تموز/يوليو 17
الحداثة ومعاثرها واستئنافاتها السياسية والأخلاقية من خلال هابرماس وفوكو
 
مقدمة  
إنّ ما نلاحظه من عدم التكافؤ بين ما ينظر إليه الفلاسفة وما يحدث في الواقع يحفزنا لامتحان التفكير الفلسفي ومدى صلابته وصموده أمام الممارسة السياسية المعقدة. فالفكر الفلسفي الحداثي الذي أسس كونية القيم مثل العقلانية والعلم، لم يتمّ اعتماده بشكل كوني بحيث عوّضت فكرة المركزية الإثنية فكرة الكونية واختزلت هذه الأخيرة في مجرّد وسيلة أو إيديولوجيا لتكريس أنماط خطيرة من الهيمنة سيما وأن التمييز بين الحضارات ظل جاثما في الممارسة السياسية.
 ولعل ذلك يبرز بوضوح عندما نتفحص منظومة حقوق الإنسان. إنّها وسيلة في يد الأقوياء إذ ماذا نفعل بمفهوم حقوق الشعوب في تقرير مصيرها في ظل واقع يحدد فيه الأقوى مفهوم السيادة ومفهوم الحق؟ وماذا نفعل بمفهوم الحرية في ظلّ وجود شعوب مستعمرة؟(1) وماذا تعني حرية التعبير في ظل فقر اقتصادي واجتماعي وخيرات منهوبة ؟  
      ولعل بعض الفلاسفة والمفكرين المعاصرين أكّدوا أن الحداثة: "تفرض نفسها وكانها واحدة متجانسة مشعة عالميا ، انطلاقا من الغرب" (2). كما أكّد جاك ديريدا على مركزية الحداثة الغربية في إجابته على سؤال طرحه عليه هاشم صالح وهو: " ألا تعتقد أنّ الثقافات البشرية الأخرى لها سياجها المنطقي والمركزي الخاص الذي يحميها من عدوى الثقافات الأخرى ويجعلها تلتف حول نواتها الصلبة أم أنّ هذه الظاهرة مرتبطة بالغرب فقط؟" . أجاب ديريدا : "تعني المنطقية المركزية أو العقلانية المركزية بالمعنى المحدد للكلمة أنّ الأشياء مركزة ومتمحورة حول اللوغوس، أي تدخل لغة العقل بصفته اللوغوس، واللوغوس كلمة إغريقية. وبالتالي فلا أعتقد أنّ بإمكاننا التحدّث عن المنطقية المركزية في أيّ ثقافة أخرى غير الغربية" (3) وأكّد  بول ريكور أن  الحداثة عبارة مقلقة من حيث أنّها تعني زمانين مختلفين وأنها تعني حداثتهم هم الغرب التي هي منفصلة عن حداثتنا نحن الآخرون(4).  ومن خلال كلّ هذه المواقف لكبار المفكرين المعاصرين، نتبيّن أنّه ثمّة لا تكافؤ بين الحداثة كقيم كونية مجردة وممارستها كاختراع غربي يسوّغ للاستعمار بهدف تنوير الشعوب وتحديثها في ما يمكن أن يرتبط بما يسمى بالعولمة كنظام يريد أن يفرض تجانسا وهميا. 
ولعلنا نستطيع، في هذه الورقة، أن نفك بعضا من شفرات هذا الإشكال بالعودة إلى المراجعات أو الاستئنافات المتتالية للفلاسفة المعاصرين لهذا المفهوم الفلسفي المهم أملا في توضيح نوايا الحداثة وإمكانيات إنجاحها لا كمشروع نظري فحسب، بل أيضا كمشروع عملي وكممارسة إنسانية كونية.
 فما الحداثة؟ وما معنى استئنافها؟ وماذا أصابها في الأثناء؟ هل توقفت حتى نستأنفها؟ وأين توقفت؟ ولماذا؟
 
I- تعريف الحداثة وعلاقتها بالتنوير
أوّليا، تطلق عبارة الحداثة على حقبة زمنية امتدت من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر تقريبا وشملت كل ما تمت تسميته الأزمنة الحديثة من عصر النهضة - القرن الخامس عشر - الى عصر الانوار - القرن الثامن عشر والتاسع عشر-. وإماراتها الأولى هي اندلاع الاهتمام بإصلاح الكنيسة ثم تجلّت مع روني ديكارت وغاليلو غاليلي ونيكولاس كوبرنيك حيث أصبحت الطبيعة تحدد هندسيا وتكتب بأحرف رياضية وأصبحت الشمس لا الأرض مركز الكون وتخضع كل الظواهر إلى نفس القوانين الفيزيائية. أما في السياسة فقد نشرنيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي، من خلال كتابه الأمير، معنى الواقعية السياسية حيث أصبحت السياسة أمرا بشريا لا إلاهيا وأصبح الحكم يتطلب تقنيات لا أوامر إلهية رب تقنيات وإجراءات وحيل تصلح لإقامة الحكم الناجح فتتحوّل الشرعية من شرعية مقدسة تستمد من الإلهي الى شرعية انسانية عقلية وواقعية.
هكذا لا تكون الحداثة مجرد تسمية لحقبة تاريخية بل هي تغير جذري ونشأة لنموذج تفكير جديد شكّل قطيعة وانفصالا عن الطرق التقليدية في التفكير وفي الممارسة وامتدت إلى عصر الأنوار الذي جذر هذه القطيعة مع عصر الظلمات. تميزت بقلب نظام الفكر ونظام المجتمع.
