أيار 20
   
                                                                                                        
     تحتل تنمية الثروة العقلية واستثمارها محلّ الصدارة في جهد العلّامة نوري جعفر، أصبح هذا الهدف محور اهتمامه الفكري والعلمي طيلة انشغاله في البحث العلمي الرصين، فانصرف كلياً للكشف عن المواهب والكفاءات وتنميتها وتوجيهها ورعايتها علمياً وتربوياً ومهنياً، ذلك أنه يَعدّ العنصر البشري جزءاً لا يتجزأ من الثروة الوطنية، ولأجل ضمان تحقيق هذا الاستثمار على خير وجه على وفق منهجية علمية مبرمجة، قدّم نوري جعفر المئات من البحوث والدراسات إلى المؤسسات العلمية والهيئات التربوية، داخل العراق وخارجه، لكي تتحول تلك الأفكار إلى واقع ملموس يرنو ببصره إليه، ليتحول إلى حقيقة ماثلة أمام عينيه، ولأنه كان يعي تماماً الصعوبات الجمّة التي كانت تعترض سبل الكشف عن مصادر الإبداع وإعاقتها، بسبب العقلية المتخلفة السائدة التي تدير أو تشرف على ميدان العلم ومؤسساته، وكثيراً ما تعرّض بسبب منهجه هذا إلى المضايقات والملاحقة، أو التهميش من قبل السلطات الحاكمة، ودفع بسبب ذلك ثمناً باهظاً فاختار الغربة، أيضاً، وعاش بعيداً عن وطنه. بألم وحسرة وهو يشهد ما أحاط بالوطن من ظلمة وخواء، يقول الراحل نوري جعفر: كان أملي كبيراً بأن يصبح مشروعنا في المستقبل غير البعيد مثالاً نموذجياً رائعاً يحتذى به في أرجاء البلاد العربية والدول النامية، وأن يتحول أيضاً بصورة تدريجية إلى أكاديمية علمية، ينصرف أعضاء الهيئة التدريسية فيها وطلابها إلى إجراء أبحاث علمية أصيلة رائدة نظرية وتطبيقية، ويعني بذلك "مشروعه الوطني " في أساليب الكشف عن المواهب العلمية وطبيعتها. وكان يحلم بأن يعرض العراق في هذا المشروع منجزاته العلمية النظرية والتكنولوجية في المحافل العلمية الدولية.
تتلخص فكرة هذا المشروع بدراسة المواهب وتحديد ماهيتها، والتي يعرّفها: أنها قدرات عقلية نادرة أو فريدة يتّصف بها بعض الناس وتعبّر عن نفسها عند النضج، بالرابطة الخفية بين الموهبة والخيال.
ومثلما يشير (فاخز عاقل – الإبداع وتربيته) وهو يبحث في طبيعة العمل الإبداعي وشروطه، الذي يعرّفه بـ (الدهشة الفعّالة)، فالبحث في وظائف الدماغ أخذ الحيز الأكبر في انشغالات نوري جعفر العلمية، في ضوء علوم الدماغ الحديثة. وكانت جلّ طروحاته تنفي وجود قدرات رياضية وغير رياضية نظرية كامنة في طبيعة الفرد، أو مسجّلة على صفحة المخ، فمحتوى القدرات العقلية جميعها ينشأ بالاكتساب البيئي وأن الخصائص المخيّة لأصحاب المواهب لا تؤدي من نفسها إلى إنتاج أي شيء إلا إذا وجدت الظروف البيئية الملائمة واستثمرها صاحبها إلى حدها الأقصى في الموضوع الذي يجنح نحوه منذ سن مبكرة، مع العلم أن تلك الخصائص موجودة بشكلها العام لدى جميع الأفراد الأسوياء بدرجات متفاوتة.
  إن القدرات العقلية برأيه ليست قوة فطرية مسجّلة تتحجر على صفحة المخ، بل هي تنشأ وتتطور في مجرى الحياة اليومية، والفروق الفردية في هذه القدرات لا تدلّ على شيء آخر، سوى أن الأشخاص قادرون على القيام بجميع أوجه النشاط العقلي بدرجات متفاوتة وأن كل شخص سوى أقدر من غيره (ومن نفسه أيضاً) في مجال معين منه في المجالات الأخرى، فبعض الطلاب يتخطى أقرانه في بعض الموضوعات ويتخلف عنهم في موضوعات أخرى، وبإمكانه أن يتخطّى نفسه في موضوع أو أكثر من موضوعات الدراسة، وأن يكون مبدعاً فيها، وهذا يستلزم إتاحة فرص تعليمية واجتماعية ملائمة لجميع الطلاب ليستثمر كل منهم رصيده المخّي إلى حده الأقصى في الموضوع الذي يميل إليه.
