ولد د. نوري جعفر في مدينة القرنة، جنوب العراق، عام 1914م، ونشأ في بيئة فلاحية، كان والده جعفر علي الجلبي فلاحاً بسيطاً متزوجا من ابنة عمه، أما والدته السيدة حليمة الجلبي فكانت حافظة للقرآن، ولها الدور في حفظه لسور القرآن ودخوله المدرسة، وكانت تتطلع إلى المعرفة وتثمن التعليم، الأمر الذي أسهم في تشكيل وعيه المبكر ودخوله المدرسة.
وقد تلقى تعليمه العالي في مجالات علم النفس والعلوم التربوية، حيث أظهر منذ بداياته ميلاً واضحاً نحو دراسة الظواهر النفسية والعقلية من منظور علمي منهجي، وتوجيه اهتماماته نحو البحث العلمي والفكري.
ولم يقتصر اهتمامه على الجانب النظري، بل اتجه إلى البحث في العلاقة المعقدة بين الدماغ والسلوك الإنساني، محاولاً الربط بين المعطيات الفسيولوجية والعمليات النفسية، في إطار رؤية علمية تتسم بالشمول والتكامل. وقد عمل أستاذاً جامعياً، وأسهم إسهاماً فاعلاً في تطوير الدراسات النفسية والعصبية في العالم العربي، وفي مجال تطوير مدارس الموهوبين، وهو أول من كتب عن الذكاء الاصطناعي عام 1985م، كما ساهم في تطوير الدراسات النفسية سواء من خلال تدريسه الأكاديمي أو عبر إشرافه على البحوث العلمية.
تميزت كتابات نوري جعفر بالجمع بين الدقة العلمية والعمق الفلسفي، إذ لم يكتفِ بعرض الحقائق، بل سعى إلى تفسيرها ضمن أطر نظرية حديثة، متأثراً بالنظرية الماركسية والمادية الجدلية والاتجاهات العلمية العالمية. كما عُرف بجرأته الفكرية في مناقشة القضايا المعقدة، وبمحاولاته المستمرة لتأسيس رؤية علمية عربية حديثة للإنسان، تستند إلى معطيات العلم، دون أن تنفصل عن السياق الثقافي والاجتماعي.
وقد ترك من خلال مؤلفاته ومحاضراته إرثاً علمياً مهماً، أسهم في إثراء المكتبة العربية، وفتح آفاقاً جديدة لدراسة الإنسان بوصفه كائناً بيولوجياً واجتماعياً في آن واحد، مما جعله واحداً من أبرز رواد الفكر العلمي في العالم العربي في القرن العشرين.
انشغل جعفر على امتداد مسيرته الفكرية بقضايا الإبداع والتفكير العلمي والذكاء الإنساني، ساعياً إلى مقاربة هذه الظواهر المعقدة من خلال رؤية تكاملية تجمع بين المعطيات الفسيولوجية والاجتماعية في آن واحد. فقد كان يؤمن بأن الإبداع ليس ومضة غامضة معزولة، بل ثمرة تفاعل عميق بين بنية الدماغ وما يحيط بالإنسان من شروط ثقافية وتاريخية.
وقد خلف إرثاً علمياً غنياً تجاوز ثلاثين مؤلفاً، تناولت موضوعات متعددة، من أبرزها العلاقة بين الدماغ والإبداع، وأثر البيئة الاجتماعية في تشكيل القدرات العقلية، فضلاً عن اهتمامه بتاريخ الفكر العلمي وتحولاته. وتميزت هذه المؤلفات بعمقها التحليلي ودقتها المنهجية، إذ استطاع من خلالها أن يقدم رؤىً جديدة تسهم في فهم الظواهر النفسية والعقلية ضمن أطر علمية حديثة.
كما اتسم أسلوبه بالقدرة على المزاوجة بين التحليل العلمي الدقيق والرؤية الفلسفية الواسعة، فكان يكتب بعقل العالم وروح المفكر، الأمر الذي منحه مكانة متقدمة بين رواد الاتجاه العلمي في دراسة الظواهر النفسية في الفكر العربي الحديث. ولم يكن مشروعه مجرد جهد فردي، بل كان محاولة واعية لتأسيس تقليد معرفي عربي يقوم على احترام العلم والانفتاح على مناهجه المعاصرة.
وفي خاتمة مسيرته، توفي رحمه الله عام 1991م وسط بناته الثلاث وابنه علي؛ في ليبيا ودفن في مدينة طرابلس إثر مضاعفات مرض الزكام الذي ألم به. أما قصة مقتله على يد سائق ليبي في طرابلس وهو في طريقه الى المطار، فهي كذبة مختلقة انتشرت على مواقع الإنترنت.
