أيار 20
   
أريك بروكس (Eric Brooks)، عضو المجلس الوطني (اللجنة المركزية) للحزب الشيوعي الأمريكي (CPUSA)، وعضو هيئة تحرير موقعه الالكتروني CPUSA.org. ولد عام 1956 في بروكلن/ نيويورك ونشأ فيها. تخرج من جامعة يال وعمل لمدة 45 عاما كمبرمج كومبيوتر. يعيش حاليا في انديانا. مناضل ومنظم مخضرم في سبل نيل سلطة الطبقة العاملة، وفي سبيل الاشتراكية. يؤمن بأن الحرية ما هي الا نضال دائم، وأن هذا النضال هو السبيل الأمثل لتجربة ذواتنا كبشر في ظل النظام الرأسمالي.
 
الثقافة الجديدة: شهدت السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة تغييرات جوهرية، لا سيما منذ ولاية ترامب الرئاسية الثانية. وقد انعكست هذه التغييرات في التحولات والتغيرات التي طرأت على استراتيجيات الأمن القومي.
هل يمكنكم توضيح أبرز ملامح هذه السياسة الجديدة؟ وهل نحن شهود على بداية عهد جديد، يتضمن نهاية الهيمنة الأمريكية وظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب، أم أن القضية ليست الا تغيير في الاساليب، ومجرد إعادة ترتيب وتعديل في النظام؟
 بروكس: تخضع الولايات المتحدة الامريكية حاليا لإدارة ذات نزعة وتوجه فاش. إدارة تهاجم باستمرار المكاسب التقدمية التي تم الظفر بها قبل الحرب العالمية الثانية (الصفقة الجديدة New Deal)، والتي توسعت لاحقا من خلال نضالات العمال وكذلك نضالات حركة الحقوق المدنية في الخمسينات وصولا الى السبعينات. بما في ذلك حقوق التصويت، صيانة الحقوق المدنية، ونظام الرعاية الصحية للمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، والضمان الاجتماعي، وأشكال الحماية المختلفة ضد العنصرية وضد مناهضة المرأة، والمبادرات الخاصة بالعوائل مثل إجازات الأمومة او الابوة. ان القوانين التي تم انتزاعها عبر النضالات الجماهيرية للطبقة العاملة وإن بقيت بمعظمها، لكن آليات التنفيذ تم إفراغها من مضمونها. حيث تم تجاهلها من قبل الحكومة الفدرالية وأصبحت حبرا على ورق.
إن الرئيس ترامب، واتباعه المليارديرات من أعضاءMAGA  (لنجعل أمريكا عظيمة مرة اخرى)، يهاجمون بصورة منهجية مكاسب الطبقة العاملة؛ اما بحجة تصحيح قوانين "غير دستورية" تحابي الاتحادات العمالية او بحجة محاربة الإرهاب. بينما جوهر افعالهم، تحت ستار مكافحة الارهاب، لا يكمن في بث الرعب ليس في أوساط الشعب العامل في الولايات المتحدة فحسب؛ وانما الادعاء، بموجب استراتيجية الامن القومي ومبدأ ترامب، ان موارد النصف الغربي [من الكرة الأرضية - المحرر]، وبضمنها غرينلاند وكذلك نفط فنزويلا، كلها تعود له [ترامب -المحرر]. ان استراتيجية الامن القومي الأمريكي هي تأكيد على سيطرة فاشية "من اجل ضمان ان أمريكا ستبقى البلد الأقوى، والاغنى، الأكثر نفوذا، والأكثر نجاحا لعقود قادمة". ان هذه ليست اهدافا لإدارة تحترم سيادة او حق تقرير المصير لأي دولة اخرى. ان سياسة الامن القومي تقر ان للولايات المتحدة "حقوق طبيعية ممنوحة من الله"، وذلك لتحمي "مصالحها ورفاهيتها". ان ما يعنونه هو ان للمليارديرات وغيرهم من الرأسماليين حقا طبيعيا - ليس ديمقراطيا!- ليفعلوا كل ما يشاؤون لخدمة مصالحهم المالية. وكما يُظهر العدوان الأمريكي على إيران، ستسعى إدارة ترامب إلى الاستيلاء على الموارد الطبيعية في أي مكان متخذةً من 'الأمن' ذريعةً، ومن العنف الاقتصادي والجسدي أداةً للإكراه. إن ترامب ومعه كل الفاشيين الاخرين في MAGA مصرّون على السيطرة لا التعاون، وهذا هو جوهره رسالة استراتيجية الأمن القومي كما قرأتها.
