آذار/مارس 16
   

  تفرعت أساليب الكتابة المسرحية وفقًا لمبناها ومعناها المرتكز على طرح مواضيع شتى، كانت الذات والإنسان هي البؤرة الرئيسة فيها في كفاحه من أجل وجوده وهويته إزاء القدر والسلطة بمسمياتها المختلفة والمتنوعة، ليأخذ هذا الصراع مستويات مختلفة وتوجُّهات متنوِّعة على صعيد التصادم سواءً كان جدليًا أم ماديًا، ليأخذ هذا التعارض ما يسمى بمفهوم القضية التي تقترح شعرية خاصة في المبنى الحكائي للنص وفقًا لمعناه الديالكتيكي القائم على الانفتاح والجدل والتأويل، وهذا الأمر انسحب الى فلسفة خطاب العرض المسرحي.

لذلك أخذت الكتابة الأدبية طرائق شتى على صعيد الشكل والمضمون والذي كان الإنسان وقضاياه المرتكز الأساس لها على وفق مستويات الطرح الديالكتيكي، لبيان تلك الجنبة الفلسفية التي كانت موضوعًا قائمًا في ثنايا القائمة الحياتية بكل إرهاصاتها المثالية والمادية، في محاولة جادة لتصوير لحظة قد لا تبدو عابرة قدر التعبير عن ذات أو ذوات بكل هواجسها ومنظومتها القيمية والأخلاقية والاجتماعية، فضلًا عن ملامستها حواف السرديات الكبرى ومقولاتها التي نضجت فكرًا له قيمة إنسانية عالية.

          ويعد (أرسطو384 - 322 ق. م) رائدًا في التدوين الجمالي في مسألة المسافة التي يمكن أن تستوعب موضوع الصراع وإحاطة القضية المطروحة والخطاب الفلسفي الذي يحمله النص المسرحي، عن طريق تعريفه للتراجيديا بقوله: (هي محاكاة لفعل جاد، تام في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة لأنها مشفوعة بكل أنواع التزيين الفني. كل نوع منها يمكن أن يرد على انفراد في أجزاء المسرحية؛ وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي، وبأحداث تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدث التطهير). هذا الطول في التراجيديا الإغريقية أخذ بعدًا طويلًا في تبويب الفصول والمشاهد، وأخذ بعدًا فنيًا وجماليًا في معالجة الأفكار، قوامه الفتح والاسترسال في الحدث، كما في نص مسرحية (أوديب) للكاتب الإغريقي (سوفوكليس 496 - 405 ق. م) والتي اتخذها (ارسطو) مثالًا نقديًا لتحليل أسلوبية النص من حيث المبنى والمعنى. ومن هنا أخذت الكلاسيكية القديمة شعرية خاصة بها من حيث نوع الحبكة والصراع والشخصيات وطبيعة اللغة التي تستوجب طولا معينا لاستيعابها ومعالجة أفكارها، الأمر الذي استدعى من النص المسرحي الكلاسيكي مبنًى مسايرًا لنمطية ذلك الصراع الجدلي ما بين الذات والإنسان مع القدر والسلطة، هذه الاشتراطات استدعت أن يكون شكل هذا النص حاملاً لعدد من الفصول والمشاهد الذي يستلزم طولًا معينًا وزمنًا كافيًا لاستكمال الاشتراط الفني لطرح هذا الصراع والجدل وصولًا إلى النهاية القدرية والإجابة الشافية لتلكم الأسئلة المثارة إزاء الذات والوجود والقدر والسلطة. ومن حينها قدم ارسطو جذرًا جماليًا لمفهوم الشعرية واضعًا أسلوبًا نقديًا في فن الكتابة، على الرغم من تحفُّظ تودوروف في فهمه لهذه الشعرية، بوصفها كتابة في التمثيل والمحاكاة كلامًا، لا كتابة نظرية للأدب.

