تموز/يوليو 17
في الجزء الثاني من الحوار مع الرفيق رائد فهمي نستكمل المراجعة التاريخية لمسيرة الحزب، ونتناول مواقف الحزب في مرحلة المعارضة وبعد احتلال الكويت والصراع في مؤتمرات الحزب وتجربة الكفاح المسلح، ونتناول تأثيرات انهيار المنظومة الاشتراكية على مواقف الحزب. كما ستأخذ العلاقات مع قوى المعارضة المختلفة حيزا مهما من هذا الحوار. كذلك الموقف من الحرب والاحتلال.
 
الثقافة الجديدة: بين المؤتمرين الثالث والرابع فرق كبير هو الفرق بين التحالف مع البعث والكفاح المسلح ضده. كيف تنظر للمؤتمرين؟
رائد فهمي: دائما ما كان الحزب ينظر الى قضية عقد المؤتمر الوطني ان فيها جانب من التحدي. وكذا الحال عندما عقد المؤتمر الثالث. في سياق تلك الفترة، أي عام 1976، كان وجهة نظر الحزب هي تعزيز العمل الجبهوي. بمعنى، معالجة الثغرات والنواقص والاشكاليات من منطلق تعزيز الجبهة. خصوصا وان الحزب يعرف ان هناك من يتربص بالجبهة، سواء من داخل البعث او من القوى الأخرى. وبالتالي، فإن الحزب وهو يقدر حجم المخاطر الأمنية، فإنه كان يضعها مقابل الايجابيات الكثيرة لعقد المؤتمر. خصوصا وان الحزب سيعقد لأول مرة مؤتمرا بصورة علنية، وهي جزء من تكريس وجوده العلني. كما انها إشارة ثقة لرفاقه وأصدقائه.
  اما ان النظام سيكشف عضوية الحاضرين، فأقول ان قسم غير قليل منهم كانوا اما أعضاء لجان الجبهة، او أعضاء في منظمات نقابية او اتحادات، وبالتالي فهم مكشوفون أساسا للنظام. اما الرفاق غير المكشوفين والذين يحرص الحزب على عدم كشفهم، فإن السؤال سيكون كم ستكون هذه العملية صعبة ومعقدة، وكم تستحق ان تكون حاسمة في تقرير عقد المؤتمر من عدم عقدهّ! للاعتبارات التي ذكرتها آنفا.
 طُرح أيضا ان المؤتمر كان من الممكن عقده في مناطق بعيدة، في كردستان مثلا. إلا ان الفعل ستكون له دلالات متعددة. فإن عدم عقده في بغداد يعني ان الحزب ليس لديه ثقة بالآخر، بالحليف. او ان لديه مقاصد او نوايا ثانية، او عنده قراءة مختلفة للوضع لا يريد ان يُطلع عليها.. الخ. وهذا كله يعطي إشارات سلبية، وفيه اضعاف للعمل الجبهوي.
بالنسبة لي ليس لدي أي تقديرات سلبية عن المؤتمر الثالث 1976. بغض النظر طبعا عن مضامينه ومنها اطروحة (التطور اللارأسمالي) التي اقرت في المؤتمر. فهذا موضوع اخر. لكن على وجه العموم، كان من الصعب وقتها التنبؤ بكل التفاصيل التي حدثت لاحقا. نعم ربما كانت هي موجودة في لحظة عقد المؤتمر كاحتمالات وامكانيات ومخاطر كان من الضروري ان يجري العمل على ادارتها والتحسب لها، دون ان يؤثر ذلك على عقد المؤتمر.
اما بخصوص المؤتمر الرابع، فقد جاء في ظل وضع وظروف اخرى كليا، حيث عُقد في ظل ظروف عسكرية صعبة. حيث كان الحزب قد انتقل الى الكفاح المسلح، والحرب العراقية الإيرانية على أشدها. والمكان الذي كان محددا لعقده اتضح انه مشخص من قبل النظام. وكان يتعرض للقصف. وفي آخر لحظات، اضطر الحزب الى تغيره الى مكان آخر. ومن جهة أخرى، انعقد المؤتمر الرابع في ظل صراع سياسي حاد حول الموقف من الجبهة والتحالف، وحول استراتيجية اسقاط النظام، واختيار شكل الكفاح المسلح بوصفه شكل النضال الاساسي. هذا على الجانب السياسي. لكن هناك جوانب اخرى أيضا. فهناك الكثير من السلبيات التي أثيرت حول الموقف السياسي السابق للحزب. ليس فقط قيام الجبهة وانما أيضا حول إدارتها، والمسارات التي اتخذها العمل الجبهوي، والصراعات الدائرة فيها كونها وحدة وصراع. وكذلك حول بعض الأوهام التي ارتبطت بالعمل الجبهوي. وأيضا حول التساهل بل والتراخي، وضعف اليقظة، وكم من الثغرات فتحت امام الاندساس في فترة الجبهة. حيث اتضح ان اجهزة النظام الامنية كانت مندسة في عدد من مفاصل الحزب. وأيضا، أثيرت العديد من النقاشات حول مواقف وسلوكيات بعض الرفاق في فترة الجبهة. عقد المؤتمر الرابع لحسم هذه الأمور وبإطار الشرعية الحزبية.
عموما، كانت مشاعر ومواقف الرفاق عموما، وليس المشاركين في المؤتمر الرابع فقط، خصوصا من غادروا البلاد، هي عدم الرضا والاحتجاج الموجهين الى القيادات الحزبية الأساسية التي كانت تمسك مفاصل العمل الحزبي. وهذه القيادات بمعظمها هي التي ابتعدت عن العمل الحزبي في المؤتمر. خاصة تلك القيادات التي كان لديها مواقف متحفظة تجاه الكفاح المسلح. وتمتلك تصورات غير دقيقة، بل وحتى أوهام إزاء التحالف واستمراره. 
نعم، لم تكن تلك الظروف مثلى لعقد المؤتمر. ونعم حدثت في المؤتمر نقاشات حادة. فالصراع كان حادا، خصوصا الصراع السياسي. حيث وصل الأخير الى مفترق طرق. فالاختلاف والتحفظ على موضوع شكل الكفاح الرئيسي وحول الرؤية الاستراتيجية، يجعل من الصعوبة بمكان، ربما من المستحيل، ان يجتمع هذين الاتجاهين داخل قيادة الحزب. لذلك تم التعبير عن هذا الصراع وغيره بالتغيرات التي حدثت. لكن هل تم اقصاء القياديين بعملية غير ديمقراطية!؟ هل كانت هناك تهديدات منعت بعض الرفاق من ان يحضروا!؟ حسب علمي لا توجد مثل هذه المعطيات. بالعكس، كان هناك حرص من قبل قيادة الحزب ومن قبل الرفيق عزيز محمد (أبو سعود) بأن يحضر الجميع ليشاركوا في اعمال المؤتمر. بعضهم لم يحضر الى المؤتمر بقرار منهم. بينما بعض القيادين ابتعدوا أو تم استبعادهم قبل عقد المؤتمر لأسباب مختلفة. من بين هذه الأسباب، وان كانت حالات قليلة جدا، نشوء علاقة وصلات غير مبدأية، وعليها علامات استفهام، بين نظام البعث وبين بعضهم. وهذه العلاقة تطورت حينها لأسباب مختلفة. ربما نتيجة لموقف سياسي متطرف في مسألة التحالف والعلاقة مع البعث، او موقف سياسي مائع او لأسباب شخصية ومصلحية.
 
تجربةً الأنصار
الثقافة الجديدة: لنتحدث الآن عن تجربة الأنصار! هل كانت فعلا ممارسة ضرورية في تلك الظروف، أم فرضت على الحزب موضوعيا؟ وهل كانت هناك بدائل نضالية أخرى؟ 
رائد فهمي: بلا أدنى شك، لعبت تجربة الأنصار دورا كبيرا في بقاء الحزب. ليس بالمعنى الوجودي والحفاظ على الرفاق والرفيقات فحسب، بل ليستمر في نضاله، عنصرا فاعلا على الساحة العراقية. وبالتالي، يجب ان لا يُبخس نهائيا من قيمتها، دون ان ننسى مطلقا الضحايا التي لا تعوض من شهداء الحزب، وكذلك محدوديتها كتجربة نضالية لأسباب موضوعية.
بعد انتهاء الجبهة، كان لبعض الرفاق تحفظات على الأنصار كممارسة نضالية. خصوصا وأنها ستكون، من وجهة نظرهم، على حساب العمل الجماهيري وعلى حساب الصلة مع الناس. لكن، هل كانت هناك إمكانية للعمل الجماهيري في ظل البعث في تلك المرحلة؟! كيف يمكن ان تستمر في النشاط السياسي في ظل نظام قمعي بوليسي أغلقت اجهزته الأمنية كل منافذ العمل السري، ناهيك طبعا عن العمل العلني؟!  هل كانت هناك إمكانية للاختفاء في البلد كما كان يحصل في السابق؟
لا ينكر أحد ان للحزب الشيوعي تجارب نضالية كبيرة، وتاريخ عريق في العمل السري في أقسى الظروف.  فمثلا، عام 1963، عندما حصلت الحملة الدموية بعد الانقلاب، ذهب العديد من الرفاق الى الريف والى مدن الجنوب. لكن مع نظام البعث، فترة انفصام الجبهة، كان الامر مختلفا. حيث كانت اجهزته الأمنية والقمعية، والحزبية أيضا، كانت موجودة في اغلب مفاصل البلد. لقد قيدوا الى حد كبير من إمكانية العمل السري. وبالتالي كان من المنطقي والواقعي ان ينسحب الحزب، لأجل ترتيب أوضاعه واختيار اشكال النضال المناسبة لتلك الظروف. 
كما لم يكن واردا انتقال الحزب الى الخارج، مع ان هذا كان خطرا يتهدد الحزب. كانت هناك تجربة حزب "تودة" في ايران، وهو حزب جماهيري عريق. وكان لوجوده في الخارج، وبقاءه هناك، ثمنا كبيرا على نفوذه ومكانته. بهذا المعنى، كان أحد أبرز إنجازات حركة الأنصار انها أبقت الحزب على ارض الوطن. حيث أصبحت، ضمن الممكن بكل تأكيد، القاعدة الخلفية للعمل السري المحدود في الوسط والجنوب. كما انها استطاعت ايضا ان تحافظ على الكوادر الرئيسيين، كي يستعين بهم الحزب لا في النشاط الانصاري فقط، وانما في أي اشكال نضالية أخرى. وهذه القضية استطاع الجميع ملاحظتها. حيث ان هذه الكوادر والعناصر، هم من استطاعوا إعادة بناء الحزب في عموم البلاد بعد 2003.
نعم، لا ننكر انه ارتبط بهذا الخيار النضالي، تصورات مبالغ فيها، لم تتوفر بيئتها او امكانياتها، ولم نقدر على تنفيذها، ولم تزكها الظروف. فالرفيق أبو سعود "عزيز محمد" كان يتحدث عن تعريق حملة الأنصار، تعريق العمل المسلح. بمعنى أن تكون هناك انتفاضة مسلحة في عموم العراق. بينما، لا يمكن القيام باي نضال مسلح دون طبيعة جغرافية او عمق استراتيجي يقوم بالإسناد، والا سيحاصرك النظام ويقضي عليك. وهذا ما حصل فعلا في الاهوار عام 1967. فمثلا الحركات الإسلامية كانت لديها ميزة إيران، بحيث تكون قادرة على التغلغل من المناطق الحدودية الطويلة. هذا دون ان ننسى اتساع المدن وتغول الأجهزة القمعية والأمنية للنظام.
    أما فيما يخص بعض الطروحات سواء تلك التي تتحدث عن التضحيات والخسائر البشرية غير المبررة لحركة الانصار، او عن كونها استهلكت الكوادر الحزبية على حساب العمل الجماهيري، فهي لا تمثل سوى نقد عام وأحاديث بالعموميات. فبخصوص التضحيات والخسائر البشرية، وهي دماء زكية ولا تعوض بكل تأكيد، أقول نعم ربما لو كانت هناك كفاءة أكبر في إدارة العمليات العسكرية لكان من الممكن تقليص الخسائر. لكن هذه القضية هي قضية إدارة عسكرية وليست سياسية. اما بخصوص العمل الجماهيري السري السلمي في الداخل، فإن الإمكانيات الفعلية المتوفرة للعمل السري في الداخل كانت محدودة كما ذكرت سابقا، وهي تنطوي على مخاطر كبيرة. وقد عرفنا بعد سقوط النظام ان تفاصيل غير قليلة من العمل السري كانت مراقبة من الأجهزة الأمنية.
نعم، ربما كانت هناك مبالغة في حشد غالبية الكوادر الحزبية وخاصة تلك التي جاءت من الخارج في مكان ونشاط واحد. على الرغم من ان دعوة الحزب للالتحاق بالأنصار كانت عامة في جوهرها، وتركت حرية للرفاق، الا ان الاكثرية منهم عادوا الى الوطن وساهموا في الحركة بروح عالية. لكن، هذا لا يعني انه لم تجري تجاوزات للحدود الضرورية في بعض الأحيان. وذلك عبر ممارسة الضغط المعنوي عليهم للذهاب الى كردستان. خصوصا وان بعض الرفاق المتواجدين في الخارج كان من الممكن ان يقدموا للحزب في أماكن تواجدهم خدمات كبيرة أخرى، خصوصا من لديه مهارات او إمكانيات معينة. وكان من الممكن أيضا ان نحافظ على بعض الرفيقات والرفاق من الكوادر الحزبية. كما ان بعض الرفاق لم يستطيعوا المواصلة. وكانت تجربة كردستان والانصار صعبة بالنسبة لهم. ومع ان الحزب كان متنبها للكثير من هذه الحالات إلا ان هذا لا يعنني ان اننا لم نفقد البعض.
أؤكد مرة أخرى، ان حركة الأنصار في المحصلة النهائية، هي التي مكنت الحزب من ان يستمر على ارض الوطن، وان تبقى تنظيماته وتستمر، وان يمارس انشطته المتنوعة الفكرية والسياسية والتنظيمية. وان لا يتحول الى حزب مناضل من الخارج. ربما كان من الممكن إدارة بعض القضايا بشكل أفضل، إلا ان حركة الأنصار كانت ضرورة في تلك الظروف والاشتراطات التي كانت تحيط بالوضع. وفي النهاية، اعتقد ان قرار الحزب كان سليما.
 
الحركة الكردستانية و (بشتاشان)
  الثقافة الجديدة: في تربة كردستان حيث انطلقت حركة الأنصار والكفاح المسلح، لم يكن الحزب وحيدا. برأيك كيف ادار الحزب علاقته مع الأطراف الكردستانية الرئيسية؟
رائد فهمي: بداية، لنكن منصفين. عندما ذهب الحزب الى كردستان، وبدأ العمل المسلح، استقبل من قبل الأحزاب الكردستانية. وبدونهم، ربما كان الامر سيكون صعبا. ذلك لأن تواجدهم هناك ليس حالة حديثة. فهم مارسوا الكفاح المسلح منذ عقود. ولديهم تشكيلاتهم وبناهم التحتية. ولم يكن ممكنا للحزب ان يخوض الكفاح المسلح دون ان تكون هناك علاقة إيجابية مع الأطراف الكردستانية المسلحة. وكان يسعى ان تكون لديه علاقة إيجابية مع مختلف الأطراف. فهذا نهج ثابت عند الحزب، ومعتمد لغاية الآن. فهو يقف على مسافة واحدة، ولا ينحاز في علاقاته، ولا يتدخل في النزاعات عندما تظهر. وهذه القضية مهمة جدا، ليس لكونها قضية نهج ثابت فقط، وانما أيضا لما لها من تداعيات على بعض رفاقنا الكرد. وهذه، وان كانت ليست حالة سياسية عامة، الا انها موجودة. فرفاقنا الكرد كانوا يتأثرون بمحيطهم، بالمناخ العام الموجود في المنطقة وبوجود هذه الأحزاب. وبالتالي، فان حزبنا الشيوعي العراقي سواء أكان موجودا في أربيل او السليمانية او أي منطقة أخرى، حرص ان يكون خارج الصراعات الثنائية. بل بالعكس، كان الحزب هو العنصر الذي يحاول التخفيف من هذه الصراعات ومن الاقتتال. وعلى الرغم من ان حركة رفاقنا كانت محدودة نسبيا ومحددة في مناطق تواجد الأطراف الكردستانية، الا ان هذا لم يكن يمنع الحزب من ان يعمل، حيث كان يقدر موازين القوى بشكل جيد، وكان له أيضا مجالاته ومناطقه. 
