تموز/يوليو 18
   
 
احمد موسى جياد ولد في مدينة الناصرية 1945، حاصل على بكالوريوس اقتصاد من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة بغداد 1967. وعلى دبلوم عالي في التخطيط الاقتصادي من جامعة برمنكهام 1972 وعلى ماجستير في دراسات التنمية من جامعة باث 1975. زميل زائر في كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية (التابعة لجامعتي تفت وهارفرد في ولاية مساجوست) حيث نال شهادة الماجستير من تلك الكلية عام 1989. خبرة عمل طويلة داخل العراق وخارجه. عمل خلال الفترة 1968 و1988 في العراق كان معظمها في وزارة النفط وشركة النفط الوطنية العراقية ومجلس الوزراء بدرجة رئيس خبراء. ومنذ عام 1989 عمل مع العديد من منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والمنظمات غير الحكومية والحكومات المحلية والشركات والجامعات في افريقيا واوربا والشرق الأوسط، اضافة الى النرويج. وصدرت له سبعة كتب عن تطورات القطاع النفطي العراقي عن مؤسسة لامبرت للمطبوعات الاكاديمية. يقيم، منذ نهاية 1989، في النرويج ويمارس نشاطاته الاكاديمية والمهنية من خلال استشارية التنمية والأبحاث.
 
 
الثقافة الجديدة: أستاذ احمد، ونحن قد تجاوزنا منتصف عام 2026 ما هي قراءتكم الحالية، لواقع قطاع النفط العراقي؟
احمد موسى جياد: قبل البدء بهذا الحوار، اود التعبير عن خالص شكري وتقديري لشخصكم الكريم، وللثقافة الجديدة المرموقة على هذه الدعوة لعقد الحوار وفي هذا الوقت الصعب، وقد سبق لي شرف المساهمة في نشاطاتها أكثر من مرة. 
لفهم واقع قطاع النفط العراقي، وهذا هو جوهر سؤالك المهم، لا بد من تشخيص هيكلية القطاع النفطي اولا، ثم استعراض وتحليل مسيرة وتطورات القطاع وفق ما يتوفر من بيانات ومعلومات ووثائق وغيرها من الادلة والشواهد المادية الثبوتية. 
من النواحي المؤسسية والقانونية والتخصصية والتحليلية يتكون القطاع النفطي العراقي من أربعة قطاعات جزئية متباينة ومتكاملة. باختصار شديد، يعنى ما يطلق عليه في الصناعة النفطية الدولية قطاع الاستخراج بمصطلح "Upstream Petroleum" بكل نشاطات الاستكشاف وحفر الابار، بكافة انواعها، وتطوير الحقول البترولية لاستخراج النفط والغاز. اما القطاع الجزئي الثاني، وهو ما يطلق عليه القطاع الأوسط   Midstream ويشمل كافة المنشآت السطحية (خارج حدود منطقة التعاقد للحقول) من انابيب (النفط والغاز والمنتجات النفطية) وخزانات ومحطات وغيرها. وفيما يتعلق بالقطاع الجزئي الثالث، والذي يطلق عليهDownstream  فيشمل المصافي وتصنيع الغاز والصناعات البتروكيماوية - علما ان هذه الاخيرة تقع ضمن مهام وزارة الصناعة والمعادن. واخيرا، يشمل القطاع الجزئي الرابع تسويق النفط الخام على المستوى الدولي، واستيراد وتصدير المنتجات النفطية. 
الرابط المهم بين هذه القطاعات الجزئية الاربعة المكونة للقطاع النفطي في العراق هو ضرورة وجود سياسة نفطية اتحادية متكاملة تضمن: 1- التطوير المتناسق المتزامن لهذه القطاعات الاربعة. 2- التناغم بين تطوير القطاع النفطي والقطاعات الاخرى بما يسهم في استحداث التغييرات الهيكلة المطلوبة في الاقتصاد العراقي. 3- معالجة تحديات الجغرافية والجيولوجيا بحكم موقع العراق شبه المغلق. 4- موقع النفط الخام العراقي في الاسواق الرئيسية الاسيوية والأوربية والامريكية. 
من خلال متابعتي المتواصلة وتوثيقي لما جرى ويجري في القطاع النفطي خلال الربع الاول من هذا القرن، أستطيع القول بانه لم تقم أي من الحكومات المتعاقبة بإصدار وثيقة تفصيلية (او ما اصطلح على تسميتها بالورقة البيضاء) خاصة بالسياسة النفطية، ضمن الإطار المفاهيمي المذكور أعلاه، والتزام الحكومة المعنية بتنفيذها. وان ما يرد في المنهاج والبرنامج لكل الحكومات المتعاقبة، والتي تعرض للحصول على موافقة مجلس النواب، لا يعدو ان يكون سوى عبارات عمومية تنعدم فيها المؤشرات الكمية والنوعية والاطر الزمنية لتحقيق ما تضمنته تلك البرامج. 
قد يكون لدى وزارة النفط خطط وبرامج ومشاريع يشار اليها بين الحين والآخر، ولكن لا تقوم الوزارة او الشركات المعنية التابعة لها بنشر المعلومات الأساسية عنها وتفاصيلها وجدواها وعقودها.
وعليه فان عدم تبني ونشر وثيقة رسمية خاصة بالسياسة النفطية الاتحادية المتكاملة من جهة، وانعدام الشفافية بشكل حاد من جهة أخرى، تفسر الى حد كبير مدى التخبط والتناقض في القرارات بين الحكومات وخاصة بين وزراء النفط فيها، والفشل في تحقيق حتى ما تم الإعلان عنه او التعاقد بشأنه. 
لقد كشفت تبعات العدوان الأمريكي - الإسرائيلي على إيران عن مدى هشاشة القطاع النفطي وبالتبعية على الاقتصاد العراقي. الأمثلة كثيرة وفي كافة القطاعات الجزئية الأربعة، وقد تناولتها بالتفصيل في العديد من دراساتي ومداخلاتي وكتبي السبعة عن تطورات القطاع النفطي والندوات الحوارية التي نظمتها منصة "المشترك" المرموقة.
 
الثقافة الجديدة: أكدت ازمة اغلاق مضيق هرمز الاخيرة، ان قضية تنويع منافذ صادرات النفط أصبحت قضية وجودية بالنسبة للعراق. وان لا حل لها الا بمد شبكات انابيب النفط الى موانئ الدول المجاورة. 
هل يمكنكم أستاذ احمد ان تقدموا لقرائنا تصوراتكم لشبكة الانابيب النفطية التي تقترحون بناءها او إعادة تأهيلها، والموانئ التي ستصل اليها، والتي ترون انه يتوجب على الحكومة القادمة الشروع بتنفيذها بأسرع وقت؟ وهل أنتم مع الرأي القائل ان نقطة الشروع يجب ان تكون إعادة تأهيل خط الانابيب العراقي في السعودية الذي ينتهي بميناء معجز (قرب ينبع) على البحر الأحمر؟  
احمد موسى جياد: لقد ذكرتُ في اجابتي السابقة موضوع تحديات الجغرافية والجيولوجيا بحكم موقع العراق شبه المغلق. العراق هو الدولة العربية الوحيدة الغنية بالاحتياطيات النفطية المؤكدة التي لا تملك سواحل واسعة لخطوط الملاحة البحرية الدولية، باستثناء مجال ضيق نسبيا في منافذ التصدير الجنوبية في محافظة البصرة.. 
تحديات الموقع الجغرافي هذا حتمت على العراق ضرورة توسيع وتعدد منافذ التصدير من خلال دول الجوار اضافة الى منافذ التصدير الجنوبية الاساسية. تحليليا وفي التخطيط الاستراتيجي وحسب الشواهد التاريخية لابد من الانتباه والاخذ بنظر الاعتبار المسائل (الحقائق) التالية: 
اولا: وجود ثنائية لكلٍ من منافذ التصدير التي تم تطويرها واستخدامها او يُفَكر في تبنيها: هذه الثنائية تتمثل بالمخاطر الجيوسياسية والمزايا الاستراتيجية. معناه، ان لكل منفذ تصدير توجد مخاطر جيوسياسية ممكنة ومحتملة تحول دون تصدير النفط، وفي نفس الوقت لذلك المنفذ مزايا استراتيجية مهمة تتمثل في تصدير النفط وفي الفروقات السعرية للنفط المصدر الى الاسواق الدولية الرئيسية وفق معطيات التحليل المقارن الديناميكي. 
ثانيا: ان تطوير طاقة التصدير الكلية يجب ان لا تتجاوز طاقة انتاج النفط مطروحا منها متطلبات الاستهلاك الداخلي. وهنا تبرز مشكلة الجدوى الاقتصادية ومدى تحمل الكلفة الباهظة لطاقة التصدير الفائضة / العاطلة. 
ثالثا: ترتبط المخاطر الجيوسياسية لكل انبوب تصدير بالعلاقات الثنائية بين العراق من جهة والدولة التي يمر بها ذلك الانبوب. في حين ان المخاطر الجيوسياسية لمنافذ التصدير الجنوبية تكون اما اقليمية او خارجية (العدوان الامريكي الاسرائيلي على إيران منذ نهاية شباط لهذا العام). 
