
الثراء المعرفي وعمق التحليل
قلما تجد مثل هذا الثراء في التنوع المعرفي مع عمق التحليل والتركيب، نحو صناعة منطق فكري منتج ومستفز لمن يبحث في مجالات الفكر بتنوعه باحثاً عن البيان منه. إنه استثناء تجسد في هذا الفذ المتواضع (نوري جعفر).
تمر علينا صدفٌ حسنةٌ، بعضٌ منها يغير مسيرة حياتنا بمتحولٍ جذريٍّ في وعينا وبنائنا الفكري. في أعمّها الأغلب يصنعها مربون وأكاديميون، وممّا لا شك فيه أنهم في أسمى صفات واجباتهم، معظمهم يمتهنون التعليم بمستوياته المتنوعة يضاف لهم الأب والأخ، ومن ليس له صلة قربى فضله أوسع لأن دوافع عمله أسمى.
إنه (المعلم، المدرس، الأستاذ)، هو من لا بد أن يُجازى على ما قدم، ولو بجزءٍ يسيرٍ من الوفاء في استذكار طلبتهم لهم، والموقف مهما كان لا يوازي قطعًا ما قدموا من عطاءٍ منحوه لطلبتهم.
إن من هو خارج عاطفة القربى عندما يكون بناؤه كبيرًا وراسخًا فله فضل لا يقاس بمقياسٍ ماديّ.
ها أنا في هذه الوريقات أحاول أن أستوفي اليسير من الوفاء لرجلٍ عظيمٍ في علمه وأخلاقه وتفانيه، إنه (الدكتور نوري جعفر 1914 ــ 1991). فهو غنيٌّ عن التعريف، لكني أحاول أن أكتب عنه ما أعتقد أنه لا بد أن يُذكر، ولا سيما ما لم يُكتب نتيجة مجاورتي له كأستاذٍ ومعلمٍ ومن ثمّ صديقٍ لأكثر من ثماني سنوات بين تدريسه لي في مرحلة الماجستير وإشرافه على رسالتي (الأسس السيكولوجية لعملية الإبداع الفني) في بدايات الثمانينيات.
(لم أجد توصيفًا مختصرًا لـ (نوري جعفر) إلا (الفذّ المظلوم). في جزءٍ من هذا الظلم كان مقصودًا بإمعان، وفي البعض الآخر كان بفعل وجوده في الزمان والمكان الخطأ، فهو كأي عربيٍّ وعراقيٍّ، شاء أم أبى يؤطَر ضمن سياقات حياةٍ يهيمن عليها التخلف والاستبداد.
في الحالين الآنفين جابه الرجل ما يصد ويصدم مسيرته الإبداعية، اذ حاولت السلطات المتنوعة منذ الخمسينيات إلى هجرته الأخيرة وهي الهجرة الثانية، أن يكسبوه كمروج او مجمل لسياساتهم، إلا انه رفض بوسائل ذكية حققت له عقوبات التهميش والإبعاد دون ان تصل إلى ما هو أصعب، برغم ان هجرته الاولى بعد 1963 إلى السعودية ومنها إلى ليبيا، كانت بفعل قراءته الاستبداد الذي توج بالفصل من وظيفته، وقد يكون السجن نتيجة أفكاره اليسارية التي لم يحمد عليها لا من اليمين المناهض ولا من اليسار الراديكالي.
جزء من السيكو الجمعي للعراقيين تعاظم الأنا على نحو عدواني مخبوء ولاسيما من هو في دائرة التخصص القريب، هذ ما كابده نوري جعفر في حياته المهنية، ومن مساوئ الافعال انه وجد التمجيد والتعظيم خارج بلده، ولاسيما في العالم الأوربي، أذكر انه صارحني ممتعضاً ان دعوة وجهت له من جامعة ويلز لمناقشة بحوث مؤتمرها السنوي لطلبة الدكتوراه في علم النفس التربوي وفلسفة التربية، حجبت عنه في درج أحد المسؤولين برغم ان تكاليف السفر وكل المستلزمات على الجامعة الإنكليزية. والأمر شخصي، بل الغريب ان المسؤول لم يلتق بدكتور نوري ولم تجمعهم مناسبة أو مصلحة، والأمر ليس إهمالاً عابرًا، لأن الجامعة طالبت بعد حين من إرسال الكتاب الأول إعلامها أو الرد على الدعوة.
الكتابة عن عالمٍ يتميز بشموليةٍ وتنوعٍ استثنائيٍّ لا بد أن تكون مجانبة للعاطفة، على الرغم مما تستفز ذكراه من عواطف محفزة للوجدان لمن جاوره وتتلمذ تحت يديه، مما يثير الأحاسيس الجياشة. إذ كانت لي تفاعلٌات عاطفيٌّة بشعوري به كأبٍ يحرك ولده بمنهجية العلم.
في قراءتي لحياة الرجل برؤى متعددة: أولُها علاقةُ حياته بما يمتلك من انتماءٍ فكري، وثانيها تنامي افكاره بتطورٍ ديناميكي أساسها دخوله في مناطق بحثيةٍ متنوعة، وثالثها تركيبه القصدي في بنى ومناهج فكريةٍ متجاورةٍ ليصنع رؤاه الفكرية المتشكلة ببصمته.
