاد، والتي تبقى بذلك موالية لحزب فيدس الحاكم. حتى أبشع أشكال السرقة التي يرتكبها هؤلاء الأوليغارشيون لا تجري مقاضاتهم، لأن المدعي العام عضو مخلص في حزب فيدس(27). وبهذا فإن استقلالية القضاء قد تلاشت عمليا. وهذه من سمات الأنظمة التي تحكمها أحزاب يمينية متطرفة ذات توجهات فاشية.
في هنغاريا، عدّ استخدام القانون والمال مسألتين أساسيتين بالنسبة إلى الحكام المستبدين؛ إذ من ركائز نظام رئيس الوزراء السابق فكتور أوربان، والتي تميزه عن النظام البولندي الذي يتشابه معه في جوانب عديدة، إنشاء ما يُطلق عليه عالم الاجتماع الهنغاري بالينت ماغيار "دولة المافيا". لا تقوم هذه الدولة على الفساد العادي، كما في تبادل الأموال سرا، بل على الاستخدام السياسي لهياكل الدولة والتلاعب بما يبدو ظاهريا وسائل قانونية: لا سيما عمليات الشراء العامة التي ويا للعجب، لا يتقدم فيها سوى مُزايد واحد. وقد أدّى هذا إلى رعاية الحكومة المستمرة لمشاريع مُبالغ في تكلفتها - خاصة في قطاع البناء - لإثراء خزائن الأوليغارشية المُوالين للنظام؛ ويجري تقديم العديد من هذه المشاريع إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على التمويل(26) الذي جرى تجميد أجزاء كبيرة منه من جانب الاتحاد الأوروبي نتيجة هذه السياسات، وتحاول الحكومة الجديدة إعادته، علما أن هذا التمويل هو الأعلى في هنغاريا، نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.
من خلال هذه الآليات، يتم ضبط ما وصفه ماغيار بـ(العائلة السياسية) من الموالين لأوربان، وفي المقابل، يقدمون خدمات للنظام مثل الاستحواذ على شركات الإعلام في البلاد، والتي تبقى بذلك موالية لحزب فيدس الحاكم. حتى أبشع أشكال السرقة التي يرتكبها هؤلاء الأوليغارشيون لا تجري مقاضاتهم، لأن المدعي العام عضو مخلص في حزب فيدس(27). وبهذا فإن استقلالية القضاء قد تلاشت عمليا. وهذه من سمات الأنظمة التي تحكمها أحزاب يمينية متطرفة ذات توجهات فاشية.
الدول النامية
في الدول النامية توصف البريتورية الأوليغارشية – مصطلح روماني يصف الحرس البريتوري في روما، الذي كان يتدخل في السياسة فيُنصّب القياصرة ويعزلهم- حين تحكم البلاد طغمة من أصحاب النفوذ، من الضباط أو غيرهم، ويأخذ الصراع على السلطة شكل انقلابات بلاط يُستبدل فيها حاكم من الطغمة نفسها بحاكم آخر. ويأتي التهديد الأكبر لهذه الطغمة من نشوء فئة الضباط المتعلمين، وتوسع الفئات الاجتماعية التي ينحدرون منها، لتشمل فئات اجتماعية لم يصل أبناؤها إلى هذه المراتب في الماضي. الضباط في هذه الحالة هم أكثر الفئات حداثة، إضافة إلى المثقفين، ويتحالفون مع الإنتليجنسيا ضد الأوليغارشية. هنا يجري الانتقال من انقلابات البلاط إلى الانقلابات الراديكالية أو الإصلاحية. وهكذا يمكن، على سبيل المثال، صوغ الفرق بين الصراعات النخبوية في العراق قبل عام 1958 وبعده(28)، أي قبل ثورة 14 تموز وبعدها. وهذه الحالات أكثر ما نجدها في البلدان النامية التي لا تملك إرثا من التحولات الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية التي تقود إلى بناء نظام ديمقراطي، والتي خرجت من الحكم الاستعماري ونالت استقلالها خصوصا في عقد الستينيات من القرن الماضي.