          إن قراءة متأنِّية للنص المسرحي وتتبع كتابته، يسترشد القارئ بأن هناك مثابات وعلامات وافتراق طرق في كتابته شكلًا ومضمونًا، فنوع المادة المقدَّمة وأسلوبية الطرح وطريقة معالجة الأفكار وطرائق التفكير ونوع الثقافة والفلسفة التي يحملها كاتب النص، تحتِّم عليه أسلوبية الكتابة والتكنيك الفني لإخراج النص، والذي تأرجح بين الفتح السردي والقص الحكائي والروائي إلى الغلق والتكثيف والاختزال والتجريد في ترجمة اللحظة والتعبير المتأسس على الذات وهواجسها واغترابها واستلابها في زحمة المقولات والسرديات الكبرى، لتقدِّم الذات بتكثيفٍ عالٍ مجرَّد من الزوائد على مستوى المبنى والمعنى، لتأخذ تلك الأحادية والفردانية في معالجة الأفكار والإنشاء اليومي بدلًا من طرح القضايا التي تشمل الآخر. لذلك انبرت نوعية من النصوص المسرحية، فضلًا عن العروض المسرحية التي اهتمت بالذات وهواجسها مختزلةً بنية نصية شكلية خاصة بها، محتكمه إلى نوع مسرحي قائم على التكثيف والتجريد. وبذلك انتقل النص والعرض المسرحي بحيثياته الكلاسيكية والميلودرامية وتطورها بـ(حوادثها المذهلة ونهايتها الأكثر إثارة مع احتوائها المستويات الأخلاقية... وشكلها الذي يستهوي الخيال الشعبي). والواقعية التي تصدَّرت موقعًا كان في الصدارة من المذاهب الفلسفية والأيديولوجية والتنظير النقدي (بحكم اشتغالها مع الواقع الحياتي والزماني والمكاني والموضوعي للمجتمعات، وهو المفهوم الذي أوجدته الضرورة المطلقة من خلال البحوث في علوم الأخلاق والقيم الإنسانية بفرديتها وجمعيتها والتي أفرزتها الظروف السياسية والاجتماعية والأخلاقية). فالواقعية بدءاً من شعار (سقراط 470 - 399 ق. م) والقائل (أعرف نفسك بنفسك) للوصول إلى الكلِّيات وحقيقة الاشياء بجزئيتها، تلازمًا مع مقولة الروائي الفرنسي (ادموند دورانتي 1833 - 1880): (الواقعية تعني التعبير الصريح الكامل عن الصفات الفردية)، ليكون الواقع هو ذلك (الكيان الماثل للشيء بصورة محسوسة... تعني العناية التامة بالأشياء الواقعية أي المحسوسة الملموسة). الأمر الذي تطلَّب المسايرة الكتابية للإحاطة بتلك الأفكار النمطية ومعالجتها، بالاشتراط الذي يستلزم الشمولية والعمومية.

          في حين أوقف نوع من النصوص المسرحية والعرض المسرحي ذلك الشكل من الإحاطة والفتح الكتابي والانتقال إلى الغلق والتكثيف والإيجاز، كنصوص مسرحيات الفصل الواحد والمسرحيات المستقبلية ونصوص ما بعد الدراما ونصوص المسرحية القصيرة جدًا (الميني دراما) أو (ميكوودراما) أو (السكيتش). نصوص تحتكم إلى الإيجاز والاختزال والتكثيف في المعنى وإيجازه دون المساس بالمعنى المركزي لفلسفته الجمالية والفنية، فهي حاملة وعلى الرغم من تكثيفها ونسقها الومضي، خطابها الدرامي والوجودي والحياتي، حاملةً لمسوِّغات التساؤل والتأويل وملء الفراغات إزاء منظومة التلقي. ولعل الكاتب الواقعي الروسي (تشيخوف 1860 - 1904) وبراعته في التكثيف الكتابي مثالًا حيًا وناجعًا في هذا المجال بقوله: (يمكنني أن أتحدث باختصار عن الأمور الطويلة) وتكثيفه الحواري عن شخصية الزوجة في مسرحية (الشيقات الثلاث) والاستعاضة بكلمات معدودة بدلاً من مشهد كامل (الزوجة تبقى زوجة)، هذا التكثيف في التعبير الفني ما هو إلا دلالة على قدرة الكاتب وبيان أفكاره ومدى الإحاطة بتصوِّره في كل لحظة من لحظات المسرحية.

 فالنص المسرحي المستقبلي مثلًا قد اتشح برداء الحداثة والعصرنة والثورية ومخاصمة النتاج الكلاسيكي ليختزل ويكثِّف زمكانية النتاج الأدبي بكل صوره وأشكاله، لتقترب نتاجات المستقبلية من النظرية النسبية التي (يتحدَّب ويتقوَّس فيها كل من الزمان والمكان.. وما الزمان والمكان إلا البعد الرابع). لذلك تأسس النص المستقبلي على الدينامية والسرعة والاختزال والتكثيف المعمَّق والدال على الموضوع والانطباع الحسي، ليتأثث الاعتقاد بأن صحيفة يومية كبيرة هي خلاصة ليوم كامل في العالم. فهي تركيب زمني مكثَّف ومختزل ونافذ في المعنى.