وإزاء ما تقدم وجدت ثمانية مواقف تحوّلية بنت الرؤى الفكرية الخاصة به، والتي ستشكل أبواب كتاب أعمل عليه أسميته: هكذا كان معلمي: نوري جعفر، مكابدات الزمان والمكان.
يتشكل الموقف الأول في أول مغادرته من (القرنة) مدينته التي ولد بها إلى العاصمة بغداد للدراسة الجامعية، لأنه يمتلك معدلًا تخطّى التسعين، والأمر نادرٌ جدًا في ذاك الزمن، توجهت آماله نحو الكلية الطبية كأيّ يافعٍ تقوده أعراف الحياة السائدة.
في ذاك اليوم الدراماتيكي الممتلئ بأحداثٍ صادمةٍ ابتدأ من اكتشافه لفقره المادي، وما شكّل صدمةً أساسها ذاك التمايز الطبقي المقيت.
إذ يقول : سافرتُ من القرنة فجرًا بملابس كان قميصي يمثل الجزء العلوي من (البيجامة) وهي ملابس النوم، لأني لا أمتلك قميصًا، كان ذلك في سنة 1931. وصلتُ بغداد متوجهًا إلى الكلية الطبية وكان الوقت ظهرًا، حاملًا إضبارة تخرّجي وقدمتها إلى سكرتارية العمادة التي يرأسها (سندرسن باشا) طبيب الملك فيصل الأول. قيل لي: انتظر لحين استدعائك، جلستُ على الدكة الخارجية أنتظر استدعائي للدخول، إلا أن الكثير من أبناء الباشوات ومن هم في حالة غنى يركنون سياراتهم الفارهة ويدخلون مع أبنائهم أو أقاربهم ويخرجون فرحين ضاحكين إلى نهاية الدوام، مما اضطرني للذهاب إلى فراش السكرتارية فوجدتهم قد نسوني، إلا أن إضبارتي أسعفتني عندما وجدوا معدّلي أعلى طالب. دخلتُ على (سندرسن باشا) فوجدته يُمعن النظر في إضبارتي، وعندما رفع رأسه ليراني سحب نظارته لتعديل نظره وكأنه صدم بهيئتي الفقيرة، قال بلكنةٍ:
سندرسن باشا : ما عمل والدك؟
نوري جعفر : فلاح، باشا.
سندرسن باشا: أتدبّر خمس دنانير شهريًا للدراسة؟
نوري جعفر: لا والدي ولا أنا شاهدنا شكل الخمس دنانير.
سندرسن باشا: أنصحك أن تذهب إلى دار المعلمين العالية، أفضل لك.
نوري جعفر : فلاح، باشا.
سندرسن باشا: أتدبّر خمس دنانير شهريًا للدراسة؟
نوري جعفر: لا والدي ولا أنا شاهدنا شكل الخمس دنانير.
سندرسن باشا: أنصحك أن تذهب إلى دار المعلمين العالية، أفضل لك.
انتهى اللقاء وخاب أمل نوري جعفر في أن يُقبل في الكلية الطبية.
مع الموقف السابق تشكّل في وعي (نوري جعفر) ذاك (الإجحاف الطبقي) الذي تماهى بعد حين نحو انتماء (سيكو–إبستمولوجي) مع الفكر الماركسي، ولا سيما عندما بدأ في القراءة المنهجية لعلوم السياسة والعقائد، إلا أن الرجل لم ينتمِ إلى حزبٍ سياسيٍّ أبدًا.
أما في الموقف الأخر، بوصفه المتحول الثاني في مسيرته، كان مع (الدكتور فاضل الجمالي) أستاذه في دار المعلمين العالية، الذي قرأ مستقبلًا أكاديميًا وفكريًا في شخصية تلميذه الفذ، ما وجّه الموقفَ تركيبةً أنبتت عند نوري أثرًا في ليبرالية الجمالي الذي يُعد من أهم الليبراليين العراقيين، فضلًا عما يمتلكه من تميزٍ في الدراسات التربوية، مما منحه تميزًا في رؤاه السياسية. إذ اطّلع (جعفر) على هذا التوجه الليبرالي، مع الراسخ في ذاته من انتماءٍ لليسار الماركسي، إذ عاش صراعًا إيجابيًا منتجاً بين ما يقدمه أستاذه من حججٍ ذات مواقف ليبرالية وبين ما يقرأه في الخفاء عن الماركسية، هذا الذي سيمتزج مع الموقفين الثالث والرابع.
كان إيفاده إلى أمريكا يمثل موقفا ثالثا، إذ شاءت ظروفه الحسنة أن يتتلمذ على يد الفيلسوف
البراجماتي (جون ديوي). إذ انفتحت أمامه حوارات بجدل فلسفي مزجت الفلسفة بعلم النفس والتربية، مما أحال القراءات النفسية والتربوية إلى نظمٍ فلسفية.