ما سينشأ عن المرحلة الراهنة سيعتمد على نضال (قوى - المحرر) السلام هنا في الولايات المتحدة، وكذلك على تصرفات الدول الأخرى على الصعيد العالمي. خصوصا مع تعرض "الناتو" للتهديدات من قبل ترامب، فضلا عن ازمة النفط التي اشعلتها الولايات المتحدة بهجومها على إيران. ان دول العالم تتساءل بحق عن دور الولايات المتحدة كضامن للسلام العالمي. فالتوترات بين الدول مرتفعة، كما أظهرت ذلك الصين بوضوح حينما رافقت ناقلات نفطها بطرادات حربية ثقيلة خلال حصار الولايات المتحدة لمضيق هرمز. نحن نشهد تغيرا حقيقيا لا مجرد تغيير سطحي في الأسلوب. والى أي مدى سيؤدي هذا التغيير نحو حرب عالمية فإن هذا يرتبط بمستوى التنظيم الديمقراطي من اجل السلام، والاحترام المتبادل، والعمل المشترك.
كان العالم، عموما، متعدد الأقطاب، حتى في ظل ذريعة الولايات المتحدة الزائفة بكونها "قائدة العالم الحر". لقد ادعت الولايات المتحدة نهاية تعدد القطبية بعد ان زال الاتحاد السوفيتي من الوجود. لكن تلك كانت نظرة ضيّقة أغفلت الديناميكيات التي تغذي نمو الاقتصاد الصيني، والتحالفات الاقتصادية في أمريكا الجنوبية ومع الصين.
 إن إنهاء استخدام الدولار الأمريكي في المعاملات الخارجية، ولا سيما في الموارد الطبيعية والنفطية، يؤكد بقوة حقيقة أن الولايات المتحدة كانت دائماً مضطهدة للأمم بقوة السلاح لا بانية لتحالفات تستند على الاحترام المتبادل.
وإذا كان ترامب قد نجح في أي شيء، فهو نجاحه، من جهة، في إثبات حدود نفوذ الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، المصلحة الذاتية المتطرفة التي تنكر مشروعية مصالح أي دولة أخرى ذات سيادة، كما ترفض المعاهدات والاتفاقيات الاقتصادية. في هذا السياق، لم تعد الولايات المتحدة شريكاً شرعياً حتى في نظر الرأسماليين.
هناك تغييرات كثيرة، ولكن اين سينتهي المطاف، فإن ذلك يعتمد على كل من: حركات الشعوب من أجل السلام على الصعيدين العالمي والأمريكي، وعلى استعداد القادة الرأسماليين للدول على العمل معاً، وهو امر لا تشجع عليه الرأسمالية. برأيي ان هذه المرحلة خطرة على العمال. وأعتقد ان الامر الملح اليوم هو التأكيد على ضرورة ان يكون التركيز منصبا على بناء حركات سلام ديمقراطية واسعة مناهضة للعنصرية، تسعى للحد من الإنفاق العسكري، وكذلك العمل على تلبية احتياجات العمال.
 
 الثقافة الجديدة: لا يمكن فهم السياسة الأمريكية، ولا التحولات الأخيرة فيها، دون استيعاب كامل للسياق الاجتماعي والاقتصادي الكامن وراءها.