في ضوء التحليل اعلاه ارى ما يلي: 
اولا: على الحكومة الجديدة ان تذكر في برنامجها اعطاء الاولوية لتحديث وتطوير طاقة التصدير من المنافذ الجنوبية (البصرة وخور العمية والعوامات SMPs، وميناء الفاو لتصدير زيت الوقود، نفط حقل القيارة، المكثفات والغاز السائل LPG) ومستودعات/ خزانات النفط المرتبطة بها في ضوء معدلات انتاج النفط المخطط تحقيقها خلال العشر سنوات القادمة.
تتمثل الاهمية الاستراتيجية المقارنة لمنافذ التصدير الجنوبية بمؤشرات عديدة: كمية النفط المصدر نسبة الى مجمل انتاج النفط. نوعية النفط الممكن تصديره وبكميات جيدة (بصرة خفيف، بصرة متوسط وبصرة ثقيل). امكانية التصدير الى كافة الاسواق الدولية الرئيسية مع تزايد الاهمية النسبية للأسواق الاسيوية مقارنة بالأوربية والامريكية. مرونة التسعير والمفاضلة في الاسعار حسب الاسواق الرئيسية بما يحقق اعلى عائد للبرميل. التحميل على ناقلات بأحجام مختلفة تصل الى حد مليوني برميل للناقلة. الأطر السنوية المرنة لعقود التصدير التي تعتمدها شركة سومو.     
من الجدير بالذكر انه على الرغم من تقييد حركة الملاحة في الخليج العربي من خلال مضيق هرمز بسبب العدوان الامريكي الاسرائيلي على إيران منذ نهاية شباط الماضي والحصار الامريكي في بحر العرب، فان الاهمية الاستراتيجية للخليج في صادرات النفط الخام والغاز المسال LNG والمنتجات النفطية والبتروكيماوية وتأثيراتها على الاقتصاد الدولي، ستدفع الى اعادة حركة الملاحة بدرجة او بأخرى الى ما كانت عليه قبل العدوان.
ثانيا: كذلك على الحكومة الجديدة ان تذكر في برنامجها اعطاء الاولوية المتزامنة لتنفيذ المشاريع المتعلقة بإعادة تأهيل الانبوب العراقي - التركي (كركوك - جيهان). وبالتحديد انبوب بصرة - حديثة، وانبوب كركوك -  فيشخابور (محطة الضخ والمقاييس على الحدود العراقية - التركية.) 
من الجدير بالذكر، التأكيد على وجود مشاريع عديدة تم اقرارها من قبل وزارة النفط منذ سنوات تتعلق حصرا بالأولويتين اعلاه، لكن الوزارة فشلت في انجازها.
وفي هذا المجال أجد من الضروري ذكر بعض البيانات ذات العلاقة. حسب البيانات الرسمية، ان اقصى كمية تم تصديرها من المنافذ الجنوبية خلال الفترة الممتدة من شهر تموز 2009 الى نهاية شهر شباط 2026 كان حوالي 3.627 مليون برميل يوميا في شهر كانون اول 2018، ولم يتوقف التصدير من هذه المنافذ خلال نفس الفترة، الا بسبب العدوان على إيران، الذي بدأ في نهاية شباط الماضي.
لكن الامر يختلف بالنسبة الى التصدير من المنافذ الشمالية عن طريق تركيا. كان اقصى مستوى للصادرات النفطية عن طريق انبوب كركوك - جيهان بحدود 545 ألف برميل يوميا وذلك في شهر تموز 2009. وقد تكرر توقف الصادرات كليا ولأشهر عديدة، وخاصة في فترة ما بعد احداث "داعش" منتصف عام 2014.  
ثالثا: فيما يتعلق بأنبوب النفط العراقي عبر السعودية، فقد استولت عليه السعودية بعد احتلال الكويت. وقد حورته السعودية واستخدمته ضمن شبكة انابيب الغاز في المملكة. 
لم تقم الحكومات العراقية المتعاقبة بأية محاولة جدية معلنة لاستعادة الانبوب او استخدامه، رغم كثرة قنوات التواصل الرسمية والتعاون بين البلدين. ارى على الحكومة الجديدة التحرك الجدي بهذا الشأن. ولكنني استبعد استجابة السعودية وخاصة في ضوء الظروف السائدة.
رابعا: انبوب النفط عبر الاردن (البصرة – حديثة - العقبة). تعود فكرة هذا الانبوب الى بداية عقد ثمانينات القرن الماضي، وبُذلت جهود متكررة بشأنه لم تثمر شيئا. باختصار ارى انعدام جدواه الاقتصادية، ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وضعف اهميته الاستراتيجية. وعليه، لا أشجع الحكومة الجديدة على التفكير بهذا الانبوب. 
خامسا: انبوب النفط عبر سورية. فكرة الانبوب جيدة لاعتبارات عديدة وله مزايا استراتيجية مهمة وقد طرحت سابقا مقترحات عديدة بشأنه. ولكن المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين مرتفعة جدا، كما تؤكده الشواهد التاريخية العديدة. وفي حالة توفير التمويل لتغطية كلفة مد الانبوب وتحديث ميناء التحميل في سورية من قبل، مثلا، دولة قطر (كقرض للحكومة السورية او استثمار في سورية)، فان ذلك يسهم في تحييد المخاطر الجيوسياسية، خاصة إذا دعمت الحكومة الامريكية هذا الانبوب وضمنت حمايته. قد يصبح اعتماد هذا الانبوب أكثر الحاحا ومقبولية في حالة تعنت تركيا في تجديد او تحديث اتفاقية انبوب كركوك - جيهان التي ينتهي نفاذها في تموز الحالي. 
ومع ذلك، على العراق تقييم جدوى هذا الانبوب في ضوء التحليل المقارن للمزايا الاستراتيجية مع كل من التصدير عن طريق تركيا والمنافذ الجنوبية. ومن ناحية الإطار الزمني، لا اعتقد انه بالإمكان اتخاذ قرار ضمن الظروف الحالية التي تعاني منها المنطقة والوضع المالي الصعب الذي يمر به العراق، ما لم يتم التمويل الخارجي وضمان حماية الانبوب.
سادسا: أنبوب النفط بصرة - الدقم (سلطنة عمان). فكرة هذا الانبوب ليست جديدة فقد سبق وان طرحت في أوائل تسعينيات القرن الماضي لمد خط انوب نفطي عبر دول الخليج العربي وصولا إلى سواحل خليج عمان، وتم صرف النظر عنها لاعتبارات الكلفة وتعقيدات موافقة دول الخليج. ثم أعيدت الاشارة الى فكرة الانبوب، مع تغيير المسار ليكون ضمن ايران، في وسائل الاعلام عام 2013. 
لقد تناولت انباء الصناعة النفطية الدولية مؤخرا تصريح مدير عام شركة "سومو" القاضي بتوقيع العراق وسلطنة عمان على اتفاقية أولية لأنبوب بصرة - الدقم خلال زيارة رئيس الحكومة السابقة - السوداني في عام 2025. لكن لم تنشر الحكومة نص الاتفاقية ولا تفاصيل أساسية عن هذا الانبوب وخاصة مساراته ان كانت على اليابسة (ضمن الأراضي الكويتية والسعودية والإمارات او الايرانية) او تحت مياه الخليج. 
اعتقد ان كلفة مد هذا الانبوب مرتفعة جدا، مما يؤثر على جدواه الاقتصادية. وجود مخاطر جيوسياسية ترتبط بمسار الانبوب، خاصة ان كان على اليابسة. اما أهميته الاستراتيجية فتبرز في حالة غلق مضيق هرمز بشكل دائم، وهذا احتمال ضئيل جدا. ومع ذلك، على الحكومة الجديدة الافصاح التام عن البيانات الأساسية للأنبوب (طاقة الضخ، طول الانبوب والمسارات، الكلف الرأسمالية والتشغيلية، رسوم المرور ورسوم الموقع في الدقم وغيرها) ونشر نص الاتفاقية الاولية التي وقعتها حكومة السوداني. 
سابعا: التصدير بواسطة الصهاريج او الحوضيات. تم اللجوء بشكل مكثف الى هذا الأسلوب مؤخرا كبديل ممكن لتصدير النفط الخام وزيت الوقود (النفط الاسود)، وخاصة من خلال الأراضي السورية، وكذلك لنقل النفط الخام من جنوب العراق الى شماله بهدف التصدير عن طريق تركيا.
يواجه هذا المسار في التصدير محددات ومشاكل مؤثرة عديدة. انه يتطلب توفر عدد كبير جدا (ربما عدة مئات) من الصهاريج لضمان الانسيابية اليومية للتصدير ومن مناطق متباينة في الداخل. متطلبات توفير كميات كبيرة جدا من الديزل/ كازاويل المستورد (بسبب محدودية الإنتاج المحلي) وبكلفة عالية. كلفة النقل ورسوم المرور وكلفة التفريغ والتحميل في الموانئ وكلفة النقل البحري من الموانئ السورية الى موانئ الاستيراد. الاختناقات المرورية وحركة النقل داخل العراق وخارجه، وما يترتب عليها. الاعتبارات الأمنية والموافقات الرسمية في دولة المرور. 
تقوم كل من وزارتي الخارجية والنفط/ سومو بالإجراءات التنفيذية المطلوبة. 