 أصبح هذا النظام محايثا يبدأ من الإنسان الذي يكتشف الحقائق الرياضية بنور طبيعي(5) بعقله كملكة طبيعية قادرة على معرفة الحقائق سواء تعلق الأمر بالإنسان أو بالعالم من حوله أي الآخرين. ولعل ظهور مفهوم النور الطبيعي هو ما جعل مفهوم عصر الأنوار ممكنا إذ تواصل اعتماد العقل البشري والاستقلالية عن كل وصاية ميتافيزيقية مع كانط خاصة عندما أجاب عن حقيقة الأنوار فقال أنه عصر التحرر من كل وصاية واستعمال العقل بكل شجاعة. إنّ هذا العصر هو صياغة أخرى للحداثة كما عبّر عن ذلك ميشال فوكو: نرى "...مع نص كانت، ظهور صيغة جديدة في طرح مسألة الحداثة..." (6).
      فإذا كانت الحداثة قد قامت على تجاوز عصر الظلمات والجهل ولم تع بذاتها كلحظة فارقة، فإن كانت قد جاءت ليعيّن ما تتحدد به تلك الفترة التي امتدت إلى القرن الثامن عشر، وبدأت ملامحها تتوضح وتتجذر أكثر فاكثر في اتجاه السيطرة على الطبيعة وتنظيم المجتمع من خلال العقل البشري الذي أصبح وحده وبكل استقلالية وشجاعة يرسم لنفسه مساره ومسار الطبيعة والمجتمع والسلطة السياسية(7).
    ونفس الوعي بالزمن الفارقي نجد جورج فيلهلم فريديريك هيجل قد صاغه حين عيّن بشكل دقيق بداية الحداثة متجاوزا كل الالتباسات المتعلقة بظهورها، واعتبر ديكارت أبا للحداثة. ثمة لحظتان؛ لحظة التكوّن وهي لحظة الحداثة، ولحظة الوعي بهذا التكوّن ومواصلة إنجازه وهي لحظة عصر الأنوار. لقد نشأ الوعي بالزمن كلحظة فارقة كما بدأت تبرز الإرهاصات الأولى لفلسفة التاريخ منذ كانت في قراءة فوكو. ولم تقتصر الحداثة كاستعمال حر للعقل على المجال المعرفي والسياسي بل تجسدت بشكل آخر أعني كطريقة في الإحساس والسلوك(8) منقطعة عن الطرق القديمة. لقد نشأت جماليات مستقلة عن اللاهوت ونشأ اسلوب جمالي وذوقي جديد في الكتابات الأدبية وفي الأعمال الفنية التشكيلية كالرسم مثل رسومات ليونار دي ديفانشي التي كانت طريقة حديثة في الإحساس والقطيعة الأسلوبية في مجال الفن.
ثمة قطيعة زمنية حدثت قبل القرن الثامن عشر وكانت وراء نشأة ذوق جمالي وفكري وسياسي وأخلاقي جديدة. وفضلا عن كل ذلك فالحقبة الحديثة شهدت نشأة مفهوم جديد هو مفهوم الحرية بدءا بالممارسة الاقتصادية، إذ منذ أن تطورت الصناعة والمكنة والعمل وتطور الإنتاج، نشأ النظام الرأسمالي الليبيرالي القائم على مفهوم الحرية. يقول فريديريك قيوو: "إن المبدأ الأساسي للحداثة هو الحرية أو بالأحرى هو مبدأ التعيين الذاتي ولا يتعلّق الأمر فقط بالضمير الحر الذي ينشأ عن ملكة الاختيار الحر- وهي ليست حديثة بشكل متميز - ولكن يتعلق الأمر بتحديد الذات لنفسها معايير وجودها".(9)
كل هذا يعني أن هناك طريقة جديدة مختلفة في الذوق والإحساس متجسدة في الرسوم وفي الأدب وفي الأخلاق وفي السياسة. إنها لحظة خاصة منبجسة كحركة مستقلة عن كل أشكال اللاهوت. 
وإذا أردنا أن نعود إلى أهم مميزات الحداثة وأن ندقّق الأمر أكثر ونفصل القول يمكن الإشارة إلى ثلاثة مميزات رئيسية:
أ-الميزة الأولى للحداثة مرتبطة باكتشاف الذات الإنسانية وقدرتها على التحكّم في العالم وفي نفسها عن طريق معارف عقلية. هذا الاكتشاف لا يعني ان الانسان لم تكن له قيمة أنطولوجية وإيتيقية، بل كان يحتل أسمى مرتبة في سلم الكائنات لكن ما تغير أن هذا السلم التقييمي قد وقع التخلّي عنه وانتفت التراتبية الإنطولوجية لتحلّ محلّها نظرة أفقية يخضع فيها الإنسان ككل الكائنات الى قوانين الطبيعة التي تصاغ رياضيا وهو ما يحيلنا إلى:
ب- الميزة الثانية أعني قيمة العقل في فهم العالم وهو ما تعرف به الحداثة بما هي تصور عقلاني، فعن طريق العقل البشري نعرف كل شيء: العالم والإنسان.
