تموز/يوليو 17
الديمقراطية باعتبارها صفقة قابلة للتفاوض: دراسة حالة العراق 2003 -2023
 
مقدمة
كان السعي إلى الديمقراطية موضوعاً رئيساً في السياسة العالمية، حيث تسعى الدول جاهدة إلى إنشاء أنظمة تعكس إرادة مواطنيها وتطلعاتهم. ومن بين هذه الدول التي مرت برحلة مضطربة نحو الديمقراطية هي العراق.
يهدف هذا المقال إلى الخوض في الديناميكيات المعقدة المحيطة بتطور الديمقراطية في العراق من عام 2003 إلى عام 2023، ودراسة أصول الديمقراطية، وتأثير غزو عام 2003، والتحديات التي واجهتها في عراق ما بعد الغزو، والدور الذي لعبته الجهات الفاعلة الدولية في تشكيل الديمقراطية في العراق، وأخيراً، آفاقها.
لفهم جذور الديمقراطية في العراق، من الأهمية بمكان أن نستكشف أصولها. سيسلط هذا الموضوع الفرعي الضوء على كيفية تشكيل العوامل التاريخية والمؤثرات الخارجية للمشهد السياسي العراقي مع مرور الوقت، مما أدى في النهاية إلى إرساء المبادئ الديمقراطية(1). لا يمكن التقليل من تأثير غزو عام 2003 على الديمقراطية في العراق. ومن خلال تحليل الأحداث والسياسات الرئيسية التي تم تنفيذها خلال هذه الفترة، يمكننا تقييم مدى تأثيرها على المؤسسات والعمليات الديمقراطية في العراق. ظهرت التحديات التي تواجه الديمقراطية في عراق ما بعد الغزو بسبب عوامل داخلية وخارجية مختلفة. سيتناول هذا القسم العقبات مثل التوترات الطائفية والتهديدات الإرهابية وعدم الاستقرار الاقتصادي وقضايا الحكم التي أعاقت التقدم الديمقراطي(2). علاوة على ذلك، فإن استكشاف الدور الذي لعبته الجهات الفاعلة الدولية في تشكيل الديمقراطية في العراق يوفر نظرة ثاقبة حول كيفية تأثير القوى الخارجية على التطورات السياسية داخل العراق خلال هذه الفترة. وأخيرا، فإن تقييم آفاق مستقبل الديمقراطية العراقية يسمح لنا بالنظر في السيناريوهات المحتملة استنادا إلى الاتجاهات الحالية والديناميات الناشئة. من خلال تقييم الفرص والتحديات المقبلة لجهود التحول الديمقراطي في العراق بعد عام 2023. 
يسعى هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل للديمقراطية باعتبارها صفقة قابلة للتفاوض؛ دراسة حالة العراق 2003 - 2023. من خلال دراسة هذه المواضيع الفرعية - أصول الديمقراطية في العراق؛ تأثير غزو عام 2003 على الديمقراطية؛ التحديات التي تواجه الديمقراطية في عراق ما بعد الغزو؛ دور الجهات الدولية الفاعلة في تشكيل الديمقراطية العراقية؛ وآفاق الديمقراطية في العراق - نهدف إلى فهم الرحلة المعقدة للديمقراطية في العراق وآثارها على مستقبل الأمة.