لقد كان لرفاقنا الكردستانيين مواقف اممية تجلت بوضوح من خلال احتضانهم للرفاق العرب في تلك الظروف.
اما الأخيرين فقد اعتبروا من قبل كل الجماهير والأطراف الكردستانية مناضلين وطنيين تجاوزوا كل الاعتبارات القومية، ودافعوا، من ضمن القضايا الكثيرة التي دافعوا عنها، عن قضية الشعب الكردي وعن حقوقه المشروعة.
ان موقف الحزب الشيوعي العراقي يستند الى نهجه الثابت بضرورة وحدة المواقف السياسية وكذلك وحدة الحركة القومية الكردستانية، المؤسسة جميعها على بعد ديمقراطي. وكان الحزب دقيقا جدا وحريصا، منذ بداية تجربة الأنصار، على ان يتعامل مع الحركة القومية الكردية بتعبيراتها السياسية المختلفة. وان لا ينغمر في الصراعات، والنزاعات الداخلية. وهذا الموقف ثابت لغاية الآن. على الرغم من ان الوضع تغير تماما. فهناك الآن حزب شيوعي كردستاني وحكومة إقليم. وان بقي كل طرف مسيطرا على مناطق نفوذه.
لكن من جانب آخر، ان كل تحالف هو وحدة وصراع اضداد، وفي كل التحالفات هناك تنافس وصراع. ان جريمة بشت ئاشان، وهي جريمة بشعة بكل المقاييس، هي جزء من هذا الصراع. ولقد دفع الحزب بسببها ثمنا غاليا. حيث سقط فيها للحزب شهداء وشهيدات من أروع الرفاق والرفيقات والكوادر المتقدمة، بعضهم كان مهيئ للنزول الى داخل الوطن، والعمل على بناء تنظيمات الحزب.
اننا لا نعزل هذه الجريمة البشعة والاحداث المروعة التي جرت فيها عن الخلفية السياسية. حيث انها حصلت في ظل تقارب بين الاتحاد الوطني الكردستاني ونظام البعث. ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من سعي الحزب للوقوف دائما على مسافة واحدة من طرفي النزاع في كردستان، إلا انه لم يستطع تجنب الدخول في هذا الصراع في نهاية المطاف. طبعا هذا لا يعني عدم وجود مواقف او ضعف في التحسب او ردود فعل وقضايا أخرى تدخل من باب الاخطاء العسكرية.
 في النهاية، لقد كان لهذا الصراع بين الطرفين الكردستانيين بشكل عام، وجريمة بشت ئاشان انعكاسات مباشرة على رفاق وجمهور الحزب وعلى الأجواء المحيطة بعمل الحزب.
 
علاقة الحزب بمحيطه
الثقافة الجديدة: في تلك الظروف، وبحكم واقع المنطقة الجيوسياسي، كان من الصعب جدا ان تنشأ وتستمر الحركة الانصارية، ما لم تتوفر لها خلفية معينة تسندها. ترى كيف كانت علاقة الحزب بمحيطه من دول الجوار في تلك المرحلة؟
 رائد فهمي: أعتقد ان سوريا كنظام كان يحترم الحزب الشيوعي العراقي، والحزب كان يعمل هناك بحرية كبيرة. لقد كانت العلاقات سلسة وعندما تبرز أي مشكلة، كان لدينا رفاق مكلفين بهذه الصلة معهم. لا ننسى ان سوريا كانت المنفذ للذهاب الى كردستان. وكل هذه المنافذ كانت تحت سيطرة المخابرات السورية. عموما لم يتلمس الحزب أي ضغوطات معيقة لعمله، خصوصا وانه – أي حزبنا - لم يكن يتدخل بالشأن الداخلي السوري. كما كانت علاقتنا جيدة مع الحزب الشيوعي السوري والذي يسمى الآن الحزب الشيوعي السوري الموحد. وكذلك مع الحزب الذي يقوده الدكتور عمار بكداش. لكن العلاقة تدهورت مع الاخير بعد عام 2003.
ومن جهة أخرى، كانت علاقتنا جيدة مع مختلف القوميين العراقيين، خصوصا التقدميين. بالنسبة لقيادة قطر العراق في سوريا، كان لديها مكتب مكلف بإدارة شؤون العراقيين. وكل الوثائق الخاصة بالعراقيين كانت تتم من خلال هذا المكتب. وحسب علمي كانت العلاقة معهم جيدة. وكانت علاقتنا جيدة أيضا بجماعة عبد الاله النصراوي. 
اما بخصوص إيران، فلم تكن لدينا علاقة مباشرة بالنظام الإيراني، ولا مع جهات رسمية ايرانية. لكن أحيانا ونتيجة القتال، كان هناك بعض الجرحى من الرفاق، كانوا يذهبون الى إيران. وفي بعض الأحيان يضطر الحزب لعبور إيران لبعض الاعتبارات. وكنا نذهب بمساعدة الحزب الديمقراطي الكردستاني. وكان لرفاقنا تواجد في إيران، وبعضهم اعتقلوا مثل الرفيق عادل حبة.
اما بخصوص تركيا، فبحسب علمي لم تكن لدينا علاقة مع الجهات الرسمية التركية. ولكن عندما حدثت جريمة الانفال وضربت حركة الأنصار اضطر رفاقنا الى الانسحاب تجاه تركيا. وهناك لم تكن المعاملة جيدة. لكنها كانت محطة للشيوعين وللأكراد للانتقال تجاه أوربا.
ولا بد هنا من ان نشيد بدور اليمن الديمقراطية، لمساهمتها في توفير وسائل دعم الأنصار المختلفة. بما فيها السلاح وتطوير القدرات العسكرية والبشرية. كما لعبت دورا رائعا في احتضان الشيوعين الذين خرجوا من العراق. فالشيوعيون العراقيون لم يذهبوا، بعد انتهاء الجبهة وبدء الحملة الوحشية، الى لبنان وسوريا فقط. وانما ذهب قسم غير قليل منهم الى اليمن. وهناك قسم منهم توفرت لهم الفرصة للتدريب العسكري، بينما لعب اخرون دورا مهما في المؤسسات التعليمية او الإعلامية اليمنية.  
كما لعبت أيضا المنظمات الفلسطينية، دورا مهما في تدريب كوادرنا، وكذلك بتوفير بعض الدعم العسكري. ومن المعروف أيضا، ان عددا من رفقنا الصحفيين والاعلامين والمثقفين تم احتضانهم سواء من قبل منظمة التحرير او الجبهة الشعبية او الجبهة الديمقراطية، للعمل في مؤسساتهم الإعلامية. مثل مجلة الهدف ومجلة الحرية وغيرها. كما ان ورفاقنا من جهتهم لعبوا دورا كبيرا في دعم القضية الفلسطينية. 
 
 الأحزاب الإسلامية وسائرون
 الثقافة الجديدة: تحدثنا سابقاً عن العلاقة مع بعض الأحزاب والشخصيات القومية العراقية وعن العلاقة مع الأحزاب الكردية. ماذا عن العلاقة بالأحزاب الإسلامية في تلك المرحلة؟ وبماذا يتميز تحالف سائرون 2018 عنها؟
رائد فهمي: حسب علمي فان الحزب لم تكن لديه أي علاقات مع الأحزاب الإسلامية قبل الثمانينات. ففي السبعينات، كانت العلاقة متوترة بحكم ان تلك الاحزاب لها موقف معادي للوضع السياسي ككل. لكن عندما انتقلنا الى المعارضة بعد عام 1979، بدأت أرضية تظهر لنشوء علاقات. لكن العلاقة لم تخرج عن كونها لقاءات وزيارات. كانت اللقاءات لا تعقد في كردستان، وانما في سوريا. وذلك بسبب إمكانية التواصل حيث انهم موجودون في سوريا. لم تتبلور العلاقة بشكل معين وملموس، إلا بعد ان تشكلت لجنة العمل المشترك، عام 1989.
وهذه اللجنة تشكلت وقتها كشكل من اشكال التتويج لما كان يحدث في تلك الفترة. حيث خف التوتر وبدأت مظاهر ذوبان حدة الصراع والعداء بين الأطراف المختلفة. ومن ثم تواترت الصلات والعلاقات بحكم وجود المعارضة في سوريا. فهذا الظرف بحد ذاته يتيح للمعارض فرصة اللقاء.
وكانت لجنة العمل المشترك حينها، عبارة عن شكل من اشكال التحالف الذي يضم تيارات المعارضة مصنفة، او يجري التعامل معها على أساس كونها تيارات سياسية. وليس كما حصل لاحقا بعد تشكل المؤتمر الوطني الموحد عام 1992. وكانت طريقة التمثيل هذه تمثل جانبا إيجابيا. حيث كنا نحن الشيوعيون والديمقراطيين نمثل تيارا. بينما كان هناك تيار إسلامي شيعي ممثلا بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة وعدد من المنظمات الإسلامية الأخرى. بجانب تيار قومي عربي ممثلا بقيادة قطر العراق وبعض العناصر القومية. اما التيار الكردستاني فكان يمثله الحزبين الكرديين الديمقراطي والاتحاد الوطني بالإضافة الى أحزاب كردستانية أخرى مثل الحزب الاشتراكي.
وبعدها حصلت زيارة وفد من حزبنا برئاسة الرفيق حميد مجيد موسى (أبو داود) الى إيران بدعوة من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وكان هناك اللقاء مع السيد محمد باقر الحكيم. وهذا يبين مدى التطور الحاصل في العلاقات. لاحقا تحسنت الامور بشكل أكبر بعد انتفاضة آذار 1991. ومثال على ذلك انا كنت في فرنسا، وانا اعرف ان هناك أعضاء في حزب الدعوة واسلاميين آخرين موجودين في فرنسا. لكن، لم تكن لدينا أي صلة بهم.  بعد ان حصلت الانتفاضة حصل التواصل بيننا، وشكلنا آنذاك لجنة باسم دعم الانتفاضة. وكان أبرز طرفين في اللجنة نحن كحزب شيوعي عراقي وممثلين عن حزب الدعوة وعن مؤسسة الخوئي. والتي تضم عناصر إسلامية مختلفة. وقد استمرت هذه اللجنة في العمل معظم التسعينات. وكانوا أحيانا يحضرون ويشاركون في الوقفات التي كنا نقيمها ضد الدكتاتورية.
هذه العلاقة والتقارب كانت موجود في بلدان أخرى أيضا لكن بشكل متفاوت، من بلد لآخر. وذلك حسب طبيعة القيادة الإسلامية الموجود في كل بلد. ولاحقا استمرت العلاقة عندما تشكل المؤتمر الوطني الموحد. وكذلك عندما خرجنا منه. خصوصا وانهم بدأوا حينها في التواجد في كردستان.
اما بخصوص الاخوان المسلمين، فلا اعتقد ان هناك علاقة للحزب معهم، حتى تشكيل المؤتمر الوطني. واستمرت اللقاءات بهم بعدها، خصوصا ان قياداتهم موجودة في إنكلترا، طيلة التسعينات وحتى 2003.
 وعندما تشكل المؤتمر الوطني، وانحلت لجنة العمل المشترك، تشكل بصيغة أخرى تختلف عن اللجنة. فقد تشكل من ممثلي لهويات: سنة وشيعة وكرد. بينما نحن بقينا كطرف خاص خارج هذا التقسيم.  وبالتالي، ليس غريبا ان هناك تواصل وعلاقة مع الأحزاب الإسلامية. خصوصا وأنها كانت مستندة على أرضية مشتركة. وهي النضال ضد الدكتاتورية. وبهذا المعنى، فإن التحالف مع التيار الصدري، كحركة سياسية إسلامية، ليست علاقة سياسية مستحدثة. لكن هذا التحالف كانت له خصوصيته. وهو يستند الى تحليل الحزب لتناقضات المرحلة ولأولوياتها. وهو من رسم أرضية التحالف وبرنامجه. ففي النهاية، لم تأتي أرضية التحالف عبثا. كنا نحن من حددها في احتجاجات عام 2015. وكانت البصمة الرئيسية لهذه الاحتجاجات ولشعاراتها ومطالبها وقواعد عملها مدنية، وكان للحزب دور بارز.
 تلك الاحتجاجات تواصلت أسبوعيا بصورة مشتركة لمدة عامين أو أكثر توفرت خلالها المشتركات السياسية التي انعكست في برنامج تحالف (سائرون). وقد ضم التحالف ستة أحزاب يغلب عليها الطابع المدني، وحتى حزب (استقامة) كان أمينه العام شخصية اكاديمية محترمة تناصر التيار الصدري ولكنها أقرب إلى المدنية.
كان التحالف ذا طابع سياسي- انتخابي، ويمكن أن يتعمق مضمونه ويستمر في حال توفر عدد من الشروط تتعلق بالإدارة السياسية والتنظيمية للتحالف وللعلاقة ما بين الكتلة النيابية المؤلفة من 54 نائبا، وقيادة التحالف المتمثلة بالمجلس الذي يضم قيادة الأحزاب المنضوية في التحالف.
وارتبط قرار انسحابنا من التحالف باستقالتنا، الرفيقة (هيفاء الأمين) وأنا من مجلس النواب في 27 تشرين الأول 2019، تضامنا مع انتفاضة تشرين واحتجاجاً على فشل مجلس النواب في استدعاء ومساءلة الحكومة ورئيسها عن الممارسات القمعية إزاء المنتفضين. وقد عكس ذلك اختلاف مواقفنا، نحن كحزب مع الكتلة النيابية في مدى التضامن والدعم الواجب اتخاذه إزاء الانتفاضة. بخروجنا من مجلس النواب، انفرط التحالف الانتخابي وكذلك في جانبه السياسي بسبب تهميش دور المجلس السياسي للتحالف وحصر العمل عمليا بالكتلة النيابية التي تضمنا وحزب استقامة فقط، اذ لم يفز أي مرشح من الأحزاب الأخرى، وبرزت خلال الحملة الانتخابية ممارسات تمييزية من الماكنة الانتخابية للتيار الصدري انعكست سلبا على الأحزاب المنضوية في التحالف. ومن جانب آخر جرى اهمال البرنامج المتفق عليه عند تشكيل تحالف سائرون من قبل الكتلة البرلمانية كما حدثت تغييرات في طريقة إدارة التحالف من قبل التيار الصدري إذ انحسر دور العناصر المستقلة في حزب استقامة لصالح القيادة المباشرة من عناصر قيادية في التيار الصدري، وانعكس ذلك على العلاقة بين كتلة سائرون والتيار الصدري وعلى الإدارة المشتركة للتحالف لصالح التبني المباشر لما يصدر عن السيد الصدر ومكتبه من دون مناقشته مع أطراف التحالف ومع حزبنا بالتحديد. وقد نبهنا إلى ذلك واعتبرنا ذلك غير منسجم مع الطبيعة التحالفية لسائرون. ونتيجة لكل هذه العوامل مجتمعة، أدت استقالتنا من مجلس النواب إلى انتهاء التحالف الانتخابي وعدم استمرار التحالف السياسي.
 
بعد احتلال الكويت..
الثقافة الجديدة: الاحتلال العراقي للكويت.. ما الذي دفع النظام لهذا الخيار، وماذا كان موقف الحزب منه؟
رائد فهمي: خرج العراق من حرب إيران عام 1988 وهو مثخن الجراح. من جهة، كان هناك تذمر كبير من الحرب ونتائجها، خصوصا بسبب الخسائر البشرية والمادية الهائلة. ومن جهة أخرى، كان هناك تدهور اقتصادي ومديونية عالية جدا، مصحوبة بتحطم للبنية التحتية. مع توقف لكل سياسات التنمية منذ عام 1981، وتحول نحو الاقتصاد العسكري من خلال التصنيع العسكري. بل ان الصناعات المدنية ذاتها صارت وجهتها عسكرية، وقد ترك هذا آثاره الكبيرة على عدد كبير من الصناعات. بالإضافة الى ذلك، ضرورة توفير مئات الآلاف من فرص العمل للجنود العائدين.
