أيلول/سبتمبر 07
   
 
قيس السامرائي:
رايات فلسطين تخفق في كل أنحاء العلم وإسرائيل منبوذة دوليا
حرب الإبادة الإسرائيلية مستمرة منذ النكبة وليست وليدة أكتوبر
اتفاقات أوسلو وصلت إلى طريق مسدود والرهان عليها هو الوهم
أزمةّ اليسار الفلسطيني والاستقطاب بين فتح وحماس
 
   في النصف الثاني من الستينات غادر (قيس عبد الكريم) بغداد لينتمي إلى المقاومة الفلسطينيةّ التي أصبحت موقفًا وملاذا للعديد من المناضلين العراقيين. إصطف قيس الذي كان يلقب بـ (السامرائي) وباسمه الحركي (أبو ليلى) مع اليسار الفلسطيني، وقضى ثلثي عمره في مواقع المقاومة في عمان ولبنان وسوريا ورام الله. وأصبح قياديا في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ثم عضوا في المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية. من هذا الموقع نحاوره:
ث ج: نبدأ من حدث اكتوبر، هل تعتبره رد فعل يائس، محركا للقضية الفلسطينية، فعلا انفراديا قامت به حماس دون اجماع وطني ودون حساب لنتائجه، أو ….؟
أبو ليلى: 7 أكتوبر هو أحد أبرز العلامات اللامعة في مسيرة النضال الفلسطيني ضد الإحتلال. ففي هذا اليوم الخالد نجحت قوات المقاومة الفلسطينية، وبخاصة (عز الدين القسام)، في اقتحام العمق الإسرائيلي، وتهشيم قواعد جيش الإحتلال في المنطقة الجنوبية بأسرها خلال بضع ساعات، واجتياح مستوطنات الغلاف وصولاً إلى مشارف بئر السبع. كانت هذه لطمة قاسية لدولة الاحتلال، وفشلاً مهيناً لأجهزته الاستخباراتية والعسكرية، وانهياراً مدوياً لأعمدة عقيدتها الإستراتيجية. وهي تعجز حتى اللحظة عن تفحص دواعيه وتجاوز أسبابه.
البعض يرى في هذا الإنجاز استفزازاً غير محسوب العواقب لدولة إسرائيل أدى إلى استنفارها لشن حرب الإبادة ضد غزة وما قادت إليه من دمار ومعاناة. ولكن هذا المنطق يُغفل حقيقة أن حرب الإبادة الإسرائيلية لم تبدأ في 7 أكتوبر بل هي مستمرة منذ النكبة وصولاً إلى الإحتلال وصولاً إلى الضم والتهجير والتهويد. وما يحدث الآن في الضفة دليل شاهد على ذلك.
 
خيار أكتوبر
 هل كانت هجمة أكتوبر وليدة إجماع وطني أم قراراً إنفرادياً؟ الإجماع الوطني ينعقد، عادة، على عقيدة إستراتيجية. وهو منعقد فعلاً على إستراتيجية المقاومة الشعبية الشاملة بكل أشكالها التي يبيحها القانون الدولي لشعب واقع تحت الاحتلال. أما الخطوات التكتيكية، وبخاصة تلك التي يتوقف نجاحها على عنصر المفاجأة، فلا يعقل أن تخضع للإستفتاء لتأمين الإجماع عليها. مع ذلك فإن العديد من "الإستفتاءات" قد تمت بالفعل بعد وقوع الحدث. عشرات إستطلاعات الرأي التي أجريت في الضفة وغزة، من مختلف مراكز الأبحاث على تباين إتجاهاتها، جميعها دون إستثناء، حتى تلك التي أجريت في الشهور الماضية التي وصل فيها الدمار والمعاناة الشعبية إلى الذروة، أظهرت أغلبية راجحة تتجاوز بكثير هامش الخطأ، وفي الضفة الغربية أغلبية ساحقة تقترب من الإجماع، لصالح خيار أكتوبر. الخارجون على هذا الإجماع هم الذين يريدون أن يفرضوا على الشعب الفلسطيني خيارهم الإنفرادي، خيار طأطأة الرأس والإذعان لإملاءات العدو.  