   في ضوء ما تقدم، يؤكد نوري جعفر ضرورة تجهيز الطالب منذ اليوم الأول في تعليمه مادة الرياضيات - بوصفها الميدان الأكثر واقعية في الكشف عن المواهب - بمواد حسية بصرية كثيرة ومتنوعة، وجعله يتعامل معها تمهيداً لحصول الصور الذهنية، والحسية والبصرية والتعامل معها بدل الأشياء المادية. ويستلزم كذلك تدريب الطلاب على فهم معاني المصطلحات الرياضية الملائمة وتجهيزهم بثروة لغوية رياضية مناسبة وتبسيط صوغ المسائل الحسابية والعناية بدقة التعابير المستخدمة والابتعاد عن استعمال الألفاظ والعبارات الغامضة تفادياً لحصول الالتباس في أذهانهم. وهو بذلك ينبّه إلى عقم أساليب التعليم في مراحل الدراسة الابتدائية، وبخاصة في الصفوف الثلاثة الأولى، لذا كان يدعو إلى أن يغير المعلّم موقفه السلبي من الطالب إلى موقف إيجابي يتّسم بالحنان والتوجيه وبعث الثقة بالنفس لتمكينه من التغلب على صعوبات التعلم والدراسة.
    يطرح نوري جعفر أساليبه المتنوعة في رعاية الموهوبين، منطلقاً بذلك من تجارب عالمية في هذا المجال، وجد في تطبيقها، أو الإفادة منها، معيناً مهماً في ابتكار أساليب جديدة تناسب الواقع المحلي، وتكاد تجمع تلك الأساليب على رعاية الموهوبين من خلال إثراء مفردات منهج الدراسة المعتاد، بإضافة موضوعات جديدة، أو التوسع في موضوعاته أو باعتماد أسلوب التعجيل (التسريع) وذلك بالسماح للطالب بالانتقال إلى صف أعلى من صفه في أثناء العام الدراسي الواحد، فضلاً عن الرعاية الخاصة بالنشاطات الّلاصفية خارج أوقات الدوام المحدد، في ضوء برامج معدة علمياً لهذا الغرض.
ويستلزم تنفيذ هذه الأساليب القيام بمسح شامل للقدرات المتميزة في كل مدارس العراق، وتسجيل الحالات الأكثر وضوحاً في تلك القدرات منها: الرغبة الواضحة في موضوع الرياضيات والفيزياء، والميل الملحوظ نحو تعلم وإتقان المهارات الأساسية، كذلك القدرة على تعميم المادة الرياضية المتعلمة، والمرونة في إجراء العمليات الرياضية وإدراك جوهرها والقدرة على ابتكار أساليب جديدة لحل المسائل الرياضية، والإلمام بالعلاقات الرياضية العامة وبأساليب التفكير الرياضي، كذلك القدرة على اختزال خطوات العمل الذهني والميل نحو إدراك العالم الخارجي إدراكاً رياضياً، أو تحليل الظواهر البيئية وعلاقاتها تحليلاً رياضياً، والقدرة على ممارسة التفكير بشكل مقلوب، أو معكوس أي السير من المجهول والرجوع به إلى المعلوم، فضلاً عن الجرأة أو الإقدام على اقتحام المجهول. مع ضرورة توفر استقلالية التفكير الرياضي والاتصاف بالمبادرات الشخصية والابتعاد عن التقليد أو المحاكاة أو التطبيق الميكانيكي على الحالات الجديدة.
   إن أحد الأسباب التي دعت نوري جعفر التركيز على حقلي (الرياضيات والفيزياء) في كشوفاته العلمية، هو إيمانه المطلق بأن تقدم الشعوب، وتمكنها من بناء حضارتها لم يأتِ من فراغ أو مجهول، بل اعتمدت كلياً في برامجها وخططها العلمية على ذينك العلمين، ووضعهما في ميدان التطبيق الفعلي والعملي. وهكذا ظلت الدول المتقدمة تتسابق من أجل تحقيق أفضل الإنجازات بفضل هذين العلمين. ولابد من الإشارة إلى الرأي الذي كان يرجع سر تفوق (الاتحاد السوفيتي) آنذاك، على الولايات المتحدة في مجال غزو الفضاء، أيام الحرب الباردة، هو تفوق علمائه الرياضيين والفيزيائيين على زملائهم في الدول الأخرى، وربما تأثر نوري جعفر بالمدرسة (السوفيتية) -إذا صح التعبير- بعد أن سنحت له الفرصة بعد تموز 1958 للاطلاع مباشرة على تلك التجربة، وهو لا يخفي هذه الحقيقة حين قدّم لكتابه (طبيعة الإنسان في ضوء فلسفة بافلوف) الصادر عام 1978 إذ يقول: أتاحت لي ثورة 14 تموز فرصة الاطلاع المباشر عن طريق اللغة الإنكليزية على منجزات الفكر السوفيتي في علم النفس وفلسفة الجهاز العصبي المركزي، فكانت حصيلة ذلك هذا الجهد الفكري المتواضع.
    يلمس المتتبع لسيرة حياة هذا العالم ملامح جديدة في مواقفه السياسية والاجتماعية فيها انحياز واضح لقضايا شعبه، ويتجلى هذا الانحياز في تعاطفه الكامل مع "بافلوف" حينما يستعرض حياته يقول عنه: ومع أن "بافلوف" كان رجل علم مختبري تجريبي، إلا أنه مع ذلك لم يعزل نفسه أو علمه عن الحياة الاجتماعية التي كانت تجري من حوله فارتبط بالجماهير بكل جوارحه وعواطفه النبيلة وأعدّ العمل الشريف الذي يدرّ على صاحبه الرزق الحلال أثمن شيء في الدنيا.
 