وبالتالي، كان متوقعا ان ينصرف البلد، مع انتهاء الحرب، لمداواة جراحه. وبالفعل، حاول صدام ان ينفتح سياسيا، وتحدث عن تعددية وعن الدستور. وافتعل ضجة بهذا الخصوص. لكن الأمور سرعان ما خبت. اما اقتصاديا، فقد بدأت عملية الخصخصة أساسا منذ عام 1987. والتي استفاد منها ازلام النظام والمتزلفين للسلطة. وكان هذا ارتداد عن كل نهجه السابق بخصوص القطاع العام.
لاحقا، بدأت عام 1990 المفاوضات مع الكويت بخصوص النفط، وبعض المسائل الحدودية. وكان الحديث ان الكويت بدأت بحفر الابار واستنزاف جزء من النفط العراقي. وقد شرعت الاحداث بالتصاعد مع اعلان النظام ان الكويت لا تقدم تنازلات من خلال المفاوضات. وكعادته، حاول صدام اختزال الأمور. لقد كان يتوقع ان تكون الحرب مخرجا لأزماته. فبعد احتلال الكويت في 2 آب 1991، ودمجها باعتبارها المحافظة التاسعة عشر، بدأ يتحدث عن اقتصاد كبير ومضاعفة موارد العراق بسبب ما تملكه الكويت من موارد.
نحن في الحزب الشيوعي العراق كان لدينا موقف واضح من الاحداث. لقد ادنا هذا الفعل على أساس مبدأي. حيث اننا نعتبر الكويت دولة من الدول العربية، ونعترف بوجودها. وهي عضو في الجامعة العربية. وفي الأمم المتحدة. وبالتالي، الحديث عن الدمج والالحاق غير ممكن، فهو فضلا عن كونه خرق للقانون الدولي، فإن فيه تعديا صارخا على حقوق مجموعة بشرية تسكن الكويت. وأشرنا أيضا، كيف ان حزبا قوميا من المفترض ان يحترم الجامعة العربية ويحترم كل البلدان العربية، ويؤكد على استقلالها ووحدتها، وإذا به يقوم باحتلال بلد عربي آخر بالضد من الجامعة العربية، وبالضد من كل المواثيق التي تربط البلدان العربية. انه ارتداد كبير، عن هويته او ما يدعيه من هويته السياسية الرئيسية وبرامجه الوحدوية.
كما ان لدينا كحزب وجهة نظر تجاه خطاب النظام الذي تحدث عن الحقوق التاريخية التي استند اليها لاحتلال ودمج الكويت. نعم، كانت الكويت تاريخياً جزء من ولاية البصرة. أي انها كانت جزء من احدى الولايات العثمانية التي أصبحت لاحقا العراق المعاصر. لكن، هذا لا يعني بأي حال من الأحوال ان هناك إمكانية للاستناد الى هذه الحقائق والاحداث التاريخية في فرض وقائع سياسية وإدارية جديدة. هذا المنطق غير ممكن وربما مستحيل. فهناك الكثير من المناطق كانت ضمن اطر إدارية في زمن الاحتلال العثماني، ولاحقا اعيد تشكيل معظمها في المعاهدات اللاحقة مثل سايكس بيكو وغيرها. وبالتالي، هي حدود افتعلتها الامبريالية والدول الاستعمارية، خدمة لمصالحها في الدرجة الأساس. ولهذا نجد ان مناطق شاسعة تقطنها قوميات معينية شطرت الى نصفين. على سبيل المثال مشكلة ولاية الموصل والاهواز وغيرها.  وبناء على منطق الحقوق التاريخية، الذي اعتمده النظام الدكتاتوري، يمكن ان تظهر أيضا مطالبات شبيهة في هذه المناطق.
علاوة على ذلك، كان الحزب على قناعة تامة ان احتلال الكويت هو عبور للخطوط الحمراء، وله تداعيات جيوسياسية على المنطقة، تداعيات تتعلق بسيادة دول الخليج والنفط ومكانته الاستراتيجية. وخضوع هذه المنطقة وثرواتها لسيطرة النظام العراقي يعتبر خطرا كبيرا جدا، يتجاوز حدود هذه البلدان، لأنه يمكن ان يؤثر على الإمدادات النفطية العالمية. ولهذا، وكما توقع الحزب حينها، وفر احتلال الكويت فرصة للتدخلات الخارجية، وساهم في تشكيل تحالف دولي وارسال قوات واساطيل الى المنطقة. حيث شارك في التحشدات العسكرية معظم الدول الكبرى ودول الناتو. لقد وفر احتلال العراق للكويت الذريعة القانونية كي يتم ترسيخ وجود الدول العظمى في المنطقة، خصوصا الولايات المتحدة. وعمليا، أصبحت الأخيرة تبسط "حمايتها" وسيطرتها وهيمنها على المنطقة، وصار لها نوع من أنواع الوصاية عليها، وبما يضمن مصالحها السياسية والاقتصادية. ربما تقلص لاحقا عديد قوتها، الا انها عززت تواجدها في المنطقة عبر العديد من الآليات، ومن بينها القواعد المتعددة.
في ذات الوقت، كان الحزب يدرك تماما ان من سيدفع ثمن شن الحرب على العراق هو الشعب العراقي. وهو المنهك اساسا بسبب الحرب العراقية الإيرانية. وبالتالي، كنا نقف بالضد من الحرب وندعو الى تطبيق قرارات الأمم المتحدة التي تدعو النظام العراقي للانسحاب من الكويت. 
في اوروبا والعالم انطلقت حركات واسعة تضامنية، ضد الحرب وحركات شعبية واسعة، اشتركت فيها منظمات من مختلف الاتجاهات ما بين يسارية ومنظمات سلام وحركات اجتماعية والتي تطالب بعدم شن الحرب. في وقتها كنت في فرنسا، وكانت الحركات المناهضة للحرب قوية هناك. وكنا كحزب جزءا من اللجان التنسيقية لهذه الحركة، بالإضافة الى الحزب الشيوعي الفرنسي وأحزاب أخرى والكثير من المنظمات والحركات اليسارية. وكنت أحد المتحدثين في الندوات التي تعقد للتنديد بخطاب الحرب وترجيح كفة ممارسة الضغوط على النظام للانسحاب، وكذلك دعم قوى المعارضة الوطنية.
وكما ذكرت سابقا، خلال فترة احتلال الكويت، وخاصة عندما حدثت الحرب وبدأت عمليات الانتفاضة، كثفت قوى المعارضة نشاطها. بل تطورت العلاقة بيننا وبين الحركات السياسية الإسلامية بالإضافة الى الأحزاب القومية العربية والكردية. وتضاعفت الاتصالات بوفود مشتركة من المعارضة مع العديد من الجهات من بينها جهات رسمية في أوروبا وامريكا، وكذلك لقاءات مع أحزاب سياسية وقوى شعبية. وفي فرنسا، كان هناك النشاط مضاعف بدرجة كبيرة للمعارضة العراقية. حيث كنا نحن وحزب الدعوة وبعض الشخصيات المستقلة وقسم منها إسلامية مستقلة وقسم آخر يساري مستقل أعضاء في التنسيقيات المناهضة للحرب. وكان لها دور كبير وندوات تعبوية وانشطة متنوعة.
الحزب والانتفاضة
الثقافة الجديدة: بعد انسحاب قوات النظام من الكويت بدأت احداث انتفاضة آذار 1991، ومما لا يعلمه الكثيرون هو دور الحزب الشيوعي في هذه الاحداث. 
رائد فهمي: شارك رفاقنا في انتفاضة آذار 1991. وكان الحزب طرفا فاعلا ومؤثراً، سواء في كردستان او الجنوب. وان كانت بنسب متفاوتة. ففي كردستان كان دور الحزب بارزا، لأن وجوده منظما وكان اقوى وأفضل. حيث كان تحركهم بشكل مخطط باعتبار المساهمة في الانتفاضة وجهة عامة لدى الحزب. وقد لعبوا دورا بارزا في تحرير أربيل من قبضة أجهزة النظام القمعية. كما كان لهم دور مميز في تحرير عقرة، بالإضافة الى مناطق عديدة في كركوك.
اما في الجنوب، فكان الحراك جماهيريا، وقد حث الحزب رفاقه على المشاركة في الانتفاضة. وبالفعل، شارك الكثير منهم في المواجهات التي حصلت مع النظام. ومعهم الكثير من أصدقاء الحزب والديمقراطيين. وقد نالهم الكثير بعد اشتداد القمع. وقد كان رفاقنا من ضمن الذين غادروا العراق بعد انتهاء الانتفاضة، ومنهم من استقر في مخيم رفحا.
إلا ان الانتفاضة في الجنوب نسبت، خصوصا من قبل الاعلام، الى الإسلاميين. ولا تذكر الأدوار الأخرى. خصوصا ان إيران، دفعت بالمجلس الأعلى وقوات بدر. وكان لهم دور عسكري واضح منظم وبدعم وإسناد منها. وبالتالي، وبسبب وجود هذه التنظيمات الإسلامية كان الخطاب السائد وقت الانتفاضة في الجنوب هو الخطاب الإسلامي. وما ركزت عليه وسائل الاعلام كان هو هذا الخطاب وهذه الشعارات الإسلامية. وكانت بعضها طاردة، من قبيل "نريد حاكم جعفري". وربما هذا ما جعل الامريكان والأوروبيين المشاركين في التحالف الدولي يقلقون من مآلات الانتفاضة. على الرغم من ان النظام دخل فعليا مرحلة العد التنازلي في تلك المرحلة. خصوصا وانهم كانوا يلاحظون، بالإضافة الى الخطاب والشعارات الإسلامية، وحجم التأثير الإيراني. وبالتالي، وبعد ان قرأوا الوضع بهذه الصورة، غير الأميركيان موقفهم، واعتبروا ان بقاء صدام ونظامه، لكن بظروف صعبة وتحت العناية المركزة، أفضل من مجيء بديل بدأت ملامحه تتبدّى بالنسبة لهم. وهكذا سمحوا للطيران العراقي ان يقمع الانتفاضة بشراسة ودموية.
 من النقاط التي تسجل على المعارضة في تلك الفترة هو ضعف دورها، كمجموع، في التأثير على مجريات الانتفاضة ناهيك عن ممارسة أي دور قيادي. كما صار واضحا ان بعض أطراف المعارضة ليس عندهم تواجد في الداخل. ويتذكر الجميع ان المعارضة تداعت لعقد مؤتمر بيروت، على أساس تنظيم كيفية التعامل مع الانتفاضة، وتنسيق العمل، والذهاب الى الداخل. لكن هذا كله جاء متأخرا فالانتفاضة تم قمعها من قبل النظام. وهذا أشر ان قوى المعارضة حينها، رغم تعددها، إلا ان درجة التنسيق فيما بينها كانت ضعيفة، وان قدرة الفعل المشترك عندها محدودة.
 
البيرسترويكا والانهيار
الثقافة الجديدة: وصلنا الى مرحلة مهمة في تاريخ الحركة الشيوعية والاشتراكية واليسارية في العالم وهي المرحلة التي بدأت منذ تسلم غورباتشوف السلطة وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي. نريد ان نتحدث عن تلك الفترة، وما هي العوامل التي أبقت الحزب متماسكا؟
 رائد فهمي: كان خطاب غورباتشوف، في البداية، ذا بعد إصلاحي. وقد بدأ بتشخيص أمور سلبية في النظام السوفيتي، من قبيل البيروقراطية وقضية الحريات، والنظام شديد المركزية. وكذلك طبيعة العلاقة مع الدول الاشتراكية، وكيفية التعامل مع حركات الإصلاح التي ظهرت فيها، مثلا في تشيكوسلوفاكيا او هنغاريا. وبالتالي لم يكن الحزب - على الأقل الجزء الأكبر منه –ضد هذا الخطاب، بل كنا نتوسم به خيرا. ذلك لأن الإصلاحات والتعديلات الداخلية ستساهم في تطوير ونمو الاشتراكية. وشيء طبيعي جدا ان يكون لكل نظام مسارات قد تكون غير سليمة او أخطاء. وهذه الأخيرة قد تؤدي الى انتاج مؤسسات غير سليمة وقد تتسبب في آثار اقتصادية وبالتالي قد تخلق مشاكل اجتماعية وحالات تذمر. وهذا كله، بحكم حركة الواقع وجدلية هذه الحركة، ربما يتحول الى أزمات حكم. وكان من المفترض أساسا ان يكون عند الاتحاد السوفيتي آليات داخلية قادرة على تعديل المسار، وعلى التعامل مع المشاكل، مع الحفاظ على هوية وطبيعة النظام الاشتراكي. وقد نشأت في الاتحاد السوفيتي في الخمسينات والستينات حركات تدعو للإصلاحات، خصوصا على الصعيد الاقتصادي. لكن هذه الحركات سرعان ما اخمِدت.
وانا اعتقد اننا كأحزاب شيوعية في بلدان العالم المختلفة، سواء في بلدان ما يسمى الكتلة الاشتراكية او في باقي البلدان، كنا مقصرين. لأننا كنا نعتبر هذه التناقضات غير تناحرية، ولم نكن نملك التقدير السليم للخلل ولا لحجم تراكم الأخطاء. علما ان هذه الأخطاء غير مرتبطة بأشخاص او بقرارات غير سليمة للحزب الشيوعي السوفيتي فقط. ذلك ان قسما كبيرا منها مرتبط بالبنية الداخلية وبالأسس التي تقوم عليها. مثل: الدولة، التنظيم الاقتصادي للمجتمع الاشتراكي، دور المنظمات وغيرها.  كما ان النظام الاشتراكي، كان يعاني من مصاعب حقيقية، بدأت تبرز على ادائه ككل، خصوصا من ناحية علاقته مع مختلف أوساط الشعب، كذلك بدور الطبقة العاملة والشعب في إدارة الديمقراطية الاشتراكية، والمؤسسات المفترض فيها ان تكون رقابية، لمصالحهما. فالسوفيتات كان دورها محدود، ودون مستوى الدور الذي كان من المفترض بها ان تلعبه، كمعبر حقيقي عن الإرادة الشعبية. وكذلك الامر بالنسبة للنقابات، فعمليا لم تكن تلعب دوراً في الدفاع عن حقوق العمال حتى إذا اقتضى الامر إزاء الحكومة. لقد كانت بالدرجة الأساس منفذة للسياسات العامة للحزب.
    كان المعلن بالعموم والدعاية تقول ان الاتحاد والمجتمع السوفيتي خالي من التناقضات. هناك حالات خاصة تعزى الى تمردات شخصية او أي توصيف آخر بعيد عن الواقع. بينما على ارض الواقع، كان المجتمع يفرز تفاوتات وتعارضات تصل الى حد التناقضات. حيث برزت شريحة ترتبط مصالحها بدورها في إدارة المؤسسات الاقتصادية، وبتمتعها بالسلطة والنفوذ، قسم منها بسبب موقعها في الحزب والدولة. وبالتالي، كانت هناك فجوة بينهم وبين السواد الأعظم من المجتمع. 
  وكان من المفترض ان يكون هناك تحليلا تفصيلياً، قائم على أرضية ماركسية، لتناقضات النظام الاشتراكي، وتحديد مستوياتها. لكن مع الأسف هذا لم يحدث. وكان يجري التداول بالسلبيات والاخطاء الموجودة، وإذا كانت هناك بعض المعالجات، فهي جزئية ولم تذهب في العمق. 