هؤلاء يملؤون الدنيا صخباً بالنواح على حالة الدمار والمعاناة الكارثية التي ألحقتها حرب الإبادة الإسرائيلية بشعبنا الباسل في قطاع غزة. نعم. لا شك: الدمار شامل، والمعاناة بلغت ذروة تفوق إحتمال البشر. وأنهار الدماء الزكية تروي رمال القطاع بينما العطش والجوع والمرض والثكل يخطف أنفاس من تبقى من أبنائه. وبالسبة لنا، فإن خسارة شهيد واحد تفطر القلب حزناً وأسى، فكيف بعشرات آلاف الشهداء! 
ولكن هذا شيء والإدعاء بأن هذه حصيلة خيار أكتوبر هو شيء آخر تماماً. هذا المنطق هو بمثابة تحميل الضحية المسؤولية عن وحشية الجلاد. إنه استسلام لسردية العدو، واصطفاف إلى جانبه في معركة الوعي التي يخوضها بشراسة لا تقلّ عن همجيته في معركة الميدان. وهدفه فيها واضح: إقناع الفلسطينيين، بل وكل العرب، أن أي مقاومة لإسرائيل لا تُنتج سوى الموت والدمار. 
لا ليست هذه حصيلة خيار أكتوبر، بل رايات فلسطين التي تخفق بشموخ في شتى أرجاء الأرض لتفرض على إسرائيل العزلة والنبذ كالمجذوم: في سبتمبر 2023، قبل 7 أكتوبر بأسابيع قليلة، وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يتباهى أمام العالم بخارطة دولة إسرائيل التي تمتد على كامل فلسطين التاريخية، مزهوّاً بنتائج مفاوضات التطبيع التي كان يوشك أن يحقق فيها خرقاً يُلقي بقضية فلسطين في غياهب النسيان. 
اليوم: القضية الفلسطينية تتغلغل في مسامات حياة العالم، فيسهر الخلق جراها ويختصم! ليس فقط في ساحات الحرب والسياسة بل أيضاً في الرياضة والثقافة والفنون، والأهم في معايير الأخلاق ونقاوة الضمير. 
ثمة اليوم إجماع دولي على أن لا سلام ولا استقرار في الشرق الأوسط إلا بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وتعترف بدولة فلسطين 159 دولة تمثل أربعة أخماس الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بينها أربع من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. حتى خطة ترامب للسلام في غزة، وقرار مجلس الأمن 2803 الذي يشرعنها بموافقة أمريكية، يسلّمان بأن غاية العملية هي "تقرير المصير والدولة" للشعب الفلسطيني. 
سيقول البعض: هذا كله سمك في البحر، فالمهم ما يجري على الأرض. نعم بالتأكيد. ماذا يجري على الأرض؟ إسرائيل تخوض حرباً مديدة ومضنية على ثماني جبهات في محاولة خائبة لتحقيق "النصر" على غزة. جيشها مُنهك يعاني من تآكل القدرات والمعدات ونضوب الموارد البشرية. الحاجة الملحة إلى سد النقص في مقاتليه تقود إلى تفاقم الإنقسامات والصراعات الإجتماعية الداخلية حتى باتت تُسمع، للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، أصوات وازنة، من بينها صوت رئيس الدولة، تحذر من إندلاع حرب أهلية. كلفة الحرب تترجم نفسها عجزاً في الموازنة يصل إلى 6% من إجمالي الناتج المحلي، وما ينجم عن ذلك من تضخم جامح وإرتفاع في تكاليف المعيشة. وللمرة الأولى تسجل الهجرة اليهودية ميزاناً سلبياً على مدى سنوات متوالية. وكلما استعر أوار الحرب كلما انحطت سمعة إسرائيل وتدهورت مكانتها الدولية إلى حضيض غير مسبوق، وبخاصة في دول الغرب الإمبريالي، بما فيها الولايات المتحدة. وأصبح ملموساً على الصعيد الشعبي تأثير حركة المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات، كما تضاعفت قدرتها على النحت في صخر القرار الرسمي. إنه المسار نفسه الذي شهدناه في حالة جنوب أفريقيا يتصاعد حتى حانت لحظة الحرية وانهار نظام الفصل العنصري. 