ج- الميزة الثالثة للحداثة ترتبط بالحرية والالتزام بالقانون. وهنا لا بد من التذكير أنّ العقل في المسائل العملية أعني تدبير مسألة الحرية يمكن أن يتوزع بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي؛ حيث أسّس كانط القانون الأخلاقي بصورة محاكية لقوانين الطبيعية، وأكّد بأنّه يمكن أن ننشئ قوانين أخلاقية. يقول كانط: "كل شيء في الطبيعة يتصرّف وفق القوانين ولا يوجد غير كائن عاقل، يمتلك ملكة التصرّف وفق تمثّل القوانين، أعني من خلال المبادئ، أو بلغة أخرى هو يمتلك إرادة"(10)
أما في السياسة، فقد تمّ تشريع القوانين السياسية الملزمة للحرية عن طريق فلسفة العقد الاجتماعي الذي يحرر الناس من الطبيعة البشرية، ويجعلهم قادرين على تنظيم حياتهم المدنية. ولا يتعلّق الأمر بالقانون المحلّي فقط بل إن كانط يتحدث عن قوانين كونية تحرر الإنسان من الحرب الشاملة.  من هنا فإنّ الحرية تتقيد بالمسؤولية وبالقانون وهي ما اعتبرته الميزة الثالثة للحداثة التي تنشأ عندما يتخلّص الإنسان من الوصاية وسلطة المقدس ويعتمد على نفسه في تقرير مصيره وهو ما يمكن اعتباره النضج البشري والمسؤولية الأنطولوجية التي يسميها كانط "خروج المرء من القصور الذي هو مسؤول عنه"(11)
فالعقلانية الأخلاقية والسياسية هي اذن تحرر من كل أشكال التعصب والوصاية التي تجسدت في الكنيسة وإبراز سيادة الإنسان من خلال معرفة القوانين الطبيعية ووضع القوانين العملية أخلاقا وسياسة، بذلك يمكن التحرر من الفكر اللاهوتي وتحميل الإنسان مسؤوليته أمام القوانين. ومقابل عصر الظلمات يوجد عصر الحداثة والأنوار.  إن القطيعة تجسدت في ظهور الإنسان وحلوله محل الإله ومسك مصيره بنفسه وتخليه عن هشاشة النظرة الدونية التي كان ينظر بها لنفسه وللعالم بعد أن كان عبدا يوكل أمره لله في كلّ ما يأتيه، ويتصرّف بمشاعر الخوف والطمع وهي مشاعر دونية.
II-   معاثر الحداثة 
      في الحقيقة ثمة عدة أسباب ساهمت في تعطيل مسار الحداثة أولها، أن الانتصار للعقل ولاسيما في آخر تجلياته مع الفكر الوضعي والإيمان به بشكل مطلق قد أدى إلى الإفراط في الثقة في منتجاته ولاسيما في التكنولوجيا المعممة التي ظهر معها عالم مشيؤ وتصور أداتي لكل شيء بما في ذلك الإنسان الذي غدا مجرّد أداة كائنا مغتربا في عالم السلع.  يقول الان توران:
"في الواقع، لقد استبدل الغرب تدريجيًا الرؤية العقلانية للكون وللفعل الإنساني بمفهوم أكثر تواضعًا وأداتيًا بحتًا للعقلانية، ومن خلال وضعه أكثر فأكثر في خدمة المطالب والاحتياجات التي تفلت أكثر فأكثر، نحن ندخل أكثر في مجتمع الاستهلاك الجماهيري، من القواعد التقييدية للعقلانية التي تتوافق فقط مع مجتمع الإنتاج المرتكز على التراكم وليس على استهلاك أكبر عدد من الناس...".(12)
 على أية حال نحن نشاهد اليوم استعمالا أداتيا للعقل وللإنسان نفسه كإنسان لقد أصبح الإنتاج والمزيد منه هو الهدف في مجتمع لا يراعي الفئات الضعيفة أو المجتمعات التي تنتمي الى ما سمي بالعالم الثالث.  
إنّ ضربا جديدا من الهيمنة كان قد نشأ ففي حين حلم الفلاسفة بمجتمع من دون هيمنة وبإنسان يتمتع بالحرية والمساواة والعدالة وبدولة العقل والحق. هذه الهيمنة تجيد التلاعب بمفاهيم العقلانية لتحولها وتكرسها لفرض مصلحتها. هذا تعطل أول لمسار الحداثة.
      أمّا ثاني معاثر الحداثة فتكمن في تمجيد العمل لحل مشكل الندرة، وقد أدى ذلك عكسيا إلى الوفرة ولكن إلى الرغبة الجامحة في التملّك بشكل مرض، وذلك لا يضمن المساواة والتكافؤ؛ فالبعض يعيش الفقر المدقع والبعض الآخر  يعيش الثراء الفاحش ومن ثمة نفسر ظاهرة الاستعمار كرغبة في الهيمنة على البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، وحينها لن تجدي مقولة حقوق الإنسان أي نفع، ولن يكون للكونية أي قيمة. يقول توران " أليس هو التأثير المتزايد للنظام على الفاعلين، والتطبيع والتقييس الذي، بعد أن دمر استقلالية العمال، يمتد إلى عالم الاستهلاك والاتصالات؟ أحيانًا تتم ممارسة هذه الهيمنة بحرية، وأحيانًا بطريقة سلطوية، ولكن في جميع الحالات، فإن هذه الحداثة، حتى عندما تناشد حرية الذات، تهدف إلى إخضاع كل فرد لمصالح الكل، سواء كان ذلك لصالح الجميع أو لصالح المؤسسة أو الأمة أو المجتمع أو العقل نفسه. أليس باسم العقل وعالميته امتدت سيطرة الرجل الغربي الناضج والمتعلم على العالم أجمع، من العمال إلى المستعمَرين، ومن النساء إلى الأطفال؟"(13).