          فالتكثيف المسرحي على مستوى تأليف النص ما هو إلا صياغة محكمة في صناعته على المستوى الفني والجمالي، ناشدًا المؤلف بذلك الابتعاد ونبذ كل الزيادات والترهلات السردية والتقريرية والإخبارية التي زخرت بها النصوص المسرحية الكلاسيكية والواقعية بحبكاتها الرئيسة والثانوية وتعدد حكاياتها وأحداثها وصراعاتها وتعدد شخصياتها ونوع لغتها، ناشدًا في الوقت نفسه عنصر الومضة والصدمة والمفاجأة والتشويق والاختزال والسرعة والمنطق في عرض الواقع الذي هو على تماس مباشر من الإفرازات المجتمع ومشكلاته نسقًا مع متغيرات إيقاع الحياة المتصف بالسرعة والتكثيف والتجريد والرمز، يكون فيه المتلقي حاضرًا ونشطًا ومستوعبًا الحالة التنشيطية التي طالت نصوص مسرح المستقبلي ومسرح الحداثة وما بعدها ومسرح ما بعد الدراما. والتي سعت نصوصها وعروضها المسرحية أن تكون مختزلة ومكثَّفة، بغية احتواء المتلقي وجذبه إلى أتون المسرح بعد ذلك الضجر من المسرحيات التي يكون فيها الملل حاضرًا، لطول مدة عرضها وصعوبة قراءتها، فالتكثيف المسرحي أسلوب يتخذه الكاتب أسلوبًا فنيًا وجماليًا في المستوى اللغوي والفكري، بغية وضع الدلالات في اللغة والفكرة وفسح المجال للمتلقي في طرح المداليل والتأويل وملء البياضات النصية، إزاء مركزية الفكرة والفعل والصراع والشخصيات في إطار متماسك وصولًا للنهاية والحل.

وفي هذا الإطار زخر تاريخ المسرح بعديد من النصوص المسرحية القصيرة، ففي القرن السادس عشر وتحديدًا في اسبانيا، نشأت الفواصل التمثيلية القصيرة التي كانت تمثَّل بين فصليِّ المسرحية الطويلة، ومن المؤلفين هذا النوع هو الشاعر الإسباني (خوان ديل انثينا 1468 - 1529) والكاتب الإسباني (لوبي دي رويدا 1500- 1565). وفي إنجلترا ينبري الكاتب (جون ميلتون 1608 - 1674) كأقدم كاتب نص مسرحي قصير بعنوان (كومس) وموضوع المسرحية يدور حول العفة. وفي فرنسا كتب (جان باتيست بوكلان – موليير-  1622 - 1673) نصوصًا مسرحية قصيرة. وفي المانيا يتصدَّر الكاتب (إفرايم ليسينج 1729 - 1781) باكورة النصوص المسرحية القصيرة الألمانية بنص (فيلوتاسا). وفي روسيا يقف الكاتب (ألكسندر بوشكين 1799 - 1837) رائدًا في كتابة النص المسرحي القصير، ذلك بنشره ما يسمى (التراجيديات القصيرة). والكاتب (تشيخوف) الذي سار بالنص القصير إلى مثابات نوعية في الكتابة. وفي السويد يقف الكاتب (اوجست ستريندبرج 1849 - 1912) علامة فارقة في النص المسرحي القصير ومسرحياته التي عرفت بمسرحيات الغرفة.

وعلى صعيد الإخراج المسرحي، هناك تباين واضح من المخرجين في الفتح والغلق في التقديم المسرحي، فهناك من ينتهج الأسلوب التقليدي المفتوح والنقل المتحفي للواقع، والآخر من ينتهج الرصد والتركيز والتكثيف في عناصر العرض من منظر وضوء وبناء درامي للشخصيات ومركزية الفكرة والصراع، ذلك بالبحث عن أطروحات حديثة في التقديم تساير إيقاع الحياة من حيث الاختصار والتكثيف البصري لجماليات الصورة، فالتكثيف هنا ليس على حساب تبسيط المضمون وافقاره الفني والجمالي قدر تقديم وجبات وشطائر تعبِّر وبوضوح وبساطة عن ظواهر الحياة وعظمتها وعمقها الفلسفي، وما إيمان المخرج الإنجليزي (جوردن كريك 1872 - 1966) بنهضة المسرح إلا بإيمانه بنهضة المخرج وكيفية المعالجة والتفسير وهيمنة الفعل والخط واللون والإيقاع والجمهور. فالتناسق والتكامل الفني يكمن في الاهتداء إلى فكرة العرض الواضحة المنبثقة من صميم النص، ومن ثم يكون الإخراج وفقًا لذلك من حيث التناسق والدقة الفنية، وهذا قانون يكاد يكون عموميًا في الأجناس الأدبية وفي الفنون كافة، الأمر الذي جعل النحات الفرنسي متحدِّثًا عن سر فنه قائلًا: (إني آخذ كتلة المرمر وأقطع كل ما هو زائد فيها). والأمر ذاته ما حصل للمخرج والممثل الروسي (اليكسي ديكي 1889 - 1955) وانتقاد أستاذه له عندما أخرج مسرحية (البرغوث) بقوله: (يجب أن يختصر إلى الثلث كي ينجح العرض. وبعد رفض واستحالة ذلك والقبول على مضض واحتجاج الممثلين، تم اختزال العرض الذي بات أكثر تأثيرًا وفقًا لمبدأ التناسب في فن المسرح، وإن العبقرية الحقة تكمن في الدقة والاختصار والتكثيف متساوقًا مع الشكل الجمالي المناسب لذلك التكثيف).