فلاح العاني، ولد في عام 1967 في مدينة بلد/ العراق. خريج أكاديمية الفنون الجميلة، بغداد 1992. خريج المدرسة العليا للفنون ليلاهولمن السويد 2013. المعرض الشخصي الأول له/ بغداد 2001. المعرض الشخصي الثاني/ دمشق صالة فاتح المدرس 2007. ثمانية معارض شخصية في السويد. معرض مشترك في متحف الفن في مدينة نورشوبنك . معرض مشترك في متحف الفن في مدينة أوربيو السويدية 2015. معرض مشترك في متحف ليليفالس ستوكهولم 2022, 2023 , 2024 , 2025 . معارض مشتركة في السويد، باريس، شيكاغو، مدينة اسلينغن الألمانية، لندن، روما، مدينة لاكورونيا الإسبانية. حاصل على جائزة موا مارتينسون السويد 2016 . عضو في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين . عضو في جمعية الفنانين السويديين في مدينة نورشوبنك.
زهير: أعمالك تقترب من كوابيسي: عدم الثبات على الأرض، عدم اكتمال الشكل، حتى علاقات الشخصيات بالأشياء مضطربة، من أين تستلهم موضوعك، من الحياة ، كيف تجمّعهما؟
فلاح: استلهم أعمالي من مزيج من الواقع الحياتي أو من الذكريات أو الانفعالات، من الرؤى التي تشبه الكوابيس، من القلق المستمر الذي يصاحب ويعقب الأحداث التي نعيشها، حياة مليئة بالتحولات الدراماتيكية والفواجع. عدم اكتمال الأشياء مصدره سببان؛ الاول، رمزي: إشارات للحرب، مثلا وما تخلفه من ضحايا، يتمثل في الأطراف المبتورة، غيمة مشطورة من المنتصف، حصان فقد أرجله الأمامية، كذلك إشارات لخراب البيئة، وكيف ساهم الإنسان في خرابها، الطمع والاستهلاك الجائر لمواردها يتمثل في الأشجار المقطوعة في العش المخرب وفي بيضة مكسورة كانت مشروعا لحياة جديدة، الحاضر الذي يجهض المستقبل.
المصدر الثاني، يأتي من بُعد نفسي وعاطفي حيث تختطف منا أحلامنا قبل اكتمالها. أبدأ بالرسم من فكرة، شعور أو من سكيتش أولي. أبدأ برسم أشكال محايدة اتركها تسبح في فضاء اللوحة، وأثناء العمل تأخذ هذه الاشكال موضعها وحجمها ولونها على سطح اللوحة، هناك تنمو هذه العناصر وتشكل حياتها.
زهير: أرجع وأسأل عن المنطق الذي يجمع كل هذه العناصر؟
فلاح: المنطق الذي يجمع هذه العناصر هو محاولة ايجاد عمل يطرح الكثير من الاسئلة للمشاهد أكثر مما يطرح أجوبة، لذلك ترى الفانتازيا في متن العمل الفني.
عوالم كأنّها تأتي من حلم، تعرض نفسها تماما كما لو كانت على خشبة مسرح بإضاءة مثالية وحدود واضحة تؤكد حضورها.
الكابوس
زهير: الحلم أو الكابوس، إلى أي مدى يلعب دوراً في تشكيل موضوعك؟
فلاح: الكابوس نفسه او الحلم نفسه لا يلعب دوراً كبيراً في أعمالي، بمعنى أنا لا ارسم كوابيسي، بل ان الكوابيس تكون محفزاً لطرح مواضيعي بمزاج ما بنفس الطريقة الملتبسة التي نرى فيها أحلامنا عوالم يحكمها اللامنطق. الحلم يفتح لي الباب على الرموز والرغبات العميقة، هو طاقة داخلية تشكل جوهر التجربة الفنية.
زهير: هل يمكن أن تصف عملية التشكل من الذهن إلى اللوحة، هل ترى الموضوع ذهنياً ثم تضعه على اللوحة، ام يتشكل الموضوع خلال العمل؟
فلاح: امتلك طقوسا معينة للرسم، فأنا متعود ان اجلس في المقهى لبضع ساعات بشكل شبه يومي. اقضي جلّ الوقت في عمل اسكيتشات، سواء لعمل اخطط ان ارسمه لاحقا، او لمجرد المتعة. لذلك تتكدس هذه التخطيطات في حقيبتي التي ترافقني إلى اي مكان اذهب اليه. أبدا بالرسم مع واحد او اكثر من هذه التخطيطات، تخطيط أولي محايد إلى حد ما، سرعان ما يتطور كأنه شرارة لا بد منها لتحضير النار. أثناء العمل تبرز الكثير من الاقتراحات عليّ ان اختار بعض منها.. هنا تبدأ عملية ذهنية في مناقشة جميع الاقتراحات مع نفسي وفي النهاية اختار احدها. عند الاختيار أناقش هذا الحل على المستوى الفكري وكم هو مناسب لثيمة العمل، وعلى مستوى اللغة البصرية؟ كيف يمكنني إخراجه لكي ينسجم مع أسلوبي في الرسم؟ كيف يتناغم مع العناصر الأخرى في العمل الفني؟ يصاحب ذلك متعة كبيرة في الاكتشاف، في كثير من الأحيان أغيّر الشكل الذي اخترته ليتناسب مع بقية الأشكال، ولكي يولّد حواراً أنقى معها.