 
أصول الديمقراطية في العراق
إن ظهور الديمقراطية في العراق، في سياق دراسة الحالة من عام 2003 إلى عام 2023، هو قصة معقدة، إنها قصة تتشابك فيها خيوط تاريخية مختلفة، وتعقيدات ثقافية، ومؤثرات خارجية. لفهم أصول الديمقراطية في العراق، لا بد من التعمق في سجلات تاريخها وتشريح العوامل المتعددة الأوجه التي تلعب دورها. لا يمكن للمرء أن يفهم نشأة الديمقراطية في العراق دون الاعتراف بالعواقب المضطربة للغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003. فقد قلب هذا الحدث البالغ الأهمية عقوداً من الحكم الاستبدادي في عهد صدام حسين، وكشف النقاب عن أمة تتصارع مع هويتها(3). وقد أدى فراغ السلطة ـ الذي تلا ذلك ـ إلى خلق بيئة مناسبة للمناورات السياسية والاشتباكات الأيديولوجية. فضلاً عن ذلك فإن بلاد ما بين النهرين القديمة كانت بمثابة الخلفية التي تطورت في ظلها الديمقراطية الحديثة في العراق. لقد شهد مهد الحضارة تجارب مبكرة مع هياكل الحكم التي عكست العناصر التي نربطها الآن بالمثل الديمقراطية. فمن شريعة حمورابي إلى مجالس دويلات المدن السومرية، تتردد أصداء عملية صنع القرار التشاركي عبر الزمن. ومع ذلك، فإن فهم رحلة العراق نحو الديمقراطية يتطلب التعامل مع الديناميكيات القبلية المعقدة المتأصلة بعمق في نسيجه الاجتماعي. لقد شكلت الانتماءات القبلية منذ فترة طويلة التحالفات السياسية والصراعات على السلطة في جميع أنحاء المنطقة. وشكلت هذه التفاعلات المعقدة بين القبائل تحديات هائلة أمام إنشاء مؤسسات ديمقراطية مستقرة. بالإضافة إلى ذلك، لعبت الطائفية الدينية دوراً أساسياً في إعاقة تشكيل المسار الديمقراطي في العراق. يتألف سكان البلاد من مجتمعات دينية متنوعة مثل المسلمين الشيعة، والمسلمين السنة، والمسيحيين، واليزيديين، وغيرهم؛ ولكل منهم مظالمه وتطلعاته التاريخية. وكثيراً ما تم استغلال هذه الانقسامات من قبل الجهات الفاعلة المحلية التي تسعى إلى السلطة والقوى الخارجية التي تتنافس على النفوذ.
إن مشاركة المجتمع الدولي تزيد من تعقيد هذه المتاهة المحيطة بالديمقراطية في العراق. فقد مارست الجهات الفاعلة الخارجية نفوذاً كبيراً على السياسة المحلية من خلال التدخلات العسكرية أو المناورات الدبلوماسية. وتتراوح دوافعهم بين تعزيز القيم الديمقراطية وتأمين المصالح الاقتصادية أو الاستقرار الإقليمي(4). حولت هذه الشبكة المعقدة من المصالح الجيوسياسية العراق إلى رقعة شطرنج حيث الديمقراطية ليست سوى قطعة واحدة في لعبة معقدة. وأخيرا، لا ينبغي التغاضي عن قدرة المجتمع العراقي على التحمل والقدرة على التكيف عند النظر في أصول الديمقراطية. وعلى الرغم من سنوات الصراع المستمرة، فقد أظهر العراقيون مرونة ملحوظة ورغبة ثابتة في تقرير المصير. وقد ساهمت الحركات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني والمواطنون العاديون في تشكيل المشهد الديمقراطي من خلال الاحتجاجات والانتخابات والمفاوضات. إن فهم أصول الديمقراطية في العراق يتطلب الإبحار عبر نسيج منسوج من الموروثات التاريخية، والديناميات القبلية، والطائفية الدينية، والمشاركة الدولية، والقدرة على الصمود المجتمعي. القصة بعيدة كل البعد عن كونها خطية أو يمكن فك شفرتها بسهولة. إنه لغز غامض يتطلب فحصًا دقيقًا لفهم تعقيده بالكامل. ولن يتسنى للمرء أن يبدأ في تقدير عملية التفاوض المتأصلة في سعي العراق إلى تحقيق الديمقراطية من عام 2003 إلى عام 2023 إلا من خلال كشف هذه الخيوط المعقدة.