البعد المنهجي لمشروعه
     لم يكن مشروع نوري جعفر مجرد دعوة إصلاحية عامة، بل قام على رؤية منهجية متكاملة استندت إلى علم النفس التجريبي وعلوم الدماغ والتربية الحديثة. فهو لم يكتفِ بتشخيص أزمة التعليم، بل اقترح أدوات عملية للرصد والقياس والتوجيه، ما يمنح مشروعه قيمة أكاديمية رصينة، إذ سعى إلى تغيير الواقع التعليمي لا وصفه فحسب.
 
مفهوم الموهبة وعلاقتها بالخيال
 تتلخص فكرة مشروعه في دراسة المواهب وتحديد ماهيتها، إذ يعرّفها بأنها قدرات عقلية نادرة تتجلى في القدرة على اكتشاف علاقات خفية بين عناصر مألوفة. وترتبط الموهبة عنده ارتباطاً عضوياً بالخيال، الذي لا يعدّه نقيضاً للعقل، بل امتداده الأكثر حرية وخصوبة.
  فالخيال هو القدرة على إعادة تركيب الواقع، وعلى الجمع غير المألوف بين عناصر متباعدة، بما يفضي إلى إنتاج الجديد. وكلما ازداد الخيال ابتعاداً عن المباشر، كان أكثر رقياً، سواء في الرياضيات أو الشعر. وهذه الرؤية تضعه في تقاطع مع الفلسفات الحديثة التي ترى في الخيال قوة معرفية منتجة، لا مجرد ترف جمالي.
    لم يكن مشروع نوري جعفر، في جوهره، مجرد دعوة تربوية لتطوير طرائق التعليم أو الكشف عن المواهب، بل كان، على نحو أعمق، مشروعاً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فقد أدرك مبكراً أن العقل لا يُبنى بالتلقين، ولا تُستثار طاقاته الكامنة عبر التكرار الآلي، وإنما عبر ما يمكن تسميته بـ"أخلاق المعرفة"، أي ذلك الوعي الذي يجعل من التفكير فعلاً حراً ومسؤولاً في آنٍ معاً.
 