مما مكن (نوري جعفر) تحقيق نظم تأويليةً بتركيبٍ منهجيٍّ، يتميز بما حمل من انتماءٍ خفيٍّ نحو (الماركسية) التي كانت وراء الستار في نظم تحليلاته، لكن أثر جون ديوي جعل التوجه يأخذ أحيانًا اتجاهًا عكسيًا اتضح في قراءاته السياسية. هذه القراءة التي زاوجت بين الماركسية والليبرالية والبرجماتية، قدّمت ثراءً متميزًا في التحليلات الفلسفية والسياسية والتاريخية، وكانت الإضافة الداعمة للموقف الرابع.
الموقف الرابع يتمثل في إنجازه خارج نطاق البحوث الجامعية، عن طريق ترجمة كتاب (برتراند رسل) سنة 1949، بمعنى بعد رجوعه من الدراسة، ويبدو أنه تهيئ للموضوع وهو في أمريكا. وما يسترعي الانتباه أن (رسل) ينتمي إلى اتجاه فكري يختلف عما ينتمي له (ديوي)، إذ يُعدّ من رواد الفلسفة الوضعية المنطقية وفلسفة العلم. وهناك حوارات اشتغل عليها الكثير من الباحثين تكشف مراكز الخلاف أحيانًا والتوافق في أحيان اخر، ومن المؤكد أن (نوري جعفر) كان على اطلاعٍ عليها أو حاول استكشاف أراء ديوي في فحوى توافقاتٍ واختلافات الرأي بين القطبين الفلسفيين، مما حفزه ليقدّم كتاب رسل كأول إنجازٍ مطروحٍ خارج الوسط الجامعي. (سنقدم في هذا الموقف قراءة نوري جعفر المختلفة بين برجماتية ديوي ووضعية رسل، مما أتاح له أن يقدم رؤى فكريةً سياسية المنحى تستقرئ التاريخ بقراءة اليسار الليبرالي الذي لا يغفل الدعوات الموضوعية أو العملية ذات البعد البرجماتي). الموقف الخامس، مع انتخابات عام 1949 إذ رشّح عن مدينته (القرنة) وحُرّفت النتائج، مما جابه منافسيه بضراوة عن طريق الصحافة والخطابات، فأثار الحكومة، مما أدى إلى استدعائه من قبل رئيس الوزراء وزجره، إلا أنه وقف موقفًا شجاعًا في الدفاع عن نفسه. في هذا الموقف تحوّل في أساليب المواجهة والدفاع من الكتم إلى المجابهة، واستمر مواجهًا مباشرًا يدافع عن الحق والحقوق دون اكتراث لما يمكن أن يصيبه، فأُضمر له، مما أدى إلى تهميشه ومحاولة إيقاف انتشار أفكاره في فتراتٍ متعددةٍ مختلفة المشارب.
الموقف السادس، (نتاجه في التربية وعلم النفس): بعد إكمال دراسته في الدكتوراه متخصصًا في العلوم الفلسفية للتربية، قاده البحث نحو مركبٍ فكريٍّ متميزٍ بين التربية والتعليم والبنى السيكولوجية للفرد لتحقيق منظومةٍ متقدمةٍ تصب في البناء التربوي العام من خلال التعليم. ولأنه درس على يد الفيلسوف البراجماتي جون ديوي كانت آثار التربية من خلال المدرسة حاضرةً في نتاجه.
الموقف السابع: (نتاجه في علوم الدماغ والإبداع)، وهنا تتجلى له أقصى درجات الإبداع في قراءة علوم الدماغ في إحالتها من الوظيفة الفسيولوجية في الفعل النتاج لأقسامه ولا سيما القشرة المخية إلى وظيفةٍ تركيبيةٍ بمعادلةٍ جدليةٍ تقدم تبادلاً بين الجانب الفسيولوجي والأداء المتراكم، مما يحيل الدماغ من بنيته المادية الثابتة إلى بنيةٍ ديناميةٍ تتقبل النمو والتطور كما هي عضلات الجسد يمكنها النمو في تراكم الأداء ويمكن أن يصيبها الضمور، وعلاقة الإبداع بفيزيولوجية الدماغ وتفاعلية الأداء في النتاج الإبداعي الذي أسس له بما يمتلك من فهمٍ سيكو- إبستمولوجي، مع ما مكنه من استدعاء ما هو فاعل في الفلسفتين البراجماتية والماركسية.
الموقف الثامن: (نتاجه في اللغة والأدب والتاريخ والسياسة والمجتمع)، في هذا النتاج مؤشّر لرؤيةٍ تمتلك التفرد في فهمٍ ذي خصوصيةٍ يمكن أن يُكنّى بها.
إذ إن تحليله ونتاجه الشعري واللغوي ينمّ عن شغفٍ عزز بقراءاتٍ مكثفة بما يخص دراسات التاريخ، ولا سيما الإسلامي منه، بما قدمه من تحليلٍ مدعَّمٍ بتركيبته الفلسفية التي أشرنا إليها آنفًا، بكل ما يمتلك من نزعة تقدميةٍ وليبراليةٍ مفعمةٍ بيساريةٍ مناهضةٍ لكل أشكال الاستبداد في نتاجاته الاجتماعية والسياسية.