سمك في بحر؟ نعم... ولكن شباك المقاومة وحلفاءها تُطبق عليه بإحكام من كل الجهات، وتقترب شيئاً فشيئاً من لحظة إنتشاله لإحياء أعظم كرنفال للحرية في القرن الحادي والعشرين. 

فلسطين والعمق العربي
ث ج: هناك تحول في الفكر القومي العربي، أبرز معالمه أن قضية فلسطين لم تعد قضية مركزية، كيف تصفه وكيف يمكن للقضية الفلسطينية أن تستمر بدون عمقها العربي؟
أبو ليلى: لا أدري بالضبط ما هو المقصود بعبارة "الفكر القومي العربي". إذا كان المقصود الخلفية الفكرية للتيارات القومية العروبية في بعض البلدان العربية، فليس ثمة أي مؤشرات على تراجع المكانة التي تحتلها القضية الفلسطينية لديها كقضية مركزية للأمة العربية، إلا إذا كان المعني تزايد الاهتمام الذي باتت تُبديه بعض هذه التيارات للقضايا المحلية في بلدانها، وبخاصة قضايا الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، وهو تطور إيجابي ينبغي تشجيعه. فهو لا ينتقص من مكانة قضية فلسطين، بل العكس. إذ أن تعزيز مناعة البلدان العربية يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التفوق الإسرائيلي، وبالتالي يحوّل الإلتزام بقضية فلسطين من إلتزام فكري إلى دعم مادي ملموس. 
أما بالنسبة للنظام الرسمي العربي فإن الإلتزام بمركزية قضية فلسطين لم يكن في معظم الأحيان سوى إلتزام كلامي. وفي بعض الأحيان، كان هذا الضجيج الكلامي ستاراً يخفي وراءه ليس فقط التهاون والخذلان بل أيضاً التواطؤ مع العدو الصهيوني. 
كان هذا صحيحاً منذ حرب 1948 التي كانت موضوعياً حرباً لتقاسم فلسطين لا لتحريرها. الإيديولوجيا القومية تفشل في تفسير هذه الظاهرة لأنها تغلّب اعتبارات الإنتماء القومي على حقائق التناقض في المصالح بين الطبقات. فالسمة الكمبرادورية لمعظم الطبقات الحاكمة العربية تجعلها لصيقة بالتبعية للحلف الإمبريالي العالمي الذي يرعى المشروع الصهيوني ويجد مصلحته في تعزيز التفوق الإسرائيلي على بلدان المنطقة ضماناً إضافياً لاستمرار نهب ثرواتها. 
ولكن في صفوف الجماهير الشعبية في عموم المنطقة ما تزال قضية فلسطين هي القضية المركزية. فهي تدرك أن خلع النير الإمبريالي الذي يستنزف ثرواتها ويعرقل نهوضها، يتطلب بالضرورة إلحاق الهزيمة بالتفوق الإسرائيلي. تشهد على ذلك موجة التضامن مع فلسطين التي اجتاحت شوارع المنطقة العربية بأسرها في أعقاب 7 أكتوبر وحرب الإبادة على غزة. البعض سوف يسارع إلى التساؤل: لماذا إذن تراجعت هذه الموجة في الشهور الأخيرة؟ تراجعت لأنها جوبهت بحملة قمع منسقة من قبل النظام الرسمي العربي، حملة قمع لا نظير لها في الشراسة والخسة، ليس فقط من قبل أجهزة القهر الأمنية، بل أيضاً من قبل المنابر الإعلامية التي باتت معزوفتها المفضلة الترويج لشيطنة المقاومة وتعميم فلسفة "إسقاط الذرائع" التي مغزاها الإنصياع لإرادة العدو.