باختصار، الجدوى الاقتصادية لهذا البديل منخفضة بعض الشيء وخاصة عند اعتماد صافي العائد النقدي والتأثيرات البيئية. ولكن مبررات الضرورة، وخاصة ما يتعلق بتصدير فائض النفط الأسود، تحتم الاستمرار بهذا البديل. ومع ذلك لا بد من الاهتمام الجدي بمعالجة محددات وتأثيرات هذا البديل، وعدم الاستمرار به في حالة انتهاء ظروف العدوان وبدء حركة الملاحة البحرية امام الصادرات العراقية.   
ثامنا: تصدير النفط العراقي عبر إيران. لقد اطلعتُ على مقترحين بهذا الخصوص. أحدهما عام غير محدد والآخر مفاده استخدام سكة حديد البصرة - الشلامجة لتصدير النفط العراقي عبر إيران والادعاء بأنه الطريق الوحيد لربط العراق بالسكك الحديدية مع الصين، ولأنه أقل تكلفة وأقصر المسارات التي تتيح تصدير نفط العراق إلى الصين خارج المنطقة المتوترة في الخليج العربي ومضيق هرمز. 
في ضوء ما هو متاح حاليا، وبسبب العدوان الامريكي-الاسرائيلي على إيران الذي تسبب بعرقلة الملاحة البحرية في الخليج العربي وبحر العرب، توجد امكانية محدودة جدا، مقارنة بطاقة تصدير النفط الايراني بحريا، لتصدير النفط الايراني عبر سكة حديد إيران - الصين. فهل يعقل ان تسمح إيران باستخدام سكة الحديد هذه لتصدير النفط العراقي!؟ لا ارى ذلك ممكنا قط.
اعتقد ان الظروف الحالية والاعتبارات الجيوسياسية والاهمية الاستراتيجية والجدوى الاقتصادية الفنية المقارنة لا تعطي لهذا المقترح اية اولوية في الوقت الحاضر وفي الامدين القصير والمتوسط. 
 
الثقافة الجديدة: مع انسحاب الشركات الكبرى مثل: اكسون موبيل وشل وبرتش بتروليوم، وسيطرة الشركات الصينية على 70% من إدارة العمليات في الحقول المستثمرة، وما رافق جولات التراخيص رقم 5 و6 من جدل، من وجهة نظركم أستاذ احمد، هل اثبتت جولات التراخيص لا جدواها؟ 
وهل تمثل هذه الجولات، برأيكم، مؤشرا على الغياب التام لسياسة نفطية متكاملة؟ وعلى ان الخلل في ادارة الملف النفطي في العراق هو خلل منهجي بنيوي يرتبط بفلسفة إدارة الدولة ذاتها بعد 2003؟
احمد موسى جياد: السؤال مركب ومنطلقاته متباينة، ما يتطلب تدقيق المعلومات وتفكيك الاجابة.
اولا: لابد من ذكر الحقائق فيما يتعلق بانسحاب الشركات الكبرى. انسحاب شركة اكسون موبيل من عقد غرب القرنة 1 جاء نتيجة قيام تلك الشركة بعقد مجموعة عقود مشاركة في الانتاج مع حكومة الاقليم تتضمن حقولا ورقعا استكشافية ضمن ما اصطلح على تسميتها مناطق "متنازع عليها" وتتعارض مع سياسة الحكومة المعلنة في حينها. ومن الجدير بالذكر انهاء الشركة لعقودها مع حكومة الاقليم لاحقا. لقد بدأت الشركة مؤخرا التباحث مع وزارة النفط الاتحادية بأمل العودة الى القطاع النفطي! 
اما شركة شل فقد انسحبت من عقد حقل مجنون بعد ان فرضت عليها الوزارة غرامة كبيرة، حوالي اربعة مليار دولار، لعدم التزامها ببنود العقد. كما باعت الشركة مساهمتها في حقل غرب القرنة1. لكنها ما زالت تحتفظ بمساهمتها بشركة غاز البصرة بالتشارك مع شركة متسوبيشي وشركة غاز الجنوب - التابعة لوزارة النفط.
لم تنسحب شركة برتش بتروليوم، وما زالت هي المشغل في حقل الرميلة بالتعاون مع شركة سي ان بي سي الصينية. وقد عززت تواجدها حديثا بعد توقيع حكومة السوداني معها اتفاقية، لم تعلن تفاصيلها الاساسية، لتطوير الحقول الشمالية - كركوك، باي حسن، خباز وجمبور. 
وفيما يتعلق بجدوى او عدم جدوى جولات التراخيص فالأمر يتطلب بعض التحليل لان جولات التراخيص متباينة في طبيعة الحقول والرقع الاستكشافية من جهة وفي نوعية ومكونات العقود الخاصة بكل جولة من جهة اخرى. يضاف الى ذلك انه يجب ان لا ينظر الى الجدوى كموضوع مطلق، بل نسبي وبالتحليل المقارن. وعليه يمكن توزيع جولات التراخيص في مجموعتين: المجموعة الاولى تتضمن الجولات الاربعة الاولى، والثانية تتضمن الجولات الخامسة والسادسة+. وعلينا ان لا ننسى الحقول النفطية والرقع الاستكشافية والغاز التي تم الاتفاق/ التفاوض بشأنها بشكل ثنائي مباشر خلف الابواب المغلقة وبدون أي منافسة. 
يمكن اعتماد المعايير التالية في تحليل الجدوى المقارن لجولات التراخيص كافة وللاتفاقيات الثنائية المباشرة في حالة توفر البيانات والمعلومات والعقود المتعلقة بكل العقود ذات العلاقة، وهذا غير متوفر باستثناء حقول جولات التراخيص الاربعة الاولى فقط: 1- "حصة العراق" من العوائد المتحققة من تطوير الحقول. 2- عائدية الزيادة في اسعار النفط. 3- ملكية النفط والغاز. 4- الشفافية والمنافسة. 5- الشركات النفطية التي تم التعاقد معها. 
لقد اتسمت ممارسات وزارة النفط في تفضيل التعاقد مع الشركات النفطية الدولية، وخاصة بعد جولات التراخيص الاربعة الاولى، لتطوير الحقول والرقع الاستكشافية على حساب التطوير بالجهد الوطني. وقامت بالتخلي عن عقود الخدمة وتبنت عقود المشاركة في الارباح (وهي تمثل الجانب النقدي لعقود المشاركة في الانتاج) مع منح مزايا تعاقدية اخرى للشركات الاجنبية. وهذا يعود، بنظري، الى انعدام تبني سياسة نفطية اتحادية متكاملة من قبل الحكومات المتعاقبة، وكما ذكرت في اجابتي على السؤال الاول. 
 
الثقافة الجديدة: في مقالكم المهم المعنون "التقييم الاولي لاتفاقيات وزارة النفط مع شركة شيفرون الامريكية" والذي نشر على نطاق واسع أواسط شباط (فبراير) 2026، سلطتم الضوء على العديد من المفاصل الغامضة في هذه الاتفاقيات، ووصفتموها بالضبابية، واثرتم تساؤلات واستفسارات على قدر كبير من الاهمية. على وجه الخصوص حول تلك الجوانب ذات الطابع الفني.
نود أستاذ احمد ان نتساءل: هل تعتقدون ان دخول شركة شيفرون، وهي الشركة ذات العلاقة القوية مع الإدارة الامريكية الحالية ومع الحزب الجمهوري، الى قطاع النفط العراقي، باتفاقيات وقعت عشية العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران، كان لغايات اقتصادية فقط؟ ام انه يرتبط برؤية الإدارة الامريكية للصراع الاستراتيجي مع الصين؟ وأنها قد تكون فاتحة لدخول، او عودة، شركات أخرى؟ ارتباطا بضعف موقف القوى المتنفذة في السلطة واستعدادها لتقديم كل اشكال التنازل. ويمكن اعتبار الدعم الذي تلقاه رئيس الوزراء الجديد من الإدارة الامريكية والرئيس ترامب على وجه الخصوص مؤشرا عاما على ذلك.  
احمد موسى جياد: اشكرك على الاشارة الى مقالتي أعلاه، لان فيها معلومات مهمة تتعلق بشركة شيفرون ودورها في القطاع النفطي العراقي، وعليه لا يوجد مبرر لتكرار تلك المعلومات. ولكن لا بد من ذكر الحقائق التالية لتوضيح الاجابات على تساؤلاتك اعلاه.
اولا: كان مجموع الشركات النفطية الامريكية، بضمنها شركة شيفرون، هي الغالبة مقارنة بمجموع الشركات النفطية لأية دولة اخرى في توقيع "مذكرات التعاون" مع وزارة النفط خلال الفترة 2004-2008.  نفس الامر ينطبق على مجموع الشركات النفطية الدولية التي تم تأهيلها من قبل وزارة النفط للمشاركة في جولات التراخيص الاربعة الاولى.
ثانيا: بالمقابل، لم تتمكن أية شركة نفط امريكية بالفوز كمشغل، ضمن أي تحالف/ كونسورتيوم، باي عقد خلال يوم التنافس لكل جولة. ما حدث، ويتعلق بحقول جولة التراخيص الاولى التي اجريت في شهر حزيران 2009، تقديم شركة ايني الايطالية بعد عدة أشهر عرضا الى وزارة النفط تقبل فيها اجور الخدمة التي طلبتها الوزارة بشأن حقل الزبير، وكانت شركة اوكسدنتال الامريكية ضمن التحالف الذي تقوده الشركة الايطالية. 