*****
وجهة النظر الحديثة بعد بافلوف
(علوم الدماغ وعلم النفس المستند اليهما النور وسايکولوجي)
قراءات في رؤية نوري جعفر
قبل ان أقدم قراءتي في البناء الفكري لأستاذي الفذ وجدت ما ذكر (مانويل كانت) في كتابه (نقد ملكة الحكم)، في فكرة وماهية العبقرية، موضوع يمكن ان يكشف شيئا عندما نبحثه في البنية الفكرية لـ (نوري جعفر).
إذ يصف (كانت) العبقرية بتلك (الموهبة أو الهبة الطبيعية) ... بما يؤشر للموهبة، من حيث هي ملكة إبداعية فطرية، تنتمي للطبيعة، فيمكن التعبير عن هذا على النحو التالي: (العبقرية هي الميل الفطري للعقل الذي تعطي الطبيعة قواعد للفن).
أولاً: أن العبقرية هي موهبة إنتاج ما لا يمكن أن تعطى له قاعدة محددة، وليس إظهار البراعة في مهارة يمكن تعلمها بحسب قاعدة معينة، وبالتالي يجب أن تكون الأصالة سمتها الأولى.
ثانياً: من هنا، ففي حين لا تكون العبقرية هي نفسها نتيجة تقليد، لا بد أن تنفع الآخرين بهذه الطريقة، أي كمعيار أو قاعدة للحكم.
ثالثاً: لا تستطيع هي نفسها ان تصف أو تفسر علمياً كيف حققت وجود نتاجها، بل تقتصر على إعطاء القاعدة كطبيعة))(1)
ووفقاً لرؤى (كانت) في ما دون أن العبقرية تعتمد الأصالة وهنا لا بد من تعيين لماهية الأصالة على وفق مقصدية (كانت) اذ ينتمي كانت إلى المتحول او المتطور في الميتافيزيقيا، ولأنه مؤسس (للميتافيزيقيا النقدية) فان الأصالة لا تفقد المرجعيات بما تمتلك من انفتاح بين الطاقة الفيسيولوجية والإقرار او الإرادة نحو عد الفاعل يتمثل في عملية ذهنية تحكمها دافعية الإنسان وإخلاصه نحو الإنتاج الفكري المتطور او الجديد بوصفه ابتكارا، فإرادة المنتج المبدع المخلصة تحقق قيمة الإنتاج حتماً.
انتبه (نوري جعفر) لذلك إذ يذكر ((أننا لا نقدم كل المعلومات المنتجة في الذهن، لأننا ننتقي بعضها بقدر وفق ميزان عوامل في أعمها موضوعية بدافعية ذاتية))(2) .
إذ توصف المعرفة بظاهرةِ الفكر، ويوصفِ الفكرْ بظاهرةِ الإنسان، وبالنتيجة المعرفة ظاهرة إنسانية بالكامل، ولأنها كذلك، نجدها متنامية متطورة مع محركات الحياة بتشكلها للحضارة، ومنشطرة مع انشطاراتها ومصبغة بصبغاتها، ومتصفة بصفاتها، وصولا إلى عصرنا الذي استطاع أن يذيب الفوارق بين الحضارات، باعتماد العلم ونتاجه، ما جعل من الكوكب قرية صغيرة يتقدم فيه الأوسع تفاعلاً وإنتاجاً.
إذ يُعدْ العقل ونتاجه الفكري المحرك والمؤسس لكل ظواهر الوجود، بل كل ما هو خارجه إلا وجود في دائرة الاختلاف في طرف منه نفي أو عدم، هذه الظواهر بعضها أوسع من غيرها في التثبت والتمسك بأذيال الوعي نتاج الحراك العقلي، ولأن ظاهر العقل يتمثل في الفكر والمعرفة، نجد أن المعرفة فعل الفكر في الأشياء والظواهر وعلاقاتهما، ولأن فعل الفكر يعُد أداة بناء المعرفة فأن المعرفة أسيرة الفكر، والفكر نتاج المعرفة، إنها دائرة جدلية لا يمكن تعيين بدايتها، فهما في تداخل منتج.
يعد (نوري جعفر) أحد المؤسسين لنظرية تعتمد نتائج منطقية في تحليل البنى الإبداعية المنتجة للمعارف أساسها المزاوجة بين الطاقتين الفيسيولوجية و السيكولوجية في داخل الإنسان، وهي (النيرو سيكولجي) التي تبنت قراءات إجرائية تعتمد الجانب التشريحي للدماغ البشري، ولاسيما القشرة المخية، هذا ما انتبه له علماء هذا التوجه المركب بقصدية بين الفسلجة وعلم نفس الفرد، ولاسيما تلك المؤثرات المتبادلة بين القشرة المخية والانفعالات ذات الأثر السيكولوجي "إذ ثبت في ضوء علوم الدماغ أن الإنسان ينفرد بوجود مناطق مخية خاصة لا تشارکه فيها الحيوانات الراقية الأخرى بما فيهما القردة العليا القريبة منه في سلم التطور البايولوجي: تسمی المناطق المخية الثلاثية، تقع خلاياها العصبية في الطبقة المخية الأولی العليا وهي طبقة مخية إنسانية محضة من ناحية تکامل تطورها التشريحي ونتيجة لدقتها المتناهية لا يمکن رؤيتها بالعين المجردة تحتها طبقات مخية مايکروسکوبية أربع أخرى توجد مثيلاتها بمستويات أقل تطوراً لدی الحيوانات اللبنية العليا وبخاصة القردة.