ترك د. نوري جعفر بعد رحيله أثراً علمياً وفكرياً لا يزال حاضراً في الذاكرة الأكاديمية والثقافية، يشهد على مشروع سعى إلى فهم الإنسان في عمقه البيولوجي والاجتماعي، وإلى تحرير التفكير العلمي من قيوده التقليدية نحو آفاق أكثر رحابة واتساعاً. ولا ننسى دور السيدة نجود نوري جعفر في الاهتمام بما تركه من مؤلفات فكرية ومعرفية، إذ ساهمت بتحويلها إلى pdf وانشأت لها موقعا على الويب سات للانتفاع منها من قبل طلبة العلم والمعرفة.
يعد نوري جعفر واحداً من أبرز المفكرين العرب الذين تحركوا في المساحات الخصبة الواقعة بين العلم والفلسفة، حيث لم يكن مشروعه الفكري مجرد وصفٍ للظواهر النفسية أو العصبية، بل كان سعياً معرفياً عميقاً لتأسيس رؤية إبستمولوجية متكاملة للإنسان بوصفه كائناً مركباً، تتداخل في تكوينه البنية البيولوجية مع الشروط الاجتماعية والتاريخية في جدل دائم لا ينفصل.
لقد انطلق جعفر من إدراك حاد لطبيعة الإنسان بوصفه نتاجًا لتفاعلات متعددة المستويات، فعمل على إعادة قراءة الظواهر النفسية والعقلية في ضوء هذا التعقيد، متجاوزاً الاختزالات السطحية التي تفصل بين الجسد والعقل، أو بين الفرد ومحيطه. ومن هنا، اكتسب مشروعه طابعاً تركيبياً، يجمع بين الصرامة العلمية والانفتاح الفلسفي، في محاولة لبناء فهم أكثر عمقًا وشمولًا للوعي الإنساني.
وفي هذا السياق، يمكن تلمّس الأثر الواضح للمادية الجدلية في تشكيل أفقه الفكري، كما صاغها كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز، غير أن هذا التأثر لم يكن استنساخًا حرفياً أو تبنياً أيديولوجياً مغلقاً، بل كان انفتاحاً نقدياً واعياً على هذا المنهج، أعاد من خلاله صياغة أسئلته وإشكالاته ضمن حقل علم النفس وعلم الأعصاب.
وهكذا، تحولت المادية الجدلية في فكر نوري جعفر من إطار فلسفي عام إلى أداة تحليل علمية، أسهمت في تعميق فهمه للعلاقة بين الدماغ والوعي، وبين الفرد والمجتمع، بما يجعل مشروعه أحد أبرز المحاولات العربية الجادة لدمج العلم بالفلسفة في مقاربة الإنسان.
ينطلق جعفر من فرضية مركزية تتقاطع بوضوح مع جوهر المادية الجدلية، مؤداها أن الوعي لا يمكن النظر إليه بوصفه كياناً مفارقاً أو جوهراً مستقلاً قائماً بذاته، بل هو نتاج تفاعل جدلي معقد بين الدماغ، باعتباره بنية مادية عالية التنظيم، وبين البيئة الاجتماعية التي تمثل الإطار التاريخي والثقافي الحاضن لتكون هذا الوعي وتطوره. وعلى هذا الأساس، يغدو الوعي ظاهرة علائقية لا تفهم إلا ضمن شبكة التفاعلات التي ينتج عنها، لا في عزلة ميتافيزيقية مجردة.
ويتسق هذا التصور مع الأطروحة التي بلورها كارل ماركس، والتي ترى أن الوجود الاجتماعي هو المحدد الأول للوعي، بحيث يتشكل الفكر الإنساني من خلال شروط الحياة المادية وأنماط التفاعل الاجتماعي، لا بوصفه معطى سابقاً عليها أو منفصلاً عنها. ومن هنا، فإن الوعي عند جعفر ليس انعكاساً ميكانيكياً بسيطاً للواقع، بل هو نتاج عملية جدلية تتداخل فيها البنية العصبية مع الخبرة الاجتماعية، في سياق من التأثير المتبادل والتطور المستمر.
وفي سياق تحليله للعمليات العقلية، يتخذ جعفر موقفاً نقدياً واضحاً من النزعات المثالية التي تفصل الفكر عن الجسد، رافضاً كل تصور يجعل من الذهن جوهراً قائماً بذاته خارج شروطه المادية. فهو يؤكد أن النشاط الذهني ليس إلا تعبيراً عن عمليات فسيولوجية – سيكولوجية متشابكة، تتأسس على ديناميات الجهاز العصبي، وتتطور عبر التفاعل المستمر مع الخبرة الحياتية والمعرفة المكتسبة.