من هنا وجب أن نميز بين الحداثة والعولمة أو الليبيرالية الجديدة كأعلى مراحل للرأسمالية، إذ يبدو الالتباس قائما بين الحداثة والعولمة لأن هذه الأخيرة تشترك مع الأولى في فكرة الكونية، فماذا يعني هذا الامتداد العالمي لمبدأ الكونية التي أنشأتها العقلانية الحديثة كمبادئ توجيهية؟ وما علاقتها بالعولمة؟
إنّ الحداثة قامت على فكرة الكونية الكانطية ولعل هيجل هو من طور - بعد كانط - هذه الفكرة في فلسفة التاريخ فهما من أسسا دلالة الكونية وصاغاها بشكل فلسفي واضح، كما صاغا فكرة التاريخ الكوني. كتب كانط مقالة  "التاريخ من وجهة نظر السياسة الكونية " وكتب هيجل "فلسفة التاريخ ." ويمكننا أن نذكّر بعدّة فرضيات تلخص فكرة هذا التاريخ الكوني لدى كانط وهي : فكرة الغائية التي تحدد غاية كل شيء في الطبيعة، الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش وفق العقل وعليه تطويره، وأن الإنسان هو ما يصنع التاريخ من خلال استعماله  لعقله المحدد... وأن المؤرخ الفيلسوف يجب أن يعتبر أن الطبيعة فرضت على الإنسان إرساء دولة الحق الكوني وأن هذه الدولة يجب أن يقودها قائد/ معلم يجعل الناس يخضعون للإرادة الكونية التي لا تحرم أي أحد من حريته ولذلك يجب أن يوجد قانون دولي يواصل الدستور المدني في مستوى الدول لتجنب الحروب والتوحيد بين الناس أينما كانوا وتلك هي غاية التاريخ من حيث ما هو بلوغ غاية الطبيعة الخفية أعني تأسيس دستور يقوم على قانون كوني، وذلك هو معنى التاريخ.
أما هيجل فقد أسس مفهوم الروح المطلق الذي يستخدم الطبيعة، كتجسيد له، لتحقيق جوهره، الحرية أو المفهوم ويتجلى من خلال القانون والدولة، باعتبارها العقلانية في حد ذاتها ولذاتها أو التوفيق بين الخاص والكوني، والفردي والعام. من هنا نلاحظ التشابه الخادع بين الكونية والعالمية التي ظهرت من خلال العولمة كما يقول جون بودريار مفسرا الشبه بين الكونية والعولمة، مؤكّدا على "أنّ الكوني يهلك بالعولمة"(14).
فإذا كانت العولمة تعني إمكانية تبادل الخبرات الحياتية، من خلال الذاتية المتبادلة، والتي يسهلها دعم التواصل الافتراضي الكوني وإذا كانت تفترض نشر القانون والديمقراطية في جميع أنحاء العالم، وإذا كانت تؤدي إلى الانتصار على الجوع والبربرية، فيمكننا أن نقول بشكل مشروع أننا في مرحلة تحقيق المشروع الحديث، إننا نمتحن العولمة، بمعنى امتداد المبدأ الحديث للعقلانية التي يجسدها العلم والقانون ولكن إذا كانت العولمة مظهرا من الحداثة يضع العلم والتكنولوجيا في خدمة جزء من الإنسانية على حساب جزء آخر، فإنّنا نرسم عندئذ الهوّة العميقة بين كما نسميه حداثة وما نسيمه عولمة؛ إذ كيف يمكننا أن نفسر وفرة الإنتاج العالمي الذي يغطي الاحتياجات العالمية ومع ذلك لا يزال أغلب الناس يموتون  جوعا وعطشا و/او كيف نفسر انتشار الأمراض  في عصر تطوّر العلم؟ وكيف نفسر تصاعد العنف واندلاع الحروب هنا وهناك كل يوم؟
لا يمكننا إلا أن نجيب بأن العولمة هي امتداد متصاعد للأداتية تشتغل في الإقتصاد وفي التكنولوجيا وفي ما يسمى السياسة العالمية. وهذا هو سر انحراف الكونية من كونية عقلية في مجالي العلم والسياسة إلى كونية أو شمولية أو كوكبية - على حد عبارة الأستاذ المرحوم مصطفى كمال فرحات – تختزل في ما هو اقتصادي.