والمناطق المخية الثلاثية المشار اليها تنقسم إلى (حسية) أو (خلفية) وجبهية (أو أمامية) من ناحية موقعها في المخ ومن حيث وظائفها الفسلجية. فالمناطق المخية الحسية الثلاثية تقع علی الحدود الفاصلة بين الفصين القذاليين (أو الخلفيين) والفصين الصدغين (أو الجانبين) والفصين الجداريين اللذين يقعان إلى جانب الفصين الصدغيين الواقعين في القسم الأعلی الأوسط من المخ وعلی جانبيه الأيمن والأيسر. ووظيفتها الأساسية القيام بعملية الإدراک الحسي الناجم عن التعامل مع الأشياء المحسوسة، کما ذکرنا، وهي بالغة الأهمية في حياة الإنسان وأوسع مناطقه المخية الحسية مساحة وحجمها يتجاوز حجم المناطق المخية الحسية بأسرها.
کما أنها جميعاً رقيقة التکوين وسهلة التخريب ولا يکتمل نضجها الا بعد بلوغ الطفل السنة السابعة من عمره، وتقـــع خلاياها العصبيـــة في الطبقـــة الأولی المخيـــة العليا. أمــــا المناطـــــق المخيـــــة الثلاثية (الجسمية فتقع کما ذکرنا في الفصين الجبهيين). وهي تمارس أعلی الوظائف الفکرية أو الإدراک العقلي الناجم عن التعامل مع المجردات وينفرد بها الإنسان وحده کما ذکرنا. وهي حديثة التکوين من الناحية النشوئية وأرقی من جميع المناطق المخية عند الإنسان (بما فيها المناطق المخية الحسية الثلاثية).
من حيث الموقع والأهمية تحتل خلاياها العصبية الطبقة المخية الأولى. وهي تستأثر بالقسم الأکبر من مساحة المخ، ولا يتم نضجها الا بعد اجتياز الطفل السنة السابعة من عمره(3).
انتبه (نوري جعفر) إلى ان البشر لا يمكن ان يكونوا متساوين بالقدرات المخية ذات المصدر الفيسيولوجي الا ان الأمر في ذاته لا يمكن ان يكون هو الحاسم في النتاجات الابداعية والابتكارية، فالأمر يحتاج إلى تعزيز الارادة التي يلعب فيها ضاغطان: الاول في البنية السيكولوجية للفرد التي تتأثر بالمحيط الاجتماعي بما يمتلك من ضواغط بعضها ميثولوجي يؤسس للعقائد وما شابها من انتماءات فكرية. والضاغط السيسيولوجي. هذه باجمعها ذات تأثير في مسيرة النتاج الابداعي لمن يمكن توصيف نتاجه بالابداع، هذا كان ضمن دائرة ابحاث الرجل طوال سنوات اخذت مأخذا مهما من حياته في مكان لا يأبه بهذه الابحاث (العراق) بفعل تخلف اصحاب القرار فيه *.
ان ما قدمه في أبحاث الثمانينيات التي انطلقت من جذور ابحاثه في العقدين الستيني والسبعيني من القرن العشرين يؤكد الشروط الثلاثة التي لابد من توفرها في شخصية الانسان المبدع:
أولاً ـــ الأساس الجسمي (المخي: الفسلجي) الموروث.
ثانياً ـــ الأساس البيئي (الاجتماعي: الثقافي) المکتسب.
ثالثاً ــــ الأساس السايکولوجي أي الدافع الذي يحفز المرء على استثمار مناطقه المخية الثلاثية الحسية إلى أقصی حد وعلی أفضل وجه.
وأن انتقاء أو فقدان أي من العناصر الثلاثة المشار إليها يحول دون حصول إنتاج فني إبداعي او يحقق إنتاجا فنيا الا انه فاقد الأصالة والابتکار.
ما يصدق علی المبدعين بما نطلق عليه الابداع الوجداني او بمنتجي المعرفة الانسانية من شعراء وادباء وفنانين يصدق أيضا علی علماء الرياضيات والعلوم الطبيعية النظرية. انها عمليات تحليلية تحتاج إلى معطيات بيئية اجتماعية وواقعية، تجعل من النتاج الابداعي غاية وهدفا لا ينافسه أي إغراء آخر. وهو بالنتيجة تجربة وخبرة في بناء ذاکرة تخصصية، وفي آلية مخيلة، تعرف بتراکم التجربة، آلية التحليل والترکيب، وتبني نتاجا يتصف بالإبداع والابتكار.
على وفق رؤية (نوري جعفر) لغرض التوضيح والتبسيط يمكن تقسيم الناس علی وجه العموم إلى ثلاث مجموعات من ناحية کثافة الخلايا العصبية في مناطقهم المخية الثلاثية (الأمامية والحسية) التي أشرنا إليها. هذه المجاميع هي:
1ـــ مجموعة الأفراد الذين يتقارب عندهم مجموع الخلايا العصبية في المناطق المخية الثلاثية الجبهية مع مجموع الخلايا العصبية الموجودة في المناطق الثلاثية الحسية.