فهل يمكنكم، رفيقنا العزيز، أن تُلقوا الضوء على أبرز السمات المميزة لهذا السياق؟
بروكس: تعيش الولايات المتحدة في قبضة إدارة عنصرية، مناهضة للديمقراطية، معادية للمرأة، ومعادية للمهاجرين. إدارة ترى نفسها غير ملزمة ولا تهتم بأي شيء سوى زيادة ثرائها وتوسيع سيطرتها. وقد كان الأثر الداخلي لهذه السياسات: بلد يعاني غالبية سكانه - الطبقة العاملة - من عوز شديد في السكن، والغذاء، والرعاية الصحية، والتعليم، والثقافة. اما السياق الاجتماعي الاقتصادي فهو مناهض للنقابات، بل وقد وصل الامر إلى حد القول بأن كل من يشكك في الرأسمالية هو إرهابي يستحق الترحيل. لقد كان القمع استجابة ترامب لاحتياجات فئات واسعة من الأمريكيين: الطرد الجماعي من الوظائف، وتحطيم النقابات، وابقاء الحد الأدنى للأجور منخفضاً، والضغط العنيف والمستمر على المهاجرين وغيرهم من العمال (بمن فيهم العمال البيض)، وتخفيضات ضريبية هائلة للأثرياء، مع تضخيم الميزانية العسكرية إلى تريليون دولار؛ كل ذلك قوض الاقتصاد الأمريكي وأفرز نخبةً ضيّقة من المليارديرات وجموعاً من الناس يكافحون للبقاء، والمحظوظ هو من يعيش من الراتب إلى الراتب. ان السياسة الأمريكية موجهة نحو توظيف القوة لضمان زيادة ثراء الأثرياء عبر السيطرة العالمية على الموارد. غير أن القوة الشرائية للجموع في العالم وفي الولايات المتحدة تتراجع باستمرار، كاشفةً بكل جلاء تناقضات الرأسمالية. وإدارة ترامب لا تفعل شيئاً لتيسير حياة العمال سواء في الولايات المتحدة أو عالمياً، وهي صريحة في أن ذلك ليس من اهتمامها. اهتمامها الوحيد هو الإثراء الذاتي، بما في ذلك توظيف النظام الضريبي الأمريكي لامتصاص أموال العمال وتحويلها مباشرةً إلى تغذية المجمع الصناعي العسكري الذي يجني منه قلة قليلة مليارات الدولارات.
ان النضالات الراهنة في الولايات المتحدة، وفي ظل السياق الاجتماعي والاقتصادي الحالي، تتمحور حول التفاوت الهائل في الدخل، وشُح تمويل الخدمات الحكومية التي يعتمد عليها أغلب العمال في تقاعدهم ورعايتهم الصحية، وعلى هجوم شامل على المنظمات الشعبية التي تناضل من أجل مصالح العمال ومناهضة العنصرية وبناء مجتمع غير اقصائي. المهمة اليوم في الولايات المتحدة هي بناء حركة شعبية جامعة من أجل الديمقراطية والسلام، ومن أجل سياسات تلبي احتياجات العائلات والمجتمعات العاملة. حركة شعبية تتسم بطابع مناهض للاحتكار. وإذا أفلحت في هذه النضالات، فإنها ستُحدث تحولاً جوهرياً في البنى الاجتماعية الاقتصادية في الولايات المتحدة، بقدر نجاحها في النضال من أجل السلام، في العالم أيضاً.