       هذه هي أهم معاثر الحداثة، أضف إلى ذلك يوجد عنصر مهم قد تدخل بعد أن كدنا نعتقد أننا أنهينا معه: وهو التعصب الديني والتشبث بما هو روحاني في عصر غزت فيه المكنة وغاب فيه المعنى. وبذلك أصبحت الرؤية العقلانية التي لطالما تم تقديسها إلى حد ما رؤية قابلة للتفنيد والتجاوز إذ أن العلمنة واللائكية لم تعد شرطا اساسيا لبناء نظام الحكم، كما تبين لكل الناس أن الوحدة والتجانس بين الشعوب أضحيتا حيلة، وفي أفضل الأحوال وهماً لا يمكن تصديقه سيما إذا ربطناه بما نشاهده من حروب الشمال ضد الجنوب، كما أنه، في ظل انفتاح الحضارات على بعضها وتمازجها - إما عن طريق الهجرة أو الاستيطان أو الحرب -، تغير مفهوم الهوية ولم تعد متجانسة بل أصبحت مركبة(15) في أفق الهوية المركبة أصبح الدين يلعب دورا أساسيا في التمييز بين الأفراد داخل نفس المجتمع فالحضارة الأنغلوسكسونية أو الأوروبية تشمل العديد من الجنسيات وهنا أصبح للدين أهمية كبرى في تغذية الصراعات بين الحضارات، سيما وأنه بعد أساسي في تحديد الهوية عندما يكون الفرد في عالم آخر(16). لقد تغيّر مفهوم المواطن ليعود إلى دلالة الفرد قبل أن ينشأ الحكم العلماني الذي بنى المواطنة والدولة والقانون. بدأنا نتحدث عن حضارات وهويات مركبة داخل حضارات مختلفة وقوانين هي بمثابة حدود ترسم لكل فرد طريقة سلوكه ومواطنة كونية، وهو مفهوم ملتبس لا يقال إلا لكي يتباهى به من أنتجه من الدول التي تزعم أنها صانعة الحداثة.   
كل هذه العناصر المتشابكة عطلت في الحقيقة مسار الحداثة وكانت معاثر حقيقية وجدية، وصرنا نتحدث عما بعد الحداثة، وهي في الحقيقة ليست حقبة جديدة في التفكير لانها لا تتجاوز الحداثة إلا منطلقة منها في أكبر دلالاتها كالذات الانسانية والقانون والدولة والعقل وغيرها. الذاتية أصبحت تتحدد ضمن شبكة من العناصر وأصبحت بينذاتية. القانون مازال يمثل مرجعا عقلانيا لكنه أصبح يخصص أحيانا في حالات التعامل مع الأجانب ويصبح كونيا لردع من يحيد عن الشرعية الدولية في ظل العولمة ورغم كل شيء لا نزال نؤمن بدولة القانون. أما العقل الذي أنتج العلم فتحول إلى عقل منتج للتكنولوجيا وآخر أطواره هي الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لم يتم القطع مع الحداثة كعقلانية في الفترة التي تسمي نفسها ما بعد حديثة بل تم استئنافها بطرق أخرى. إن نشأة ما يسمى بما بعد الحداثة مرتهن بذلك التزامن بين الحداثة والعولمة، حيث استغلت قيم الحداثة لتكريس منطق العولمة. ربما ما خيب آمال الفلاسفة من الحداثة من قبل الما بعد حداثيين ليس الحداثة بل هو بالأحرى العولمة والليبيرالية التي غالت في التشيئة والحيف واختراق القوانين الدولية بشركاتها العابرة للقارات وهو أمر أرعب كل فلاسفة الفترة الحديثة إذ مات الإنسان ولم يعد للمواطنة أي قيمة واي دلالة في ظل فضاءات لا تعترف بالانسان، فكيف ستعترف بالمواطن؟ كما   فقد لقانون معناه إذ لم يعد متعاليا بل أصبح مرتبطا بالمصالح الضيّقة لبعض الأطراف.  
 من هنا نستنتج اللاتكافؤ بين الفكر الحداثي والواقع الذي تزامن معه. ثمة خلل تاريخي حقيقي ففي حين ينادي الفلاسفة بالسعادة والرفاهية والحرية للجميع والالتزام بالقوانين مثل ديكارت وكانط، كرّس الواقع الليبيرالي انزياحا وانزلاقا نحو احتكار للعقلانية ولوعود الحداثة الكونية  كحق الشغل حق الحياة حق الحرية وهي حقوق إنسانية لا  يجب أن تقتصر على الأقوياء أو في فئة معينة  دون أخرى، وفي حين اعتقدنا اننا بنينا الدولة العقلانية التي تحتكم للقانون وتدبر شأن الحرية بالاعتماد على العقل، وجدنا أنفسنا  في دول تعتمد الدين والروحاني كمكوّن أساسي للهوية لتواجه به المنطق الاستعماري الجديد، كما وجدنا دولا تتحدث عن الديمقراطية والاختلاف والاعتراف أكثر مما تتحدث عن القانون وصرامته.
