
توضيح أوّل:
رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير، كتاب الشاعر/ الناقد د. مالك المطلبي – منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق 2025 ضم ّ أربعة أجزاء تبحث ُ نقدياً ومعرفياً في أربعة أعمال للقاص الكبير "محمد خضير": بصرياثا – صورة مدينة، رؤيا خريف (قصص)، كُرّاسة كانون (رواية)، أحلام باصورا (نصوص سرديّة).
وضع َ الدكتور المطلبي عنوانا ً توصيفيّا ً لكل جزء من الأجزاء الأربعة، وعلى التوالي: الحفر المعرفي، فضاء الأبراج، بُحيرة الرئيس، ميتا فيزيقيا السرد. والعناوين هذه (ثُريّات) أضاءها بأصابع وعيهِ، وحفرياته المعرفية في أعمال القاص محمد خضير الأربعة لتكون موجّهات استباقيّة للقراءة، كما أنّها تُشير ضمناً إلى المناخ السردي العام في كل ِّ عمل من هذه الأعمال.

إنَّ كتاب المطلبي هذا يمنح النقديّة العراقية توقيعاً خاصاً، إذ لم يسبق لها أن قدّمت مشروعاً بمثل هذه السعة وبمثل هذه المنهجيّة المغايرة، وإن يكتب ناقد ٌ مهم ٌّ عن قاص ٍ مهم ٍّ ومن خلال أربعة أعمال يجمعها (مشترك) مستتر عن التعيين ولم يكن من السهولة ِ الكشف عنه ، فهو إنجاز غير مسبوق.
توضيح ثان:
المشروع البصرياثي متحقق سرديّاً ومعرفيّاً و (مشروع المطلبي) قد تحقق الآن أيضاً وتوازى نقديّاً ومعرفيّا ً مع الأوّل، وهنا تصح ُّ التسمية: المشروع المطلبي، وبدلالة المتحقق في الأجزاء الأربعة، معرفة ً وتحليلاً ونقداً، مع الاستدراك الذي سيأتي لاحقاً. وطالما اشتركا (السارد والناقد) معرفيّاً، وتباينا في التجنيس الإبداعي (السرد والنقد) فإن َّ فهم المواجهة النقديّة/المعرفيّة/ التحليليّة هي الشاغل الآن في التلقّي بعد أن كان فهم السرد هو الشاغل في التلقّي؛ وما أعنيه بالشاغل السردي ماهو إلّا إشارة إلى طبيعة سرديات محمد خضير إذ أنَّ ثمّة صعوبة بنائيّة وفنيّة ورمزيّة غير مألوفة في السرديات الأخرى، يواجهها القارئ مهما كان توصيفه، والصعوبة هذه لم تكن تعمية ً قصديّة ً وإنّما استدراج القراءة إلى إنصات ٍ خاص ٍ وعميق ٍ ومواز، لفهم هذه الصعوبة. أما في المشروع المطلبي، فهل ثمّة مايشابه ُ الشاغل السردي..؟ وهذا ما تحاول الإشارات القادمة أن تتماس َّ معه ُ عن بُعد أو تقترب منه ُ قليلاً، ومثل هذا الاحتراز ضروري جداً لأننا أمام مشروع يتسع أفقيّا ً وأكثر َ يعلو عموديّا ً، ويحتاج إلى ممكنات منهجيّة موازية ومجسّات حادّة، ولا يكتفي بمثل هذه الإنشائيّة الراكضة، حتى وإن كانت هذه الإنشائيّة على مقربة ٍ من الانطباع العام، إذ لا جدوى من قراءة ٍ لا تتوافر على انطباع ٍ ما.