التضامن الدولي 

ث ج: هناك التفاف شعبي دولي متضامن مع القضية الفلسطينية في مواجهة حملة الإبادة الإسرائيلية، كيف تقيمون هذا الوعي الدولي مقابل الصمت العربي؟
 أبو ليلى: هذا واحد من الإنجازات الهامة لخيار أكتوبر. ثمة اليوم أغلبية راجحة على الصعيد الشعبي، في جميع بلدان العالم تقريباً، لصالح حرية فلسطين وإدانة حرب الإبادة الإسرائيلية. هذا تيار متصاعد ولا رجعة عنه. وهو بدأ يفعل فعله في التأثير على القرار الحكومي حتى في بلدان الغرب الإستعماري الحليفة لإسرائيل، بصعوبة وببطء ولكن بثبات. وهذا عامل جوهري من عوامل تغيير موازين القوى في الصراع الجاري لصالح حلّ يؤّمن الحقوق المعترف بها دولياً للشعب الفلسطيني. أما بشأن الصمت العربي فقد قيّمناه في إجابتنا على السؤال السابق.
 
ث ج: صعود المحاور الطائفية، محور السعودية مقابل المحور الإيراني، كم يؤثر ذلك على القضايا المركزية العربية؟
أبو ليلى: وفقاً للإلتزام المعلن بمركزية القضية الفلسطينية، يُفترض أن تقف جميع الدول العربية والإسلامية في صف واحد في مواجهة الخطر الصهيوني. الصراعات المحورية تضعف هذا الاصطفاف، وتخلق مناخاً سلبياً تستغله الولايات المتحدة لدفع مسيرة التطبيع وتوسيع ما يسمى "الإتفاقات الإبراهيمية"، وهو ما ينعكس سلباً على القضية الفلسطينية. ولذلك فإن السياسة الفلسطينية الصائبة هي تفادي الانخراط في المحاور الإقليمية والابتعاد عن صراعاتها والحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني. ولكن هذا لا يعني الامتناع عن بناء تحالفات. فثمة فرق بين المحور، الذي هو اصطفاف يخضع لمركز قرار واحد، وبين التحالف الذي يجمع بين قوى ذات هدف مشترك على قاعدة الشراكة في القرار والاعتراف المتبادل بمشروعية التباين في قضايا أخرى خارج نطاق الهدف المشترك. 
 
أزمةّ السلطة الفلسطينية
ث ج: هناك الكثير من المآخذ على طبيعة السلطة الفلسطينية في رام الله، فردانيتها، خضوعها للضغوط الإسرائيلية، انفصالها عن الجماهير.. كيف تقيّمونها، وكيف ترون الخروج من الأزمة؟
أبو ليلى: السلطة الفلسطينية هي وليدة اتفاق يمنحها صلاحيات إدارة شؤون السكان دون سيادة على الأرض أو الموارد، وذلك لفترة انتقالية تجري خلالها مفاوضات حول الوضع الدائم. ولكن الإتفاق لا يحدد معالم الوضع الدائم، ولا يوفر خياراً سوى التمديد التلقائي المفتوح زمنياً في حال تجاوز السقف الزمني المحدد للمرحلة الإنتقالية، ما يعني عملياً تحويل الإنتقالي إلى دائم، أي تكريس الحكم الذاتي بديلاً عن الاستقلال.. هذا ما حذرنا منه منذ البداية، ولكن الأخوة في (فتح) وفصائل أخرى متحالفة معهم، اختاروا الانخراط في هذا المسار عسى أن يكون طريقاً مختصراً نحو الدولة. وكان واضحاً أن هذا رهان يقوم على الوهم. فبدلاً من طريق مختصر نحو الاستقلال قادت أوسلو إلى متاهة انتهت إلى طريق مسدود. ولكن هذا الوضع المركب أنتج تناقضاً فريداً عمّق أزمة الحركة الوطنية: حركة