في الفلبين مثلا، يُجسّد هاميلتون-باترسون، وهو مغترب إنجليزي عاش عشرين عاما في الفلبين يأس عامة الفلبينيين خلال حكم فرديناند ماركوس. ويقول إن هذا العالم يحكمه بقسوة سياسيون أنانيون، يخضعون بدورهم لسيطرة أوليغارشية محلية وأمريكا المتعجرفة. ويُضيف أيضا أن أمريكا التي أعمتها معاداة الشيوعية لم تُسهم إلا في تشجيع هذا السلوك(29). ولم يُسعف هذا الدعم ماركوس فقد سقط حكمه نتيجة انتفاضة شعبية عام 1986 وفر من البلاد إلى هاواي.
في الدول النامية توصف البريتورية الأوليغارشية – مصطلح روماني يصف الحرس البريتوري في روما، الذي كان يتدخل في السياسة فيُنصّب القياصرة ويعزلهم- حين تحكم البلاد طغمة من أصحاب النفوذ، من الضباط أو غيرهم، ويأخذ الصراع على السلطة شكل انقلابات بلاط يُستبدل فيها حاكم من الطغمة نفسها بحاكم آخر. ويأتي التهديد الأكبر لهذه الطغمة من نشوء فئة الضباط المتعلمين، وتوسع الفئات الاجتماعية التي ينحدرون منها، لتشمل فئات اجتماعية لم يصل أبناؤها إلى هذه المراتب في الماضي. الضباط في هذه الحالة هم أكثر الفئات حداثة، إضافة إلى المثقفين، ويتحالفون مع الإنتليجنسيا ضد الأوليغارشية. هنا يجري الانتقال من انقلابات البلاط إلى الانقلابات الراديكالية أو الإصلاحية. وهكذا يمكن، على سبيل المثال، صوغ الفرق بين الصراعات النخبوية في العراق قبل عام 1958 وبعده(28)، أي قبل ثورة 14 تموز وبعدها. وهذه الحالات أكثر ما نجدها في البلدان النامية التي لا تملك إرثا من التحولات الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية التي تقود إلى بناء نظام ديمقراطي، والتي خرجت من الحكم الاستعماري ونالت استقلالها خصوصا في عقد الستينيات من القرن الماضي.
في الفلبين مثلا، يُجسّد هاميلتون-باترسون، وهو مغترب إنجليزي عاش عشرين عاما في الفلبين يأس عامة الفلبينيين خلال حكم فرديناند ماركوس. ويقول إن هذا العالم يحكمه بقسوة سياسيون أنانيون، يخضعون بدورهم لسيطرة أوليغارشية محلية وأمريكا المتعجرفة. ويُضيف أيضا أن أمريكا التي أعمتها معاداة الشيوعية لم تُسهم إلا في تشجيع هذا السلوك(29). ولم يُسعف هذا الدعم ماركوس فقد سقط حكمه نتيجة انتفاضة شعبية عام 1986 وفر من البلاد إلى هاواي.
العراق
بعد تأسيس الدولة العراقية في عام 1921، نتيجة تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918، واحتلال بريطانيا للعراق، فإنها أرادت أن تؤسس لقاعدة اجتماعية - اقتصادية تخدم مصالحها بالمقام الأول. فعملت على دمج الأرستقراطية القديمة بالبناء الإداري الذي جرت إعادة بنائه مع ملاحظة تراجع نفوذ العنصر التركي. وفي الفقرة الآتية يشير حنا بطاطو إلى الآلية التي حكمت هذا التوجه: "في العقود المبكرة من العهد الملكي - في العشرينات والثلاثينات - كانت العناصر المختلفة لطبقة ملاك الأراضي المسيطرة اجتماعيا -المشايخ والأغوات العشائريون و(السادة) العشائريون والحضريون والمسؤولون (الأرستقراطيون) والضباط الشريفيون السابقون – تتنافس فيما بينها على السلطة والجاه والملكية. ولكن في العقدين الأخيرين من العهد الملكي – في الأربعينات والخمسينات – رصت هذه العناصر صفوفها مبينة مصالحها المشتركة في المواضيع الهامة، أي في أمور مثل اعفاء طبقتهم من الضرائب والاستبعاد الفعلي للطبقات عن المناصب المهمة في الدولة، ثم، وقبل أي شيء آخر، في الدفاع عن النظام الاجتماعي الذي كانوا يجنون الفائدة منه جميعا. وتمثلت الآليات التي كانت تنسّق عملهم بمجلس الوزراء والبرلمان، اللذين كانت لهم عليهما السيطرة المطلقة"(30). ويمكن أن نطلق على هذه الطبقة التي تتكون من الملاك والسياسيين وعائلات محددة مصطلح الأوليغارشية، لأنها تشترك في سمات عديدة اشارت إليها الدراسات التي تناولت هذا الجانب، وخصوصا في البلدان النامية. وقد تقوضت القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الطبقة بعد ثورة 14 تموز 1958، نتيجة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الثورة بقيادة عبد الكريم قاسم، وخصوصا سن قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 الذي قوض القاعدة الاقتصادية للإقطاع في الريف العراقي. وفي عهد حكم حزب البعث نشأت شرائح طفيلية وبيروقراطية خصوصا في الثمانينيات والتسعينيات نتيجة السياسات الفاشلة التي تبناها النظام على الصعيد الاقتصادي والسياسي والحروب العبثية التي شنها.