کما يتقرب عندهم أيضاً مجموع الخلايا العصبية الواقعة في المخ مع مجموع الخلايا العصبية الواقعة في الأقسام الدماغية التي تقع تحت المخ.
وهؤلاء يمتلکون الأساس الجسمي (المخي) الذي يؤهلهم للاستمتاع بالرياضيات والعلوم النظرية وبالفنون علی حد سواء. وبإمکانهم أن ينتجوا أعمالاً في الفن أو في الرياضيات والعلوم الطبيعية النظرية بمستوی معتدل أي دون مستوی الدماغ.
2 ـــ مجموعة الأفراد الذين يتجاوز عندهم مجموع الخلايا العصبية الواقعة في المنطقة الثلاثية المخية الجبهية، مجموع الخلايا العصبية الواقعة في القسم الخلفي الأعلی من المخ، والذين يتجاوز عندهم مجموع الخلايا العصبية الواقعة في المخ علی مجموع الخلايا العصبية في الأقسام الدماغية الواقعة تحت المخ. وهؤلاء يمتلکون الأساس الجسمي (المخي) الذي يؤهلهم للقيام بأعمال إبداعية ذات مستوی عال في الرياضيات والعلوم الطبيعية النظرية.
3 ــ مجموع الأفراد الذين يتجاوز عندهم مجموع الخلايا العصبية الواقعة في المناطق المخية الثلاثية الحسية مجموع الخلايا العصبية الواقعة في القسم الأمامي الأعلی من المخ والذين أيضاً يتجاوز عندهم الخلايا الواقعة في الأقسام الدماغية التي تحت المخ مجمع الخلايا العصبية الموجودة في المخ. وهؤلاء يمتلکون الأساس الجسمي (المخي) الذي يؤهلهم للقيام بأعمال إبداعية ذات مستوی عال في مجال الفن.
ذلك هو الأساس الجسمي المخي للأشخاص المبدعين في مجال الفن من جهة والرياضيات والعلوم الطبيعية النظرية من جهة أخرى.
بين الماركسية واليبرالية: قراءة في رؤية نوري جعفر الفلسفية
تعرفت على الرجل وانا في السادسة بعد العشرين وهو في أواسط العقد الستيني، وعندما استرجع صور لقاءاتنا الأسبوعية التي تطورت بعد حين لتكون شبه يومية، برؤية تحليلية الآن، اجد ان الرجل كان يدرس بإمعان شخصية شاب يمثل ذاك الزمان بكل إرهاصته، وهو تواق للتدخل في تغيير المفاهيم والسلوكيات، بما فيها الأفكار التي في بعض منها تمثل ملامسة للرؤى الفلسفية، ليستطيع ان يحقق ما يرغب في التحول الذي يبتغيه، وقد نجح بعد ان منح الحرية في المجادلة والاعتراض، وهو بذلك حقق
الكشف لينطلق ببطء ممنهج للتدخل نحو التغيير، وانا بدوري برغم من ذاك البون في الوعي أمام هذه القامة الممتلئة بتراكم بين مركبات الفكر بأركانه المتعددة (فلسفة، علوم، أداب، تاريخ) بل وعي استثنائي أسس بفعل هذا الاندماج التركيبي الاستثنائي، انتج ما يعد تحولا مهما في سياقات الإنتاج الفكري التداولي السائد.
أتذكر في حادث لا يغيب عن ذاكرتي عندما كلفني بواجب دراسي يخص درس (الفلسفة المعاصرة) بقراءة كتاب جون ديوي، الفن خبرة، وكتابة تلخيص لكل فصل منه مع إشكالات أجدها في ملائمة أراء ديوي مع حركة النتاج الفني في القرن العشرين. وكان يوم اللقاء الأربعاء وطلب ان انجز الواجب السبت بموعد صباحي، فانتفضت متعجبا كيف لي إكمال هذه الواجبات لكتاب تخطى الـ 600 صفحة بثلاثة أيام، تعجب من هذا الخمول مقارنا الموقف بذاته وهددني ان لم افعل سيعتذر عن الإشراف على رسالتي.
خلال الثماني سنوات التي حرصت ان التقيه في الأسبوع أكثر من ثلاث مرات لساعات كشفت ان الرجل في مخاضات فكرية مستمرة لا تتوقف عند حد، فهو نهم في القراءة محللا كاشفاً مضيفاً بتركيب يكشف نتائجه بمنطق خليط بين معززات الماركسية والبرجماتية التي أحيلت إلى رؤية ليبرالية يسارية في السلوك او المنهجية الإجرائية الفكرية.