تحرر وطني تدير شؤون سلطة ذاتية مقيدة بأغلال الاحتلال. ومع مرور الزمن راح هذا التناقض ينخر جسد الحركة ويشجع استفحال الأمراض داخل صفوفها، حيث أن كعكة السلطة حلوة المذاق لكنها مسمومة، والتهافت على ملذاتها أنتج شريحة اجتماعية متنفذة، الحفاظ على امتيازاتها أكثر أهمية لديها من متطلبات النضال الوطني. واتسعت الهوّة بين السلطة وجماهير الشعب وأطلقت داخلها دوامة من التمركز في الصلاحيات، انتقلت بها من تفرّد التنظيم إلى تفرّد الزعيم. كيف نرى السبيل للخروج من الأزمة؟ الجواب واضح: إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بإنخراط الكل الفلسطيني في مؤسساتها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية تكفل القيادة الجماعية والشراكة في صنع القرار، وتنفيذ قرارات المجلس الوطني بشأن التحرر من قيود أوسلو. علينا أن نحذر من الدعوات إلى نبذ السلطة خارج الصف الوطني. هذه الدعوات تقود عملياً إلى تعميق الإنقسام والاصطفاف في مواجهة فتح، بينما الدور المطلوب من القوى الديمقراطية هو تعبئة الضغط الجماهيري على طرفي الإنقسام لإطلاق حوار جاد يفضي إلى بلورة قاعدة سياسية وتنظيمية متينة لإعادة بناء الوحدة. البعض قد يقول: هذا كلام مكرر جربناه مراراً في السابق دون جدوى. هذا التبرّم مشروع، ولكنه لا يعبر عن الحقيقة الكاملة. فالحوارات السابقة لم تكن كلها عبثاً. بل هي أنتجت توافقات هامة كان آخرها وثيقة بكين التي رسمت خارطة طريق واضحة للخروج من الازمة. قد يكون مفيداً التذكير بأن هذه الوثيقة استندت بالأصل إلى ورقة مسودة تقدم بها ممثل حركة فتح الأخ عزام الأحمد وحظيت، بعد تعديلات محدودة، بموافقة الجميع وتوقيعهم عليها. ولكنها سرعان ما اصطدمت بالفيتو الأمريكي الإسرائيلي الذي عطّل تنفيذها. الواقع أن هذا الفيتو هو العقبة الرئيسة التي تعترض طريق إستعادة الوحدة، دون أن ننتقص من تأثير حالة إنعدام الثقة بين الطرفين الناجمة عن التنافس على مواقع القيادة والسلطة. تجاوز هذه العقبة يتطلب تعبئة حملة شعبية عارمة للضغط على قيادة السلطة من أجل كسر طوق الفيتو الأمريكي الإسرائيلي، والمباشرة بحوار وطني صريح يذلّل عوامل إنعدام الثقة ويستكشف السبل والضمانات لتنفيذ وثيقة بكين. وثمة ما يدعو إلى الإسراع بإطلاق هذه الحملة، إذ نواجه اليوم استحقاق الإنتخابات المزمع إجراؤها أواخر هذا العام ومطلع العام القادم للمجلسين التشريعي والوطني ورئاسة السلطة. وكي يصبح هذا الاستحقاق مدخلاً لاستعادة الوحدة، لا بد من حوار يتيح انخراط حماس والجهاد الإسلامي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بما يسمح بمشاركة الجميع في هذه العملية الانتخابية، كي تؤدي فعلاً وظيفتها في إعادة بناء المؤسسة الوطنية على أسس وحدوية، تكفل التجديد الديمقراطي والقيادة الجماعية والشراكة في صنع القرار، تعزيزاً لوحدانية التمثيل الفلسطيني، بدلاً من الانقسام والتفرد واصطناع البدائل. 