بعد فترة من موافقة الوزارة على طلب ايني، تقدمت شركة لوك اويل الروسية بعرض يخص حقل غرب القرنة 1 تقبل فيه اجور الخدمة وشروط الوزارة. "علمت" شركة اكسون موبل الامريكية بعرض شركة لوك اويل، وقامت مباشرة بتقديم عرض منافس تضمن قبول اجور الخدمة التي طلبتها الوزارة وزيادة انتاج الذروة من الحقل اعلى مما طرحته الشركة الروسية. وهكذا احيل حقل غرب القرنة 1 الى تحالف شركة اكسون موبل وشركة شل. 
ثالثا: انسحبت شركة اوكسدنتال، عام 2016، من حقل الزبير وتنازلت عن حصتها الى شركة نفط البصرة. اما شركة اكسون موبل فقد وقعت ست اتفاقيات مشاركة في الانتاج مع حكومة الاقليم بعد فترة من توقيعها عقد غرب القرنة1، خلافا لسياسة الحكومة الاتحادية المعلنة في حينه. وهذا ما دفع وزارة النفط الاتحادية الى الطلب من الشركة الاختيار بين البقاء في البصرة والغاء تعاقداتها مع الاقليم او انهاء عقد غرب القرنة1. بعد حوالي عشر سنوات، باعت الشركة حصتها في غرب القرنة1 عام 2024، واصبحت شركة سي ان بي سي الصينية المشغل لهذا الحقل. وبذلك تعزز كثيرا التموضع الاستراتيجي للشركات الصينية والروسية في تطوير الحقول النفطية. 
رابعا: عندما أصبح جبار لعيبي وزيرا للنفط في النصف الثاني من عهد حكومة حيدر العبادي، فتح باب وزارة النفط للمرة الثانية لكل من شركة شيفرون وشركة اكسون موبل وعدد اخر من شركات الخدمة النفطية الامريكية. وعمل وزير النفط في حكومة الكاظمي، احسان عبد الجبار، على احالة حقل مجنون الى شركة شيفرون بعد خروج شركة شل، لكن كان لشيفرون تخطيط اخر.
خامسا: كانت شركة شيفرون تخطط للحصول على اتفاقية مماثلة لاتفاقيات المشاركة في الارباح مع كل من شركة توتال انرجيز في جنوب العراق ومع شركة برتش بتروليوم في حقول كركوك، والتي وقعتها حكومة السوداني. وقد تحقق ما ارادته شركة شيفرون خلال حكومة السوداني ووزير نفطه حيان عبد الغني وذلك بتوقيع اتفاق مبادئ مع الشركة لتطوير مشروع الناصرية المكوّن من أربع رقع استكشافية، بالإضافة إلى حقل بلد النفطي في محافظة صلاح الدين، وأي حقل او رقعة استكشافية أخرى، وذلك في آب 2025. 
بعد فرض العقوبات الثلاثية، الامريكية-الاوربية-البريطانية، على شركة لوك اويل الروسية، طلبت شركة شيفرون ان تحل محل لوك اويل في حقل غرب القرنة 2. وكان لها ما ارادت، ثانية، حيث تم ضم هذا الحقل الى الاتفاقية وذلك بموافقة مجلس الوزراء، في 10 اذار 2026، على "البنود والشروط النهائية للاتفاقية الإطارية الموقعة بين وزارة النفط (شركتي نفط البصرة والشمال)، وشركة شيفرون الأمريكية لإدارة وتشغيل حقل غرب القرنة 2". أي بعد عشرة ايام من العدوان الأمريكي - الاسرائيلي على إيران، علما ان حكومة السوداني كانت في حينه حكومة تصريف اعمال غير مخولة دستوريا بتوقيع هكذا اتفاقيات. 
وعلى الرغم من ان هذه الاتفاقية اطارية، إلا ان السوداني قال في 13 ايار 2026 انه تم في عهده "توقيع عقود مهمة مع شركات عالمية مثل برتش بتروليوم وتوتال وشيفرون وإكسون موبيل وهالبيرتون".  هذا التصريح يشير الى تخبط خطير وعدم التمييز بين الاتفاقية الاطارية والعقود الموقعة على قدر تعلق الامر بشركة شيفرون. اما ما يتعلق بشركة إكسون موبيل، فلا يوجد ما يشير الى توقيع أي اتفاقية او عقد معها لغاية تاريخ تصريح السوداني. ولكن قياسا بما قامت به حكومة السوداني، فمن المتوقع جدا استمرار حكومة (علي الزيدي) الحالية على نفس النهج وتفعيل الاتفاقية مع شركة شيفرون بتوقيع العقود المطلوبة للحقول والرقع الاستكشافية التي تضمنتها الاتفاقية، علما ان هذا الامر يتطلب المزيد من الوقت وقد يمتد لسنوات. ونفس الامر ينطبق على ما تصبو اليه شركة اكسون موبيل.    
ختاما، جميع الشركات النفطية الامريكية تنسق مع وتتأثر بقرارات الادارة الامريكية وتتمتع بحمايتها ودعمها دبلوماسيا. فكثير من الشواهد التاريخية، قديما وحديثا، تشير الى العلاقة الوثيقة، بدرجة او بأخرى، بين السياسة الخارجية الامريكية وشركات النفط الامريكية. من الجدير بالذكر ان ما نشر عن لقاء المبعوث الأمريكي توم باراك مع رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي (في 16 حزيران) انهما بحثا عدداً من الملفات الأمنية والاقتصادية، من ضمنها عمل الشركات الأمريكية في العراق، ولا سيما شركة شيفرون النفطية. 
وفي ضوء سياسة وممارسة وتوجهات الادارة الامريكية الحالية التي تتسم باستخدام القوة العسكرية للسيطرة على مصادر النفط والغاز في الدول النامية، فمن المتوقع جدا ان تستمر الادارة الامريكية بسياستها التدخلية القسرية وتعزيز مواقع الشركات الامريكية في القطاع النفطي العراقي. 
 
 الثقافة الجديدة: قدم رئيس الوزراء (علي الزيدي) منهاجه الحكومي في 7 أيار (مايو) 2026. وقد اتسم هذا المنهاج، كما لاحظ أكثر من متابع، بالإضافة الى الطابع الانشائي الطافح بالوعود مثله مثل مناهج الحكومات السابقة، بـ"لكنة" مصرفية ومالية.  
أستاذ احمد، ما هي قراءتكم للنقاط التي وردت في الفقرة (النفط والغاز) في المنهاج الوزاري؟ وإذا وضعنا في الحسبان الخلفية التي جاء منها رئيس الوزراء، وطبيعة التوازنات الخارجية والداخلية التي توافقت عليه، نتساءل أيضا، هل بالإمكان تحويل نقاط - وعود - المنهاج العامة، حول النفط والغاز، الى برنامج حكومي ملموس بتوقيتات زمنية ومؤشرات قياس؟ 
احمد موسى جياد: اتفق معك حول ما ذهبت اليه في وصف منهاج حكومة الزيدي، وأود اضافة ما يلي:
المحور الثاني في المنهاج يتعلق بالطاقة وتضمن فقرتين: الاولى تخص الكهرباء والثانية تخص النفط والغاز. ولان سؤالك يتمحور على موضوع النفط والغاز، فسأحصر اجابتي على الموضوع، علما ان ما ورد في المنهاج يثير، في الحقيقة، الكثير من التساؤلات.
تضمن موضوع فقرة النفط والغاز تسع فقرات مختصرة. كل فقرة منها تحتاج الى مزيد من التفحص والتحليل والقراءة المتأنية، وسأكتفي بالإشارة الموجزة بشأنها. 
-    دعت الفقرة 1 الى "بناء شراكات استراتيجية مع شركات النفط العالمية على وفق نموذج..." دون تحديد في أي من نشاطات القطاع النفطي بناء هكذا شركات استراتيجية. وهل من الممكن اعتماد هكذا شراكات وفق نموذج واحد، علما ان القطاع النفطي يتكون من أربعة قطاعات جزئية متباينة كما بينت في اجابتي على السؤال الاول!! 
-    دعت الفقرة 2 الى زيادة انتاج الغاز المصاحب. ولكن انتاج الغاز المصاحب يرتبط بإنتاج النفط الخام الذي لم يتم ذكره في المنهاج!!
-    يوجد تكرار وتداخل واضح في الفقرات 5 و6 و7 و9 حيث انها تتعلق بالجوهر بقطاع التصفية والبتروكيماويات. ويتجاهل المنهاج فشل تجربة الاستثمار الاجنبي في قطاع التصفية (مصفى ميسان الاستثماري مع شركة ستاريم) وتعثر مصفى الفاو (مع الشركة الصينية) والبتروكيماويات (مشروع نبراس بين وزارة الصناعة والمعادن وشركة شل).
-    تناقض الفقرة 7، التي تدعو الى "رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية"، مع ما اعلنته حكومة السوداني في تحقيق الاكتفاء الذاتي ومنعت استيراد تلك المنتجات اعتبارا من بداية العام الحالي!!