يبادر أي باحث في فكر وانتماءات (نوري جعفر) الفكرية ذات الطابع الفلسفي، للسؤال لماذا وكيف يوصف فكر الرجل بنزعة ماركسية؟ وأفكاره تتسم بالتجديد بفعل استلهام إيجابي تفاعلي بين الماركسية وفلسفة العلم والبرجماتية، التي كانت لأبحاثه في فلسفة التربية ذات اثر مهم في المتحول الذي أصفه بالتجديد، ما هو إلا تحول إيجابي أوسع في واقعيته وموضعيته في قراءة دقيقة لقوى الضغط ببعديها الاقتصادي ونتاجات الكشف العلمي.
نتفق ان الماركسية نظرية تعتمد ثلاث مركزيات تتمثل في: المادية التاريخية، والمادية الجدلية، ومتنام تتابعي للاشتراكية العلمية، فضلا عن قراءة تعتمد الماديتين التاريخية والجدلية للطبيعة والمجتمع وتحولات الفكر الإنساني.
هذا البناء المتداول في قراءة الفكر الماركسي، بما اعتمدته الراديكالية السياسية بثقافتها السوفيتية، لم يكن رائقا لـ (نوري جعفر)، بحكم رفضه الافتراضات القسرية في التحولات التاريخية، ولاسيما في الصفات القدسية التي منحتها للافتراض التاريخي في تعاقباته (المشايعة، العبودية، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية).
إلا ان (نوري جعفر) اعتمد فكرة الاشتراكية العلمية، التي أراد لها ان تكتشف الواقع ومحركاته الضاغطة في حركة رأس المال للفرد والمجتمع. تمثل ذلك في قراءته الدقيقة للاقتصاد الاشتراكي مقابل الاقتصاد الرأسمالي، ولاسيما بعد ترجمته لكتاب (برتراند رسل) (السلطة والفرد).
المنطقة التي أسست لرؤية (نوري جعفر) الماركسية تبنت المادية الجدلية بحكم ما تتماهى به مع فلسفة العلم، ومن ثم فإن هذه التحولات الحتمية التي قدمتها الماركسية استطاع تفعيلها مع جدل العلاقة بين الفرد والمجتمع عن طريق جدلية السلطة والحرية الفردية، فهو في انتباه لضرورة السلطة بحكم احترامها للحريات الفردية، انطلاقاً من رفض القمع السلطوي بحجج استبدادية مختلفة.
إنها علاقة تنظيم أسست لما نطلق عليه بالليبرالية اليسارية، وانا في هذا البحث لا ادعي ان د. نوري أحد مؤسسي الليبرالية اليسارية، لكن ما اعتمده من تفاعل فكري واضح في بنى نتاجاته ومقالاته.
وبغية اختصار رؤيته التي تتماهى مع اليسار الليبرالي يمكن إيجاز أفكاره بالنقاط الآتية:
1: يعد الفكر الماركسي بناء تحليليا أقرب إلى التشخيص العلمي من الافتراضات المنطقية، الا انه يعتمد الرؤية الماركسية في المادية الجدلية المركز الأهم والأقرب إلى الكشف العلمي، لكنه لا يقدم المادية التاريخية بحتمياتها إلى ذات المستوى في اعتماد المادية الجدلية، فلتتابعية التحولات من المشاعية إلى الشيوعية امر لا يخلو من تعسفية في الافتراض.
2: على الرغم من ابتعاده عن المعترك السياسي على نحو كامل في أواخر الستينيات، إلا ان قراءاته الفلسفية اليسارية المنحى جعلته في تأطير سياسي كان لا يرغب فيه. وفي كتابه (فلسفة الحكم عند الأمام) توضح كيف يقرأ الحدث التاريخي والفكر الديني برؤية حضارية بسيمياء يساري بحت.
3: يؤمن ان الطريق الأمثل إلى الحكم يتجسد بالديمقراطية المكللة بالثقافة الشعبية التي تعتمد التربية والتعليم، فالشعب المثقف يستطيع ان يختار حكامه بما يحقق المصالحة دون دكتاتوريات تعسفية تتبنى فكرة الغلبة.
4 : في مقالة له (الثورة مقدماتها ونتائجها) 1958 وفي أوج التوجه اليساري، وهو محسوب على هذا المد الثائر الذي لا يخلو من انفعال جماهري، قدم في مقالته ما يكشف رؤاه التي مهدت للنمو ذي البعد اليساري الليبرالي؛ اذ استدعى آراء (جون لوك) (1632 ــ 1704) في قراءة جاورها بآراء (كارل ماركس) (1818 ــ1883) بجدل فكري يؤشر ما يتفق معه وما يعده رؤى قابلة للاختلاف، ويقدم ما يعده مزاوجة بينهما في ان شروط الثورة تعتمد الجذر الاجتماعي المتوجه بوعي يقود الانفعال وليس العكس.