وبهذا الطرح، يضع حداً للتصورات الثنائية التقليدية التي فصلت بين المادة والروح، ليؤكد وحدة الظاهرة الإنسانية في بنيتها ووظيفتها، حيث يتكامل البيولوجي مع الاجتماعي، ويتداخل العصبي مع الثقافي، في تشكيل الكيان الإنساني بوصفه كلاً متماسكاً. ومن هنا تبرز أهمية مشروعه بوصفه محاولة علمية – فلسفية لتجاوز الانقسامات الكلاسيكية، وبناء فهم أكثر تركيباً وشمولاً لطبيعة الوعي الإنساني وآلياته.
كما تتجلى الروح الجدلية بوضوح في معالجة نوري جعفر لمفهوم التطور، إذ لا ينظر إلى الدماغ بوصفه بنية ثابتة أو معطى جاهزاً، بل يراه نتاجاً تاريخياً لعملية تراكمية متدرجة، تتخذ شكل بناء طبقي متعاقب، تتراكب فيه المستويات دون أن تلغي اللاحقة منها السابقة، بل تعيد تنظيمها وتوظيفها ضمن نسق أكثر تعقيداً وثراءً. وبهذا المعنى، فإن التطور عنده ليس مجرد إضافة كمية، بل هو حركة جدلية تتداخل فيها الاستمرارية مع التحول، ويعاد فيها تشكيل القديم داخل بنى جديدة أكثر تقدماً.
ويعكس هذا التصور بجلاء أحد القوانين الأساسية في المادية الجدلية كما بلورها فريدريك إنجلز، وهو قانون التحول من الكم إلى الكيف، حيث تؤدي التراكمات الكمية في البنية العصبية - من حيث عدد الخلايا، وتعقيد الروابط، وتكثّف الشبكات - إلى حدوث قفزات نوعية في مستوى الوظائف العقلية، فتنبثق أنماط جديدة من التفكير والإدراك لا يمكن ردها إلى عناصرها الأولية بصورة ميكانيكية. وهنا يتجلى الطابع الجدلي للتطور بوصفه انتقالاً نوعياً ناتجاً عن تراكمات كمية، لا مجرد امتداد خطي بسيط.
ولا يقف هذا التأثر عند حدود التصور النظري للتطور، بل يمتد ليشمل تأكيد جعفر على الدور الحاسم للبيئة الاجتماعية في تشكيل القدرات العقلية وتوجيه مسارها. فهو يرى أن الدماغ، مهما بلغ من التعقيد البيولوجي، يظل عاجزاً عن إنتاج وعي إنساني متقدم في غياب شروط اجتماعية وثقافية ملائمة، تتجسد في اللغة، والتعليم، والعمل، وأنماط التفاعل الإنساني. فالإنسان لا يفكر في فراغ، بل داخل شبكة من العلاقات التي تمنح خبرته معناها وتوجّه نموه العقلي.
وفي هذا السياق، يلتقي جعفر مجدداً مع التصور الذي صاغه كارل ماركس، والذي يجعل من البنية الاجتماعية الأساس الذي يتحدد في إطاره الوعي، حيث لا يُفهم الفكر إلا بوصفه انعكاساً جدلياً لشروط الحياة المادية، مع احتفاظه في الوقت ذاته بقدر من الفاعلية التي تمكنه من التأثير في هذه الشروط وإعادة تشكيلها. وهكذا، يتجسد في مشروع جعفر تفاعل حي بين البيولوجي والاجتماعي، وبين الطبيعي والتاريخي، في إطار رؤية جدلية ترى الإنسان كائناً يتكوّن باستمرار عبر علاقته بالعالم.
ومع ذلك، فإن نوري جعفر لم يكن تابعاً للماركسية بقدر ما كان محاوراً لها ومحاوراً نقدياً في الوقت ذاته، إذ تعامل مع المادية الجدلية بوصفها إطاراً مفتوحاً للتفكير لا نسقاً مغلقاً، فعمل على إعادة صياغتها في ضوء المعطيات العلمية الحديثة، ولا سيما ما أتاحه تطور علم الأعصاب والدراسات السلوكية التجريبية.