وعندما بدأ غورباتشوف يتحدث عن هذه الظواهر، معلنا ما كان يتم الحديث عنه في الخفاء، سواء في الاقتصاد او معاناة الناس او التفاوت الموجود بين المجتمع السوفيتي والمجتمعات الأخرى، كان خطابه يلقى صدى إيجابياً. لكن عندما بدأ الإجراءات العملية، كان التحرك يحدث على عدة جبهات وعدة مستويات في آن واحد! بل عمل غورباتشوف على اضعاف الحزب بأشكال مختلفة، عبر ضرب تنظيماته! واستهدفت عناصر رئيسية في بناء الحزب وبصورة قوية جدا ضعضعت فاعليته وحطت من هيبته. وهنا بدأت المخاطر تبرز. أوليس الحزب هو الأداة والوسيلة الضامنة، لإحداث هذه الإصلاحات على مستوى تنظيم الدولة والقانون وإجراءات مختلفة سياسية واقتصادية، للحفاظ على أسس وجوهر النظام الاشتراكي. وبالتالي، كيف لك ان تضبط هذه الإصلاحات ولا تؤدي الى تفجر الأوضاع. نعم، كان الحزب الشيوعي السوفيتي في تلك الفترة قد ترهل، وهناك العديد من العناصر المتسلقة. لكن هذا لا يعني ان عليك ان تضعضع الحزب وانت تعمل على اجراء الإصلاحات. لقد أدى ذلك الى إطلاق العنان لكل القوى المعادية للاشتراكية سواء في الداخل او في الخارج. ففي الداخل، كانت هناك قوى اجتماعية تريد التخلص من النظام الاشتراكي. كما تسبب في فتح قنوات كثيرة لتأثيرات الغرب.
اما بخصوص الحزب الشيوعي العراقي، فإن نهج الإصلاح لقى تعاطفا مع الوجهة في البداية. وقد انعكس هذا في صحافة الحزب. وكان الحزب يعتبر الإصلاحات مطلوبة، لكن مع تحفظات. نعم كان هناك رفاق في حزبنا مندفعين كليا مع طروحات غورباتشوف. إلا ان الحزب لم يكن بمثل هذا الاندفاع دون تفكير. فالحزب لم يكن رافضا بالمطلق لضرورة اصلاح النظام الاشتراكي. فهي تشترط ان نحافظ على الأداة الرئيسية وهي الحزب وان لا نفرط فيه او نضعفه. وعندما حصلت العملية الانقلابية على غورباتشوف، اعتبرنا من قام بالانقلاب قوى حزبية سوفيتية ملتزمة ايديولوجيا بالنظام الاشتراكي، وهي تنظر بعين القلق للمخاطر المحدقة. الا ان تحركهم لم يكن سليماً، ولجأت الى الانقلاب بطريقة تكاد تكون كاريكاتيرية. مع ان من شارك بها هم قياديون كبار في الدولة الحزب الشيوعي السوفيتي والكي جي بي. وبعدما تم القضاء على الحركة، كان العد التنازلي لانهيار الاتحاد السوفيتي قد أصبح اشد وضوحا. 
 
الصدمةً والارتباك
الثقافة الجديدة: ما مدى تأثير هذه الأحداث على الحزب الشيوعي العراقي في تلك المرحلة؟
رائد فهمي: وفي تلك الفترة كان حزبنا مستمرا في اجراء التحضيرات والاستعدادات لعقد المؤتمر الوطني الخامس. وكان الحزب قد قدم مسودة فيها الكثير من الانفتاح، وفيها قضايا نظرية وسياسية جديدة. وقد طرحت هذه الوثيقة للنقاش العام، ونشرت في مجلة (الثقافة الجديدة). وكان نقاش حيوي، وواسع، ومتنوع. وكان يجري في منابر الحزب المختلفة، وبشكل خاص (الثقافة الجديدة). لكن عندما حصل الانهيار نشأ وضع جديد. فما قدم كان يحتاج الى تعديل. وبالفعل قدمت ورقة معدلة. اكدت على ان ما انهار لا يمكن ان يمر مرور الكرام، وكأنه حدث خارجي، ليس له تداعيات على واقع الحزب، وعلى آليات عمله.
وعندما حصل الانهيار عام 1991، لا نستطيع انكار الأثر الكبير، وربما كان هزة كبيرة على شيوعيي العالم عموما، ومنهم الحزب الشيوعي العراقي. ففي تلك الفترة كان الحزب يعاني من أوضاع صعبة جدا، بما في ذلك على المستوى القيادي، حيث كانت هناك صراعات عميقة. كما كان الحزب قد تعرض الى ضربة كبيرة في الانفال وانتهاء الحركة الانصارية. وعندما جاء انهيار التجربة الاشتراكية كانت تلك ضربة ايديولوجية في الصميم. خصوصا وان الحزب تربى على الاشادة بهذه التجربة وبدورها العالمي، وبكونها على رأس الحركة الشيوعية العالمية تقود النضال من اجل الاشتراكية. وكان خطاب الحزب ينطلق اساسا خلال عقود طويلة متحدثا عن النموذج الاشتراكي السوفيتي، وعن طليعة النظام الاشتراكي، وان التناقض الرئيسي هو بين الاشتراكية والرأسمالية، وان المعسكر الاشتراكي هو السند الأول لحركات التحرر وحركات الطبقة العاملة في العالم. فبغض النظر عن النواقص الظاهرة، الا ان هذه التجربة بقيت المثال الملهم للشعوب. وفجأة، ينهار الحلم، ينهار ما كان ينظر له على انه تجسيد لمشروعك الاشتراكي وبالتالي لأهدافك وربما حتى هويتك. وهنا أدرك الحزب ورفاقه ان الوقت قد حان، أكثر من أي وقت آخر، كي يعالج أوضاعه الداخلية، بالإضافة الى معالجة هذا الارتباك الفكري الكبير.  
وإذا كان في داخل الحزب في تلك اللحظة أكثر من راي، وتعدد في المواقف حول خطاب غورباتشوف والإصلاح ومن ثم الانهيار، وبعض الرفاق غيروا مواقفهم تماما من الاشتراكية ككل، الا ان هناك رؤية كانت قد بدأت تتشكل داخل الحزب منذ الثمانينات، انطلقت من تشخيص عدد من ظواهر الضعف والثغرات تستفحل في الاتحاد السوفيتي. على سبيل المثال، بروز ممثلين لشريحة اجتماعية بدأت امتيازاتها وبالتالي مصالحها تتوضح شيئا فشيئا، مبتعدة عن الروح الثورية التي يفترضها النضال والبناء الاشتراكيين.  يضاف الى ذلك، تباطؤ معدلات النمو، مع نوع من الركود الاقتصادي. وكذلك، الاسراف في سياسة العسكرة، على حساب قطاعات اقتصادية أخرى ذات مساس بحياة الناس، سواء تأمين مستوى معيشة وخدمات وسلع استهلاكية بمستوى أفضل. وكان لهذه السياسة وغيرها دور أساسي في خلق شيء أقرب للفجوة بين الجمهور الاوسع والسلطة السوفيتية. لقد كانت هذه الظواهر وغيرها مشخصة عند الحزب. لكن كانت تعتبر دائما من النواقص او من الثغرات التي كان من الممكن للنظام الاشتراكي ان يعالجها، ولكن هذه الامور يبدوا هي أعمق مما كنا نقدرها.  
وعندما حصل الانهيار، كان الرأي الغالب في حزبنا، يعتبر ان عناصر الانهيار الرئيسية للاتحاد السوفيتي والتجربة الاشتراكية في البلدان الاشتراكية تعود الى أسباب داخلية. وهذا لا يعني انه لم يكن للمؤامرات الخارجية وضغط الدول الامبريالية الخارجية وغيرها من العوامل الخارجية دور مهم في الانهيار. ولكن الاتحاد السوفيتي، والبلدان الاشتراكية معه، صمدوا امام هكذا ضغوطات على مدى عقود، منذ ان كان وضعهم ضعيفا وحتى صار الاتحاد السوفيتي قوة هائلة. لكن الطريقة التي تم من خلالها مواجهة هذه الضغوطات ترتب عليها الكثير من النتائج داخليا، سياسة العسكرة التي ذكرتها انفا على سبيل المثال.
فكريا، كانت الوجهة الرئيسية، وهو ما تم تأكيده في المؤتمر الوطني الخامس، ان الاشتراكية ستبقى مشروع الحزب الاستراتيجي. والفكر الماركسي لا يزال على العموم سليما. ربما يكون الابتعاد عن التطبيق السليم أحد عوامل الانهيار. لكن، هذا لا يعني ان أسباب الانهيار تعود الى خلل في التطبيق فقط. بل هناك مسائل في النظرية بحاجة للمراجعة. نعم، ربما تكون الستالينية قد لعبت دورا كبيرا في اختزال الماركسية الى مجرد قوانين عامة سهلة التقبل والحفظ. وهذه شكلت الوعي الاشتراكي لأجيال من الشيوعيين. الا ان هذا لا يعفينا من الاعتراف وتقبل ضرورة تدقيق بعض جوانب النظرية على اقل تقدير. فعلى سبيل المثال كانت هناك اطروحات للينين ترتبط بشيوعية الحرب، الا انها عممت واعتبرت قوانين عامة خارج السياق التاريخي الذي رافق طرحها. وأيضا، لم تكن قوانين بناء الاشتراكية التي كان الحزب يثقف بها، وتبناها في وثائق المؤتمر الثالث، جميعها سليمة. وقسم منها انتهى مع انهيار التجربة الاشتراكية، وغيرها.
ربما غيّر بعض الرفاق قناعاتهم الا ان الحزب بقي محافظا على تماسكه، مع اقراره بالحاجة المستمرة للتجديد والديمقراطية. وهذه العملية بحاجة ماسة الى ان تكون متواصلة، وان تتخذ مظاهر جديدة في كل مرحلة، بما يتناسب مع تغير الواقع الموضوعي، على ان تظل محافظة على جوهرها. ان بقاء هذا الجوهر وسلامته، أي الفكر الاشتراكي، لا يعني بأي حال من الأحوال الجمود والتحجر عن مواكبة الواقع.
 
 الديمقراطيةً والتجديد
الثقافة الجديدة: وصلنا الآن الى المؤتمر الخامس: مؤتمر الديمقراطية والتجديد. هل لك ان تصف لنا الأجواء العامة قبل عقد المؤتمر الوطني الخامس؟
رائد فهمي: في تلك المرحلة، كانت رغبة غالبية الرفاق والرفيقات على العموم، وهاجسهم الاول، كما كانت دوماً، هي الحفاظ على الحزب. فكم التضحيات الهائل الذي قدم من رفاق الحزب ورفيقاته هو اساسا بسبب ايمانهم بقضية الحزب الوطنية والطبقية. كانت هذه الرغبة وهذا الهاجس مستمرين. وهما دائما ما يشتدان عندما يستشعر الرفاق ان الحزب يتعرض الى عواصف، سواء كانت هذه العواصف حملات قمع او إرهاب او عواصف ذات طابع فكري او سياسي.
وهذا لا يعني ان وضع الحزب كان مستقرا. لقد كان هناك وضعا قياديا صعبا، وخلافات كثيرة وكبيرة، تفاقمت نتيجة للتطورات السياسية المحلية والعالمية. كما كانت هناك الكثير من الأسئلة عند عموم رفاق الحزب، واختلافات فيما بينهما، حول العديد من المسائل والقضايا، مسائل وقضايا برزت خلال مسيرة الحزب، منذ الجبهة او منذ انتهائها وحتى انهيار المنظومة الاشتراكية. من بينها، ما رافق حركة الأنصار من مرارات - لا نتغافل عن الانتصارات والايجابيات والتضحيات الكبيرة، لكن هذا موضوع آخر - خصوصا بعد انتهائها بسبب حملة الانفال وضربة الكيمياوي. وكذلك، ما برز خلال هذه السنوات الطويلة من ثغرات ونواقص في العمل القيادي، وملاحظات على سلوكيات بعض الرفاق القياديين، والتي تكشفت على وجه الخصوص خلال التواجد والتقارب الناتج عن ظروف حركة الأنصار. فضلا عن الانعطافات في الاوضاع السياسية وما يراه بعض الرفاق من تحميل المسؤولية لقيادة الحزب وكذلك للخط السياسي المعتمد حينها، مثل المراهنات والتصورات او التقديرات الخاطئة. ثم يضاف الى كل هذه الأعباء، انهيار المنظومة الاشتراكية والشكوك والاسئلة الكثيرة النظرية والفكرية التي تسبب بها هذا الانهيار. على الرغم من ان كل هذه الإشكاليات تركت آثارها على الرفاق، الا ان الحزب والحفاظ عليه، وضرورة ان يتماسك في ظل هذه العواصف، كان هاجس الرفاق الارأس. 
كان المطروح امام الحزب وقيادته ورفاقه ورفيقاته سؤال مركزي: كيف يستطيع الحزب الخروج من أزمته التنظيمية والفكرية؟ وكيف يحافظ على وجهة سياسية سليمة؟  لقد تولدت عند الحزب، عبر عقود نضاله الطويلة، خبرة سياسية كبيرة، نضال استمر خلال أوضاع سياسية مختلفة وظروف دقيقة وصعبة. هذه الخبرة مكنته دوما من رسم سياساته بواقعية، بعيدا عن سيناريوهات القفز على الواقع. ربما كانت هناك في بعض الأحيان محطات لم ينسق فيها الحزب مع الواقع. لكن النهج عموما كان رسم السياسات بعقلانية وواقعية وتوازن. وان يكون الحفاظ على الحزب، وبناء الحزب وتمكينه من الاستمرار هو الاساس. في تلك المرحلة وقبيل المؤتمر الخامس، إذا كان هناك بعض الرفاق قد غيروا من أفكارهم وقناعاتهم وبعضهم ترك الحزب، لكن كانت غالبية الرفاق مدركة عن قناعة تامة ان لا بديل حقيقي عن الحزب الشيوعي العراقي، يوصف بأي درجة من درجات الثورية، للنضال في سبيل البديل الوطني والتقدمي. فكل الأحزاب الأخرى اما قومية او إسلامية، وهي بالتالي لا يمكن ان تمثل او تناضل نحو البديل الافضل. وبعض الأحزاب الوطنية او الديمقراطية هي أحزاب وجودها الحقيقي فوقي، بينما للحزب الشيوعي العراقي وجود حقيقي وامتدادات تاريخية وتنظيمية في مختلف مناطق العراق.
وللخروج من أزمته التنظيمية والفكرية دشن الحزب قبل انعقاد المؤتمر الخامس، وضمن التحضيرات والاستعدادات نقاشا واسعا جدا على الصعيد الفكري والنظري. طرحت خلاله الأفكار دون تحفظات. واستمرت هذه النقاشات لسنوات قبل عقد المؤتمر. وقد فسح هذا الوقت الطويل نسبيا المجال كي تبرز الافكار بكل ابعادها واشكالها. واعتقد ان هذا النقاش الحر والعميق، في مختلف المنابر والهيئات، ساهم في امتصاص وقع الصدمة، وان كان قسم منه، بأبعاده المتنوعة العدمية والليبرالية او حتى المتشددة، هو أساسا لواقع نتاج الصدمة ذاته. على العموم، كان النقاش يتضمن طيفا واسعا من الأفكار في إطار اليسار والماركسية وتفسيرها، او اجتهادات حولها. كما اشتمل النقاش أيضا على قضايا أخرى، مثل تغيير اسم الحزب، انفتاح وتغيير في التوجهات السياسية وحتى الفكرية للحزب، ليبرالية في البناء التنظيمي. وقد اعيد طرح بعض هذه المواضيع في المؤتمر. لكن في النهائية، لأن عملية التفاعل والتلاقح الفكري هذه استمرت فترة طويلة، فقد كان نتاجها ان بدأت تتبلور رؤى وتصورات أكثر نضجا خلال المؤتمر، مركزها كما اشرت انفا الحفاظ الحزب.
وقد لعبت هذه النقاشات دورا كبيرا في تخفيف غلواء الضغوطات والاتجاهات التي كان من الممكن ان تهدد وحدة الحزب. فالخلافات إذا بقت دون حلول قد تتطور وتنعكس تنظيما. علما ان الوضع التنظيمي ذاته، قبل انعقاد المؤتمر كان مرتبكا. حيث اضطر العديد من الرفاق الى المغادرة الى المنافي. وواجه الحزب العديد من الإشكاليات التنظيمية بهذا الخصوص. فبعض البلدان لم يكن فيها تنظيم حزبي أصلا، او كان التنظيم فيها صغيرا. فضلا عن ان الشيوعيين العراقيين واجهوا جملة من مشاكل اللجوء وترتيب الأوضاع وغيرها من المشاكل الشخصية. كما ان الحزب كان يواجه اساسا مشكلة لوجستية، فهو ما عاد قادرا على اسناد معيشة الرفاق اللذين خرجوا من كردستان او سوريا. وان استطاع ان يساهم في اخراج العديد الى بلدان اللجوء. وبعض الرفاق استطاعوا إيجاد حل بإمكانياتهم الخاصة. هذه القضايا وغيرها استنفذت الكثير من قدرات وطاقات الحزب. فكيف يمكن للحزب ووضعه التنظيمي في مثل هذه الظروف ان يخوض في التحضيرات لعقد مؤتمر فيه مثل هذه القضايا الجدلية الكبيرة فكريا وسياسيا وتنظيميا! وان يهيأ لها في المؤتمر أفضل الظروف للخروج بصيغة موحدة قادرة على مجابهة التحديات والتطورات.