يتضح ان (نوري جعفر) عاش مخاضا فلسفيا في تعيين الأفضلية في بنى الفكر الفلسفي الذي تعامل معه، او الذي وضعه فوق طاولة التحليل والتقييم، فهو ماركسي النزعة بحكم الجانب العلمي في المادية الجدلية التي تقدم تحولات في بنى الظواهر بفعل صراع حتمي، فضلاً عما يؤشره من سلبيات في توزيع رأس المال، التي أسست لتمايز طبقي لم ينصف الشرائح الأوسع من المجتمعات، ولاسيما ما يشكل صورة عذاباته في حياته نتيجة فقر أثر حتى في فقدان حقوقه المشروعة، الا ان قراءاته المكثفة في علم النفس التربوي وتاريخ العلوم التربوية، وما تنامت واختلفت عليه الاتجاهات والمناهج الفلسفية المتنوعة، شكل صورة انتماءاته او التزاماته في الانتقاء المبرمج بين الماركسية بتناميها لدى (لوكاش وبياجيه وكرامشي)، حتى انه توافق مع (جان بياجيه) في قراءاته التي اعتمدها في آليات (اللغة وعلاقتها بنتاج الفكر) ضمن كتبه (اللغة و الفكر) و(الفكر).
إذ تتضح مقاربة بين أراهما في البناء المعرفي للإنسان، بفعل صور التحول في الذكاء الإنساني بأثر استعمالات اللغة، فـ (الابيستيمولوجيا التكوينية) لـ(جان بياجيه) تنكشف بالقراءات المتقاربة التي قدمتها علوم النفس، على وفق ما تقارب مع نتاجات (النيرو سيكولوجي). انهما يتفقان في رفض ما اعتمدته الميتافيزيقيا الكلاسيكية ذات المرجع الأفلاطوني، لما تعتمده من فطرية او قبلية المعرفة. كما ان قراءة (نوري جعفر) و(جان بياجيه) تنتظم ضمن رؤيتهما المتقاربة في التربية والنمو المعرفي للأطفال.
فالعقل الإنساني منذ السنوات الأولى لتكوين الوعي وبناء المعرفة، ما هو إلا مختبر تفاعلي مع محيطه، نعم يحركه في الأعم ضاغط الحجات وهي متحولة ومتغيرة بحسب ضواغط متنوعة ومختلفة. يتحكم بها محركات الزمان والمكان المحيطة بالإنسان.
لقد استطاع (نوري جعفر) ان يركب بذكاء استثنائي بين (البرجماتية) على مستواها العلمي المنطقي، ولاسيما في استلهامه لكتاب (جون ديوي) (المنطق نظرية البحث)، وكتابه المهم (البحث عن اليقين)، وبين نتاج (نوري جعفر) المهم في تأثر الإنسان بضواغط الاشتراط (السيكوفيسيولوجي) عن طريق كتابه المهم الذي يعد متفرداً في الثقافة العربية (الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف). ولاسيما عندما يكون الضاغط الاجتماعي جزءًا من تكوين الحجات.
إن الفكر واللغة كليهما ينطلق من أثر الواقع المحيط بالإنسان، ولا سيما متطلبات المجتمع، فالفكر متفاعل مع حل إشكالات الوجود المتنوعة التي تجابه الإنسان، ان رؤية (نوري جعفر) انطلقت من محاولة اندماج استثنائي قصدي بين (المادية الجدلية والبرجماتية) بمرتكزاتهما المنطقية المتماهية مع فلسفة العلم، اذ تتوافق أفكاره معهما في تقويض الرؤية الميتافيزيقية، ولا سيما برفض المغالاة (الميتافيزيقية) في اعتماد (القبلية) بوصفها المنتج للإبداع الإنساني.
انها العقلانية التجريبية التي أسست بأذرع تفاعلية بين (علم النفس التجريبي واثر اللغة بمنطق اللسانيات)، فضلا عما قدمته (الوضعية المنطقية) وفق (برتراند راسل) الذي حاول (نوري جعفر) دمجها مع (المنطق البرجماتي) على وفوق ما أسس له (جون ديوي).
وبإزاء ما قدمنا يتضح ان العلاقة بين الفكر واللغة يمكن ان تكون ضمن دائرة ينتج أحدهما الآخر، ولهذا فان للغة إمكانية إعاده تشكيل الفكر، كما ان الفكر يتحرك بأدوات اللغة ومنها الصورية.
لقد استطاع (نوري جعفر) ان يعلن موت مقولة (الموهبة) ذات المرجع الميتافيزيقي الذي هيمن على سردياتنا.
10 نيسان 2026
الهوامش:
1- عمانؤيل كانط: نقد ملكة الحكم ، ترجمة: سعيد الغانمي ، بيروت، كلمة ومنشورات، 2009، ص، 238 ـــ239 .
2- نجم حيدر: الأسس السيكولوجية لعملية الإبداع الفني، رسالة ماجستير، جامعة بغداد ، كلية الفنون الجميلة، 1984، منشورة، نقلا عن كتاب نوري جعفر بالإنكليزية: .JAFFR,NOURI; CREATIVITY AND BRAIN…1979, .p. 50.
3- ينظر فيما ورد من أفكار لمجموعة کُتب د. نوري جعفر (الفکر، اللغة والفکر، الأنسان في ضوء نظرية بافلوف).
* جابه الرجل تهميشا متعمدا في بعض منه إبعاد بفعل شعور أصحاب القرار ان نتاجه محرج لهم لتخلفهم، ولعدم مجاملة وتعظيم كاذب لأصحاب القرار في السلطات العليا، فهو ابي صادق، لا يناغي ويتملق مهما كلفه الامر من اشكالات.