-    عدم واقعية ما دعت اليه الفقرة 8 في استخدام "المحطات الثابتة" التي تستخدم لاستيراد ولتصدير الغاز. حيث يوجد عدم فهم، لان المحطة العائمة، التي تعذر اكمالها بسبب العدوان وغلق الملاحة في الخليج، تستخدم لاستيراد الغاز المسال LNG ولا توجد اية احتمالية على الاطلاق بان يقوم العراق، خلال حكومة الزيدي، بتطوير صناعة تسييل الغاز وتصديره!!
اضافة الى ما تقدم فقد أهمل المنهاج مسائل اساسية ومهمة للغاية في موضوع النفط والغاز.
اولا: لم تتم الاشارة ولو بجملة واحدة الى موضوع السياسة النفطية المتكاملة التي ستسلكها الحكومة، وضمن الإطار الذي اشرت اليه في اجابتي على السؤال الاول. 
ثانيا: لم يذكر أي شيء عن ضرورة تنفيذ مشاريع تطوير الحقول النفطية والغازية المتعاقد عليها حاليا، وضمن خطط وزارة النفط السنوية لإنتاج النفط واستثمار الغاز المصاحب والغاز الحر خلال فترة الحكومة.
ثالثا: كما انه لم يتم ذكر دور الجهد الوطني المباشر في مشاريع تطوير الحقول ولم يذكر ضرورة زيادة دور الكوادر العراقية في مشاريع تطوير الحقول النفطية والغازية المتعاقد عليها حاليا.  
رابعا: عدم ذكر اهمية المحافظة على وتعزيز حصة النفط العراقي في اسواق النفط الدولية الرئيسية، ودور شركة سومو في هذا المجال. 
خامسا: إغفال ذكر دور العراق في منظمة اوبك واوبك+ واهمية سعي العراق لزيادة حصته الانتاجية. 
سادسا: عدم ذكر التعاون الرسمي/ الحكومي الثنائي في مجالات النفط والغاز، وخاصة ما يتعلق بأنابيب التصدير، الحقول الحدودية، تمويل المشاريع وغيرها. 
سابعا: لم يرد أي ذكر لموضوع الشفافية وتنفيذ التزامات العراق بحكم ارتباطه بمبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية منذ عام 2009.  
ثامنا: عدم الاشارة الى قرارات الادارة الامريكية وتأثيراتها السلبية على القطاع النفطي وكيفية التعامل لمعالجتها، وخاصة ما يتعلق باستيراد الغاز من او عبر إيران، وعقود الشركات الروسية في تطوير الحقول والرقع الاستكشافية.
تاسعا: عدم الاشارة الى الازمة المالية، الناجمة عن انقطاع عوائد الصادرات النفطية منذ بداية العدوان على إيران، وتأثيراتها على تنفيذ المشاريع النفطية التي تضمنها المنهاج.
عاشرا: الاغفال التام لازمة حركة الملاحة البحرية في الخليج وبحر عمان بسبب العدوان على إيران، على الرغم من فداحتها وتأثيراتها الكارثية على القطاع النفطي العراقي. 
في ضوء ما تقدم، ارى قيام وزارة النفط الاخذ بنظر الاعتبار الملاحظات اعلاه عند اعداد البرنامج الحكومي، باعتبارها الوزارة المسؤولة عن القطاع النفطي. علما انني قمت مؤخرا بتقديم مداخلة تفصيلية حول الشأن النفطي في منهاج الحكومة.    
      
 الثقافة الجديدة: تضمنت فقرة (النفط والغاز) في المنهاج الوزاري، أيضا، النقطة الاتية: "العمل على تشريع قانون النفط والغاز". وفي الغالب جاءت هذه النقطة لتنسجم مع قرار مجلس النواب في 18 اذار 2026 الذي طلب أن يكون من ضمن "البرنامج الحكومي" المقبل فقرة عن تشريع قانون النفط والغاز خلال فترة محدّدة. وان يُعرض أمام مجلس النواب من أجل الشروع في التصويت عليه. وبغض النظر عن الخلط الدائم، حتى على المستوى النيابي، بين المنهاج الحكومي باعتباره التزاما دستوريا وبين البرنامج الحكومي الذي تضعه الحكومة بعد التكليف، فإننا لا نعلم هل سيتضمن البرنامج الحكومي القادم، ان تم وضعه، صياغة أكثر ملموسية حول تشريع قانون النفط والغاز، من قبيل التوافق على صياغة نهائية للمسودة وتقديمها للمجلس وبتوقيتات زمنية محددة، ام ستبقى العبارة الواردة في المنهاج بصياغتها المرنة والعائمة؟  
أستاذ احمد، في ظل الأوضاع وموازين القوى الداخلية، وكذلك الظروف الخارجية في المنطقة، وما حدث ويحدث منذ ثلاث سنوات تقريبا؛ برأيكم، وبحكم قراءتكم العميقة لمسودات القانون السابقة، ما هي أبرز المضامين التي من المفترض ان تشتمل عليها مسودة قانون النفط والغاز لتحقق مصالحة الشعب والوطن. والتي يتوجب على كل القوى الاجتماعية والسياسية ان تناضل في سبيل الضغط لتثبيتها.
احمد موسى جياد: موضوع القانون معقد، قصته طويلة، وافاقه ضئيلة. تم اعداد المسودة الاولى من قبل ثلاثة خبراء نفط عراقيين في تموز 2006. وقد اُقترَحتْ، بعد ذلك، عدة مسودات للقانون من قبل أطراف عديدة خلال عقدين من الزمن. وتم التعهد بتشريعه في كل منهاج وبرنامج للحكومات الفدرالية المتعاقبة تلبية لطلب من قبل حكومة الاقليم. مع ذلك، ولغاية تاريخه، لم يتم الاتفاق على تشريع القانون، فلماذا!
من خلال متابعتي المتواصلة لمسيرة القانون المقترح فقد كتبت عنه العديد من المتابعات التفصيلية التحليلية وشاركت في بعض الحوارات والندوات بشأنه، والتي يمكن الرجوع اليها، وعليه لا توجد ضرورة لتكرارها في حوارنا هذا. ولكن يمكن حصر اسباب تعثر تشريع القانون بالأسباب التالية:
1-    الاستحقاق الدستوري؛ كثيرا ما يشار الى ان اصدار هذا القانون بكونه استحقاقا دستوريا على الحكومة الالتزام بتشريعه؛ وبالتحديد الفقرة "اولا" المادة "112" من الدستور والتي تختتم بعبارة "وينظم ذلك بقانون". المشكلة الاساسية ان "نص" الفقرة المذكورة واسع جدا ويتضمن مكونات عديدة يمكن تفسيرها بأشكال مختلفة وقد تكون متناقضة.
2-    المنطلقات السياسية واعتبارات الاقتصاد السياسي؛ وهذه تتمثل بجوهرها بين التوجهات "الفدرالية/ الاتحادية من جهة والاقليمية/ المحافظاتيه من جهة اخرى" فيما يتعلق بالقضايا الاساسية لموضوع النفط والغاز في الدستور.
3-    هيكلة وشمولية مسودات قانون النفط والغاز ذاته؛ شملت المسودات المقترحة ما يسمى "سلة القوانين الاربعة"؛ أي اربعة قوانين في قانون واحد. هذه الهيكلية غير واقعية، غير عملية، معقدة تنفيذيا، تتعارض مع مهام وصلاحيات وزارات اخرى، لا تشمل جميع نشاطات قطاع النفط والغاز، وتتطلب الغاء او تعديل عدد كبير من القوانين والتعليمات المتعلقة بسلة القوانين الاربعة وغيرها.
4-    تقادم الزمن؛ لقد حصلت تطورات عديدة وجوهرية على القطاع النفطي العراقي، سواء على المستوى الاتحادي او في الاقليم، خلال العقدين الماضيين. هذه التطورات تجاوزت المنطلقات والنصوص المقترحة في مسودات القانون المختلفة، ما يعني عدم صلاحية تلك المسودات او اجزاء عديدة منها.
5-    التشريعات والقرارات القضائية؛ كذلك صدرت، خلال العقدين الماضيين، عدة تشريعات وقرارات قضائية في العراق تتعلق بالقطاع النفطي العراقي، اضافة الى قرارات دولية ذات علاقة وتأثير على بعض قضايا النفط والغاز.  
في ضوء ما تقدم، ارى ان من يدعو الى تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي ان يقدم اولا: المبررات الواقعية لتشريع القانون، وثانيا: معالجة الملاحظات اعلاه بشكل جدي وجذري وعملي، وثالثا: تحديد نطاق سريان القانون حصرا على أي من نشاطات القطاع النفطي. 
  
الثقافة الجديدة: بحكم خبرتكم الطويلة والغنية في مجال الصناديق السيادية، كانت لكم مساهمات نظرية مهمة في مجال الدعوة لإنشاء مثل هذه الصناديق في العراق. وعلى وجه الخصوص قضية الربط بين تشريع قانون النفط والغاز وبين تأسيس صندوق الأجيال السيادي.