 
الثقافة الجديدة: استكمالاً للسؤالين السابقين، هل يمكنك شرح اسباب عودة ترامب في عام 2024؟ أو بشكل أعم، كيف يمكننا تفسير ما يُسمى بـ"ظاهرة ترامب" منذ عام 2016؟
ما هي الظروف التي سمحت لهذا "الدخيل"، لسيد الخطاب الشعبوي هذا، ان يتم القبول به زعيما للصفوة في الحزب الجمهوري؟
بروكس: من المهم أن ندرك أن ترامب لم يفز بتفويض شعبي لا في 2016 ولا في 2024. في 2024 فاز بفارق 1.25% من الأصوات، فيما أحجم نحو ثلث الناخبين عن التصويت. والسؤال هو لماذا يشعر كثير من الناس بالاغتراب عن ميدان الانتخابات في الولايات المتحدة؟
 للإجابة على ذلك، لا بد من النظر في القيود السخيفة المناهضة للديمقراطية المفروضة على المشاركة في العملية الانتخابية، بما فيها قمع التصويت، وذلك عبر تطبيق نظام الحزبين. حيث تكون "المعارضة" عند الحزب الديمقراطي، وهو حزب رأسمالي أيضا. لا ننسى من جهة أخرى ان هذا النظام يوفر اطارا للمنظمات الشعبية وللعمل المنظم من اجل السلطة.
من وجهة نظري، ان الفوزين اللذين حققهما ترامب، ينبعان من تيارين ساخطين: أحدهما بين الشباب الذين ينظرون الى أصواتهم يتم تكميمها من قبل القيادات الكهلة والفاسدة في الحزب الديمقراطي، والتيار الاخر في صفوف البيض الذين جرى التلاعب بهم عبر ادعاءات عنصرية مزيفة بصورة صريحة لإيهامهم بأن مصلحتهم الذاتية تكمن مع غاية ترامب وMAGA الفاشية. لقد سوق ترامب نفسه مرشحاً للسلام، مرشحا سيقف مع العمال أو على الأقل مع العمال البيض، وشخصاً سيعيد الولايات المتحدة إلى مكانتها الاقتصادية المتقدمة، ما أوهم بعض العمال بأن ذلك سينعكس إيجاباً عليهم. 
ظاهرة ترامب هي منتج ثانوي لحملات إعلانية ضخمة أربكت الناخبين وكذبت عليهم، ولإرهاق الشعب الأمريكي بحروب لا نهاية لها، ولهجوم الحزب الديمقراطي على جناحه اليساري الذي نفر كثيرون منه. كما لعب دعم الولايات المتحدة للإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد شعب غزة دوراً مهماً، إذ رأى البعض في الامتناع عن التصويت بياناً أخلاقياً احتجاجياً، الا أن فعلهم قد أسهم موضوعياً في انتصار ترامب.
أحد اشكال الصراع في الولايات المتحدة هو محاولة اقناع الناس ان التصويت ليس الا جانبا من النضال من اجل السلام والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وأن التصويت ليس بيانا أخلاقيا بقدر ما هو تأكيد جمعي للقوة. اننا نرى، في انتخابات التجديد النصفي الحالية، أن ترامب لم يعد خياراً رابحاً. يدرك أنصار ترامب وMAGE ذلك. لذا ركزوا جهودهم على تضييق الوصول إلى صناديق الاقتراع في المناطق التي طالما قامت بتحديهم، بما في ذلك محاولة تعريف مفهوم المواطنة وبالتالي تحديد من يحق له التصويت. لقد بات مفهوم المواطنة ذاته في الولايات المتحدة موضع جدل، بنية عنصرية صريحة تهدف إلى حصرها في البيض.
 
الثقافة الجديدة: لا يزال العديد من الماركسيين يعتقدون أن سياسات ترامب الخارجية - من المطالبات بغرينلاند، وبإعادة قناة بنما، مرورا بالتهديدات الموجهة ضد كندا، واختطاف الرئيس الفنزويلي، وصولاً إلى العدوان على إيران الذي شاركت فيه إسرائيل - لا يمكن تفسيرها إلا من خلال نظرية "الإمبريالية"، ما يستلزم بالضرورة تطوير هذه النظرية مع إطارها المفاهيمي ليكونا أكثر حداثة.