الثقافة الجديدة: بعد هذه الفترة الطويلة من التحضيرات والنقاشات، ماهي المحصلة النهائية التي خرج بها المؤتمر؟
رائد فهمي: لقد فسح الحزب، من خلال المسودة التي قدمها لوثائق المؤتمر الخامس، المجال لمناقشتها في جميع الهيئات الحزبية على مختلف مستوياتها. وكذلك، في المنابر الحزبية (طريق الشعب) و (الثقافة الجديدة). وبالتالي، عندما عقد المؤتمر، وقد استمرت نقاشاته لمدة أسبوعين، كانت معالم بلورة التوازن بين الحفاظ على الحزب ومكتسباته وضرورة التجديد والتغيير قد تم تحديدها الى حد كبير. بمعنى ان نقاشات المؤتمر ونتائجه كانت في المطاف الأخير محصلة عاكسة لكل الطروحات والنقاشات التي كانت قد جرت خلال سنوات.
كانت المحصلة هي التأكيد على الثوابت وضرورة الديمقراطية والتجديد. وكانت الثوابت هي الحزب وهويته. وقد استفاد الحزب كثيرا من المثال الذي قدمته الأحزاب الشيوعية التي غيرت اسمها ونهجها بعد انهيار التجربة الاشتراكية. حيث عانت هذه الأحزاب لاحقا وبسرعة من تفاقم تناقضات كبيرة فيها، مما ادى الى تفجرها بسرعة. وقد اعتبرها الحزب ردود أفعال مرتبكة ومتسرعة. وكان يرى ضرورة التأني لاستيعاب الصدمة. وبالتالي كانت قناعة الرفاق بل وتعلقهم وانشدادهم الي هوية الحزب الشيوعية كبير جدا. 
أما بخصوص ضرورة التجديد والديمقراطية، فلقد كانت الوجهة العامة في حزبنا، منذ ان كان يستعد ويجري التحضيرات اللازمة لعقد المؤتمر، ان هناك الكثير من القضايا الحزبية الداخلية بحاجة الى مراجعة. مثل الآليات التنظيمية والخطاب الايديولوجي والسياسي، وقضية المركزية على حساب الديمقراطية، وغيرها. وبالفعل، هذا ما تم اقراره في المؤتمر. فبالنسبة للديمقراطية الحزبية، تمت دمقرطة الحياة الحزبية الداخلية، بما فيها الانتخابات الحزبية. وفُسح المجال أكثر للمشاركة الجماعية في داخل الحزب لصياغة السياسات وتنفيذها. وتم تقريب القاعدة، في بناء الحزب الهرمي، أكثر فأكثر من مراكز صنع القرار.   
كما ان خطاب الحزب السياسي والايديولوجي تغير بعد المؤتمر الخامس. حيث كان الخطاب سابقا بنسق معين واطر ثابتة غير مرنة، وأحيانا بتعابير وصياغات ايديولوجية، ليست بمتناول قطاعات واسعة من الشعب. لقد تغير الخطاب باتجاه ان يكون أكثر ملامسة للواقع وينطلق منه ويرتقي به، بلغة بسيطة أقرب الى لغة الشعب. لكنه بقي متجذرا في ارضيتنا ومستخدما نظريتنا الماركسية، ودون ان يفرط في ايديولوجيته.
كان تجاوب الحزب الواعي مع الاحداث، وتعلمه السريع من التطورات، ومحاولته هضمها والتعامل معها بعقلانية وواقعية، كان كل هذا عاملا أساسيا في منع تصدعه وفي الحفاظ على وحدته، وليس كما حدث مع أحزاب شيوعية كثيرة. فمن جهة، كان لدى الحزب رؤية لواقع الاتحاد السوفيتي، وكان نسبيا مشخصا لعوامل الخلل، وان لم يكن يصل الى تقدير ان الأمور ستؤول الى الانهيار. وبالتالي كانت صدمة الانهيار أخف. ومن جهة أخرى، كان لدى الحزب ملاحظاته على السياسات العامة للاتحاد السوفيتي. كما انه لم يكن على توافق تام معها، على سبيل المثال عند لجوؤه الى الكفاح المسلح. فالاتحاد السوفيتي كان يتعامل في مرات عديدة من منطلق مصالحه كدولة، وليس من مصالح طبقية او اممية في علاقته مع الأحزاب الشيوعية العالمية. 
وهناك قضية اخرى مهمة في هذا الصدد، ساهمت في تماسكه، وان يتعامل بمرونة مع الحوارات او الصراعات التي جرت، وهي ان الشيوعيين العراقيين كانوا يخوضون معركة وصراع ضد الدكتاتورية، وهذا يستدعي تماسك الشيوعيين وتمسكهم بالحزب. وربما لو كان الحزب في وضع آخر، حالة سلمية وهادئة مثلا، لكانت الأمور ستدور بشكل آخر، ولواجه الحزب مشاكل أكبر.
وفي ظل هذه الظروف أيضا تمكن الحزب ان يشخص الرفاق القادرين على قيادة الحزب في المرحلة اللاحقة. فقيادة الحزب الجديدة، وإن كان عليها ان تكون نتاج عملية انتخابية حزبية داخلية، لكن أيضا لا بد ان تكون لها مواصفات معينة. من بينها ان قادرة على مواجهة كل التحديات، وان تستطيع تأمين مواصفات الثبات والرسوخ خصوصا على المستوى القيادي، وتمتلك الخبرة، وان لا تكون مشاركة في الصراعات والاستقطابات والتخندقات الداخلية في قيادة الحزب. وكذلك ان يكون لها درجة مقبولية من عموم الطيف الحزبي، وان تكون عنصرا جامعا، ولديها الاستعداد الكامل لتسير بالحزب ضمن الوجهة الجديدة التي سيقرها المؤتمر، ولتطبيق او انفاذ شعار المؤتمر (الديمقراطية والتجديد). كان الرفيق (أبو داود) يتمتع بهذه الصفات، وربما كان أكثر من يمتلكها في تلك المرحلة.  يضاف لها ثباته وتاريخه النضالي. كما ان التجديد في قيادة الحزب استلزم ان تكون دماء جديدة شابة، إلا انها ذات تجربة وخبرة، تنسجم مع وجهة الحزب عندما انتقل الى المعارضة بعد عام 1979. كما ان لها باع او تجربة في الكفاح المسلح. وفي ذات الوقت كانت القيادة الجديدة تستلزم وجود عناصر الخبرة التنظيمية، الى جانب التجربة التاريخية ممن يمثلون الاستمرار. كما ان القيادة الجديدة عكست الى حد كبير التوزيع الجغرافي والاجتماعي للحزب. كل هذه المسائل تعشقت اساسا مع المهمة الرئيسية وهي ان تكون قادرة على النهوض بالوجهة التي اقرها المؤتمر. ان هذه التوليفة كانت محكومة في قسم غير قليل منها بمتطلبات الحفاظ على الحزب. وانا اعتقد، انه رغم كل الظروف، الا ان القيادة التي خرجت من رحم المؤتمر كانت موفقة الى حد غير قليل في تدقيق اهداف ووجهة المؤتمر. بالتأكيد، بصورة غير كاملة، إلا انها حققت الكثير لإخراج الحزب من أزمته.
طبعا هذا لا يعني ان الأمور كانت تجري بسلاسة. حيث ظهر هناك ضعف في التماسك والانسجام بين الرفاق القياديين، واشكاليات في العلاقة فيما بينهم. وبالتالي، صعّب من عملية القيادة.
 
الحصار والعامل الخارجي
 الثقافة الجديدة: انتُخبت الى اللجنة المركزية في المؤتمر السادس؟ حدثنا عن أبرز القضايا التي ناقشها ذلك المؤتمر. 
 رائد فهمي: نعم، انتخبت الى اللجنة المركزية في المؤتمر الوطني السادس عام 1997. كانت أجواء المؤتمر مختلفة عن سابقاته، واتخذت مسارا شبه طبيعي. وقد استمر المؤتمر ليومين او ثلاثة. صعد رفاق جدد الى قيادة الحزب وخرج او انسحب رفاق آخرون. كان النقاش الأساسي في المؤتمر يدور حول موقف الحزب من الحصار، وأيضا من دور العامل الخارجي.
كان الحزب يقف ضد العقوبات الاقتصادية والحصار. فالعقوبات بالشكل الذي فرضت به، لم تكن موجه للنظام، بل وقع ضحيتها كل الشعب العراقي. كما ان هذه العقوبات وان كانت قد اضعفت النظام، لكنها أيضا طالت أسس ومرتكزات الدولة العراقية كلها. وهذه القضية أكبر من النظام بكثير. حيث ان آثارها هذه طالت حياة الناس، خصوصا بسبب ضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات، والحفاظ على امن البلد.
كما ان الدكتاتورية تمكنت فعليا من ترحيل ضغوطات العقوبات ووضعتها على كاهل الشعب العراقي. وهي بما يصلها من موارد استطاعت تأمين إعادة انتاج حكمها. لقد كان النظام، كما لاحظنا في تلك الفترة، مستمرا في بناء القصور، ويوزع الكوبونات والرشى للأجهزة الاعلامية والسياسيين في الخارج ليؤيدوه. وفي ذات الوقت ازدادت ثروة الكثير من ازلام النظام والمحسوبين عليه نتيجة لسيطرتهم على قنوات التهريب والتلاعب بأسعار العملة وغيرها من الأمور.
وكانت العلاقة مع المؤتمر الوطني موضع جدل كبير في المؤتمر السادس. فما هو موقف الحزب إذا كان الامريكان يسعون للتغيير؟! وكيف يتعامل الحزب مع كل هذه التطورات ويحافظ على استقلاليته؟! طبعا على مستوى الحزب كان هناك رفاق يميلون لإبقاء العلاقة مع المؤتمر الوطني. وإذا كانت هذه القضية، خصوصا في ظل تلك الظروف، تحتمل الاجتهاد، لكن كان هناك جانب مبدئي هو الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية للحزب. كما كان التركيز ينصب على ما هي الاستراتيجية البديلة لإسقاط النظام؟ وإذا كان الحزب يركز على ماهي استراتيجيته البديلة؟ وهي بالدرجة الاساس التعويل على العامل الداخلي. كان يبرز السؤال المهم جدا: كيف نفعل هذا العامل؟ كيف يمكن ان نخلق الظروف كي يتحول السخط والتذمر الداخلي الى احتجاج وفعل سياسي؟ 
وكذلك كانت هناك قضية أساسية أخرى، وهي كيفية ادامة النضال المعادي للدكتاتورية؟ كيف نديم الصلة بقوى المعارضة بحيث نحقق شكلاً من اشكال التضامن الذي يوحدها بالضد من الدكتاتورية؟ كيف يمكن ان نحدد شكل العلاقة بينها وبين العامل الخارجي الذي يدعمها، لكنه يدعمها لأهداف ومصالح خاصة به؟ كيف يمكن لهذه القوى ان تكون سيدة نفسها، وغير خاضعة لأي شكل من اشكال التأثير الخارجي.
كما كان النقاش يدور في المؤتمر حول تواجدنا في الداخل. والاشكال التي يتواجد فيها الحزب للعمل في ظل القبضة الأمنية الكبيرة للنظام والصعوبات المستمرة، ليس من ناحية القمع فقط، وانما محاولات التغلغل والاندساس. طبعا، كان النقاش حول هذه الموضوعة يدور بخطوطه العامة لأن المسائل التفصيلية لمثل هذه القضايا كانت سرية.
قضية تنظيمية اخرى كانت مهمة في المؤتمر، وهي كيف نطور العلاقة مع تنظيمات الخارج. خصوصا وان بعضها اتسع وبرزت امامه إمكانيات جديدة. كما ان وزن الحزب الأكبر صار في الخارج، وهذه من الحالات النادرة في تاريخ الحزب. فكيف يمكن مشاركة تنظيمات وكوادر الخارج في صناعة سياسة الحزب في تلك الظروف حيث لا انترنت ولا تسهيلات في وسائل اتصال أخرى!
وفي تلك المرحلة، ومنذ المؤتمر الخامس، برزت قضية مهمة أخرى، وهي تواجد رفاق من قيادة الحزب وأعضاء من اللجنة المركزية في الخارج. والحزب تاريخيا غير ميال لهذه القضية. لكن هذا ما حدث بسبب الظروف القاهرة. وبالتالي صارت اجتماعات الجنة المركزية كل 6 أشهر او أكثر. والتواصل فيما بين هذه الاجتماعات أكثر صعوبة. وبالتالي، كيف يمكن ان تطور وتدعم وتنظم الوحدة الفكرية والسياسية والتنظيمية للحزب في ظل هذا التشتت؟ وفي ظل كل هذه المؤثرات الخارجية؟ خصوصا وان كل منطقة في الخارج، أصبح لها خصوصيتها، صارت ساحة. فكيف يمكن التعامل مع هذه الخصوصيات مع الحفاظ على الوجهة التي اختطها الحزب. باعتقادي، وعلى الرغم من كل التباينات والصراعات التي برزت، إلا ان الحزب استطاع إدارة الأمور بشكل إيجابي، وذلك لأن التوصل الى المشتركات كانت تفترضها الثوابت الراسخة.
وفي تلك المرحلة أيضا وخلال المؤتمرات الوطنية الثلاثة: الخامس والسادس والسابع برزت ظاهرة مهمة، وهي صعود بعض الرفاق من الذين شاركوا في العمل المسلح وقوات الأنصار الى سدة العمل القيادي، قسم منهم استقروا في الخارج واخرين بقوا في كردستان.
 
المعارضة العراقية.. مواقف متباينة!
الثقافة الجديدة: كانت فترة تسعينات القرن العشرين، منذ انتهاء انتفاضة آذار 1991 وحتى 2003، مرحلة مهمة في تاريخ الشعب العراقي والحزب وأيضا المعارضة خصوصا ومواقف الاخيرة من قضايا الحصار والتدخل الخارجي. هل يمكن ان تحدثنا عن تلك المواقف؟
رائد فهمي: صار واضحا، منذ انتفاضة 1991، ان بعض أطراف المعارضة ليس لديهم تواجد حقيقي في الداخل، وان لبعضهم الآخر ارتباطات مختلفة، ومن بين هؤلاء من كان يعول أكثر على العامل الخارجي. وقد تعززت الوجهة الاخيرة بعد مؤتمر فينا، ولاحقا مؤتمر لندن، خصوصا بعد ان جُمعت المعارضة في المؤتمر الوطني. وبدأ بعض أطرافها ينسج ويقيم او يطور علاقته مع دول التحالف الغربي، وبشكل خاص مع الولايات المتحدة. وهذه الأخيرة وضعت ممثلا مكلفاً بالتواصل مع المعارضة العراقية. والأخير كانت علاقته وثيقة مع المؤتمر الوطني واطرافه المختلفة.
لقد كان موقفنا كحزب واضحاً تجاه هذا التعويل على العامل الخارجي. فالحزب وان كان يؤمن ان الرهان على الدعم الخارجي غير سليم، الا انه لم يتخذ موقف سلبيا من الدعم الدولي بشكل مطلق. ان وجهة نظر الحزب كانت تستند الى ضرورة ان تتفق قوى المعارضة العراقية أولا على برنامج وعلى وجهة ومشروع وطني ديمقراطي يقدم حلولا لمشاكل العراق الكبيرة والاساسية. وعلى أساس هذا البرنامج والمشروع يمكن لقوى المعارضة ان تتوجه اقليمياً ودولياً، سواء على الصعيد الرسمي او على الصعيد الشعبي مع أحزاب وقوى ديمقراطية. لكن مع الأسف هذا لم يحدث. وذهبت الكثير من أطراف المعارضة متفرقة، وبدون رؤية مشتركة، وسمح للولايات المتحدة ان تكون في موقع مركزي في العملية وان تكون هي الطرف المنسق لتوحيدهم. وبالتالي، عندما بدأت هذه الاتجاهات تتجلى في المؤتمر الوطني انسحبنا منه. لكن علاقتنا مع المعارضة استمرت على اعتبار ان ما يجمعنا هو الوقوف ضد الدكتاتورية.