وإذا اخذنا بعين الاعتبار ان المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء تضمن ما نصه "تأسيس (صندوق الأجيال) لحماية حقوق الأجيال في الثروات النفطية والطبيعية"؛ هل ما زالت رؤيتكم، ان الصناديق السيادية المختلفة هي بالنسبة للعراق ضرورة وليست ترفا، قائمة؟ 
وفي ظل التفشي المريع للفساد في العراق، والذي يتشابك مع المنظومات المليشياتية، هل هناك آليات دولية او شركات عالمية قادرة على حماية هذه الصناديق وعلى ضمان شفافية تعاملاتها وابقائها بعيدة عن شبكات الفساد العراقية؟
احمد موسى جياد: تتوفر معلومات مهمة ومتخصصة تتعلق بمختلف الجوانب المتعلقة بصناديق الثروة السيادية في نشريات وتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (على مستوى المنظمات الدولية الرسمية) ومعهد صناديق الثروة السيادية SWFI (وهو هيئة امريكية غير رسمية نشطة دوليا). ويوفر المعهد تقييمات مقارنة دورية لمختلف الصناديق السيادية، في العديد من الدول، وفقا لمعايير موحدة. وهذه تشكل مصادر مفيدة لفهم اساسيات الصناديق السيادية ومهامها وحوكمتها ونتائج نشاطاتها ومواقعها المالية وغير ذلك من معلومات وبيانات.
على قدر تعلق الامر بالدول النفطية، وخاصة النامية منها، فقد تكثف الاهتمام بتأسيس الصناديق السيادية بهدف تدوير فوائض عوائد الصادرات النفطية Petrodollar recycling التي بدأت بالتحقق بعد تصحيح اسعار النفط في منتصف عقد سبعينيات القرن الماضي، واستمرت بالتزايد بتزايد صادرات النفط واسعاره. ومن الطبيعي ان تكون وجهة التدوير المفضلة في الاقتصاديات الرأسمالية الغربية ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، ثم توسعت في العقود الاخيرة لتشمل الدول الاشتراكية سابقا والدول النامية. 
ضرورة التمييز بين الاهداف الاستثمارية (لتحقيق عوائد مالية وجيواقتصادية) وتقديم المساعدات الخارجية (لأغراض سياسية وجيوسياسية) وتوفير الاحتياطي لمواجهة العجز الناجم عن الازمات المالية الطارئة، وخاصة الناجمة عن انخفاض اسعار النفط.
بالنسبة للعراق ارى من الضروري ابداء بعض الملاحظات:
1-    يشار في بعض الاحيان الى "استثمارات العراق الخارجية"، وخاصة قبل اندلاع الحرب الإيرانية -العراقية، والى "الصندوق العراقي للتنمية الخارجية" (الذي تأسس في منتصف عقد سبعينيات القرن الماضي) والى "صندوق تنمية العراق" (الذي تأسس بموجب قرارات مجلس الامن الدولي بعد غزو الكويت، ثم نقل رصيده الى البنك المركزي العراقي عام 2014) والى "غطاء العملة في البنك المركزي العراقي"، على انها شكل من اشكال الصناديق السيادية. هذا موضوع يحتاج الى مزيد من الحوار والتحليل وتقدير الارصدة المالية، لا مجال لها في هذه المقابلة.
2-    تضمن المحور الثاني، المالية العامة والإصلاح الاقتصادي، للمنهاج في البند العاشر تأسيس صندوق الأجيال. ان ربط تأسيس صندوق الأجيال بمهام المالية العامة، أي وزارة المالية، ادق تخصصيا من التوجهات السابقة التي ربطت هكذا صندوق بمقترحات قانون النفط والغاز او بقانون شركة النفط الوطنية. ان التجربة الدولية للصناديق السيادية ذات السمعة المعروفة تشير الى ضرورة وجود هيكلية وحوكمة واستقلالية وضوابط جيدة ومُحَكَمة قانونيا، وليس هيكلا تقليديا ونظاما روتينيا وإدارة مسيسة/ محاصصية. لذا أرى على الحكومة الجديدة اعداد تقييم مهني متخصص معمق يستند الى دراسة التجارب الدولية في هذا المجال، ويستفيد من مساعدة الجهات الدولية المتخصصة، قبل ان تقدم على اتخاذ قرار تنفيذي لتأسيس الصندوق. 
3-    من منظور الاقتصاد السياسي - الاجتماعي ومنطلقات التنمية المستدامة، تشكل الاستثمارات الخارجية لتأسيس صندوق الاجيال اشكالية محرجة في اقتصاد ما زالت نسبة الفقر، حسب بيانات وزارة التخطيط، مرتفعة رغم تبني استراتيجيات متتالية للقضاء على معضلة الفقر في المجتمع وتباين مستوياته في المحافظات العراقية، ومؤشر الجوع العالمي لعام 2025 إذ حلّ بالمرتبة الـ 63 عالمياً من أصل 123 دولة توفرت عنها بيانات كافية لاحتساب المؤشر. 
يفترض في مثل هذه الظروف تبني وتمويل المشاريع التي تقود الى خلق فرص عمل لتقليل معضلة الفقر والقضاء عليها، بدلا من ايداع الفوائض المالية، ان وجدت، لتمويل استثمارات خارجية.  
4-    وفي هيكل سياسي وضعي مبني على المحاصصة السياسية التي قادت الى تفشي الفساد على كافة المستويات الى حد الفساد المُشَرعنُ (والذي يمكن ان نوَصفَه بحوكمة اللصوصية - كلبتوكراسي)، يصبح من الصعب تأسيس وتفعيل صندوق الأجيال دون تشريع قانون رصين محكم خاص به. 
وعليه، وفي ضوء الأوضاع الدولية والازمة المالية الحادة التي يعاني منها العراق لا أرى مبررا في إعطاء الاولوية لتأسيس الصندوق.
 
الثقافة الجديدة: ارتباطا بالسؤال السابق، أستاذ احمد، هل هناك إمكانية راهنة لتطوير صناديق (التقاعد والرعاية الاجتماعية والضمان الصحي) العراقية لتكون صناديق سيادية استثمارية نشطة في الداخل، وكذلك على المستوى الدولي؟ 
احمد موسى جياد: نظريا هذا ممكن، وان ما ذكر أعلاه بشأن الصناديق السيادية ينطبق في حالة اعتبار او استخدام صناديق (التقاعد والرعاية الاجتماعية والضمان الصحي) العراقية. ولكن يجب الانتباه الى الملاحظات التالية:
1-    يفترض وجود وتفعيل الصندوق السيادي وجود فوائض في عوائد صادرات النفط، وعدم وجود تلك الفوائض ينفي توفر التخصيصات المالية للصندوق. ولكن صناديق التقاعد والتامين الصحي وما شابهها من استقطاعات ومدفوعات فهي دائمية ودورية ومتواصلة، وهذا يحتم ضمان توفر المستحقات ودفعها بشكل منتظم عند الاستحقاق للمواطنين. وعليه الحذر ضروري جدا.
2-    الجانب الاستثماري في الصناديق السيادية يستند في جوهره على مبدئين أساسيين: المقارنة والمفاضلة بين "العوائد المتوقعة والمخاطر المحتملة" عند تقييم وتبني أي قرار استثماري، وتوزيع الاستثمارات على محافظ استثمارية عديدة وتجنب ممارسة "وضع كل البيض بسلة واحدة او بسلال قليلة". هذا يتطلب توفر المهارات البشرية المتخصصة والقدرات اللوجستيكية الملائمة، خاصة في حالة الاستثمارات الخارجية. فهل تتوفر هكذا طاقات في العراق، لا اعتقد. 
3-    في حالة إقرار استخدام موارد صناديق (التقاعد والرعاية الاجتماعية والضمان الصحي) العراقية لأغراض استثمارية وتهيئة الأطر القانونية والتنظيمية والمؤسسية المتعلقة بها، أرى من الضروري التركيز مرحليا على حصر نشاطاتها محليا داخل العراق، مع توفير الضمانات الرسمية لتسديد مستحقات المواطنين في اوقاتها.  
 
الثقافة الجديدة: برزت في الفترة الأخيرة أطروحة جديرة بالاهتمام، مفادها انه استنادا الى استقراء أسعار النفط في الأسواق العالمية، على المديين المتوسط والبعيد، سيكون المتوفر من الريوع النفطية المالية، كافيا لتغطية الموازنات التشغيلية المهولة فقط. وبالتالي، لن يتوفر للحكومات القادمة الأموال اللازمة للموازنات الاستثمارية، ناهيك عن توزيع الرشا الاجتماعية، كما جرت العادة. مما سيفتح الباب امام إمكانيات نشوب أزمات مركبة سياسية واقتصادية واجتماعية.
في البدء ما هي وجهة نظركم بهذه الاطروحة؟ وهل تتناقض مع افكاركم حول الصناديق السيادية ام ان هناك إمكانية لبناء علاقات تكاملية مستقبلية؟
احمد موسى جياد: فيما يتعلق بالأطروحة التي اشرتَ اليها أقول ان البيانات الرسمية والشواهد المادية تشير الى ما يلي:
1-    كانت حصة (نسبة) التخصيصات/ الموازنة الاستثمارية في قوانين الموازنة العامة للسنوات العشرين الماضية اقل من حصة التخصيصات التشغيلية/ الجارية. لهذه التوجهات في تخصيص الموارد المالية عوامل تاريخية تتعلق بهيكل الدولة وتوجهات الحكومات المتعاقبة وتفاعل القوى السياسية في عملية اقتراح ومناقشة وتشريع قانون الموازنة السنوية. أي عوامل الاقتصاد السياسي - الاجتماعي.