 
 
تأثير غزو عام 2003 على الديمقراطية
 أطلق غزو العراق عام 2003 العنان لعاصفة مضطربة ترددت أصداؤها في جميع أنحاء عالم. وكان تأثيرها، مثل زوبعة عاصفة، قد مزق نسيج المؤسسات السياسية والديناميكيات المجتمعية بطرق محيرة وغير متوقعة. أصبح هذا الحدث الكارثي نقطة تحول، حيث شوه جوهر الديمقراطية كصفقة قابلة للتفاوض. أدى الغزو، الذي كان يكتنفه عدم اليقين والمكائد الجيوسياسية، إلى ظهور حقبة من الانفجار الشديد في العمليات الديمقراطية. ولا يستطيع المرء أن ينكر أن الغزو أدى إلى اختلال التوازن الدقيق بين السلطة والحكم في العراق. تم الترحيب بسقوط نظام صدام حسين باعتباره انتصاراً للديمقراطية. ومع ذلك، فقد كشفت أيضًا عن هشاشة المؤسسات العراقية. أدى الفراغ المفاجئ الذي خلفه سقوط صدام حسين إلى خلق فراغ في السلطة، مما أطلق العنان للتوترات الطائفية التي تم قمعها لفترة طويلة في ظل حكمه الاستبدادي. وقد ظهرت هذه الانقسامات على الساحة مثل ألسنة اللهب التي تجتاح بارودًا جافًا، وهددت بتمزيق الأسس ذاتها التي قامت عليها الديمقراطية. علاوة على ذلك، كان لهذا الغزو عواقب بعيدة المدى على السياسة الإقليمية والتصورات العالمية للديمقراطية. فقد أرسلت موجات صادمة إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وأشعلت المناقشات حول السيادة والتدخل. وقد أدى الانفجار الذي أدخلته على العلاقات الدولية إلى إجبار الدول على التعامل مع أسئلة تتعلق بقابلية أنظمتها الديمقراطية للتدخل الخارجي.
 تحدى هذا السيناريو المحير المفاهيم التقليدية لتقرير المصير وأثار الشكوك حول ما إذا كان من الممكن حقاً التفاوض على الديمقراطية أو فرضها بالقوة. علاوة على ذلك، شهد عراق ما بعد الغزو طفرة في الحيرة داخل المشهد السياسي. اشتدت المنافسات الطائفية والعرقية مع تنافس الفصائل المختلفة على السلطة ضمن إطار ديمقراطي ناشئ. فقد انهار الإجماع الهش الضروري للمفاوضات الفعالة وسط المصالح المتنافسة والانقسامات الأيديولوجية التي بدت مستعصية على الحل في بعض الأحيان. وأصبحت الديمقراطية غارقة في شبكات معقدة من الفساد وشبكات المحسوبية، الأمر الذي شكك في قدرتها على الوفاء بوعودها. وكان التأثير على المجتمع المدني عميقا بنفس القدر خلال هذه الفترة المضطربة. سعى العراقيون، الذين انفجروا بحرية التعبير المكتشفة حديثًا، إلى تشكيل مصيرهم من خلال الاحتجاجات والمظاهرات. ومع ذلك، قوبل هذا الانفجار بالحيرة بينما كانت الدولة تكافح من أجل إدارة هذه الأصوات الديمقراطية الناشئة. وقد ألقى رد الحكومة، الذي كان في بعض الأحيان شديد القمع، بظلاله على المثل العليا التي ادعت أنها تتمسك بها. وأصبح تصور الديمقراطية باعتبارها صفقة قابلة للتفاوض ملوثاً بالحقائق على الأرض. كان لغزو العراق عام 2003 تأثير مزلزل على الديمقراطية لا يمكن التغاضي عنه أو التقليل من شأنه. لقد حطمت أوهام الاستقرار(5) وغيرت إلى الأبد مسار المفاوضات السياسية داخل العراق وخارجه. لقد تفجر هذا الحدث بعواقب غير متوقعة ومعضلات محيرة، وتحدى الحكمة التقليدية حول الديمقراطية باعتبارها صفقة قابلة للتفاوض. وبينما نتأمل في إرثها بعد عقدين من الزمن، نجد أنفسنا نتصارع مع آثارها المعقدة على الحكم الديمقراطي في عالم دائم التغير.