وفي هذا السياق، شكلت نظرية إيفان بافلوف منعطفاً معرفياً مهماً في تشكيل رؤيته، إذ وجد في مبادئها -وخاصة مفهوم المنعكس الشرطي - أداة تفسيرية قادرة على ربط السلوك الإنساني بآليات فسيولوجية قابلة للقياس والرصد. فقد أظهرت تجاربه أن الاستجابات النفسية لا تنشأ في فراغ ذهني مجرد، بل تتكون عبر أنماط من التعلم والتكرار والتكيف مع المثيرات البيئية، وهو ما ينسجم مع التصور الجدلي الذي يرى أن الوعي والسلوك يتشكلان داخل شروط مادية وتجريبية محددة.
ومن هنا، سعى جعفر إلى تجسير الفجوة بين التنظير الفلسفي والبحث العلمي التجريبي، ناقلاً النقاش من مستوى التأملات المجردة إلى مستوى التحقق العلمي الملموس. فقد ركز على دراسة الخلية العصبية بوصفها الوحدة الأساسية للنشاط الذهني، وعلى تحليل الدوائر الدماغية التي تنظّم السلوك، وعلى تفكيك الوظائف النفسية باعتبارها عمليات قابلة للرصد والقياس والتفسير العلمي، لا ظواهر غامضة أو كيانات ميتافيزيقية.
وبهذا المنهج التكاملي، استطاع أن يدمج بين الروح الجدلية للمادية التاريخية من جهة، وبين المنهج التجريبي في علم النفس الفسيولوجي من جهة أخرى، ليقدم رؤية أكثر علمية للإنسان، تقوم على فهم السلوك بوصفه نتاجًا لتفاعل معقد بين الجهاز العصبي والبيئة الاجتماعية، في إطار حركة مستمرة من التكيّف والتطور.
كما تتبدى في مشروع نوري جعفر نزعة نقدية عميقة وواضحة، تتأسس على رفض حازم للاختزال الميكانيكي للإنسان، ذلك الاختزال الذي يحول الكائن البشري إلى مجرد نتيجة مباشرة لحتميات مادية صمّاء أو استجابات عصبية جامدة. فهو ينأى بفكره عن كل تصور يفرغ الإنسان من طاقته الداخلية ويختزله في معادلات سببية مغلقة، ويقابل ذلك بتأكيد متكرر على الطابع الجدلي للوجود الإنساني، حيث لا ينفصل الفعل عن الوعي، ولا تنفصل البنية البيولوجية عن الدينامية الاجتماعية.
وفي مقابل الرؤى الحتمية الصارمة، يضع جعفر الإنسان في قلب الفعل التاريخي بوصفه كائناً فاعلاً، يمتلك القدرة على الإبداع والتجاوز وإعادة تشكيل شروط وجوده. فالإنسان عنده ليس مرآة سلبية تعكس الواقع كما هو، بل هو عنصر نشط داخل هذا الواقع، يساهم في إنتاجه وإعادة إنتاجه وتغييره عبر الوعي والعمل والتجربة. وهنا يقترب مشروعه من الروح الجدلية للمادية التاريخية، التي ترى أن الإنسان يصنع ظروفه بقدر ما تشكل هذه الظروف وعيه وسلوكه.
ومن هذا المنظور، يتجاوز جعفر ثنائية الجبر والاختيار، ليقدم تصوراً أكثر تركيباً للحرية الإنسانية، حرية لا تُفهم خارج شروطها المادية والاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه لا تختزل فيها. فالوعي، رغم جذوره الفسيولوجية والاجتماعية، يحتفظ بقدرة نوعية على النقد والتخيل وإعادة بناء المعنى، وهو ما يمنح الإنسان إمكانية دائمة لتجاوز واقعه القائم نحو آفاق أكثر تطوراً.
وبذلك يكتسب مشروعه بعداً إنسانياً واضحاً، إذ يوازن بين الحتمية العلمية التي تؤكدها معطيات علم الأعصاب والتحليل السلوكي، وبين الفاعلية الإنسانية التي تمنح الفرد دوراً مركزياً في التاريخ. إنه تصور جدلي للإنسان، يرى فيه كائناً متجذراً في المادة، لكنه في الوقت ذاته قادر على تجاوزها عبر المعرفة والعمل والإبداع، في حركة دائمة من التحول والتشكل.
إن قراءة مشروع نوري جعفر في ضوء المادية الجدلية تكشف عن محاولة فكرية رصينة وطموحة لتأسيس علم نفس عربي حديث، يتجاوز الطابع الوصفي التقليدي نحو بناء رؤية تفسيرية شاملة للإنسان، تقوم على التكامل بين المعطيات العلمية الدقيقة والرؤية الفلسفية العميقة في آن واحد.