فهل خرجنا إذا عن مسار الحداثة، وعدنا إلى عصور ما قبل الحداثة على المستوى السياسي والأخلاقي منذ الحداثة نفسها أم أننا قفزنا إلى خارج الحداثة إلى مستقبل حداثي متطور؟
للإجابة على هذا السؤال، يكفي أن نشير إلى أنّنا ما زلنا في الأزمنة الحديثة وثمة نقطة عدم العودة إلى الوراء رغم الخيبات التي رآها بعض الفلاسفة مثل حنا أرنت وفاتيمو وليوتار وغيرهم ممن سموا أنفسهم ما بعد حداثيين حيث تحدثوا عن نهاية الحداثة أو أزمة الإنسان الحديث أو غير ذلك، لكننا لن نتراجع عن فهم أنفسنا والعالم والمجتمع فنعوّل على الطريقة غير العقلانية أعني أن لا نتبع القوانين، ونحن ما زلنا نؤمن بإمكانية إرجاع الكونية وجعل الإنسان يستفيد من وعود الحداثة أينما كان، ومازلنا نعتقد في إنقاذ الأسس الحداثية كالحرية الإنسانية ومسؤولية الإنسان تجاه نفسه والآخرين وتجاه العالم في أفق هذه التجاوزات من فرط استعمال العقل كالمشاكل الأيكولوجية، وما تتطلبه من إعادة بناء لمفهوم المسؤولية الإيتيقة وغيرها. كذلك ما زلنا نؤمن بالعلم والاستشراف والتحكم في الحياة وفي العالم عن بعد. إنّ استئناف الحداثة يعني العودة إلى هذه الأسس والأعمدة وإعادة إحيائها بعد أن تعطلت أو تعثرت: الإنسان العقل الحرية والقانون وإعادة صياغتها من جديد بشكل يستجيب لما بنته الحداثة من دلالات إيجابية بناءة واعدة وإن شئنا نقول إن استئناف الحداثة يكون بالرجوع إلى نواياها أو مثلها التي بناها الفلاسفة سيّما على المستوى المعرفي والعملي.
 
    III- الفلاسفة المعاصرون واستئناف الحداثة
     في الحقيقة تعني عبارة الاستئناف الانطلاق من جديد أي من نقطة التعطل أو التعثر أي عدم العودة إلى الوراء وقد كان ذلك لدى العديد من المفكرين. وسأتناول مثالين فقط هابرماس وفوكو اللذان كانت لهما منطلقات مشتركة كانطية وماركسية وتصوّرات متباينة. 
 
هابرماس واستئناف الحداثة
 بيّن هابرماس في حركة العودة إلى مفهوم القانون الأخلاقي العقلي الكانطي أنّ المعايير الأخلاقية قائمة على الصدق والنزاهة والاستقلالية وهي معايير تلزم الناس بضرورة أن يتواصلوا ويتناقشوا وحتّى أن يتفاهموا وهي ما ستجعلهم قادرين على انجاز معايير ملموسة في صلب النقاش العملي الفعلي. فلا يتعلق الأمر هنا بمضمون معياري ايتيقي لانه مضمون خارجي تم زرعه في فعل التواصل، بل يتعلّق الأمر بشروط لازمة لا يمكن التغاضي عنها، وهي ما يمثل أسس عملية للإنجازات المعيارية القيمية. هكذا يتم اعتبار الأخلاق كشروط صورية للإيتيقا نفسها. فلكي يستطيع الأفراد أن يتناقشوا ويتحاوروا ويتفاهموا، عليهم أولا أن يكونوا نزهاء صادقين يمتلكون نية أنّهم سيكوّنون معا معايير واحدة تكون كونية وتصلح في كل حالة، وتضم مصالح جميع الأطراف المتحاورين. وإذا غابت معايير الصدق والنزاهة ونية التواصل الحقيقي فلن تكون هنالك معايير إيتيقية كونية.(17) وفي حين يرى البعض أن هذه المعقولية الإيتيقية غير ممكنة في الواقع يبين هابرماس أنّ إيتيقا النقاش تتطلّب اطارا تتحقق فيه وهي تطرح سؤال ما إذا كنا نعرف كيف يمكننا تصور تحقيق هذه المعايير الإيتيقية.(18) ذلك أنّ معايير النزاهة والصدق و"الإرادة  الطيبة" وحدها غير كافية لتفضي بنا إلى إيتيقا نقاش ناجعة وناجزة.
 هابرماس يبين أنه لا بدّ من معاضدة المعقولية الحقوقية لتجعلها المعقولية الإيتيقية قابلة للتنفيذ، لذلك من الضروري أن يوجد تصور حقوقي وضعي، يجعل من المعقولية الايتيقية مشروعة وقابلة للتحقق. وهو أمر يمكن أن نجده في التشريع الفلسفي الكلي الكانطي. 
هكذا يتحوّل الالزام الإخلاقي والإيتيقي إلى إلزام قانوني بما أنه يفضي إلى معايير يتفق حولها الجميع وهذا الإجماع هو الذي سينقله من معيارية الأخلاق إلى إلزامية القانون "أن تُستكمل الأخلاق بقانون ملزم تلك حقيقة تبرّر بدورها أخلاقيا"(19).
 يقترح هابرماس تصورا عقلانيا جديدا للأخلاق والسياسة الكانطية الكونية في عالم توسّعت فيه الهوة بين الأفراد وبين المجتمعات. أما فوكو فهو يبني تصوّرا آخر للحداثة ولكيفية استئنافها يرتكز أكثر على مفهوم الحرية منه على مفهوم العقل الإيتيقي.
 
فوكو والحداثة
  استأنف فوكو الحداثة بشكل آخر أعني مطبقا منهج النقد على الفكر الحداثي نفسه فلقد تأثر بالحداثة كمشروع نقدي كما تأثر بها كمشروع تحرّري لكنه لا يعتقد فيها اعتقادا صنميا ولا ينظر إليها نظرة ناقم غاضب مثل فاتيمو الذي أعلن نهايتها أو حنا آرنت التي بينت أن وضع الانسان الحديث هو وضع رث يحتاج إلى المراجعة لأنّه أولى اعتبارا كبيرا للبعد البيولوجي من خلال الترفيع في قيمة العمل والدفاع عن الحاجيات وتجاهل البعد الرمزي/ الفني للإنسان الذي هو حياته الحقيقية.