رفيق بروكس، ما هو تفسيركم للعدوان الموجه ضد إيران تحديداً؟
بروكس: يجب فهم ترامب من خلال منظور النضال من أجل السلام. إنه واجهة لطبقة لا بد لها من انتهاج سياسات إمبريالية لضمان الأرباح، ولا سيما في زمن تتقلص فيه قدرة العمال الشرائية، وحيث تغدو السيطرة على الأسواق والموارد ضرورةً لخفض التكاليف وضمان حجم المبيعات التي تدرّ الأرباح. تضمن الإمبريالية، أيضاً، الحاجة إلى ميزانية عسكرية مستمرة ومتنامية، وهي الآلية التي تتم من خلالها عملية نقل هائلة للثروة، عبر الضرائب، إلى جيوب المليارديرات.
وان كانت الطبقة العاملة تواجه بتحدي الامبريالية الامريكية، الا انه من الضروري في هذه المرحلة أيضا النضال من أجل بناء تضامن أممي عمالي متبادل وقوي، قائم على مبدأ المساواة بين الأمم واحترام السيادة المتبادلة، واحترام الحق في تحديد المسار الاجتماعي الاقتصادي الخاص. هذا النضال هو مناهضة الإمبريالية، وهو ايضا في جوهره نضال من أجل السلام.
نعم، للطبقة العاملة الأمريكية دور خاص في النضال من أجل السلام، لكن هذه الحركة تواجه رياحاً معاكسة قوية. حيث هناك ثمة التباس حول طبيعة العلاقة بين العمال في بلدان مختلفة وما إذا كانوا متنافسين هيكلياً أم حلفاء. من جهتي أعتقد أنه ينبغي لنا النضال من أجل تضامن عمالي أممي ووضع حد للإمبريالية الأمريكية هنا في الولايات المتحدة.
أخيرا، توجد انقسامات في حركة السلام، تحديداً حول الإبادة الجماعية في غزة وحول العدوان الأمريكي على إيران. وهذه الانقسامات يجب معالجتها من اجل بناء حركة سلام قوية وموحدة.
 
الثقافة الجديدة: كان للإدانة العالمية لجرائم الحرب المروعة والإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني في غزة ضد الشعب الفلسطيني - بدعم كامل من الإمبريالية الأمريكية وحلفائها - دورٌ محوري في إنعاش الحركات التقدمية واليسارية والنقابات العمالية. وفي الولايات المتحدة الامريكية شهدنا العديد من الاحتجاجات والمسيرات والتظاهرات المؤيدة لفلسطين في العديد من المدن والجامعات.
رفيق بروكس، هل يمكنك إلقاء الضوء على وضع اليسار في أمريكا في السنوات الأخيرة؟ وخاصة اليسار الراديكالي؟ وهل كان للقضية الفلسطينية والجرائم المرتكبة في غزة دورٌ في حراكه؟
بروكس: شهدت الولايات المتحدة طفرة مرحب بها من الاحتجاجات ضد دعم الولايات المتحدة للإبادة الجماعية بحق شعب فلسطين ولا سيما في غزة. غير أن تلك التظاهرات اقتصرت في حالات كثيرة على الشباب، وانفصلت عن النضالات العمالية الجارية، وافتقرت إلى استراتيجية واضحة لتغيير السياسة عبر عمل جماعي موحد.
حيث لم تنخرط الحركة النقابية المنظمة، التي تعد كبرى منظمات الطبقة العاملة في الولايات المتحدة، بشكل واسع في الحركات الداعية لإنهاء الإبادة الجماعية. إلا أنها اتخذت مواقف مهمة تعكس تحولاً نحو اليسار. فـ (الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية AFL-CIO) أصدر بيانا، في 8 شباط/ فبراير 2024، يدعو فيه إلى "وقف إطلاق النار في غزة عبر المفاوضات - بما يشمل الإفراج الفوري عن جميع الرهائن وتوفير المأوى الطارئ والغذاء والدواء وسائر المساعدات الإنسانية لأهل غزة - ونؤكد من جديد دعمنا لحل الدولتين لتحقيق السلام والأمن على المدى البعيد".