2-    ان نسبة تنفيذ التخصيصات الاستثمارية (الانفاق الفعلي) الى مجموع التخصيصات الاستثمارية في قانون الموازنة (الانفاق المخطط) كانت منخفضة، وكلما ازداد حجم الانفاق المخطط ازداد حجم الفجوة في الانفاق الفعلي. وهذا يقود الى تدوير رصيد التخصيصات الاستثمارية المتبقية الى موازنة السنة التالية، ليذهب أكبر جزء منها الى التخصيصات التشغيلية. وارى ان في هذه الممارسة خللا في فلسفة اعداد الموازنة وانحيازا لصالح الجوانب التشغيلية على حساب الأبواب الاستثمارية.
3-    عند تأخر او عدم إقرار قانون الموازنة، يتم الانفاق على أساس قاعدة "1/12" من النفقات التشغيلية الفعلية للسنة السابقة. وهذا الامر يتكرر باستمرار، وتشير المعلومات الى احتمالية عدم تشريع قانون موازنة 2026 حيث يتم التركيز على اعداد موازنة العام القادم. النتيجة الحتمية هي عدم وجود تخصيصات استثمارية مع استمرار الانفاق التشغيلي على وتيرته السابقة. 
4-    وفي السنوات التي يواجه فيها الاقتصاد ازمة مالية بسبب انخفاض عوائد تصدير النفط، يكون تخفيض النفقات الاستثمارية اول اجراءات التقشف لمواجهة الازمة.  
5-    يساهم ما ذكر أعلاه في تفسير ظاهرة كثرة وتكرر "المشاريع المتلكئة" التي يتم ذكرها والضوابط لاستمرار تمويلها في كل قانون للموازنة السنوية. وتشير بيانات وزارة المالية عن الانفاق الفعلي الى حقيقة مقلقة للغاية تتمثل ليس فقط بوجود فجوة واسعة جدا بين النفقات الفعلية الجارية مقارنة بالنفقات الفعلية الرأسمالية، بل ان خدمة المديونية، الدين الداخلي والخارجي، مهولة للغاية وتعادل 237 ضعف النفقات الفعلية الرأسمالية خلال الربع الاول من هذا العام، وكانت بحدود 30 ضعفا في عام 2025!!  
6-    تتضمن ادبيات التنمية والتحليل الاقتصادي نظريات واطروحات وتفسيرات عديدة يمكن اعتمادها عند تناول معضلة محدودية حجم واولويات وكفاءة الانفاق الاستثماري وعجزه عن استحداث التغييرات الهيكلية، الافقية والعمودية، المطلوبة وتعزيز القطاعات الحقيقية المنتجة في الاقتصاديات النامية أحادية الجانب، ومنها الطاقة الاستيعابية، المرض الهولندي، لعنة الموارد، الدولة / السلوك الريعي، حوكمة اللصوصية/ شرعنة الفساد. 
استنادا الى ما تقدم وبعد الاطلاع على وتقييم المنهاج الحكومي وفي ضوء العدوان على إيران وتبعاته القاسية على العراق، لا ارى ان تتمكن الحكومة الحالية من إعطاء الاولوية للإنفاق الاستثماري الرأسمالي. 
اما فيما يتعلق بموضوع الصناديق السيادية، فكما بينت في اجابتي للسؤالين السابقين، إنني اعتبرها أحد البدائل التنموية ولكن فقط في حالة توفر فوائض مالية كبيرة؛ وهذا ما لا اراه محتملا خلال طيلة فترة الحكومة الحالية كأقل تقدير. 
 
الثقافة الجديدة: يبدو ان هناك فجوة، بدت تتضح شيئا فشيئا، بين مهام (أوبك) المعلنة في نظامها الأساسي والتي تتمثل في "تنسيق وتوحيد السياسات النفطية للدول الأعضاء فيها وضمان استقرار أسواق النفط من أجل تأمين إمدادات فعالة واقتصادية ومنتظمة من البترول للمستهلكين، ودخل ثابت للمنتجين، وعائد عادل على رأس المال لأولئك الذين يستثمرون في صناعة النفط"؛ وبين ما تواجهه المنظمة من صعوبات حقيقية في التوصل الى اتفاقات بخصوص هذه السياسات، وعلى وجه الخصوص قضية الحصص، والتي تسببت في انسحابات مستمرة خلال السنوات الماضية.  
استاذ احمد، هل لكم ان توضحوا لقرائنا وجهة نظركم حول مستقبل منظمة "أوبك"؟ وهل أصبحت أوبك فعلا أداة سياسية بيد السعودية؟ خصوصا بعد توقيع اتفاقية (أوبك+)، وتراجع دور الـ (أوابك) كثيرا؟ 
من جهة أخرى أستاذ احمد، ما هو موقفكم في ظل اللحظة التاريخية الراهنة من بقاء العراق عضوا في أوبك؟
 احمد موسى جياد: يتضمن هذا السؤال عدة اسئلة متداخلة ومترابطة سأحاول تناولها تباعا.
1-    بغض النظر عن نص مهام اوبك التي ذكرتها والتي بنظري وفي ضوء الوقائع والممارسات الفعلية انها تتسم بالعمومية الواسعة، والتي لا تملك اوبك آليات تمكين تحقيقها، فان المهمة الاساسية للمنظمة خلال السنوات الاخيرة تركزت بشكل اساسي على تحديد مستويات انتاج النفط الخام فقط لمجموع المنظمة في ضوء معطيات سوق النفط الدولية، وتحديد مساهمة/ حصة كل من الدول الاعضاء فيها. ومن الجدير بالذكر والتأكيد ان قرارات اوبك+ بشأن حصص الانتاج تتعلق حصرا بإنتاج النفط الخام فقط ولا تتضمن انتاج المكثفات NGL ولا انتاج الغاز المصاحب ولا انتاج الغاز الحر ولا صادرات النفط الخام. 
2-    بدأ في نهاية عام 2016 تشكيل مجموعة "اوبك+". تشير بيانات الاوبك لشهر حزيران الى ان مجموعة "اوبك+" تضم اعضاء اوبك (11 دولة) وبعض الدول الاخرى المنتجة للنفط خارج الأوبك (10 دول) بعد تبني الجميع "اعلان التعاون" لمجموعة "اوبك+". من الجدير بالذكر ان دول الاوبك (السعودية والعراق والكويت والجزائر) الى جانب ثلاثة دول من خارج اوبك (روسيا وعمان وكازاخستان) تساهم لوحدها، حاليا، في حصص انتاج مجموعة اوبك+. وهذا ما ذكرته قرارات المجلس الوزاري المنعقد في بداية شهر حزيران، وحدد حصص انتاج تموز 2026. علما انه أصبح عقد اجتماعات المجلس افتراضيا/ عن بعد بشكل شهري في الآونة الاخيرة لإقرار حصص الانتاج. 
3-    بسبب تكرار عدم التزام بعض الاعضاء بحصص انتاجها، تم اعتماد تقديرات "المصادر الثانوية" لتحديد الانتاج الفعلي للأعضاء ومقارنته بحصص الانتاج لتحديد مدى الالتزام، ويطلب من الدول غير الملتزمة تقديم خطة لتعويض تجاوز حصة الانتاج. وقد أصبح من المعتاد في ختام كل اجتماع وزاري الاشارة الى الدول غير الملتزمة. 
وفي هذا المجال لا بد من ذكر الملاحظات التالية: الاولى، هي عدم الثقة بالبيانات الرسمية المقدمة من الدول الاعضاء، والاستعاضة عنها بتقديرات "المصادر الثانوية". ثانيا: لا تتضمن قرارات اجتماعات المجلس الوزاري الشهرية انتاج النفط للدول الاعضاء في الاوبك، عدا الدول الأربعة، ولا انتاج النفط للدول خارج الاوبك، عدا الدول الثلاثة المشار لها في الفقرة السابقة. ثالثا، وخاصة بالنسبة للعراق- هي ضرورة اعتبار عدم انتاج النفط، منذ بداية العدوان في 28 شباط لهذا العام، كتعويض عن عدم الالتزام السابق بحصته الانتاجية. 
4-    تم تكليف عدد من المكاتب والشركات المتخصصة الغربية تقدير "طاقة انتاج النفط المستدامة" لدول مجموعة اوبك+، وسيتم اعتماد تلك التقديرات في تحديد حصص انتاج الاعضاء اعتبارا من بداية عام 2027.  
اعتقد ان الحوارات ضمن مجموعة اوبك واوبك+ ستتكثف وتتأثر ليس بتقديرات تلك الجهات الاستشارية فقط، بل يجب، بنظري، ان تأخذ بنظر الاعتبار ما يلي: اولا: تقييم تجربة حصص الانتاج منذ تبنيها في عام 2016 والتي دفعت الى خروج الامارات من المجموعة. ثانيا: تأثير العدوان على إيران وما سيترتب على انتهائه وبالتوقيع الرسمي، عن بعد، على مذكرة التفاهم من قبل كل من رؤساء إيران والولايات المتحدة التي دخلت حيز التنفيذ يوم 17 حزيران. ثالثا: زيادة عدد الدول التي تُحَدَد حصص انتاجها، وليس الاستمرار باقتصارها على الدول السبعة حاليا.    