ما قبل الحركة
زهير: كل ما في لوحاتك مهيّأ للحركة لكنه لا يتحرك؟ هناك مشروع نحات؟
فلاح: الأشكال التي ارسمها تعرض نفسها بثبات وسكون كما لو كانت تتوقف لكي نراها بوضوح، كما لو كانت على خشبة المسرح بظروف اضاءة مثالية. أحب النحت واستمتع بزيارة اجنحة النحت في المتاحف او المنحوتات التي نراها في الميادين وفي الحدائق العامة، لكن أن أكون نحاتاً فذلك شيء آخر، فهو يتطلب عمرا إضافيا كي أكون بارعاً فيه. في اكثر من مناسبة عملت بعض المنحوتات التركيبية وكذلك بعض أعمال الانستوليشن وعرضتها في متحف الفن في مدينة (نورشوبنك السويدية) إلى جانب أعمال الرسم.
سريالية الواقع
زهير: أحسبك من السرياليين، هل هذا صحيح؟ مَن مِن السرياليين العظام أقرب إليك؟
فلاح: أصنف نفسي كسريالي تعبيري حديث. سريالية ذات طابع شخصي مصادرها الإحساس باللاواقع والتحول الدائم، غياب المنطق الواقعي لصالح منطق الحلم والكابوس. لا اعرف إن كان أسلوبي قريبا من أسلوب احد السرياليين العظماء، ربما على نحو ما قريب من الفنان الهولندي هيرونيموس بوش الذي عاش في القرن الخامس عشر.
زهير: الشر وخطيئة الإنسان، هل هو موضوع ديني كما طرحه بوش بالنسبة لك أم سياسي اجتماعي؟
فلاح: بوش عاش في زمن كان يهيمن عليه الفكر الديني المسيحي وكانت افكار مثل الخطيئة والثواب والعقاب الإلهي من ضمن المحركات الرئيسية له. أنا أرى الشر والخير والخطيئة من منظار آخر، مثلا الانحرافات الأخلاقية للسياسيين واستغلالهم لمناصبهم وتمريرهم لقوانين تدمر البيئة وحياة الناس هو الشر بعينه. نهب المال العام وسلب حقوق الناس في الحصول على حياة كريمة هو الخطيئة. المرأة وما وقع عليها من حيف من خلال سن قوانين تزويج الأطفال هو الخطيئة. إذا أمعنت النظر في كثير أعمالي الفنية التي أنتجتها في آخر خمس سنوات فستلاحظ هناك مسافة بين الرجال والنساء هناك حوار مقطوع بينهم وكأنّ المرأة تعيش في عالم آخر مواز، هي إشارة لما أسلفت.
زهير: هل تجد أن السريالية أقرب للمزاج الفني العراقي الملتبس وغير المستقر، هل هناك سريالية عراقية ذات سمات محلية؟، من يمثلها في رأيك؟
فلاح: نعم، السريالية قريبة من الواقع العراقي المليء بالتناقضات، حيث الذاكرة الجمعية المثقلة بالعنف والأساطير.
زهير: مَن غيرُك يمثلها؟
فلاح: الفنان علاء بشير من ضمن من يمثلون هذا الاتجاه، حسب ما أرى.
زهير: في رسومك، رموز ثابتة غير مكتملة، وأحيانا مركبة (الحصان، الطير، البوق…) هل لها معنى محدد، هل لها صلة بتجاربك الحياتية؟ بطفولتك كما السريالي هنري روسو.
فلاح: الطير له حضور كبير حتى في أول الأعمال التي رسمتها في العراق. كان يحضر الطير إلى جانب الفزاعة في بواكير أعمالي. من قريتي التي ولدت وترعرعت فيها بالقرب من مدينة بلد، من هناك من طفولتي حيث الحقول والفزاعات والطيور هي المشاهد التي تستقر في مكان أثير في ذاكرتي. البوق يأخذ معنى النداء والحوار وأحيانا النذير لحدوث خطب ما. أما الحصان مبتور الأرجل فهو رمز لما كان قد حدث في بغداد عندما كانت مسرحاً لأحداث دامية استمرّت عدة سنوات، كان بطلها السيارات المفخخة التي تركت خلفها آلاف من المعاقين والأشلاء.