بعد احتلال العراق عام 2003، مهدت قرارات الحاكم المدني للعراق بريمر خصوصا إقرار الخصخصة لخلق شريحة أوليغارشية جديدة؛ إذ يذكر صالح ياسر: جرى "التأثير في العلاقات الاجتماعية المحلية من خلال العمل على (خلق) فئات اجتماعية تستفيد من حزمة السياسات التي يتضمنها مشروع السيد بريمر. إن التطبيق (الناجح والمضمون) لهذا المشروع يستحث، من بين أمور عديدة، تفكيك التحالفات الاجتماعية (التقليدية) والعمل على خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة، تتضمن تلك القوى الاجتماعية التي تدافع عن تلك الحزمة من السياسات الجديدة، وتكون اساسا أو قاعدة متينة للسلطة الجديدة، ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ (استراتيجية الانتقال) بحسب وصفة السيد بريمر"(31). وعلى الرغم من أن الخصخصة لم تطبق على نطاق واسع، لكنها ساهمت في نشوء فئات اجتماعية وطبقية وسياسية تستفيد منها.
في سياق إنشاء الولايات المتحدة نظاما قائما على المحاصصة الطائفية - الإثنية - كي تكون الخيوط في يدها - التقت مصالحها مع مصالح الأحزاب الدينية والقومية التي وظفت هذا النظام لتكريس سيطرتها السياسية والاقتصادية بحجة تمثيل المكونات. وخلقت حالة من الزبائنية وشراء الذمم من خلال الفساد المالي والإداري والسياسي وعبر امتلاك المال والسلاح والنفوذ عملت على تدوير نفسها في كل انتخابات وإعادة إنتاج ذات القلة الحاكمة وان تغيرت بعض وجوهها. وبات هناك ترابط ومصالح مشتركة بين الأحزاب السياسية وأذرعها الاقتصادية والمسلحة مع الشرائح الطفيلية والبيروقراطية، وبهذا نشأت أوليغارشية تترابط مصالحها محليا وإقليميا ودوليا، ومن مصلحتها استمرار النظام الحالي واضعاف الدولة ومؤسساتها الدستورية وجعل قرار الحرب والسلم خارج سيطرة الدولة، بيد الفصائل المسلحة وخصوصا في الحرب العدوانية الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران.
وفي ميدان السلطة القضائية، وبعد عام 2003، بدلا من الصراع من أجل حيادية القضاء واستقلاليته عن السلطة التنفيذية، سواء كانت استبدادا فئويا "أوليغارشية" أم فرديا "أوتوقراطية" مثل الرئيس أو الدكتاتور، سيتحول الصراع داخليا من أجل موضوعية القضاء وحيادتيه تجاه المصالح الشخصية للقضاة أنفسهم، أي الانتقال من الأوليغارشية السياسية أو الحزبية إلى أوليغارشية القضاة داخل مواقع السلطة القضائية. وبدلا من مقاومة رئيس السلطة التنفيذية عادة الذي يهيمن على الدولة كلها، سيكون على القضاء مقاومة القاضي الدكتاتور رئيس السلطة القضائية الذي يهمين على السلطة القضائية. يمكن القول إنه كان تسييس القضاء مقابل استقلاليته، وكلما تمتّع القضاء بدرجة أكبر من الاستقلالية، تكرّس بوصفه سلطة دستورية. خصوصا إذا كانت هذه الاستقلالية مفرطة على نحو تجعلها غير مسؤولة وغير خاضعة للرقابة أو المحاسبة من السلطات الأخرى(32). وهذه الحالة لا يمكن إصلاحها إلا من خلال تعديل الدستور لتكون السلطة القضائية أكثر شفافية وخاضعة للرقابة.