توضيح التلقّي:
* رباعيّة المشروع البصرياثي، بحث ٌ: معرفيٌّ / نقديٌّ / واسع ٌ، متعدد الأصول والفروع في إحالاته ِ التاريخيّة، والإبداعية – الأدبيّة والفنيّة والفكريّة والفلسفيّة. بحث ٌ أقام صِلاته ُ وتماسّاته ُ مع نصوص محمد خضير الأربعة تفكيكيّاً بعيداً عن إطراءآت النقد الأدبي السياقي الذي يهتم ُّ بكشف العناصر الفنيّة والجماليّة وما يتبعها، مع التأكيد - وكي لا ننفي - بأن َّ للتفكيك جماليات ترتبط بمنهجه ِ وبما لا يوُفّر تسليات جاهزة أو مسرّات قراءة أو متعة تُنعش الذهن ، وهكذا جاءت صِلات المطلبي التفكيكيّة بتطابق مع هذه التوصيفات.
* لغة محمد خضير في سردياته وكتاباته الأخرى ليست طيّعة الاستقبال، وغالباً ما تكون غامضة إلى حدٍّ ما، ولغة المطلبي في رباعيّة المشروع البصرياثي تماهت لغويّاً هي الأخرى مع لغة الأوّل وبتصعيد ٍ يبدو أعلى وبقصديّة، لتكوّن نصوصاً تحليليّة ً/نقديّة ً تُضاهي أو تتقدم على نصوص السرديّات، لتكسب َ التوازي وما بعد التوازي لغويّاً، أي أن َّ لغة َ نصوص ٍ نقدية/ تحليليّة ٍ في مواجهة ِ لغة ِ نصوص ٍ سرديّة بالتقابل.
* رباعيّة المشروع البصرياثي - المشروع المطلبي - كشفت تحليلياً بأن َّ (الحرب وبصرياثا) هما مركزا اشتغال محمد خضير الإبداعي في أعماله الأربعة، وكأن المشروع المطلبي يرصد حالات التكرار- باتجاه الثابت - في هذه الأعمال وإن أخذت أشكالاً متباينة ً وكلاً في حدود تجربته ِ ولونه. ومثل هذا الكشف يُحيلنا إلى فكرة (الثابت والمتحوّل) في مشروع أدونيس. والمشروع المطلبي له من الأهمية في هذا الجانب – أي بحث الثابت - ما يُضاهي الثابت والمتحوّل الأدونيسي مع الفارق في المنهج، إذ أن َّ أدونيس بحث َ العام والمطلبي بحث َ الخاص، ومع فارق لغتيهما أيضاً. وضمن (التكرار/الثابت) تكون رواية (كرّاسة كانون) محمولة على مدينة الحرب (بصرياثا - صورة مدينة) لتحاكيها (كرّاسة كانون - صورة حرب) وليس (كرّاسة كانون - رواية).
* الإهداء إلى أشخاص – كما في بعض قصص محمد خضير - والذي هو من موجّهات قراءة القصص كما يُفترض، يعدّه ُ المطلبي في مشروعه خربشات يمحوها النقد إلّا إذا كان مرتبطاً بالنسق السردي العام، ومثل هذا التحديد يُشيرنا إلى أهمية الإهداء عندما يستقر في موضعه ِ، وهكذا محا المطلبي واحداً من إهدائين وأبقى على الثاني في تحليلاته ِ التفكيكيّة لقصص (رؤيا خريف) كون الثاني يحقق فكرة الارتباط بالنسق العام.

* يستخدم المطلبي مفردة (التأريخ - بالهمزة) دائماً والتي تُشير إلى علم دراسة التاريخ والوقائع الماضية، وكذلك التوقيت، ولا يستخدم مفردة (التاريخ – بدون الهمزة) والتي تُشير إلى الحدث حتى وإن كان القول عن الحدث أو الواقعة؛ والفارق لا يخفى على المطلبي، وقد يعلله ُ، بأنّه ُ في موقف الدراسة، لكن َّ الفارق يبقى.
* إن المشروع المطلبي، يواجه صعوبةً في التلقّي بسبب اللغة، لغة المطلبي في الكتابة؛ لغة مركّبة تتداخل فيها الترميزات والإشارات والإحالات المعرفية، تتداخل مع لغة القاص والتي هي الأخرى ليست طيّعة للتلقّي، وتتداخل مع لغة الفلاسفة والمفكّرين والنّقاد الذين يستعير المطلبي مقولاتهم؛ لغة تكثر فيها الانعطافات، مما يجعلها غامضة تقترب من الطلسميّة، والغموض ليس في مفردات اللغة، بل في تشكيل وبناء الجُمل، جُمل غالباً ما تستعصي على الفهم. ونتيجة لهذا الغموض يُخيّل للقارىء بأن َّ ما يقرأه ُ في صفحة ما، يشبه أو يتشابه مع صفحة سبقتها أو تليها. إنّها اللغة/الحاجز أمام التّوصيل. وقد يُقال، إذا كان كل ُّ هذا الغموض اللغوي، فكيف َ تمكّنت َ من هذه الانطباعات..؟ وأُجيب، لقد كنت ُ أطفو في السطح، وتعلّقت ُ بما طفا معي.
* المشروع المطلبي، مشروع ُ حفرٍ معرفي في كل ِّ أجزائه، حتى وإن حمل الجزء الأول منه ُ فقط، عبارة (الحفر المعرفي). مشروع جديد على طبيعة النقديّة العراقية، وفي كل ِّ جديد مُغاير يحصل أن يوجد ما يُفهم بعد حين ...