5-    دور السعودية وتأثيرها في الاوبك والاوبك+. لا شك ان للسعودية تأثيرا كبيرا وفاعلا في كلتا المجموعتين وعلى سوق النفط الدولية. وهذا يعود الى الحقائق التالية: للسعودية طاقة متاحة عالية لإنتاج النفط الخام، مما يقود بالتبعية الى توفر طاقة فائضة جعلت من السعودية اهم منتج مُرَجِحْ " swing producer" يمكنه زيادة او تخفيض الإنتاج بوتائر مؤثرة على أسعار النفط وسوق النفط الدولية. ومما يساعد السعودية على لعب هذا الدور هو امتلاكها رصيدا ماليا هائلا في الصناديق السيادية. يضاف الى ذلك التطوير المتناسق في عموم القطاعات الفرعية للقطاع النفطي مما يوفر مرونة هيكلية عند زيادة او انخفاض الإنتاج الفعلي للنفط الخام.
يشكل انتاج السعودية حوالي 34% وحصة روسيا 32% من مجموع انتاج النفط، حسب حصص شهر تموز التي اقرها الاجتماع الوزاري الأخير في شهر حزيران. هذه الأرقام تشير الى وتعزز دور "التنسيق النفطي" السعودي الروسي في مجموعة أوبك+ وبالتبعية في تأثير المجموعة على أسعار وأسواق النفط الدولية، وما يترتب على ذلك جيوسياسيا وجيواستراتيجيا.   
6-     وفيما يتعلق بموضوع "تراجع دور الـ (أوابك) كثيرا"، ارى من الضروري التمييز وتحديد الفوارق الجوهرية بين اوابك من جهة والاوبك واوبك+ من جهة ثانية. اولا: كما بينت اعلاه، يتركز جوهر مهام أوبك واوبك+ على تحديد حصص انتاج النفط الخام لدول المجموعة. ليس للاوابك أي دور في هذا الخصوص. ثانيا: يتركز جوهر عمل ومهام الاوابك على تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مجال الصناعة النفطية من خلال المشاريع المشتركة. تم خلال الفترة 1972 – 1978 تأسيس ستة مشاريع مشتركة، ما زالت قائمة، ولكن بدرجات نجاح متفاوتة. ليس للاوبك والاوبك+ أي دور فيما يتعلق بهذه المشاريع ولا بنشاطات الاوابك. ثالثا: في الوقت الذي أسست فيه الاوابك ستة مشاريع مشتركة، لا يوجد أي مشروع مشترك تم تأسيسه ضمن الاوبك والاوبك+. رابعا: تنحصر عضوية ومشاريع الاوابك على الدول العربية المصدرة للنفط الأعضاء في المنظمة، في حين ان عضوية الاوبك والاوبك+ مفتوحة. خامسا: تنال قرارات أوبك واوبك+ اهتماما واسعا متواصلا دوليا على كافة المستويات الرسمية والإعلامية والمالية والمتابعات المتخصصة بأسواق النفط وبالصناعة النفطية، في حين نادرا ما تتناول وسائل الاعلام الدولية نشاطات الاوابك، او الشركات المشتركة التابعة لها.
7-    العراق والاوبك. تطرح أحياناً تساؤلات عن مدى جدوى استمرار عضوية العراق في منظمة اوبك ومجموعة أوبك+، كما حدث عند خروج قطر في بداية عام 2019 وخروج الامارات حديثاً. اود في هذا المجال ذكر بعض الملاحظات ذات العلاقة. 
أولا: العراق أحد الأعضاء الخمسة المؤسسين لمنظمة أوبك، اضافة الى السعودية وإيران والكويت وفنزويلا، الموقعين في بغداد عام 1960، على اتفاقية تأسيس المنظمة. 
ثانيا: منذ ذلك التاريخ ولغاية اليوم، تباين عدد أعضاء الدول الأعضاء زيادة وهبوطا؛ حيث دخلت بعض الدول، ثم خرجت، ثم عادت وخرجت ثانية.. وهكذا. وهنا لا بد من الذكر والتأكيد بانه لكل عضو في الاوبك، حق سيادي، لمغادرة المنظمة، وان النظام الاساسي للمنظمة لا يتضمن احكاما قصرية ملزمة تتخذها المنظمة تتعلق بتعليق او تجميد او انهاء عضوية أي دولة.
ثالثا: حافظ الاعضاء المؤسسون على عضويتهم في المنظمة رغم تعرضهم، باستثناء السعودية، لظروف قاسية قاهرة. لكن التطورات الجيوسياسية التي شهدها عام 2026 الناجمة عن العدوان الامريكي على كل من فنزويلا وإيران قد تقود الى خلق ظروف وتغييرات مؤثرة. 
فبالنسبة الى فنزويلا هناك احتمالان متعارضان بعض الشيء - الاول، قد تضغط ادارة ترامب لدفع حكومة فنزويلا للخروج من منظمة اوبك، وكذلك مجموعة بركس. الثاني، ان السيطرة الامريكية على القطاع النفطي في فنزويلا ورفع الحصار عنه قد تقود الى زيادة انتاج النفط. ستشكل هذه الزيادة مبررا لشمول فنزويلا بترتيبات حصص الانتاج ضمن مجموعة اوبك+.
اما بالنسبة لإيران، لا ارى اية احتمالية لخروج إيران من الاوبك. ولكن في حالة نجاح تنفيذ "مذكرة التفاهم"، وتوقف العدوان الامريكي-الاسرائيلي على إيران، وانهاء الحصار والعقوبات الامريكية على إيران، سيقود ذلك حتما الى زيادة انتاج النفط الخام في إيران؛ في هذه الحالة يصبح مبررا شمول إيران بترتيبات حصص الانتاج ضمن مجموعة اوبك+.
رابعا: فيما يتعلق بالعراق، لا ارى ولا اساند خروج العراق من منظمة اوبك، ليس فقط لأنه عضو مؤسس وان ولادة المنظمة تم في بغداد، وهذا ارث نفطي وطني لا بد من الحفاظ عليه، بل من مصلحة العراق البقاء وتعزيز دور المنظمة في استقرار اسواق النفط الدولية وحصة المنظمة فيها، وبالتالي التعامل مع تقلبات اسعار النفط. 
صحيح ان العراق ثاني أكبر المنتجين في المنظمة، إلا ان نسبة مساهمته في مجموع حصص انتاج اوبك+ حوالي 14.3% (حسب حصص تموز 2026) وتنخفض الى حوالي 9.6% ضمن مجموعة دول "اعلان التعاون" (حسب المصادر الثانوية لعام 2025). كما لا يملك العراق حاليا طاقة إنتاجية فائضة للنفط الخام، حتى وان توفرت هكذا طاقة فائضة، لا يملك العراق طاقة تصفية حديثة ولا طاقة فائضة لتصدير النفط الخام، سواء في منافذ التصدير الجنوبية ولا من خلال الانابيب عبر دول الجوار. 
كما لا أرى مجديا الاسترشاد او الاستشهاد بخروج كل من قطر والامارات من الأوبك كمبرر للدعوة لخروج العراق؛ فالأولى خرجت بعد ان اصبحت رائدة، على المستوى الدولي، في تصنيع الغاز وإنتاج وتصدير الغاز المسال. والثانية خرجت بعد تطوير طاقات انتاج النفط الخام والتطوير المتناسق لأنابيب تصدير النفط ضمن أراضيها بين "حبشان" في الخليج العربي و "الفجيرة" على بحر عمان، وتطوير صناعة تصفية وبتروكيماويات حديثة. يملك كلا البلدين صناديق سيادية ضخمة على المستوى الدولي، تمكنهما من مواجهة تأثير انخفاض أسعار النفط وتحول دون تعرضهما لازمة مالية خانقة. كل ذلك ساهم في تعزيز توجهات كلتا الدولتين، اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا، بشكل أساسي نحو الدول المتقدمة والمؤسسات المالية الغربية دون تأثرهما بمغادرة أوبك. 
وأخيرا، بدلا من ترويج فكرة خروج العراق من منظمة أوبك ومجموعة أوبك+، اقترح على وزارة النفط وشركة "سومو" الاستعداد والعمل الجدي لتصحيح حصة العراق خلال الحوارات، ضمن مجموعة أوبك+، التي ستتم بشأن عام 2027 وما بعدها، المشار اليها في الفقرة (4) اعلاه. 
قد يشكل هذا الامر فرصة اخيرة امام العراق لزيادة حصته وتجاوز "خطأ وخطيئة جبار لعيبي" الذي صرح، حتى بعد مشاركته في اجتماع المجموعة الذي حدد حصص الانتاج، ان ما تقرر يتعلق بحصص تصدير النفط!!!
كما ارى ضرورة التهيئة الجيدة لمواجهة الاحتمالات العالية لما سيترتب على مذكرة التفاهم الامريكية-الايرانية التي دخلت حيز التنفيذ في حزيران. حيث انخفضت اسعار النفط الدولية بشكل كبير، وتم اعادة النظر، تخفيضا، في توقعات اسعار النفط من قبل جميع الجهات الدولية المعنية، والعودة الى امكانية تحقق فائض في انتاج وعرض النفط، قبل وخلال عام 2027. 
قد تقود كل هذه الاحتمالات، ان تحققت، الى ضرورة اعادة النظر في آلية تحديد حصص انتاج دول اوبك/اوبك+ وزيادة عدد الدول التي تشملها الآلية؛ وهذا يعني اننا قد نتجه الى مشاهدة فترة تشنج وخلافات وعدم يقين في الاجتماعات الوزارية المستقبلية لدول اوبك/اوبك+.