ومما يسجل على بعض أطراف المعارضة أيضا، انهم أيدوا العقوبات الاقتصادية (الحصار). وهذا ما ميزنا عنهم تماما. حيث كان الحزب يقف ضد الحصار، وهو من رفع شعار "لا للحصار، لا للدكتاتورية". فالعقوبات بالشكل الذي فرضت به، لم تكن موجه للنظام، بل وقع ضحيتها كل الشعب العراقي. فالدكتاتورية تمكنت فعليا من ترحيل ضغوطات العقوبات ووضعتها على كاهل الشعب العراقي. لقد اضعفت العقوبات المجتمع العراقي ككل، كما تردى وضع غالبية مؤسسات الدولة خصوصا الصحية والتعليمية. لقد بدأت الدولة بالتصدع، وشرعت بنيتها بالتفكك بفعل الحصار. لقد ترك الحصار اثاره العميقة ليس على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فقط. وانما طالت آثاره المستوى القيّمي وساهم في خلق ممارسات جديدة وغريبة على المجتمع العراقي.
وقد اضطر النظام لاحقا الى الرضوخ، وشرع بتنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء. وقد تمكن النظام ان يحصل على فائدة كبيرة من هذا البرنامج. حيث انه استطاع ان يرتب اموره، وكذلك استطاع من خلال شركات وقنوات غير رسمية، وعبر التهريب ان يستفيد هو والحلقات القريبة منه التي جاءت لإنعاش وضعه الداخلي وعرف لاحقا حجم الشبكات التي استخدمها مع التجار تواطئ حتى من منظمات دولية وحتى عناصر في الأمم المتحدة كانوا متواطئين معه في تطبيق هذا البرنامج.
وفي الوقت ذاته طور النظام او استحدث قنوات واشكال عديدة لتخفيف الضغط عليه عبر ركائز اسناد سياسي واعلامي على مستوى اشخاص ودول وحركات سياسية. قسم منها محسوبة على قوى اليسار وتقدمية، اوجدت نوع من التعاطف معه، ليس حبا بنظامه ولكن من منطلق مواجهة أمريكا زعيمة الامبريالية. لذلك كان من المفترض منهم اخلاقيا وليس سياسيا ان يقفوا معه ضد الامريكان وهذا كان موقف بعض القوى اليسارية وحتى بعض الأحزاب الشيوعية لكن بدرجة اقل لها استعداد للتعاطف معه كضحية وكطرف أضعف في المواجهة مع الامريكان.
وبسبب موقف حزبنا الرافض للحصار، وللحرب لاحقا، فإنه تعامل ونسق كثيرا مع الحركات السياسية والاجتماعية التي كانت تقف بالضد من الحصار والحرب. الا ان موقفه من هذه الحركات كان متميزا أيضا. فالكثير منها، كما ذكرت قبل قليل، كانت تنظر الى القضية بصورة وحيدة الجانب. فهي لم تكن تأخذ بعين الاعتبار مسؤولية النظام الدكتاتوري عن كل الاحداث. وهم تحت ذريعة الوقوف ضد التدخل الامبريالي كانوا يعتقدون ان كل القضايا الأخرى هي ثانوية، ومن الممكن تجاوزها. وبالتالي، كانت هذه الحركات عمليا تقف الى جانب النظام. بل وبعضها يعتبره ضحية، وكان لديها تواصل معه وتذهب بوفود لزيارته.
وعندما كان صوت الحرب يرتفع، كان الخطاب السياسي للحزب واضحا. وهو يؤكد على ان الاجدى دائما من الحرب والأساليب العُنفيّة إيجاد آليات واضحة للضغط على النظام ذاته. وفسح المجال للمعارضة الداخلية ولأشكال السخط الموجودة في البلد كي تعبر عن نفسها داخليا، بدلا من ان تكون مقموعة بسبب قوة النظام البوليسي. ولذلك كانت المحاور الرئيسية لنشاطنا السياسي والتضامني من الخارج والترويج لمشروعنا هي اسقاط الدكتاتورية مع المراهنة على العامل الداخلي. ولم نكن نقصد بذلك فقط قوى المعارضة الموجودة في الخارج، والتي لديها تواجد محدود في الداخل، بل كنا نقصد ذلك السخط والتذمر عند اقسام واوساط شعبية واسعة بما فيها داخل المؤسسة العسكرية. حيث كانت ترد الى الحزب حينها اخبار الرفض الشعبي الموجودة في العراق سواء في المؤسسة العسكرية او العشائر.
كما كان الحزب أيضا يرى ضرورة ان تركز قوى المعارضة والعامل الخارجي أيضا في الضغط على النظام لتطبيق قرار الأمم المتحدة 688 الذي يدعو النظام لاحترام الحقوق وفتح مساحة للحريات. وكنا ندعو الجميع للمساهمة في هذا الضغط. فهذا سيفسح المجال لنا وللقوى المدنية والوطنية وحتى القوى الشعبية في ان تجد مساحة للعمل.
نعم، ربما كانت الحجة التي نواجه بها لا تخلو من شيء من الصحة. وهي ان السخط والتذمر الداخلي مهما كان حجمهما، خصوصا في فترة الحصار، لم يكونا كافيين لإسقاط النظام. وبالتالي سيؤدي هذا الى إطالة عمرة. الا ان إجابة الحزب كانت واضحة. ان الاستناد على العامل الخارجي والحرب والوسائل العنيفة بالإضافة الى تكلفتها البشرية الهائلة، فإنها ستخلق أوضاعاً غير مسيطر عليها. والدولة او الدول التي ستسقط او تحتل البلد لديها مصالحاها وبرامجها الخاصة. وسيكون تأثيرها على الأوضاع وفق أولوياتها ومصالحها، وهي ما قد لا يتوافق وما يتطلع له الشعب العراقي.
(المؤتمر الوطني)
الثقافة الجديدة: مع كل هذه الخلافات حول الحصار ودور العامل الخارجي، لماذا دخل الحزب في المؤتمر الوطني، ولماذا انسحب منه لاحقا؟
رائد فهمي: وقبل الحديث عن تشكل المؤتمر الوطني، وعن أبرز التحولات والتطورات التي مرت بها المعارضة في تلك الفترة، هناك ملاحظات مهمة يجب ايرادها في البداية. ان تواجد الحزب في الخارج تاريخي، فبعض تنظيماته والتنظيمات الطلابية التي ينشط فيها، يعود تأسيسها في بعض البلدان الى خمسينات القرن العشرين. فهو موجود، تقريبا في كل بلدان أوروبا، وكذلك في الولايات المتحدة وأستراليا. ولديه تنظيمات في الكثير من هذه البلدان. وكان وجوده هذا متقدم على الأحزاب الأخرى. حتى عندما بدأت موجات الهجرة في الثمانينات ولاحقا في التسعينات وصار للإسلاميين وجود في بلدان الخارج. وبالتالي، كان للحزب ولشبكته التنظيمية هذه في الخارج، ولحضوره ووزنه السياسي، جعلت منه عنصر محوري، وطرف غير قابل للتجاوز، من قبل الجميع. وكان هذا أساس تعامل الجميع معه.
وكما ذكرت سابقا، في الفترة التي سبقت 1990، عمل الحزب، مع كل مجاميع المعارضة، بغية إيجاد صيغ عمل نضالية مشتركة. وهكذا شكلت لجنة العمل المشترك. وكانت موجودة في عدد من بلدان الخارج. ولاحقا، وبعد مؤتمر فينا بدأت المعارضة تأخذ منحاً آخر. فبدأت هذه اللجان تتوسع وتتغير تركيبتها، بدخول عناصر جديدة. وإذا كان التوسع شيء جيد، إلا انه كان توسعا باتجاه آخر مع بروز دور المؤتمر الوطني. يضاف لذلك المعطيات الجديدة التي افرزت بعد الانتفاضة، حيث أصبحت كردستان في وضع شبه مستقل.
ومع تزايد الدور والتدخلات الأميركية بشكل مباشر في عمل المعارضة، بدأت تتبلور اشكال جديدة غير مألوفة من اجل تكثيف التعاون بين اطرافها او توحيدها. ومن بين هذه الاشكال المؤتمر الوطني. حيث شرع في تعبيد أرضية لجمع المعارضة على أساس تقسيم العراق الى هويات ومكونات طائفية ودينية وقومية. ومن هنا بدأت صيغة المحاصصة التي نعيشها اليوم. وبدلا من الصيغة المعروقة التي كنت قد تحدثت عنها سابقا، تم جمع المعارضة على اساس كورد، سنة، وشيعة. وما كانوا يعترفون بالأحزاب ذات الاتجاه الديمقراطي، وفي الغالب كان هؤلاء يعاملون كمستقلين. فقط الحزب الشيوعي، كان حزبا واضح المعالم، وفرض نفسه وبقي خارج هذه المعادلة. والحزب، رغم سعيه الدؤوب دائما بجمع قوى المعارضة، لم يكن ينظر بإيجابية لهذه التحولات وهذه الاصطفافات الهوياتية. لكنها حينها كانت موجة كبيرة جدا. كما انها كانت تحظى بدعم خارجي وبنفوذ قوى كبرى وقدرات تمويلية كبيرة. ففي تلك الفترة كان الدعم الأميركي صريحا للقوى والشخصيات الليبرالية او التي تتبنى اقتصاد السوق. بينما كانت إيران تقدم مختلف اشكال الدعم القوى الإسلامية الشيعية، التي كان لها بحكم هذا الدعم وبحكم الحدود الواسعة تواجد في العراق.
ولأن الحزب كان حريصا دائما، كما ذكرت، لتجميع المعارضة ولزيادة التنسيق والتعاون فيما بينها في مواجهة النظام الدكتاتوري، فقد كان حريصا على ان تتخذ المعارضة العراقية الخطوات التي تؤكد دائما على وحدة وقوة وتماسك الطرف العراقي.  وكان حريصا أيضا، على ان تتبلور عند قوى المعارضة هذه رؤى وتصورات مشتركة ناضجة، يتم على أساسها التعامل مع الآخرين، أي مع العامل الخارجي. وبالتالي، عندما تشكل المؤتمر دخلنا فيه، على هذه الأرضية، ارضية انها قوى معارضة عراقية للنظام الدكتاتوري، نستطيع ان نساهم في صياغة رؤاها وتصوراتها في القضايا السياسية.
  لكن بدأت ملاحظاتنا وتساؤلاتنا تتزايد مع ملاحظتنا للآليات التي اتبعت في التعامل والتنسيق مع العامل الخارجي، وحول قضية التمويل ايضا. وليس المقصود هنا الأمريكان فقط، بل والبريطانيين، وكذلك السعودية وغيرهم. وقد أعلنا ذلك صراحة. ودون ان يمضي وقت طويل أدرك الحزب ان هذه الصيغة لا تمثل الصيغة الصحيحة لجمع المعارضة العراقية. لذلك انسحب من المؤتمر. الا ان انسحابه هذا لم يكن يعني الانتقال الى موقف العداء. بل كان يعني ان الحزب سيبقى مستقلا ولن يدخل في أي اطر تعاون او تنسيق لا تنسجم مع مواقفه. وبالتالي حافظ الحزب على علاقته مع جميع الأطراف ضمن هذه الوجهة.
ولذلك لم يكن الحزب مؤيدا لعقد مؤتمرات المعارضة التي كان يساهم في اعداداها ويشارك فيها العامل الخارجي، الأمريكي وغير الأميركي. وبالتالي لم نكن طرفا في مثل هذه المؤتمرات ولم نحضر مؤتمر لندن لهذه الأسباب.
 
صراع على جبهتين
الثقافة الجديدة: قبيل الحرب والاحتلال 2003 برزت صعوبات وصراعات كبيرة، موقف الحزب تجسد في شعار  "لا للحرب... لا للدكتاتورية"! الجزء الاول من الشعار لا يرضي المعارضة التي عوّلت على الحرب. والجزء الثاني يخالف الحملة الدولية ضد الحرب. كيف وفقتم بين النقيضين؟
رائد فهمي: وكما ذكرنا سابقا، فإن تطور العلاقة مع الأمريكان خصوصا بعد احتلال الكويت قد خلق توقعات، عند بعض أطراف المعارضة، بأن هناك إمكانية للاستعانة بالعامل الخارجي، وبدعم أميركي بوجه خاص، لتغيير النظام. وقد اكدت حرب تحرير الكويت هذه الامكانية. وإذا كان تحول سياسة جورج بوش الاب "المفاجئ"، عندما أوقف الحرب الى حدود سقوط النظام وسمح للقوات العراقية بمقع انتفاضة آذار 1991، قد خلق احباطات عند هذا القسم من المعارضة؛ الا ان السنوات اللاحقة، والتطورات المستمرة التي حدثت، اعادت احياء هذه التوقعات عند اقسام أوسع من المعارضة. وعلى وجه الخصوص، مع دخول قوى ليبرالية، مثل المؤتمر الوطني المدعوم من الولايات المتحدة. وفي هذه الفترة كان هناك نشاط حثيث، خصوصا من قبل المؤتمر الوطني، مع الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهم من القوى الأساسية في التحالف، من اجل سحبهم الى موقف مفاده ان العراق يتحمل مسؤولية دعم الارهاب، وأيضا اثارة الملف، الذي اتضح لاحقا ان لا مصداقية له، وهو ملف التسلح. 
طبعا، نحن كحزب ندرك انه من غير المعقول ان الولايات المتحدة بمؤسساتها واستخباراتها تغير موقفها الاستراتيجي بناء على تحركات ونشاطات هذا السياسي او ذاك، او بناء على المعلومات التي تردها من هذا من أي مصدر كان. وان تكون هذه المعلومات مصدرا أساسيا لصنع القرار، ناهيك أصلا عن كون قسم من هذه المعلومات مضللة.  إلا ان هذه التحركات وهذه المعلومات، وفرت لهم، بالإضافة الى عناصر أخرى، مبررات تشرعن شن الحرب. خصوصا في تلك الفترة، التي كان يسودها قناعة عند إدارة جورج بوش الابن بضرورة شن الحرب ضد الإرهاب، ضمن حملة الانتقام لأحداث 11 سبتمبر 2001. وكان العراق بعد افغانستان من الأهداف الرئيسية لهذه الحرب. وبالتالي، ضربت الولايات المتحدة عرض الحائط بالقرار الدولي واستعدت لشن الحرب بدعم من حلفائها خصوصا بريطانيا.
اما على صعيد المعارضة العراقية في تلك المرحلة، فإن الجزء الأكبر منها كان متحمسا، الى ان يندفع هذا التحالف بقيادة الولايات المتحدة نحو اسقاط النظام بمختلف الوسائل بما فيها الحرب والتدخل العسكري. فهذه الامكانية لا يمكن ان تتحقق الا بوجود دعم كبير من أمريكا وبتدخل مباشر. والمبررات التي كانت تساق من قبلهم لاندفاعهم هذا كثيرة. فالنظام كان مستمرا في جرائمه، والشعب العراقي يرزح تحت وطأة قمع النظام طيلة سنوات طويلة، ولاحقا تحت وطأة الحصار، والمحاولات الانقلابية كلها قمعت، وكان النظام قادرا على اكتشافها مبكرا.
وهنا ظهرت امامنا في الحزب الشيوعي العراقي ضرورة، في ان يميز موقفه عن هذه الوجهة. فالحزب يؤمن ان الحرب لا تأتي بالديمقراطية. وإذا كان الامريكان قد يلتقون معنا في اهدافنا المباشرة في اسقاط النظام، وفي إيقاف مسلسل الجرائم وانتهاكات حقوق الانسان، ولكن بكل تأكيد هم وحلفاؤها لن يخوضوا الحرب إلا لأهداف استراتيجية ومصالح واغراض خاصة بهم. وربما في مقدمتها موضوع النفط، والسيطرة على منابع النفط والتحكم به وبإمداداته، وغيرها من العوامل المتعلقة بهذا العامل الذي وهو أساس الاقتصاد العالمي. بالإضافة الى القضايا الجوهرية الأخرى، ذات المنطلقات الجيوسياسية والجيواستراتيجية التي ترتبط بمصالح التحالف خصوصا الولايات المتحدة الأميركية.