هذه الأوليغارشية كرسها الدستور عام 2005 رسميا عبر حصر ترشيحات الأعضاء البارزين في مجلس القضاء (تحديدا رئيس محكمة التمييز ونوابه ورئيس جهاز الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي) بمجلس القضاء نفسه، وهذا ما يجعلها تدور في حلقة بيروقراطية مقفلة على فئة محددة بعينها في نص يخرق مبادئ الديمقراطية في شفافية تداول المناصب والمساواة أو تكافؤ الفرص في الترشح للوظائف العامة(33). وهذه تعد من أكبر مثالب السلطة القضائية والتي تُضعف الثقة بها، ولا تكون ملاذا لوقف خرق الدستور - جرى خرقه في العديد من المرات - سواء من السلطة التنفيذية أو التشريعية.
بعد تأسيس الدولة العراقية في عام 1921، نتيجة تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918، واحتلال بريطانيا للعراق، فإنها أرادت أن تؤسس لقاعدة اجتماعية - اقتصادية تخدم مصالحها بالمقام الأول. فعملت على دمج الأرستقراطية القديمة بالبناء الإداري الذي جرت إعادة بنائه مع ملاحظة تراجع نفوذ العنصر التركي. وفي الفقرة الآتية يشير حنا بطاطو إلى الآلية التي حكمت هذا التوجه: "في العقود المبكرة من العهد الملكي - في العشرينات والثلاثينات - كانت العناصر المختلفة لطبقة ملاك الأراضي المسيطرة اجتماعيا -المشايخ والأغوات العشائريون و(السادة) العشائريون والحضريون والمسؤولون (الأرستقراطيون) والضباط الشريفيون السابقون – تتنافس فيما بينها على السلطة والجاه والملكية. ولكن في العقدين الأخيرين من العهد الملكي – في الأربعينات والخمسينات – رصت هذه العناصر صفوفها مبينة مصالحها المشتركة في المواضيع الهامة، أي في أمور مثل اعفاء طبقتهم من الضرائب والاستبعاد الفعلي للطبقات عن المناصب المهمة في الدولة، ثم، وقبل أي شيء آخر، في الدفاع عن النظام الاجتماعي الذي كانوا يجنون الفائدة منه جميعا. وتمثلت الآليات التي كانت تنسّق عملهم بمجلس الوزراء والبرلمان، اللذين كانت لهم عليهما السيطرة المطلقة"(30). ويمكن أن نطلق على هذه الطبقة التي تتكون من الملاك والسياسيين وعائلات محددة مصطلح الأوليغارشية، لأنها تشترك في سمات عديدة اشارت إليها الدراسات التي تناولت هذا الجانب، وخصوصا في البلدان النامية. وقد تقوضت القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الطبقة بعد ثورة 14 تموز 1958، نتيجة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الثورة بقيادة عبد الكريم قاسم، وخصوصا سن قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 الذي قوض القاعدة الاقتصادية للإقطاع في الريف العراقي. وفي عهد حكم حزب البعث نشأت شرائح طفيلية وبيروقراطية خصوصا في الثمانينيات والتسعينيات نتيجة السياسات الفاشلة التي تبناها النظام على الصعيد الاقتصادي والسياسي والحروب العبثية التي شنها.
بعد احتلال العراق عام 2003، مهدت قرارات الحاكم المدني للعراق بريمر خصوصا إقرار الخصخصة لخلق شريحة أوليغارشية جديدة؛ إذ يذكر صالح ياسر: جرى "التأثير في العلاقات الاجتماعية المحلية من خلال العمل على (خلق) فئات اجتماعية تستفيد من حزمة السياسات التي يتضمنها مشروع السيد بريمر. إن التطبيق (الناجح والمضمون) لهذا المشروع يستحث، من بين أمور عديدة، تفكيك التحالفات الاجتماعية (التقليدية) والعمل على خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة، تتضمن تلك القوى الاجتماعية التي تدافع عن تلك الحزمة من السياسات الجديدة، وتكون اساسا أو قاعدة متينة للسلطة الجديدة، ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ (استراتيجية الانتقال) بحسب وصفة السيد بريمر"(31). وعلى الرغم من أن الخصخصة لم تطبق على نطاق واسع، لكنها ساهمت في نشوء فئات اجتماعية وطبقية وسياسية تستفيد منها.