فيما يتعلق بإيران، استجاب العمال على الفور. كانت (نقابة عمال الخدمات الدولية SEIU) أول من أصدر بياناً في اليوم الذي بدأت فيه الحرب. حيث ندد البيان بـ "استهتار إدارة ترامب بأرواح العمال"، واستطرد البيان قائلا "الحرب تؤذي العمال والفقراء والنساء والأطفال"، كما أعلن تضامنه مع العمال في إيران وفي أنحاء العالم. اما نقابة الممرضات الوطنية فقد ادانت ترامبَ لارتكابه "عملاً إمبريالياً آخر من أعمال الحرب دون إذن الكونغرس"، مستحضرةً صلةً مباشرة بين المليارات المنفقة على الحرب والتقشف المفروض على العائلات العاملة في الداخل الامريكي، ونبّهت إلى قصف مدرسة بنات أودى بحياة أكثر من 150 شخصاً بوصفه انتهاكاً لأحكام القانون الإنساني الدولي. بينما رفع اتحاد المعلمين الأمريكي (AFT) في بيانه "صوته الجماعي دعماً لشعب إيران وهو يناضل بشجاعة في شوارع بلاده من أجل الحرية والعدالة والحقوق الإنسانية الأساسية مواجهاً نظاماً استبدادياً دينياً". وفي 6 اذار/ مارس 2026 أصدر الـ AFL-CIO  بياناً يطالب بإنهاء النزاع، مع احترام صارم للقانون الدولي، وتجديد الالتزام بنزع السلاح النووي، والاحترام التام لحرية التنظيم.
اما فيما يخص كوبا، ثمة مصالح تجارية ويساريون ـ على حد سواء ـ يرون ضرورة رفع العقوبات عن تلك الدولة، لكنها لم تتحول بعد إلى قضية شعبية رئيسية تحرّكها حركة جماهيرية.
وعلى الرغم من كونها تخبو، لكن لا تزال هناك مؤثرات كثيرة، ترى في الحرب والميزانية العسكرية الضخمة خيراً للعمال الأمريكيين، بدعوى زائفة أنها تحافظ على الوظائف في الولايات المتحدة.
في النهاية، لا أعتقد أن الاعتداءات على غزة قد لعبت دورا محوريا في إعادة إحياء نقابات العمال والحركات التقدمية واليسارية في الولايات المتحدة. العمال على وجه الخصوص، يجابهون الإجراءات الاقتصادية وممارسات كسر النقابات من قِبل إدارة ترامب، والى حد ما مهاجمة الديمقراطية او وجود النقابات ذاتها. من وجهة نظري، انهم منشغلون أكثر بالنضالات الداخلية، لا بالتضامن الاممي للطبقة العاملة. غير أن بيان SEIU حول غزة كان صارما في دعم الأممية العمالية والتضامن، وأرى ذلك توجهاً متنامياً في الحركة العمالية في الولايات المتحدة.
 
الثقافة الجديدة: يصدر هذا العدد بعد أيام من حلول الأول من أيار ـ عيد العمال العالمي، بهذه المناسبة هل يمكنكم رفيقنا العزيز أن تشرح الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للطبقة العاملة الأمريكية، والظروف التي تناضل فيها؟
بروكس: الطبقة العاملة الأمريكية تناضل ضد كل التوجهات والمبادرات الفاشية، والمناهضة للديمقراطية لإدارة ترامب /MAGA وداعميهما من أصحاب المليارات. ويمثل عيد العمال العالمي هذا العام جبهةً جديدة في هذا النضال، إذ ستلعب الحركة النقابية المنظمة دورا قياديا للمرة الأولى منذ عقود. حيث سيواصل العمال هنا تصعيد الاحتجاجات المترابطة التي أطلقوها أيام [تظاهرات - المحرر] "لا ملوك" الأولى والثانية والثالثة وغيرها، بما فيها إضرابات طلاب المدارس الثانوية. من المهم التنويه الى ان تظاهرات لا للملوك الثالثة شارك فيها ما يقارب 8 ملايين شخص. علما ان هناك أكثر من 3000 احتجاج في يوم العمال هذا العام.