وفي تلك الفترة تشكلت حركة دولية واممية كبيرة مناهضة للحرب على العراق، تعتبر من اقوى وأكبر الحركات في العقود الأخيرة. فهذه الحرب هي حرب ذات اهداف امبريالية بالأساس، تتمثل في السيطرة على العراق، وعلى ثرواته. كان هناك رفض الحرب من حيث المبدأ. فالمشاكل لا يمكن حلها عبر الحرب. فالضحية الأولى سيكون هو الشعب. خصوصا وان الشعب العراقي كان خاضعا لأشرس واشد عقوبات دولية ومعاناة العراقيين كانت واضحة للجميع
لقد كانت هذا الحركة موجودة في أوروبا وخاصة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وكذلك في أمريكا ولكن بدرجة اقل. وكانت تستقطب قطاعاً واسعاً ليس من اليسار فقط، وانما هناك قوى ديمقراطية محسوبة على اليمين أيضا. وهذه كانت على الأقل موجودة في فرنسا وفي بريطانيا. كما كان هناك أيضا طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية يقف ضد الحرب من منطلقات مختلفة. وهذه قد لا تتطابق مع منطلقات القوى اليسارية والتقدمية الاوروبية.
تعامل حزبنا مع هذه الحركات وكان حاضرا فيها، بل في فرنسا كنا موجودين حتى في الدوائر القيادية للحركات الداعية للسلم والمناهضة للحرب. وكنا نشارك في الندوات الجماهيرية التي كانت تتم في عموم فرنسا. بل ان مؤتمر الحزب الشيوعي الفرنسي سمح لنا ان نتحدث بشكل خاص ونخاطب المؤتمر بهذا الشأن. وهذا شيء نادر. كما كانت لنا جولات متعددة للوقوف ضد الحرب، شارك فيها معنا ناشطون من اليسار ومن القوى الأخرى المناهضة للحرب.  
 إلا ان الخطاب السائد في هذه الأوساط، بقي كما كان سابقا، احادي الجانب. حيث كان يركز على جزئية الوقوف ضد الحرب أساسا وضد الولايات المتحدة. ولم تكن هناك إشارات الى الطبيعة الدكتاتورية للنظام، ولا الى ضرورة تسليط ضغط عليه من اجل دفعه باتجاه الانفتاح وتخفيف اجراءاته القمعية وتغييب الحريات، بل وحتى دوره في خلق الظروف المناسبة للتدخلات الخارجية. لقد كان هذا الجزء من الحملة شبه غائب. هذا الجانب هو ما كان يميزنا عنهم. نحن كنا نعمل معهم، لكن في الوقت نفسه كان لنا موقنا الواضح. كنا نخوض نقاشات مع هذه الأوساط، خصوصا الاوساط الديمقراطية واليسارية.  فنظرة هذه القوى كانت تنطلق من ان التناقض الرئيسي هو مع الولايات المتحدة، وكل الأمور الأخرى ينبغي ان تخضع الى هذا التناقض الرئيسي، ولا يمكن الآن ان نضغط على النظام العراقي وهو يواجه الولايات المتحدة. ولهذا كانت علاقتنا، مع أوساط اليسار هذه، صعبة فكرياً. فهي كانت تصطدم بهذه النقطة الأيديولوجية. فالتعامل المزدوج مع مثل هذه المسائل لم يكن من الممكن ان يدخل ضمن المنظومة الأيديولوجية السائدة فيها، بينما الوضع العراقي وخصوصيته، كان يتطلب قراءة مختلفة. وهذه الأرضية الايديولوجية هي نفس الأرضية التي جعلتهم يقفون بالضد من الوضع الجديد الذي نشأ في العراق بعد عام 2003، وجعلتهم يدعمون المقاومة والحركات المسلحة التي شنت ضد الاحتلال، انطلاقا من ايمانهم المطلق بـ "مبدأ مقاومة الاحتلال"، دون ان يتفهموا طبيعة هذه المقاومة وطبيعة تكويناتها، حيث ان قسم منها كان يتطلع لإعادة النظام الدكتاتوري. وعناصر من هذا القسم وتنظيماته كانوا يحاربون أساسا من اجل امتيازاتهم ومن اجل إعادة النظام الدكتاتوري. بينما طيف آخر يمثل حركات إسلامية منها "القاعدة" والتي تبلورت فيما بعد الى "داعش". ان هذا لا يعني عدم وجود قوى لديها بُعد وطني ضمن صفوف مقاومة الاحتلال. ولكن في وقتها وضمن طبيعة الوضع المعقد، وطبيعة وحجم موازين القوى، وحجم هذه القوى الأخيرة، وفي ظل ذلك الواقع المتحرك ذو الصيرورة المستمرة، فإن نشاطات هذا القسم الأخير كانت تصب في مصالح اهداف ومسارات أخرى في نهاية المطاف. 
 برأينا ان الوجهة التي ميّزت الحزب كانت واضحة. فقضية العداء للإمبريالية والوقف بوجهة أي محاولة للسيطرة والتحكم بثروات ومقدرات البلد لا يمكن عزلها عن نضالنا ضد الدكتاتورية ومن اجل الديمقراطية والحرية وإمكانية بناء نظام بديل يفسح للشعب ان يستفيد من ثرواته، وان يجمع طاقاته ويحشدها من اجل التنمية والبناء. ان هذه المعادلة (لا للحرب.... لا للدكتاتورية) كانت تدخل الحزب في موقف متميز بل وفي خلاف لا مع اليسار والديمقراطية فقط. وإنما حتى مع قوى المعارضة الأخرى، التي تدعم بشكل مطلق التدخل العسكري والتغيير الخارجي. حيث كانوا يؤشرون صراحة على ان موقف الحزب ملتبس. الا انه في الحقيقة لم يكن كذلك. لقد كان انعكاسا لواقع معقد ومركب.
ولأن الحزب كان يرى ضرورة التمسك بهاذين البعدين من النضال، من اجل سلامة بوصلة التحرك، فإنه كان يخوض الصراع السياسي والفكري على أكثر من مستوى وأكثر من جانب. جانب منه في علاقته مع الخارج بمختلف اطيافه، وآخر مع أوساط المعارضة. فعلى الصعيد التضامني مع قوى اليسار العالمية وغيرها كان هناك عمل فكري وسياسي كبير. وكان لا يخلو من الصعوبة. خصوصا في كيفية اقناعهم بضرورة تبني هذا الموقف المركب، ضد الامبريالية وضد الحرب وكذلك ضد النظام الدكتاتوري. لقد كانت هذه إشكالية بالنسبة للكثير من الأحزاب والقوى. فهم لم يتفقوا معنا في هذا الترابط. وإذا كان البعض قد تفهم موقفنا وتضامن معنا، إلا ان الجميع كانوا يعتقدون انه من الأفضل في هذا الظرف ان يكون التركيز فقط على جانب العداء للإمبريالية والوقوف ضد الحرب. بينما في أوساط المعارضة، كان الصراع السياسي والفكري على قدر كبير من الأهمية. وخصوصا انه كانت هناك محاولات لحصر وتركيز القرار بيد أطراف معينة ومحدودة جدا، خصوصا تلك القوى الليبرالية او القومية او الطائفية ذات الصلة المباشرة مع الخارج، خصوصا مع الولايات المتحدة. وكانت هناك ايضا محاولات حقيقية لتحجيم دور الحزب، وعزله والتضييق عليه، بسبب مواقفه، بينما كان من الضروري ان يضمن الحزب مشاركته في صنع القرار داخل المعارضة.
طبعا، دون ان ننسى ان الحزب حينها وفي ظل كل هذه الأوضاع المعقدة كان متوزعاً في انحاء كثيرة، في كردستان وداخل الوطن وفي بعض البلدان العربية وفي بلدان أوروبا وغيرها. وكان رفاقنا يتأثرون بالأجواء السائدة سواء على لصعيد البلد المعني وساسته وأوضاعه او على صعيد القوى السياسية الموجودة فيه. وبالتالي، كان هناك جهد كبير مبذول أيضا لتأمين الوحدة السياسية والفكرية داخل الحزب، ولأجل تأمين قناعات راسخة بمواقف الحزب ووجهته السياسية. ان تحليلات الحزب لا تخلو من تعقيد فهي ليست بسيطة وحيدة الجانب وانما هي مركبة معقدة ومتعددة الجوانب وتعكس تعقيدات الواقع. ولذلك من الصعب فهمها إذا لم تكن هناك عقلية جدلية تحقق وتتفهم الربط بين مختلف ابعاد الوضع القائم.
وفي اجتماع للجنة المركزية للحزب، قبيل الحرب، قدمنا تحليلا كاملا، أكدنا فيه بشكل واضح بان الحرب لن تأتي بالديمقراطية كما نتطلع لها. والحرب لا يمكن ان تتحكم بأبعادها خاصة عندما تقوم بها دول مثل الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي. فأبعاد الحرب وتداعياتها من الصعوبة التكهن بها، سواء على صعيد مستوى الخسائر المادية والبشرية او على مختلف الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكذلك أكدنا ان الخيار الأفضل والنهج الأفضل هو ان يلعب العالم سواء من خلال الأمم المتحدة او من خلال حركات التضامن العالمية وحتى الدول الجادة في الخلاص من النظام الدكتاتوري ان تمارس الضغط السياسي على النظام من اجل ان يحترم حقوق الانسان وان يطلق سراح المعتقلين وان يفتح باب الحريات. وهذا هو المنفذ الاسلم لأجل تفعيل العامل الداخلي الرافض للدكتاتورية.
لكن، عمليا كنا القوة الوحيدة داخل المعارضة، مع بعض الديمقراطيين، التي تدفع بهذا الاتجاه ولا حظنا ان حتى الحركات التي كان موقفها ضد الحرب كانت متحفظة من هذا الموضوع لأنهم يعتبرون ان هذا ضغط على النظام ولم يضعوه ضمن وجهاتهم الرئيسية.
وبالتالي، كمحصلة لكل هذه الأمور قرار الحرب كان له الصوت الأعلى وبالتالي هكذا سارت الأمور.
إعادة التنظيم
 الثقافة الجديدة: وقعت الحرب، وصار الاحتلال أمراً واقعاً. ما هي الإجراءات العملية التي اتخذها الحزب للتعامل مع واقع الحال؟
رائد فهمي: لم يستطع الحزب، والحركات العالمية التي وقفت ضد الحرب، من منع وقوعها. وبالتالي كان عليه ان يتعامل مع الحالة التي ستنشأ نتيجة للحرب. لذلك جرى تحفيز منظماتنا في كردستان للاستعداد لكل التطورات اللاحقة التي من الممكن ان تنشأ ارتباطا بالحرب. وأيضا طلب من رفاقنا في الخارج، ممن ليس لديهم ارتباطات، الاستعداد للرجوع للوطن بأسرع وقت ممكن. وعندما بدأت الحرب في 19 اذار واستمرت لغاية 9 نيسان 2003، وخلال هذه الفترة، وحتى قبلها، بدأ الحزب يفكر بنزول الرفاق من كردستان الى الداخل.
وفعلا، بدأوا هذه العملية. وكانت على شكل دفعات الى المناطق المحاذية لكردستان. ولاحقا وصلت المجموعات الى بغداد والى المحافظات الأخرى. كان لهذه المجموعات عدة مهمات رئيسية. من اهمها إعادة تواجد الحزب، وتنظيم هذا الوجود، وتوفير كل الأسباب لعمله في الداخل. وجرى اتصال بالرفاق المضمونين، والمؤكدين في تنظيمات الداخل، والذين يمكن إعادة الصلة بهم. كما عمل الرفاق على إيجاد مقرات للحزب، وتمكنوا من الحصول على بعض مباني النظام السابق. ومن ضمنها مقر الاندلس، ومقرات أخرى قسم منها اخليناها لاحقا. بالوقت نفسه أعلن الحزب عن وجوده بأشكال مختلفة وفعاليات مختلفة. والجميع يذكر ان اول جريدة يجري توزيعها في بغداد هي طريق الشعب وفي حينها غطتها الكثير من وسائل الاعلام.  وقام الحزب بتنظيم فعاليات حتى في ساحة التحرير. 
 وصار هناك تدفق كبير من الشيوعيين ومن المنقطعين ومن الديمقراطيين على هذه المقرات. وبدأ الحزب يعمل على اشكال طارئة للتنظيم تمهيدا الى ترسيخه لاحقا. حيث بدأت الاستعانة بالرفاق الذين كانوا منقطعين في الداخل. وتم تشكيل الهيئات الحزبية وتوزيعها على المناطق. ولاحقا، بالتدريج، بدأ الرفاق من الخارج يتوافدون. واغلبهم كانوا كوادر قيادية تمتلك الخبرة وهذه الكوادر قسم منها في بغداد والقسم الاخر في المحافظات وتولوا مسؤوليات كل رفيق في محافظته إضافة الى بغداد. وجرى في هذه الفترة تعطيل النظام الداخلي. لأن الحزب كان في ظروف استثنائية. وكان على الحزب ان يؤمن حماية هذه المقرات لان الوضع كان فوضوي وانفلات أمنى، ولعب رفاقنا الأنصار دورا في حماية مقرات الحزب. وكانت العناصر القيادية تتحرك بصورة مكثفة في بغداد وبين المحافظات لأجل ان تؤمن إعادة تنظيم الحزب بالمحاور والاتجاهات التي ذكرتها. كما نشط الحزب في الترويج ونشر ادبيات الحزب، ومحاولة ايصالها الى ابعد بقعة ممكنة في المحافظات وفي بغداد أيضا وفي مختلف مناطقها. كما ان رفاقنا الذين في النقابات بدأوا يتحركون ويمارسون أدوارهم.
وبالتوازي مع ذلك، كان الحزب يسعى الى القيام بفعاليات جماهيرية خاصة التظاهرات. وربما أهمها كانت 14 تموز في 2003 وعلى ما اذكر حضر في هذه الفعالية ما يقارب 10 الاف شخص. لقد كانت مظاهرة كبيرة ومؤثرة جدا. حيث طافت من ساحة التحرير مرورا بشارع السعدون الى ساحة الفردوس والى مقر الحزب.
كان الحزب، وهو يسعى الى ان يعيد بناء تنظيماته، يدرك ان هذه العملية بحاجة الى وقت. لأننا نتحدث عن تنظيمات عمليا كانت غائبة كليا. والحزب لأجل ان يعيد بناء قواه وان يعالج كل الجراحات كان يحتاج الى ان ينصرف الى هذه المهمة في ظل أجواء تكون مؤاتية، دون ان يتعرض الى ضغط آخر، ودون ان يُزج في معركة أخرى. فهل كانت الظروف آنذاك مؤاتية؟!
 من ناحية أخرى، كان الحزب وفي ذات الوقت يديم صلاته وعلاقته بأحزاب المعارضة. وكان النقاش الأبرز يدور حول ماذا ينبغي القيام به لأجل ان تتمكن القوى العراقية من ان تملاْ الفراغ الناجم عن انهيار النظام وسيطرة القوات الامريكية.
في تلك الفترة كان هناك حديث، وربما ما زال يدور في بعض الأوساط، انه في ظل هذا الاحتلال، فإن وضع العراق يشبه أوضاع حركات التحرر الوطني. دعنا نناقش هذه القضية.
من جهة، الكثير من القوى التي دعت او كانت على اقل تقدير مع هذا التدخل العسكري، وهي قوى واسعة، تدخل ضمن تعريفنا للحركة الوطنية، من بينها الأحزاب الكردستانية، وأحزاب وشخصيات ديمقراطية، إضافة للأحزاب الإسلامية، رغم اختلافنا الفكرية، والحديث عن انها قوى خارجية غير دقيق. فلو كانت لها مساحة، لكانت هي التي تمثل التيارات الأساسية في المجتمع العراقي. اما كونها كانت موجودة في الخارج، فكان وجود قسري، لعدم وجود مناخات وحد أدنى من الحريات. 