في سياق إنشاء الولايات المتحدة نظاما قائما على المحاصصة الطائفية - الإثنية - كي تكون الخيوط في يدها - التقت مصالحها مع مصالح الأحزاب الدينية والقومية التي وظفت هذا النظام لتكريس سيطرتها السياسية والاقتصادية بحجة تمثيل المكونات. وخلقت حالة من الزبائنية وشراء الذمم من خلال الفساد المالي والإداري والسياسي وعبر امتلاك المال والسلاح والنفوذ عملت على تدوير نفسها في كل انتخابات وإعادة إنتاج ذات القلة الحاكمة وان تغيرت بعض وجوهها. وبات هناك ترابط ومصالح مشتركة بين الأحزاب السياسية وأذرعها الاقتصادية والمسلحة مع الشرائح الطفيلية والبيروقراطية، وبهذا نشأت أوليغارشية تترابط مصالحها محليا وإقليميا ودوليا، ومن مصلحتها استمرار النظام الحالي واضعاف الدولة ومؤسساتها الدستورية وجعل قرار الحرب والسلم خارج سيطرة الدولة، بيد الفصائل المسلحة وخصوصا في الحرب العدوانية الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران.
وفي ميدان السلطة القضائية، وبعد عام 2003، بدلا من الصراع من أجل حيادية القضاء واستقلاليته عن السلطة التنفيذية، سواء كانت استبدادا فئويا "أوليغارشية" أم فرديا "أوتوقراطية" مثل الرئيس أو الدكتاتور، سيتحول الصراع داخليا من أجل موضوعية القضاء وحيادتيه تجاه المصالح الشخصية للقضاة أنفسهم، أي الانتقال من الأوليغارشية السياسية أو الحزبية إلى أوليغارشية القضاة داخل مواقع السلطة القضائية. وبدلا من مقاومة رئيس السلطة التنفيذية عادة الذي يهيمن على الدولة كلها، سيكون على القضاء مقاومة القاضي الدكتاتور رئيس السلطة القضائية الذي يهمين على السلطة القضائية. يمكن القول إنه كان تسييس القضاء مقابل استقلاليته، وكلما تمتّع القضاء بدرجة أكبر من الاستقلالية، تكرّس بوصفه سلطة دستورية. خصوصا إذا كانت هذه الاستقلالية مفرطة على نحو تجعلها غير مسؤولة وغير خاضعة للرقابة أو المحاسبة من السلطات الأخرى(32). وهذه الحالة لا يمكن إصلاحها إلا من خلال تعديل الدستور لتكون السلطة القضائية أكثر شفافية وخاضعة للرقابة.
هذه الأوليغارشية كرسها الدستور عام 2005 رسميا عبر حصر ترشيحات الأعضاء البارزين في مجلس القضاء (تحديدا رئيس محكمة التمييز ونوابه ورئيس جهاز الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي) بمجلس القضاء نفسه، وهذا ما يجعلها تدور في حلقة بيروقراطية مقفلة على فئة محددة بعينها في نص يخرق مبادئ الديمقراطية في شفافية تداول المناصب والمساواة أو تكافؤ الفرص في الترشح للوظائف العامة(33). وهذه تعد من أكبر مثالب السلطة القضائية والتي تُضعف الثقة بها، ولا تكون ملاذا لوقف خرق الدستور - جرى خرقه في العديد من المرات - سواء من السلطة التنفيذية أو التشريعية.
الهوامش
1 - توفيق عبد الحافظ توفيق، "الأوليغارشية القضائية في الولايات المتحدة"، مجلة الرافدين للحقوق، المجلد 26، العدد 93، 2025، ص 192-193.
2 - Oligarchy | Social Sciences and Humanities | Research Starters | EBSCO Research.
3 - Ibid.
4 - Christine Shaw, Popular Government and Oligarchy in Renaissance Italy (Leiden/ Boston: Brill, 2006), p. I.
3 - Ibid.
4 - Christine Shaw, Popular Government and Oligarchy in Renaissance Italy (Leiden/ Boston: Brill, 2006), p. I.
5- عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023، ص 206.
6 - Geoffrey Holmes and Daniel Szechi, The Age of Oligarchy Pre-industrial Britain 1722-1783, London / New York: Longman, 1993, pp. 49-50.
7- بشارة، مسألة الدولة، ص 206.
8 - Sarah Rubin Blanshei, Politics an Justice in Late Medieval Bologna (Leiden/ Boston: Brill, 2010), p. 70.
9 - Ibid., , p. 69.
9 - Ibid., , p. 69.
10 - بشارة، مسألة الدولة، ص 323-234.
11 - Blanshei, pp. 69-70.
12- Ibid., p. 71.
13 - Ibid., p. 72.
12- Ibid., p. 71.
13 - Ibid., p. 72.
14 - دوت ب، "تداعي النظام الكولنيالي أو أزمة الحضارة الغربية"، تلخيص إبراهيم كبة، الثقافة الجديدة، العدد 2، كانون الأول 1953، ص 108.
15 - Christopher Hartwell and Tricia D. Olsen, ''The Disposable Oligarchs'', Foreign Affair, 28 April, 2026.
16- Ibid.
17- United States of Oligarchy: How America’s Wealthiest Ally With Dictators, Weaken the U.S., and Destroy Democracy, Reviewed by Jessica T. Mathews, Foreign Affair, 18 August, 2026.
16- Ibid.
17- United States of Oligarchy: How America’s Wealthiest Ally With Dictators, Weaken the U.S., and Destroy Democracy, Reviewed by Jessica T. Mathews, Foreign Affair, 18 August, 2026.
18- بشارة، مسألة الدولة، ص 201.
19 - Oligarchy - Wikipedia
20 - صالح ياسر، بعض تجارب الخصخصة في أمريكا اللاتينية: المسيرة الصعبة للانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، موقع الطريق، yaser73.pdf.
21- صالح ياسر، "عملية رفاهية العراق" بين الصخب الأيديولوجي وحقائق الواقع الصارمة: ملاحظات أولية حول المشروع الاقتصادي لسلطة الاحتلال"، طريق الشعب"، 20-26/ تموز 2003، الملحق الاقتصادي للعدد ذاته.
21- صالح ياسر، "عملية رفاهية العراق" بين الصخب الأيديولوجي وحقائق الواقع الصارمة: ملاحظات أولية حول المشروع الاقتصادي لسلطة الاحتلال"، طريق الشعب"، 20-26/ تموز 2003، الملحق الاقتصادي للعدد ذاته.
22 - Oligarchy - Wikipedia
23 - صالح ياسر حسن، الخصخصة و"الإصلاحات الاقتصادية" بين خيبات العقيدة ورهانات الواقع، بغداد: دار الرواد المزدهرة، 2016، ص 325-326.
24- Christopher and Olsen.
25 - Oligarchy - Wikipedia
26 - Jan-Werner Müller, ''How Autocrats Endure: Viktor Orban and the Myth of the Self-Destructing Strongman'', Foreign Affairs, 19 April, 2022.
27 -Ibid.
25 - Oligarchy - Wikipedia
26 - Jan-Werner Müller, ''How Autocrats Endure: Viktor Orban and the Myth of the Self-Destructing Strongman'', Foreign Affairs, 19 April, 2022.
27 -Ibid.
28- عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017، ص 56-58.
29 - America’s Boy: The Rise and Fall of Marcos and Other Misadventures of U.S. Colonialism in the Philippines Reviewed by Lucian W. Pye, Foreign Affairs, 1 November, 1999.
30 - حنا بطاطو، العراق، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزَّاز، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990، ص 29-30.
31- صالح ياسر، طرق الشعب، 20|26 تموز 2003.
32 - فراس مكية، "السلطة القضائية في العراق: إشكاليات الاستقلالية غير المقيدة"، حكامة، العدد 6، المجلد 3، (ربيع 2023)، ص 95.
33- المصدر نفسه، ص 101.
31- صالح ياسر، طرق الشعب، 20|26 تموز 2003.
32 - فراس مكية، "السلطة القضائية في العراق: إشكاليات الاستقلالية غير المقيدة"، حكامة، العدد 6، المجلد 3، (ربيع 2023)، ص 95.
33- المصدر نفسه، ص 101.