فقد سعى جعفر إلى بلورة نموذج معرفي يفسر الإنسان بوصفه كياناً مزدوج البنية: كائناً بيولوجياً خاضعاً لقوانين الطبيعة والتطور، من جهة، وكائناً اجتماعياً تاريخياً يتشكل وعيه وسلوكه ضمن شروط الثقافة واللغة وأنماط الإنتاج والعلاقات الإنسانية، من جهة أخرى. وبهذا التصور، لم يعد الإنسان وحدة بسيطة يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل أصبح بنية مركبة تتداخل فيها المستويات العصبية والنفسية والاجتماعية في شبكة من العلاقات الجدلية المتحركة.
ويعكس هذا التوجه بوضوح الأثر العميق للمادية الجدلية كما صاغها كارل ماركس وفريدريك إنجلز، حيث يفهم الوجود الإنساني باعتباره وحدة جدلية بين المادة والفكر، وبين البنية التحتية الاجتماعية والبنية الفوقية الفكرية. غير أن أهمية مشروع جعفر تكمن في محاولته نقل هذا التصور من مستوى التأمل الفلسفي العام إلى مستوى التفسير العلمي القابل للاختبار، مستفيدًا من تطورات علم الأعصاب وعلم النفس التجريبي.
ومن ثم، يمكن القول إن مشروعه يمثل خطوة جادة نحو إعادة بناء علم النفس العربي على أسس علمية حديثة، تنفتح على المنجز العلمي العالمي دون أن تنفصل عن أسئلته الثقافية الخاصة، بما يجعل من الإنسان محوراً لفهم متكامل يجمع بين الطبيعة والتاريخ، وبين البيولوجيا والمجتمع، في إطار رؤية جدلية ديناميكية لا ترى في الإنسان كائناً ثابتاً، بل كياناً في حالة تشكّل مستمر.
ولعل القيمة الأبرز في مشروع نوري جعفر تكمن في قدرته اللافتة على ردم الهوة التقليدية بين العلم والفلسفة، وبين التجريب المخبري والتأمل النظري، وبين المادة بوصفها أساساً فيزيائياً والفكر بوصفه نتاجاً معرفياً معقداً. فقد عمل على تجاوز تلك الثنائيات الصارمة التي طالما حكمت التفكير الإنساني، ليقدم تصوراً أكثر تركيباً للمعرفة والإنسان معاً.
ففي رؤيته، لا تظهر هذه المستويات - العلمي والفلسفي، المادي والفكري- كجزر منفصلة، بل تتداخل ضمن شبكة جدلية متشابكة من العلاقات والتفاعلات، تعكس الطبيعة الحقيقية للإنسان بوصفه كائنًا ديناميكياً تتشكل بنيته ووعيه باستمرار عبر التفاعل بين الجهاز العصبي والبيئة الاجتماعية والتاريخ الثقافي. وهكذا يصبح الوعي، في هذا الإطار، عملية مستمرة من التكوين وإعادة التكوين، لا حالة ثابتة أو معطى جاهزاً.
ومن هذا المنظور الجدلي، يقدم جعفر الإنسان بوصفه كائناً مفتوحاً على التحول، لا يمكن حصره في تفسير أحادي أو نموذج اختزالي، بل ينبغي فهمه داخل تعددية من الشروط والعوامل المتداخلة. وهو ما ينسجم مع الروح العامة للمادية الجدلية التي ترى الواقع في حالة حركة دائمة، تقوم على التناقض والتطور والتحول النوعي.
ومن هنا، يبقى فكره حياً ومفتوحاً على قراءات جديدة، وقادراً على الإسهام في النقاشات المعاصرة حول طبيعة الوعي، وحدود المعرفة الإنسانية، وإشكاليات العلاقة بين الدماغ والعقل، وبين الفرد والمجتمع، بما يجعله مشروعاً فكرياً قابلاً للتجدد، لا ينتمي إلى الماضي وحده، بل يمتد أثره إلى الحاضر والمستقبل بوصفه محاولة لفهم الإنسان في أعمق أبعاده وأكثرها تعقيداً.
المراجع:
- كامل سلمان الجبوري، معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م، ج6، بيروت، دار الكتب العلمية، 2003، ص 393.
- نبيل عبد الأمير الربيعي، تجليات المادية الجدلية في فكر نوري جعفر، مخطوط غير منشور.
- صحيفة التآخي، "سيرة العالم الدكتور نوري جعفر عالم في التربية وعلم النفس ورائد في التنوير والإصلاح"، 1/9/2019.
- اتصال مع ابنته نجود نوري جعفر يوم 24/3/2026.