 
تحديات الديمقراطية في عراق ما بعد الغزو
لقد كانت التحديات التي تواجه الديمقراطية في عراق ما بعد الغزو متعددة، مما شكل عقبات كبيرة أمام إنشاء نظام سياسي مستقر وشامل. وأدت الطبيعة المتعددة الأوجه لهذه التحديات إلى إدامة الشعور بعدم اليقين والتعقيد، مما يجعل من الصعب السير على الطريق نحو التحول الديمقراطي الناجح. وكان أحد التحديات البارزة هو الانقسامات الطائفية التي تفاقمت بسبب الغزو في عام 2003. وقد أعاقت هذه الانقسامات، الناجمة عن المظالم التاريخية والصراع على السلطة بين مختلف المجموعات العرقية والدينية، تشكيل حكومة متماسكة. الهوية الوطنية ضرورية لتوطيد الديمقراطية، فضلاً عن ذلك فقد أدى السقوط السريع لنظام صدّام حسين الاستبدادي إلى خلق فراغ في السلطة سرعان ما ملأته الفصائل المتنافسة على السيطرة. ولم يؤدِ هذا الصراع على السلطة إلى تقويض الجهود الرامية إلى إنشاء حكومة ديمقراطية شاملة فحسب، بل أدى أيضًا إلى تكثيف خطوط الصدع المجتمعية القائمة. وبرزت الأحزاب السياسية المتحالفة على أسس طائفية كلاعبين مهيمنين (6) حيث أعطت الأولوية لمصالحها الخاصة على الوحدة الوطنية، وأدامت دائرة العنف وعدم الاستقرار. ومن التحديات الهائلة الأخرى التهديد المستمر الذي تشكله الجماعات المتطرفة مثل داعش (الدولة الإسلامية في العراق وسوريا). وفي سعيها لإقامة الخلافة الإسلامية، استفادت هذه التنظيمات المسلحة من الوضع الأمني الهش في عراق ما بعد الغزو. وأدت تكتيكاتهم الوحشية التي تهدف إلى زرع الخوف والانقسام إلى تآكل ثقة الجمهور في قدرة الحكومة على توفير الأمن والاستقرار. وقد شكل ظهور مثل هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية العنيفة تحديات خطيرة لجهود بناء الديمقراطية حيث سعت إلى تقويض أي مظهر من مظاهر الحكم الديمقراطي من خلال ترويع السكان المحليين. علاوة على ذلك، ظل الفساد منتشرا داخل المؤسسات العراقية منذ عام 2003. فالفساد المتفشي لا يؤدي إلى تآكل ثقة الجمهور فحسب، بل يقوض أيضا وظائف الدولة الأساسية الضرورية للحكم الفعال.
 إن تحويل الأموال المخصصة للرعاية العامة إلى جيوب خاصة يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ويعزز خيبة الأمل بين المواطنين الذين ينظرون إلى الديمقراطية على أنها فاشلة في الوفاء بوعودها. وبالإضافة إلى التحديات الداخلية، أدت العوامل الخارجية أيضاً إلى تعقيد الرحلة الديمقراطية في العراق. وكثيراً ما أدى نفوذ القوى الإقليمية، مثل إيران والمملكة العربية السعودية، إلى تفاقم التوترات الطائفية وعرقلة جهود المصالحة الوطنية. وقد سعت هذه الجهات الخارجية إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية الخاصة في العراق، مما أدى إلى تقويض احتمالات إقامة ديمقراطية تمثيلية حقيقية. لقد كانت التحديات التي تواجه الديمقراطية في عراق ما بعد الغزو عديدة ومعقدة، مما يشكل عقبة هائلة أمام إنشاء نظام سياسي شامل. وساهمت الانقسامات الطائفية، والصراعات على السلطة، والتهديدات المتطرفة، والفساد، والتأثيرات الخارجية، في خلق المشهد المحير للسياسة العراقية. إن التغلب على هذه التحديات لا يتطلب الحكم الفعال فحسب، بل يتطلب أيضا بذل جهود متضافرة لتحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز الشعور بالهوية المشتركة بين المجتمعات المتنوعة. فقط من خلال معالجة هذه العقبات المتعددة الأوجه يمكن للعراق أن يأمل في التفاوض على الديمقراطية باعتبارها صفقة دائمة تعود بالنفع على جميع مواطنيه.