ان الوضع الجديد، الذي نشأ لا يمكن اسقاطه على ظروف تاريخية أخرى. ظروف ما قبل تكون وتشكل الدول والانظمة الوطنية المستقلة، التي جاءت في اعقاب التحرر والتخلص من الاستعمار. عندما كانت اغلب طبقات وفئات الشعب تقف خلف الأحزاب الوطنية وحركة التحرر الوطني للخلاص من المستعمر. 
بينما المهمة الحالية، هي السير على طريق انشاء نظام ديمقراطي ضامن للحريات وفيه شروط لتحقيق تنمية اقتصادية ونهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي. هذه المهمة التي فشلت العديد من الانظمة الوطنية التي نشأت بعد التحرر من ربقة الاستعمار من تحقيقها. وهذه هي مهمة ما بعد 2003. والاحتلال، العامل الخارجي هو عنصر تعقيد. هذه الوضع المزدوج، هذه الحالة المركبة، الخلاص من النظام الدكتاتوري ولكن عبر الاحتلال، بقيت سمة من سمات الوضع الداخلي العراقي. وبالتالي، هناك تشابك وتلازم بين مهمات الخلاص من المحتل، والسير في طريق البناء الديمقراطي الحقيقي.
اما بخصوص الاحتلال، فان الخلاص منه هي بالنسبة للحزب قضية مبدأ، وهي غير خاضعة للجدال. وهنا يثار التساؤل آخر، وهو ما كان موضوعا للنقاش حينها: كيفية خوض النضال للخلاص من الاحتلال؟ ولماذا لم يتبنى الحزب المقاومة المسلحة للخلاص من الاحتلال؟
لقد ناقش الحزب كثيرا هذه القضية. لقد صار الاحتلال واقعا. الا انه مرفوض وغير مقبول شعبيا بشكل عام. والمواطن يعيش الهاجس المزدوج، الخلاص من الدكتاتورية والاحتلال. ودعني هنا أوجز بعجالة ما ذكرته سابقا. أولا اغلب القوى الوطنية كانت تدعم خيار تغيير النظام عبر الحرب وبالتالي الاحتلال. ثانيا، طبيعة ومكونات "المقاومة" لا ترتبط مع اهداف الحزب والعراقيين بالبديل الديمقراطي. وهنا يمكن تقديم أطروحة أخرى حول المقاومة. من انها لا ترتبط فقط بالشكل المسلح. فهناك إمكانية للمقاومة السلمية، عندما يكون للحزب وللقوى الأخرى، التي تقف بالضد من الاحتلال، حرية التنظيم وحرية التعبير وحرية العمل فلماذا اللجوء الى السلاح. اما في حال حجبت عنك هذه الحريات فيمكنك حينها تطوير اشكال أخرى من المقاومة. لهذا اعتمد الحزب مختلف الأساليب السلمية السياسية والاعلامية والثقافية وغيرها للخلاص من الاحتلال. وربما يكون العمل على تجميع وتوحيد عمل كل القوى الوطنية أحد اهم هذه الأساليب.
دون ان نتغافل نحن الشيوعيون، ان الحزب، وعبر بناء نفسه واستعادته لإمكانياته التنظيمية، يعد شرطا ضروريا لإيجاد البديل الديمقراطي وتوفير مقوماته وتأمين شروطه. ومن بينها الخلاص من المحتل. وبالتالي، من اجل ان يكون الحزب قادراً على ان يلعب دوره كاملا، يجب أولا ان يعيد بناء إمكانياته التنظيمية ويعيدها في ظل أوضاع مؤاتية ومناخ يسمح له بحرية العمل وان لا يتعرض الى القمع او الى التقييد.
وقد ذكرت سابقا، ان الكثير من القوى التي دعمت الخيار العسكري للتغير كانت تعمل على عزل حزبنا الشيوعي والتضييق عليه حتى قبل سقوط النظام، من اجل تركيز القرار بيد عدد معين من القوى. فالحزب في ظل هذه الظروف، وهو يعمل على إعادة بناء تنظيماته وترتيب أوضاعه، كان عليه ان يكون حذر جدا في ان لا تحقق هذه القوى المزيد من خطوات العزل تجاهه او ربما تمهد لمحاصرته، حتى وضربه - وهذا احتمال لم يكن الحزب يسقطه من حسابه - وتضعه في صف القوى المعادية للوضع الجديد. ان الحزب تاريخيا، وهو يحدد اشكال النضال الملموسة، ينطلق من موازين القوى المتعددة والمتغيرة.
  ان كل هذه العناصر مجتمعة، هي التي جعلت الحزب يعبر عن مواقفه ويرسم سياسته في الخلاص من الاحتلال بالأشكال والصيغ المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى. وتأخذ بالاعتبار أيضا حاجات الحزب بأن يوفر بيئة مؤاتية لأجل ان يستمر في عملية بناء أوضاعه التنظيمية من جانب. ومن جانب اخر، من اجل خوض الصراع والتعامل مع كل القوى الأخرى الوطنية والديمقراطية لأجل ان يدفع بالسير باتجاه المهمات الأكثر الحاحا على الصعيد الوطني والديمقراطي، ومعالم البديل الديمقراطي، فضلا عن السياسات الاقتصادية وغيرها من التحديات.
ان الوضع الذي نشأ، لم يكن وضعاً مكتملا وناجزاً بشكل نهائي، بحيث نقول ان عليك ان تأخذ موقفاً اما مع او ضد. لقد كان وضعا متحركا. وكان اهتمام الحزب ينصب على كيفية ملأ الفراغ الذي نشأ بعد انهيار الدكتاتورية، وان تجتمع القوى الوطنية العراقية لأجل إيجاد تشكيلات معينة تؤمن إدارة الأوضاع.
 ومعنى هذا أولا ان يُعقد مؤتمر وطني ليلتقي الجميع، ويناقشون كيفية توحيد الجهود من اجل بلورة شكل إدارة الوضع. وما كان مطروحاً هو حكومة عراقية مؤقتة هي التي تدير الأوضاع وتسبق المحتل وهو في ذلك الوقت لم يكن أعلن احتلاله. ولو كانت القوى العراقية قد طرحت فكرة الحكومة المؤقتة وشكلت اطر معينة ربما لكانت الأمور اخذت اتجاهات أخرى.
 
المشاركةً في (مجلس الحكم)
 الثقافة الجديدة: وصلنا الآن الى "مجلس الحكم" ومشاركة الحزب الشيوعي فيه، هذه المشاركة التي اثارت لغطا كبيراً.  كيف دخلنا لهذه القضية الشائكة؟
 رائد فهمي: بعد ان أعلنت أمريكا الاحتلال رسميا، تطور الصراع واخذ شكل آخر. وبدل من فكرة حكومة عراقية مؤقتة، بدأت تطرح فكرة إيجاد مجلس سياسي لإدارة الأوضاع. وهذا المجلس السياسي هو عبارة عن صيغة استشارية ليس لديها أي صلاحيات. لاحقا، طرحت فكرة التعشيق بين المجلس السياسي وهو الموقف الأمريكي، والموقف العراقي وهو شيء أقرب الى الحكومة العراقية المؤقتة التي تمتلك صلاحيات. وهذا المسار الذي تبلور بمجلس الحكم اخذ وقتا، ومحطات انتقالية، لكن بالنتيجة جاء مجلس الحكم.
ومجلس الحكم كان عليه أيضا تجاذبات بمسألة ما هي الصلاحيات. الامريكان ينطلقون من فكرتهم حول مجلس سياسي واستشاري. وبالتالي كانوا يريدون تقييد الصلاحيات أكثر ما يمكن. والقوى العراقية بشكل عام تريد ان تعطيه صلاحيات. بالنتيجة انبثق مجلس الحكم، بصلاحيات محدودة. ومن دخل في مجلس الحكم جميعهم من القوى التي تعامل الحزب معها تاريخيا، ويمكن ان يتعامل معها لاحقا، في تلك الظروف. وان يشكل الحزب معها أي صيغة من صيغ العمل المشترك.
في المقابل، لم يكن هناك في المشهد السياسي تبلور لقوى سياسية أخرى، قوى من الممكن ان يتوجه لها الحزب. كان هناك مخلفات للبعث، وأحزاب ومجاميع متطرفة إسلامية وغير إسلامية. وكل هذه لم يكن يجمعها بالحزب أي مشتركات. وهناك قوى إسلامية سنية لديها موقف طائفي وموقف سلبي قسم منه تحت تأثير البعث.
وبالتالي، امام هذا المشهد كان امام الحزب مسارين. الدخول في مجلس الحكم او عدم دخوله. عدم دخول مجلس الحكم كان سيترتب عليه العديد من القضايا والمواقف. منها ان الحزب سيعزل نفسه. وموقفه سيترجم على انه موقف مناهض للوضع وللعملية السياسية. وفي تلك الفترة لم يكن هناك دستور او ضوابط. وكل شيء مرتبط بالمحتل والأطراف المسيطرة. وبالتالي، قد يعرض الحزب نفسه الى المواجهة، في ظل تلك الظروف التي كان يسعى فيها الى إعادة بناء نفسه.
من جانب آخر، لقد كان الشعب العراقي، المنهك بسبب الحصار والحرب، في حالة ترقب. وسواده الأعظم كان يريد الاستقرار وتأمين الأوضاع. ووقتها فقط أنصار النظام السابق والجهات المحسوبة عليه هم من دخلوا في عمليات مسلحة ضد الاحتلال. ولم يكن لدى الغالبية العظمى أي رغبة في الدخول في صراعات جديدة. تلك الامكانية لم تكن موجودة. نعم ربما هناك استثناءات عن نخب ومجاميع معينة. لكنها شبه معدومة عند الحديث عن البعد الشعبي. الحزب أيضا كان لايزال في بداياته محدود وتنظيماته قيد التشكل ولم تكن لديه القدرة آنذاك الذاتية من اجل ان ينظم حركة جماهيرية. هذا الجانب مهم، وهو وان لم يكن وحيدا، من بين عوامل وعناصر أخرى تدخل في التحليل، إلا انه يجب ان يوضع في الحسبان. ولهذه الأسباب وغيرها شارك الحزب في مجلس الحكم.
لقد اعتبر الحزب ان مجلس الحكم، بصلاحياته المحدودة، يمكن ان يوفر إطارا يوحد الأطراف العراقية على مواقف معينة. وخاصة إذا كانت هذه المواقف تخص الشأن الوطني. المهم ان تكون قادرة على ممارسة هذه الصلاحيات بقوة وتحقق شيء، لا بل ويمكن، في لحظات معينة، ان تتعدى هذه الصلاحيات، وتفرض ارادتها. وهذه الامكانية لم تتحقق وقتها، وهذا لا يعني فقط ان الامريكان وقفوا ضد تحققها فقط، وانما يعني ان القوى العراقية لم تمارس الدور المطلوب منها. اما لعدم الكفاءة او بسبب الركض خلف مصالح فئوية خاصة، ابعدتهم عن العمل من اجل بلورة مواقف موحدة ورؤية لإيجاد الأطر الوطنية الحقيقية القادرة على ان تدير أوضاع البلاد، وتقف بوجه المحتل بصورة جماعية. 
وفعلا، تمكن مجلس الحكم في بعض القضايا من منع الأميركيان من تمرير ارادتهم كاملة. من ضمنها سياسة الخصخصة والتغيير بالصدمة. فمشروعهم لا يتضمن فقط فتح الأسواق وإزالة القيود، وانما التحول الكلي للقطاع الخاص.
في هذه الفترة أيضا، كان تجري نقاشات محتدمة حول شكل الحكم والديمقراطية، ولاحقا اعداد الدستور. وبالتالي كان وجود الحزب بين هذه القوى والاوساط ضروري. كي يكون قادرا على لعب دور في كل مراحل العملية السياسية. فالأخيرة لا تعني بالنسبة الى الحزب التواجد في السلطة او ان يكون للحزب حصة فيها. العملية السياسية بالنسبة للحزب تعني، بإيجاز، تلك الصيغة التي تهدف الى الانتقال بالعراق نحو الاستقلال الكامل والخلاص من المحتل، والى إرساء أسس البديل الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية التي تحقق العدالة الاجتماعية، وان يحقق شروط السيادة، الاستقرار وغيرها من الأهداف. وهذه العملية ستأخذ مداها الزمني. وهي تشتمل في داخلها على صراع. ذلك لأن القوى المُشكلة لبنيتها متباينة في سياساتها ومواقفها، وفي درجة تعقُلها او فهمها لماهية المشروع الوطني. فقسم منها منكفئ على اولوياته المذهبية والطائفية او القومية، وقسم آخر على مصالحه الاقتصادية. وبالتالي، كانت لديها رؤى مختلفة ومتباينة حول العديد من القضايا، التي انعكست على الوجهة التي اخذتها العملية السياسية.
وبالتالي كان مشاركتنا في مجلس الحكم هي للوجود بين هذه القوى، كي نخوض الصراع معها، وكي نعمل على ان تسير العملية السياسية في وجهتها السليمة. ولكن بالوقت ذاته كان الحزب يدرك ان العملية السياسية لا تعني مجلس الحكم فقط. وبالتالي، ليس المجلس الميدان الوحيد الذي يمكن ان يخاض من خلاله الصراع. كان الحزب يسعى ولديه توجهات ومبادرات نحو اي نشاط آخر جماهيري ضاغط يدفع من جهة باتجاه انهاء الاحتلال من جهة، ومن جهة ثانية من اجل إقامة البديل الديمقراطي والسير على نهج الطريق الديمقراطي. وربما انحسرت النشاطات الجماهيرية في فترة الصراع الطائفي، الا ان الوجهة كانت واضحة.
 
الثقافة الجديدة: البعض اعتبر هذه المشاركة تواطؤاً مع الاحتلال؟
رائد فهمي: هذا غير صحيح على الإطلاق. لقد كانت هناك موازين قوى على الأرض، لم تكن تسمح لك بمدى حركة أوسع. واللجوء الى طريق آخر غير المشاركة في العملية السياسة قد يؤدي او يتسبب في مصاعب إضافية. فبعض القوى التي لم تشارك، اما عادت وشاركت بعد مدة او همشت. انا لا أقول ان الخيارات التي اتخذناها هي الخيارات المثلى او هي التي كنا نتمناها. لا بالعكس. ولكن في ظل الظروف الملوسة وفي ظل التقييم لموازين القوى، فإن هذا ما كان متاحاً للحزب.
 فان تكون داخل العملية السياسية ليس معنى ذلك ان يكون للحزب منصب في وزارة او في البرلمان. العملية السياسة بالنسبة للحزب هي انهاء الاحتلال وتحقيق السيادة الحقة الوطنية، وبناء المؤسسات الديمقراطية والسير على طريق التنمية الاقتصادية. وإذا كان الحزب قد دخل الى هذه العملية السياسية، فإن الكيفية التي يُشكل ويدير فيها الحزب وجوده داخلها، امامها طيف واسع من إمكانيات التعامل السياسي. وإذا كان الحزب معارضا لبعض أسس وانحرافات العملية السياسية فهذا لا يعني انه ليس مع العملية السياسية بالمطلق، كما لا يعني انتقاله الى استراتيجيات أخرى. البناء الحالي، وبغض النظر عن ملاحظاتنا الكبيرة عليه، الا انه لا يزال يفسح مجال حرية ممارسة العمل السياسي، والتبشير بأفكار وللتحرك بحرية في انشاء تنظيمات. كما يوفر مرتكزات للنضال من اجل اهدافك دون الاضطرار الى اللجوء الى اشكال أخرى من الكفاح. الان هناك اشكال متنوعة من العمل الجماهيري السلمية وهي متاحة امام الحزب.
والحزب عندما يتحدث عن التغيير، فهو يعني ان العملية السياسية اتخذت مسارا نشأت خلاله منظومة مصالح وترسخت مجموعة قيم تخدم مصالح بعض الفئات الاجتماعية والقوى السياسية. وإذا كانت هذا المسار في البداية وفي أعوام 2004 و2005 مجرد إمكانية فهو الآن صار واقعا. وبالتالي فالتغيير المقصود هو الذي يحقق شروط الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وذلك عبر مراجعة الأسس والمرتكزات الرئيسية التي قامت عليها العملية السياسية.