ميشال فوكو استعاد الحداثة من خلال إعادة قراءته للفكر الكانطي فتبنّى النقد منهجا والتحرر غاية، لكنّه مارس النقد لا على العقل الميتافيزيقي فقد انشغل بذلك كانط عندما بيّن قدرات وحدود العقل، بل مارس النقد كتأويل تاريخي/ جينيالوجي/ أركيولوجي أتى على كلّ ممارسات السلطة وتحوّلاتها التي ظهرت مع ظهور العقلانية، كما بيّن أنّ الحرية يجب أن تصرّف فعليا كممارسات تتحقّق من خلالها الذات نفسها في كلّ فعل تأتيه، وهذا التحرّر ليس سياسيا بقدر ما هو إيتيقي وجمالي. 
بيّن أنّه ثمّة لا توازن أو لا تكافؤ بين فكر الحداثة والواقع الحديث تواصل إلى اليوم في ما يسميه فوكو بالبيوسياسة أو السياسة الحيوية. فما يبدو ثوريا تقدّميا في الحداثة ليس متحقّقا في الواقع بل توجد ممارسات تكرّس الاستعباد والهيمنة. ففوكو يبيّن أنّ العقلانية العلمية لا يجب أن ننظر إليها بكلّ تلك الدوغمائية، بل علينا أن نتفطّن أيضا إلى بعدها الأداتي الذي اندسّت من خلاله السلطة وطوّرت نفسها.
لا تنبني تحاليل فوكو على فكرة أن "الحداثة مشروع لم يكتمل" يجب استئنافها كما ذهب إلى ذلك هابرماس، بل إنّ هذه التحاليل تبيّن أنّ الحداثة منذ البداية كانت تكريسا لمعاني جديدة للسلطة والتحكّم في الذات الإنسانية، ولذلك ففوكو يدافع عن صميم المشروع الحداثي التحرّري معرّيا ما يمكن أن تؤول إليه حدوده وانقلاباته العكسية.
إنّ الحداثة، لدى فوكو، قد انبنت إذن على مفارقة الحرية والهيمنة، فهي قد حررّت الإنسان من الظلمات فكرا وممارسةً، وحرّرته من الطبيعة بمعرفة قوانينها لكنّها أرست ضربا جديدا من الإستعباد هو استعباد الانسان للإنسان بواسطة العلم والتكنولوجيا. إنّ الحداثة التي أنتجت الحرّيات أنتجت مفارقيا السجن.
وأكثر من ذلك ففوكو عندما يفحص الجذور الحداثية للحقبة المعاصرة هو يعود أكثر إلى النص الكانطي، ليبين كيف انقلب المشروع النقدي المعرفي الكانطي إلى وضعية دوغمائية لا تؤمن بغير العلم معرفة، وكيف انقلب المشروع التحرري إلى مشروع عكسي، وانقلبت فكرة الكسموسياسة إلى ضرب من السياسة العالمية التي تكون بيد قوة عظمى أو مجموعة من القوى تمارسها للسيطرة على الإنسانية جمعاء. وكأنّ فوكو يقول لنا ليست الحداثة صنما بل هي نبتة علينا الاعتناء بها، وتنميتها إنها بذور زرعت وعلينا تطويرها.
خاتمة
  لكي نختم، يمكننا القول إنّ الحقبة الراهنة، هي حقبة" غربية " بامتياز سواء من حيث تأسيس الحداثة أو نقدها واستعادتها واستئنافها. أما الحضارة العربية، فهي، وإن كانت قد ساهمت في بناء الحداثة بشكل غير بارز، إذ نعلم كيف نقلت العلوم العربية والفكر الفلسفي إلى اللاتينيين، فهي لم  تكن حاضرة حضورا بارزا في الفترة الأخيرة. أعني من عصر النهضة إلى حد القرن التاسع عشر تقريبا. وربما كان أيضا حضور العرب هو حضور بالغياب لأنّهم اكتفوا باستيراد مفاهيم العقلانية والحق والحرية والإنسان والقانون، وحاولوا أن يجدوا لها موقعا في الفضاء العربي الإسلامي. والحق يقال، أنّ الحداثة مسار يجب أن نمر به بشكل ذاتي.
وهو ما بدأه الفارابي وابن رشد وابن سينا وحتى الغزالي عندما فكّروا في وضع الفلسفة وسط النص الديني وقد استعملوا الحجج العقلية والبراهين والاستدلالات المنطقية وفلحوا في ذلك فلاحا كبيرا، ففصلوا بين ما هو ميتافيزيقي ما وراء العرش وما هو فيزيائي طبيعي يمكن للعقل أن يدركه وهو ما فعله ابن خلدون، وبذلك فصلوا مجال المعرفة عن مجال العقيدة. ولن نبالغ، إذا اعتبرنا مشروع نقد العقل الخالص يجد جذوره لدى ابن خلدون، كما لا نبالغ أن نعتبر مفهوم المحايثة السبينوزي يجد جذوره في توجه ابن رشد لمفهوم الوجود كصناعة تدلّ على الله كما تدلّ البعرة على البعير، وأن الله ليس خارج العالم، بل هو حجة على وجوده فدليل العناية يثبت أن الله في العالم وليس غريبا عنه.