 
دور الجهات الدولية الفاعلة في تشكيل الديمقراطية العراقية
تأثرت الديناميكيات المعقدة للديمقراطية في العراق بشكل كبير بمشاركة مختلف الجهات الدولية الفاعلة. منذ بداية غزو عام 2003 وحتى يومنا هذا، لعبت هذه الجهات الفاعلة دورًا محوريًا في تشكيل العمليات الديمقراطية داخل العراق والتفاوض بشأنها. لقد مارست الولايات المتحدة، باعتبارها اللاعب المهيمن، نفوذها من خلال التدخل العسكري وجهود بناء الدولة اللاحقة. ومع ذلك، فقد قوبل هذا التدخل في كثير من الأحيان بالمقاومة والتشكيك من جانب أصحاب المصلحة المحليين والدوليين. كان الغزو العسكري للولايات المتحدة بمثابة نقطة تحول في تاريخ العراق، حيث أدى إلى تعطيل هياكل السلطة القائمة وتفكيك نظام صدام حسين. وبينما لاقت هذه الخطوة في البداية ترحيباً من قبل بعض العراقيين الذين يتوقون إلى التغيير والتحرر من الحكم القمعي، إلا أنها أشعلت أيضاً انقسامات داخلية بين المجموعات العرقية والطائفية المختلفة. وقد خلق فراغ السلطة الذي أعقب ذلك فرصة للجهات الفاعلة الخارجية للتدخل وتشكيل المشهد السياسي في العراق. لعبت المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، دورًا فعالًا في توفير الشرعية لهياكل الحكم في مرحلة ما بعد الغزو في العراق. ومن خلال وجودها على الأرض، حاولت هذه المنظمات تسهيل الحوار بين مختلف أصحاب المصلحة لضمان الشمولية داخل السياسة العراقية. ومع ذلك، فقد تم إعاقة جهودها في كثير من الأحيان بسبب المصالح المتضاربة بين الدول القوية المنخرطة في هذا اللغز الجيوسياسي المعقد(7). كما لعبت الدول المجاورة مثل إيران والمملكة العربية السعودية أدواراً مؤثرة في تشكيل الديمقراطية العراقية. وتنظر هذه القوى الإقليمية إلى العراق باعتباره ساحة معركة استراتيجية حيث يمكنها تأكيد أجنداتها السياسية الخاصة. وقد سعت إيران إلى ممارسة نفوذها على الأحزاب السياسية الشيعية. وقد أدى ذلك إلى اتهامات بالتدخل غير المبرر من الدول العربية المجاورة التي تخشى تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة. علاوة على ذلك، برزت الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل الميليشيات المسلحة، كلاعبين مهمين في السياسة العراقية منذ عام 2003. وغالبًا ما تعمل هذه الميليشيات خارج آليات سيطرة الدولة التقليدية ولكنها تمتلك قوة كبيرة على الأرض بسبب قدرتها على حشد الدعم بين المجتمعات المهمشة أو استغلال الصراعات الطائفية والتوترات لتحقيق مكاسب خاصة بها. ومشاركتها تزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى ترسيخ الديمقراطية في العراق. ومع ذلك، فإن دور الجهات الفاعلة الدولية في تشكيل الديمقراطية العراقية لم يكن سلبياً أو معيقاً فحسب؛ إذ لعبت المساعدات الدولية والمساعدات الاقتصادية دوراً حاسماً في إعادة بناء البنية التحتية في العراق وتعزيز التنمية الاقتصادية. وتهدف هذه الجهود إلى خلق بيئة مواتية للحكم الديمقراطي من خلال معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تغذي عدم الاستقرار. لقد كان دور الجهات الفاعلة الدولية في تشكيل الديمقراطية في العراق متعدد الأوجه، وكانت له عواقب إيجابية وسلبية. فقد أدى التدخل العسكري للولايات المتحدة إلى تعطيل هياكل السلطة القائمة، في حين سعت المنظمات الدولية إلى تسهيل الحوار السياسي الشامل. سوف يستمر التفاعل المعقد بين الجهات الفاعلة المختلفة هذه في تشكيل مسار العراق نحو التوصل إلى صفقة تفاوضية بشأن الديمقراطية في السنوات القادمة.