الرياضيات والفيزياء بوصفهما اختياراً فلسفياً
    إن إلحاحه على الرياضيات والفيزياء لم يكن انحيازاً تقنياً بقدر ما كان اختياراً فلسفياً، إذ رأى فيهما النموذج الأعلى للصرامة الفكرية، حيث تتجلى القدرة على الانتقال من المحسوس إلى المجرد، ومن المعطى إلى الممكن. وهذا ما يفسر تركيزه على “التفكير المعكوس” والانطلاق من المجهول نحو المعلوم، بوصفه تمريناً على كسر النسق الذهني السائد، وتحرير العقل من أسر التقاليد الموروثة.
     ومن هنا، فإن مشروعه يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليغدو مشروعاً حضارياً، يراهن على إعادة تشكيل الذهنية العراقية والعربية، عبر استبدال ثقافة الامتثال بثقافة السؤال، وثقافة الحفظ بثقافة الاكتشاف. فالموهبة عنده ليست امتيازاً بيولوجياً مغلقاً، بل هي إمكانية مفتوحة، تتغذى من البيئة، وتزدهر حين تجد نظاماً تعليمياً يؤمن بالاختلاف ويحتضن التفرد.
ولعل أكثر ما يمنح تجربة نوري جعفر فرادتها، هو هذا التوتر الخلّاق بين العلمي والإنساني في مشروعه؛ فهو، وإن انطلق من علوم الدماغ والنفس، لم يغفل البعد الاجتماعي والأخلاقي للمعرفة. لذلك ظلّ حريصاً على أن يبقى العالم مرتبطاً بمجتمعه، وأن يتحول العلم إلى قوة تحرير لا أداة هيمنة، وإلى وسيلة لكرامة الإنسان لا مجرد أداة إنتاج.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى نوري جعفر بوصفه واحداً من القلائل الذين حاولوا أن يؤسسوا لعقل عربي حديث، لا يكتفي باستيراد المعرفة، بل يسعى إلى إنتاجها، ولا يرضى بالاقتباس، بل يطمح إلى الابتكار. وهو طموح، وإن بدا مؤجلاً، إلا أنه يظل ممكناً ما دام هناك من يؤمن بأن النهضة تبدأ من سؤالٍ صحيح، ومن عقلٍ يتجرأ على التفكير خارج المألوف.
 
   جدل البيئة والقدرة
ينطلق نوري جعفر من موقف علمي واضح ينفي أن تكون القدرات العقلية معطىً فطرياً ثابتاً، مؤكداً أنها تنشأ وتتطور عبر التفاعل مع البيئة. فالفروق الفردية ليست دليلاً على امتلاك قدرات نوعية مغلقة، بل على اختلاف درجات التفعيل والاستثمار لما هو مشترك بين البشر.
وهذا الطرح يحرر التفكير التربوي من النزعة القدرية، ويحمّل المؤسسة التعليمية مسؤولية اكتشاف المواهب ورعايتها، بدل الاكتفاء بفرزها أو تصنيفها.
 
نقد التعليم التلقيني
في ضوء ذلك، يوجّه نقداً عميقاً للنظام التعليمي التقليدي، القائم على التلقين والاستظهار، والذي يحوّل الطالب إلى متلقٍ سلبي. ويرى أن هذه البنية التعليمية تُعطّل الإمكانات الإبداعية، وتقمع المبادرة، وتزرع الخوف بدلاً من الثقة.
ومن هنا يدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين المعلم والطالب، بحيث تتحول من علاقة سلطوية إلى علاقة تربوية قائمة على التشجيع والتوجيه وبعث الثقة.
 
أساليب رعاية الموهوبين
طرح نوري جعفر مجموعة من الأساليب لرعاية الموهوبين، منها:
  • إثراء المناهج الدراسية
  • التوسع في الموضوعات
  • اعتماد أسلوب التسريع
  • تنشيط البرامج اللاصفية
كما دعا إلى إجراء مسح شامل للقدرات في المدارس، وتحديد المؤشرات الدالة على الموهبة، مثل المرونة الذهنية، والقدرة على التعميم، والتفكير الرياضي العميق، والجرأة في اقتحام المجهول.
 
القيمة الحضارية للثروة العقلية
إن مفهوم "الثروة العقلية" عنده يتجاوز كونه استعارة، ليغدو مفهوماً حضارياً، يجعل من العقل ركيزة أساسية في بناء الأمم. فالتقدم لا يتحقق بالموارد الطبيعية، بل بالقدرة على اكتشاف العقول وتنميتها.
 