هذا، زيادة على أنّ العرب قد أضافوا إلى الفكر اليوناني العديد من المباحث الفكرية المهمة كالتأويل والموسيقى والبصريات والخوارزميات والطب وطب النفس. ومن هنا فإنّ الحداثة العربية لا تكون إلا بنهضة عربية حقيقية تنطلق من الجذور لتستمر فلا يكتفي العرب باستيراد ما بدأه الآخرون، بل عليهم، أن يطوّروه كما فعلوا مع اليونان وكما فعل اللاتينيون مع الفكر العربي الوسيط. وهنا وجب أن نتحرّى ونميز بين أن نكون حداثيين أو تحديثيين نتأقلم مع الحداثة !!
في الحقيقة لا توجد نهضة تخص حضارة بعينها و­­خالصة، كل الحضارات تتحاور بشكل مباشر أو غير مباشر لكن البعض منها يبرز في حقبة معينة فيصبح مهيمنا أكثر ويفرض نموذج تفكيره وما على الحضارات الأخرى إلاّ أن تأخذ على عاتقها الاعتناء بتاريخها ومسارها لتنهض بشكل مستمر.
فكيف سنبني نهضتنا؟ هل يمكن تأسيس نهضة أو حداثة عربية خالصة في عصر هيمنة النموذج الوضعي في العلم والأخلاق والسياسة؟ هل هويتنا تقترن بالدين؟ أم بالشعر؟ وما عسانا فاعلون بهذين الضربين من الانتماء الروحي في عالم يتطور يوميا ويكتشف المزيد والمزيد من الولوج في عالم الأشياء؟
 
 نعيمة الرياحي أستاذة محاضرة بالجامعة التونسية مختصة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة   اشتغلت اساسا على فكر ميشال فوكو وألفت ثلاثة كتب حوله  
 
الهوامش:
1- Hannah Arendt. Les origines du totalitarisme.t 2, traduit de l'anglais par Martine leiris. Fayard  Paris,1982, p, 271.
2- Baudrillard : « la Modernité » in Encyclopaedia Universalis,
         https://www.docsity.com › 2005, p,1.
3- ديريدا:  حوار مع هاشم صالح ، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 54-  55، أوت 1988، ص 91.
4- Paul Ricoeur, La mémoire, l’histoire, L’oubli, copie pdf,   https://www.academia.edu : « Il y a ainsi concurrence entre deux emplois du terme « modernité », selon qu’il désigne  le phénomène itératif qu’une histoire des représentations parcourt ou l’auto-compréhension de notre différence , à nous, tels et tels, sous l’empire du déictique  « nous » qui se détache désormais du descriptif « eux », p,409.
5- René Descartes , La recherche de la vérité par la lumière naturelle Data BNF. https://data.bnf.fr › rene_descartes_la_recherche. par la lumière naturelle" de. René Descartes.  Milan : F. Angeli , cop. 2002. L
 Joseph Beaude écrit dans sa présentation de ce livre sur la recherche de la vérité par la lumière naturelle  que : « Descartes avait porté en Suède, sous le titre de La Recherche de la vérité par la lumière naturelle, qui toute pure, et sans emprunter le secours de la religion et de la philosophie, détermine les opinions que doit avoir un honnête homme sur toutes les choses qui peuvent occuper sa pensée »
6- Foucault, Michel. « Qu’est-ce que les Lumières ? » in Dits et Ecrits, tome IV, Gallimard, Paris 1994, 562-578.
7- Ibid., p, 683.
8- Foucault, Michel. ِ « Wath’s Enligthenment ? »  cité in Rabinow (P) éd the Foucault Reader, New York, Panthéon books,1984, pp 32-50,  in Dits et Ecrits, tome IV, 1984,   p, 568. éd Gallimard, Paris1994.
9-Frédéric Guillaud, « La modernité :crise d'adolescence de l'humanité ? », Le Philosophoire, no 25,‎ février 2005, p. 77-88
10- Kant, Les fondements de la métaphysique des mœurs, édition Delagrave, Paris, 1982. p, 122.
11- Kant, Qu'est-ce que les Lumières ? Édition Garnier Flammarion, Paris, 1991pp. 42. Traduction Hsine Harb, Revue la pensée arabe N° 48 Octobre1987, p, 80.
12- Touraine (Alain) ,  « Critique de la modernité », p, 14 in PDF Touraine-critique -de -la - Modernité http//ekladata.com. 30/11/2014.
13- Ibid., p,13.
14-   جان بودريار،  "السلطة الجهنمية"، مجلة الفكر العربي المعاصر،  العدد 1348 / 135،  خريف 2006، ص 43.
15  -Edgar Morin, L’humanité de l’humanité, éd le Seuil, Paris ,2001, p, 71.
16- Luc Terlinden,   « Charles taylor aux sources de l'identité », Éditions du Cerf, « Revue d'éthique et de théologie morale » 2012/HS n°271,  pages111-119. p 113.
       17- Habermas, la morale et la communication , édition Flammarion, 1999, p, 97.
18- Habermas, De l Ethique de la discussion, édition Flammarion, 2013. p, 28.
19 - Ibid., p, 4.