 
آفاق الديمقراطية في العراق
إن مستقبل الديمقراطية في العراق موضوع يكتنفه الغموض. وبينما نتعمق في الديناميكيات المعقدة التي شكلت هذه الأمة منذ عام 2003، تظهر مجموعة كبيرة من التوقعات المحيرة، التي تقدم الأمل والخوف. على مدى العقدين الماضيين، شهد العراق رحلة مضطربة نحو الحكم الديمقراطي، تتأرجح بين لحظات الانتصار واليأس. ورغم أن الطريق إلى ديمقراطية مستقرة مكتظ بالإمكانات، ورغم ذلك تطارده الانقسامات العميقة الجذور والتدخلات الخارجية. لا يستطيع المرء أن ينكر موجة التفاؤل التي صاحبت الإطاحة بنظام صدّام حسين الاستبدادي في عام 2003. ويبدو أن إزاحة هذا الحاكم المستبد كانت بمثابة الأساس لعصر الديمقراطية. ومع ذلك، مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن التحول الديمقراطي في العراق لم يكن عملية خطية، بل كان بالأحرى مفاوضات معقدة بين مختلف الفصائل المتنافسة على السلطة. وتكمن الحيرة في فك رموز القوى التي تهدف حقاً إلى تعزيز القيم الديمقراطية، وأي القوى تسعى إلى استغلال النظام لتحقيق مكاسب شخصية أو طائفية. علاوة على ذلك، أدت التأثيرات الخارجية إلى زيادة تعقيد المسار الديمقراطي في العراق. لقد أدى غزو الولايات المتحدة واحتلالها اللاحق إلى انقسام بين التحرير والقهر، وهي مفارقة لا تزال تشكل السياسة العراقية اليوم. وفي حين يزعم البعض أن التدخل العسكري الأميركي جلب تغييراً إيجابياً من خلال تفكيك نظام قمعي، فإن آخرين ينظرون إليه باعتباره مسعى إمبريالياً يهدف إلى تأمين المصالح الاستراتيجية بدلاً من تعزيز الديمقراطية ذاتها(8). وتضيف هذه الازدواجية طبقة أخرى من التعقيد عند تقييم الآفاق المستقبلية للديمقراطية في العراق. علاوة على ذلك، لا يمكن للمرء أن يتجاهل الانقسامات الطائفية داخل المجتمع العراقي، وهو ما يشكل مصدراً آخر للحيرة عند التفكير في مستقبله الديمقراطي.
تمتد جذور هذه الانقسامات إلى المظالم التاريخية والصراعات على السلطة بين الجماعات الدينية المختلفة مثل العرب السنة والعرب الشيعة والأكراد. تطرح الطائفية تحديات كبيرة أمام بناء دولة قوية متماسكة حيث يمكن لجميع المواطنين المشاركة على قدم المساواة في العمليات السياسية دون خوف أو تمييز. وفي حين أن هذه التعقيدات قد ترسم صورة قاتمة، فمن الضروري الاعتراف بصمود وتصميم الشعب العراقي. وعلى الرغم من النكسات العديدة التي واجهها العراقيون، فقد أظهروا باستمرار توقهم إلى الديمقراطية واستعدادهم للانخراط في العملية السياسية. إن انفجار مطالبهم من أجل التغيير، والذي يتجلى في كثير من الأحيان من خلال الاحتجاجات الجماهيرية والحركات الشعبية، يشهد على أن السكان يرفضون الاستسلام لليأس(9). لا تزال الآفاق المستقبلية للديمقراطية في العراق غامضة وغير مؤكدة. وقد خفت موجة التفاؤل التي أعقبت الإطاحة بصدام حسين من جراء المفاوضات المعقدة بين الفصائل المتنافسة، والتأثيرات الخارجية التي ألقت بظلالها على النوايا، والانقسامات الطائفية. ولكن في خضم هذه الحيرة يواصل الشعب العراقي الكفاح من أجل مثل الديمقراطية، ولا يزال هناك بصيص من الأمل في أن يجد العراق طريقه نحو مستقبل ديمقراطي مستقر وشامل.