الا ان التحدي هو مواصلة انماء هذه التظاهرات وتعزيز وحدتها التنظيمية والسياسية. عموما ان انخراط العمال المنظمين في الحركة الاحتجاجية، كما تجلّى في احتجاجات مينيابوليس ضد دائرة الهجرة والجمارك (ICE)، يُحدث فارقاً هائلاً في تركيز الاحتجاجات ووحدتها السياسية. ومن المتوقع أن يتجلى ذلك مجدداً في احتجاجات أول أيار/ مايو. ثمة أيضاً قرار تقدّم به تحالف النقابيين السود من أجل مسيرة شعبية واسعة يقودها العمال نحو واشنطن للمطالبة بحقوق العمال والديمقراطية. وأيضا انها المرة الأولى التي يدعم فيها الـ AFL-CIO المساهمة في عيد العمال. بينما مجالس العمال في نيويورك وشيكاغو وديترويت ولوس أنجلوس أيّدت الفعاليات وتحشد لها. لقد عاد عيد العمال إلى الولايات المتحدة بزخم كبير.
إن الطبقة العاملة في الولايات المتحدة، بما فيها الشباب، تعاني كثيرا، الا انها تصارع، وهي تحت ضغط هجوم فاشٍ متواصل، لإيجاد سبل للوحدة والنضال. وأتوقع أن يستمر هذا التوجه مع اقتراب البلاد من انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 ثم الانتخابات الرئاسية لعام 2028. وبينما يكافح شعب الولايات المتحدة من أجل البقاء؛ السود والملونون والآسيويون والنساء وجميع العمال، يعتمد ترامب والحزب الجمهوري على القوة المناهضة للديمقراطية لكبح حركة الديمقراطية وحقوق العمال، التي تبني زخمها اليوم.
إذا نجحت الطبقة العاملة في إنهاء سيطرة ترامب على الكونغرس كما هو متوقع، فإن ذلك سيُشير إلى تحول هائل في موازين القوى، والى ما يمكن تحقيقه مستقبلاً على الصعيدين الداخلي والسلمي، اللذين يتشابكان تشابكاً وثيقاً. وذلك لأنه من الضروري توسيع المكون السلمي لهذا النضال ليشمل المطالبة بضرورة احترام حق الأمم في تقرير مصيرها.
ان اليسار الواسع في الولايات المتحدة هو يسار مناهض للشركات الكبرى، مناهض للعنصرية والتمييز على أساس الجنس، مؤيد للمهاجرين ولحقوق العمال. وثمة تيار اشتراكي متنامٍ تمثّله انتخابات ماماداني في نيويورك وآخرين في أنحاء البلاد. ويكتسب هذا اليسار طابعاً عمالياً متزايداً بدخول النقابات في المعركة ضد حركة MAGA، كما تجلى بوضوح في احتجاجات مينيسوتا ضد دائرة الهجرة والجمارك. ان هذا الطابع العمالي يترك بصمته على تنظيم يوم العمال العالمي.
وأخيرا، لقد تراجعت موجة معاداة الشيوعية وبات الحزب الشيوعي الأمريكي يؤدي دوراً علنياً في هذه التحالفات دون أن يُقصى منها. وستُحدد قوة اليسار الواسع المستمرة مدى قدرته على التركيز في النضال من أجل الوحدة.
ان كلمة "المقاومة" منتشرة في كل مكان في الولايات المتحدة اليوم. فلن نعود إلى الأشكال الرأسمالية النيوليبرالية للحكم. اما ما سيأتي بعد ذلك فإنه يعتمد على الحركة العمالية والوحدة التي يمكن بناؤها بين الشعوب العاملة والمضطهَدة في الولايات المتحدة والعالم.
 يا عمال العالم، اتحدوا!