 
حل الدولتين
ث ج: في جو الأزمة الحالية وحكم اليمين الصهيوني كيف ترون أفق حل الدولتين؟
أبو ليلى: حل الدولتين ليس مصطلحاً فلسطينياً. إنه مصطلح دولي يغلب عليه الغموض والضبابية، وتختفي في طيّاته العديد من المشاريع المتباينة التي تتراوح بين مشروع صفقة القرن (دولة مسلوبة السيادة لا حدود لها ولا معابر محددة، تتكون من جزر وجيوب كثيفة السكان تربط بينها جسور وأنفاق، وتخضع كلها للسيطرة الأمنية الإسرائيلية) وبين قرارات الشرعية الدولية التي تضمن دولة مستقلة على جميع الأرض الفلسطينية التي احتلت بعدوان حزيران 1967. فضلاً عن ذلك فهو مفهوم ناقص لا يجيب على مسألة حقوق اللاجئين. 
بالنسبة للشعب الفلسطيني، الحل هو دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على كل الأرض الفلسطينية التي احتلت بعدوان حزيران 1967، وضمان حقوق اللاجئين وفقاً للقرار 194. بفعل تداعيات أكتوبر بات هذا الحل يحظى بإجماع دولي نادر وإجماع وطني فلسطيني شامل عبّرت عنه وثيقة بكين التي وقعتها جميع الفصائل الفلسطينية، وحتى فصائل المقاومة التي تخوض المعركة على أرض غزة، والتي تتعامل مع خطة ترامب بإعتبارها تقود إلى "مسار سياسي موثوق نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية". 
البعض، من دعاة ما يسمى "الدولة الواحدة"، يرون أن هذا الحل وهمي تجاوزته الوقائع على الأرض ولم يعد قابلاً للتطبيق. لماذا؟ بسبب الاستيطان. ولكن ألا ترون أن هذا المنطق يقع في فخ "الهاسبراه" الإسرائيلية التي تحاول أن تزرع في أذهاننا القناعة بأن المستوطنات أمر واقع نهائي لا تراجع عنه؟ بينما الواقع أن إسرائيل قامت بالفعل في ظروف معينة بالتراجع وتفكيك مستوطنات ليس فقط في سيناء المصرية، بل أيضاً في غزة وشمال الضفة الفلسطينية، حين وجدت نفسها مضطرة لذلك من أجل الخروج من جحيم الانتفاضة الثانية. 
الدولة الواحدة، إذا أريد لها أن تكون ديمقراطية حقاً وأن تضمن المساواة القومية (وليس فقط المدنية) للفلسطينيين، تعني بالضرورة إلحاق الهزيمة الكاملة بالمشروع الصهيوني. وواضح أن هذا يتطلب تحولات جذرية في موازين القوى التي تحكم الصراع العربي الإسرائيلي، تحولات لا تبدو مرئية في المدى المنظور. ولكن رغم هيمنة اليمين الفاشي على المجتمع الإسرائيلي، وهو وضع تُعلّمنا عديد الشواهد التاريخية أنه قابل للتغيير السريع في ضوء التحولات المحتملة في موازين القوى، تلوح في الأفق اليوم إمكانية واقعية لأن يؤدي استمرار المقاومة، وإنهاء الانقسام الفلسطيني، وإحكام طوق العزلة الدولية على إسرائيل، وتفاقم التمزق في المجتمع الإسرائيلي، واستعادة التعددية القطبية على المستوى الدولي، أن يؤدي تضافر هذه العوامل إلى تحول في ميزان القوى يجبر إسرائيل على إنهاء الإحتلال وتفكيك المستوطنات والتسليم بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود حزيران 1967. 