 
الخاتمة
 من خلال تحليل أصول الديمقراطية في العراق، يصبح من الواضح أن البلاد لديها تاريخ طويل من الحكم الاستبدادي والنضال من أجل الحكم الذاتي. لقد كان تأثير غزو عام 2003 على الديمقراطية في العراق كبيراً ومعقداً. وفي حين أطاحت بديكتاتور وحشي ووفرت فرصة للتحول السياسي، فإنها أطلقت أيضاً العنان للتوترات الطائفية والصراعات على السلطة التي أعاقت التقدم الديمقراطي. أدت التحديات اللاحقة التي واجهها عراق ما بعد الغزو إلى تعقيد مساره نحو الديمقراطية، بما في ذلك قضايا مثل ضعف المؤسسات والفساد والعنف والتمرد. ولعبت الجهات الفاعلة الدولية دوراً حاسماً في تشكيل الديمقراطية في العراق طوال هذه الفترة. مارست الولايات المتحدة والقوى الأجنبية الأخرى نفوذها من خلال التدخل العسكري، وجهود بناء الدولة، والمشاركة الدبلوماسية. ومع ذلك، لم تكن هذه التدخلات دائمًا ناجحة أو لقيت استحسانًا من قبل الجهات الفاعلة المحلية، مما أدى إلى عواقب غير مقصودة أعاقت ترسيخ الديمقراطية(10). وبالنظر إلى الآفاق المستقبلية للديمقراطية في العراق، ستكون هناك عدة عوامل ذات أهمية قصوى. إن معالجة أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز هياكل الحكم الشاملة التي تستوعب المجتمعات المتنوعة، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات بفعالية، كلها عناصر أساسية للتنمية الديمقراطية المستدامة. علاوة على ذلك، فإن تعزيز جهود المصالحة الوطنية مع مواجهة التدخل الخارجي سيكون أمراً حيوياً لبناء الثقة بين المجموعات المختلفة داخل المجتمع العراقي. في نهاية المطاف، على الرغم من حدوث العديد من النكسات على طول رحلتها نحو الديمقراطية منذ عام 2003 حتى الآن - بما في ذلك فترات عدم الاستقرار والعنف - لا يزال هناك أمل في أنه من خلال الجهود المتضافرة من كل من الجهات الفاعلة المحلية والشركاء الدوليين على حد سواء؛ يستطيع العراق تحقيق نظام ديمقراطي أكثر قوة يعكس تطلعات مواطنيه إلى الحرية وتقرير المصير.
 
 
الهوامش
1- O’Sullivan, C. (2004). "Observations on the Role of the United Nations in Iraq in the Coming Year". Connections, 3(4), pp. 83–92.
2- Gompert, D. C., Binnendijk, H., & Lin, B. (2014). The U.S. Invasion of Iraq, 2003. In Blinders, Blunders, and Wars: What America and China Can Learn, RAND Corporation, pp. 161–174.
3- Nazir, M. (2006). "Democracy, Islam and Insurgency in Iraq". Pakistan Horizon, 59(3), pp. 47–65.
4 - Alhajji, A. F. (2004). "U.S. ENERGY POLICY AND THE INVASION OF IRAQ: DOES OIL MATTER?" The Journal of Energy and Development, 29(2), pp. 209–232.
5- Kramer, R. C., & Michalowski, R. J. (2005). "WAR, AGGRESSION AND STATE CRIME: A Criminological Analysis of the Invasion and Occupation of Iraq". The British Journal of Criminology, 45(4), pp. 446–469.
6- Yakoubi, M. (2023). The American occupation of Iraq in the light of the British “imperial precedent” twenty years later. Rudaw Research Center.
7 - Cordesman, A. H. (2023). Understanding Iraq’s Nation-Building Needs before the 2003 Invasion. In Giving Iraq Stability and Progress: Treat the Causes of Iraq’s Governance and Development “Disease,” Rather Than Focusing on Its Violent “Symptoms”. Center for Strategic and International Studies (CSIS), pp. 8–15.
8- Pitchford, J. (2011). "The “Global War on Terror,” Identity, and Changing Perceptions : Iraqi Responses to America’s War in Iraq". Journal of American Studies, 45(4), pp. 695–716.
9 - Green, P., & Ward, T. (2009). "THE TRANSFORMATION OF VIOLENCE IN IRAQ". The British Journal of Criminology, 49(5), pp. 609–627.
10 - Jacqueline S. Ismael. (2014). "Iraqi Women in Conditions of War and Occupation". Arab Studies Quarterly, 36(3), pp. 260–267.