بين العلم والعدالة الاجتماعية
لم يكن مشروعه نخبوياً، بل كان مشبّعاً بروح العدالة الاجتماعية، إذ آمن بأن الموهبة يمكن أن تنشأ في أي بيئة، وأن مسؤولية الدولة هي اكتشافها أينما كانت. وبذلك يصبح التعليم أداة للإنصاف، لا مجرد وسيلة للترقي الفردي.
تتجلى أهمية مشروعه اليوم في توافقه مع الاتجاهات التربوية الحديثة، مثل:
  • التعلم النشط
  • التفكير النقدي...
  • التعليم القائم على حل المشكلات
ما يؤكد أنه كان مفكراً استشرافياً سبق زمنه، ارتباط مشروعه أيضاً ببعد أخلاقي واضح، إذ يرى أن العلم مسؤولية اجتماعية، وأن العالم يجب أن يبقى مرتبطاً بقضايا مجتمعه، لا معزولاً عنها.
 
نحو إعادة قراءة معاصرة
    يظل نوري جعفر، في الذاكرة العراقية، أكثر من عالم أو تربوي، إنه مشروع لم يكتمل، وإمكانية ما تزال مؤجلة في ضمير الثقافة. فالرجل الذي راهن على العقل بوصفه ثروة وطنية، لم يكن يبحث عن نجاح فردي أو مجد شخصي، بل كان يسعى إلى تأسيس بنية ذهنية جديدة، قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاج، والتفكير إلى فعل حضاري.
وإذا كان الزمن قد خذل مشروعه في حياته، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تُقاس بمدى تحققها الآني، بل بقدرتها على البقاء كفكرة ملهمة تتحدى الإهمال والنسيان. فالأمم التي تتأخر في تكريم علمائها، لا تفقد أسماءهم فحسب، بل تفقد معها فرصاً كانت كفيلة بتغيير مسارها.
إن خطوة مجلة "الثقافة الجديدة" في استعادة نوري جعفر اليوم ليست عملاً وفائياً بقدر ما هي ضرورة معرفية، لأن مشروعه ما يزال صالحاً لأن يكون منطلقاً لإصلاح تربوي عميق، يعيد الاعتبار للعقل، ويضع الموهبة في سياقها الصحيح، بوصفها طاقة وطنية ينبغي اكتشافها ورعايتها.
إن سيرة حياة نوري جعفر، ومنجزه الفكري والعلمي، تمثل حالة فريدة من العطاء والأصالة، ومنهلاً ثراً للباحثين والدارسين وللثقافة العراقية على وجه الخصوص. فنوري جعفر إنسان ومبدع وإرث علمي بحاجة إلى اليد التي تعيد له مكانته المتميزة، وتردّ له اعتباره فحسناً لو فعلت وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة بإعادة طبع مؤلفاته ووضعت أفكاره في مناهج التعليم موضع التطبيق، أو على الأقل لو أطلق اسمه على إحدى الجامعات أو القاعات التدريسية أو خصص يوم للاحتفاء به أو تكريمه، وتلك إجراءات لا نعتقد أنها عسيرة التحقيق لو توفّرت النوايا الطيبة لدى (أولي الأمر) في رعاية العلماء، فالبلد الذي لا يستذكر رموزه وعلماءه، أمثال: نوري جعفر ومصطفى جواد وجواد علي وعبد الجبار عبد الله ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر، والقائمة تطول… فإنه سيكون والله بلد عاق.
    إن إعادة قراءة مشروعه اليوم ينبغي أن تتجاوز التوثيق إلى التفعيل، عبر إدماجه في إصلاح التعليم المعاصر، وبناء برامج حديثة تستلهم أفكاره.
 يظل نوري جعفر أكثر من عالم أو تربوي، إنه مشروع لم يكتمل، وإمكانية مؤجلة في ضمير الثقافة. لقد راهن على العقل بوصفه ثروة وطنية، لا لتحقيق مجد شخصي، بل لبناء مستقبل جماعي.
وإذا كان الزمن قد خذل مشروعه، فإن قيمته الحقيقية تكمن في بقائه فكرة ملهمة. فالأمم التي لا تستذكر علمائها، تفقد فرصها في التقدم.
إن استعادة نوري جعفر اليوم ليست وفاءً فحسب، بل ضرورة معرفية، لأن مشروعه ما يزال قادراً على أن يكون منطلقاً لإصلاح تربوي عميق.
وما بين حلمه الذي لم يكتمل، وواقعنا الذي ما يزال يبحث عن طريقه، تبقى دعوته قائمة :أن نمنح العقل فرصته، وأن نؤمن بأن المستقبل لا يُبنى إلا بعقول تفكر.