تبديد هذه الإمكانية، أو الفشل في رؤية السبيل إلى ترجمتها على أرض الواقع، يعني السماح بأن تذهب هدراً تضحيات عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، وعذابات ملايين الثكلى والجوعى والمكلومين. من الذي يمكنه أن يتحمل المسؤولية التاريخية عن هذا الخذلان؟ 

الاتفاقات الإبراهيمية
ث ج: وكيف ترون افق المشروع العربي الأرض مقابل السلام؟
أبو ليلى: "الاتفاقات الإبراهيمية" كانت تهدف إلى نسف إلتزام الدول العربية بمبادرة السلام التي أقرّتها القمة العربية في بيروت عام 2002 والتي تضع ثلاثة شروط لإبرام السلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهي أولاً- إنسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها بعدوان حزيران 1967. وثانياً- قبولها بقيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967، وثالثاً- حل عادل و"متفق عليه"  لقضية اللاجئين وفق القرار الأممي 194. جدير بالتذكير أن المقترح السعودي الأصلي للمبادرة يخلو من البند الثالث ويتجاهل قضية اللاجئين. ولكن ضغوطاً مكثفة من الجانب الفلسطيني ودول عربية أخرى أثمرت بإضافة هذا البند وإن يكن بالصيغة الملتبسة المبينة أعلاه. واضح أن عناصر هذه المبادرة، التي تم تبنيها فيما بعد من قمة التعاون الإسلامي، تتطابق مع الأعمدة الثلاثة للبرنامج الوطني الفلسطيني: إنهاء الإحتلال، الدولة المستقلة، عودة اللاجئين. لذلك تمارس الولايات المتحدة، واستطراداً إسرائيل، ضغوطاً مكثفة على بعض الدول العربية المؤثرة، وخاصة دول الخليج، لحملها على التنصل من التزامها بالمبادرة والإنضمام إلى مسيرة التطبيع على حساب القضية الفلسطينية. ولذلك فإن المصلحة الوطنية الفلسطينية تتطلب تكثيف الضغط الشعبي على حكومات الدول المعنية من أجل تأكيد إلتزامها بعناصر المبادرة وفق تسلسلها المحدد، وهو ضغط بات أكثر فعالية وتأثيراً في ضوء نتائج طوفان أكتوبر، مع التأكيد على ضرورة توضيح منطوق الفقرة الثالثة من المبادرة بما يتطابق مع المفهوم الدولي الذي يعتبر حق العودة إلى الديار حقاً غير قابل للتصرف. 

الاستقطاب وأزمة اليسار
ث ج: كيف يقيّم اليسار الفلسطيني المسار الحالي للقضية الفلسطينية؟ 
أبو ليلى: اليسار الفلسطيني يعاني من أزمة مركبة لا مجال للتعمق هنا في بحث عناصرها وأسبابها. وتتفاقم مفاعيل هذه الأزمة في ضوء حالة الإستقطاب الثنائي بين الحزبين الكبيرين في الساحة الفلسطينية: فتح وحماس. هذه الحالة، كما في بلدان أخرى، تولّد آلية تلقائية شبيهة بالدوامة لتقاسم الولاء الشعبي، تطحن النفوذ الجماهيري للأحزاب الأصغر، وتقود إلى تآكل متواصل في القاعدة الإجتماعية لليسار. هل هناك من سبيل لوقف مفعول هذه الآلية الجهنمية؟ نعم... ولكنه يتطلب وحدة اليسار. الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة إلى تيار ديمقراطي ثالث يُبطل مفعول الآلية المدمرة التي يولدها الاستقطاب الثنائي، ويطرح بديلاً ديمقراطياً يقوم على الشراكة والوحدة، ويحيّد فرص إنفراد أي جانب بالمكانة القيادية والسلطة، ويفرغ الصراع الدائر لهذا الغرض من جدواه. لا يستطيع أي فصيل من فصائل اليسار أن يشق الطريق لوحده لحشد هذا التيار. ولكن يمكن أن يؤدي هذه المهمة تجمع ديمقراطي يوحد قوى وشخصيات اليسار على أساس برنامج مشترك وآلية ديمقراطية لصوغ القرار السياسي الموحد بما يمكّنها من ولوج الساحة ككتلة ثالثة بديلة قادرة على إستعادة النفوذ الجماهيري لليسار ومراكمته.