آذار/مارس 16
   

    يسعى الفنان اياد الزبيدي في معرضه الاخير "غواية" على قاعة "ايقونة" وافتتاحها الأول في شارع حيفا الى اعادة الدرس الاول لمعنى الفن واهدافه السياسية والاجتماعية بشكل متفاعل بين فكرة اللوحة وانشائها وبين بصر وبصيرة المشاهد الذي يربط بين المحتوى الاني الذي يفور اجتماعيا في الشارع العراقي وبين الرؤيا النافذة للفنان الذي جعل من لوحاته ترتبط بسلسلة من الافكار المتقافزة بين لوحة واخرى مما يعطينا حصيلة مقصودة لمعنى الفن في هذا المعرض الـ15 بعد معارضه المحلية والعربية والعالمية.

في اغلب لوحات المعرض يبدو الفنان إياد الزبيدي مشغولا ببث ثلاثة رموز واضحة تتكون من الانسان من دون راس عن غياب العقل والكرسي بجميع اشكاله كناية عن غواية السلطة والبقاء بشتى السبل في مكان ثابت والغراب بوصفه شاهدا على عملية الدفن للجريمة الاولى في قصة قابيل وهابيل في مشهد بات يتكرر على الرغم من حداثة الحياة وتطورها التكنولوجي الهائل.

واذا كانت مقولة الفيلسوف ارسطو بان ((الفن اكمال النقص للطبيعة ومحاكاة للكمال الممكن وهو ذو قيمة فلسفية)) فان هذه المقولة تبدو بعيدة جدا عن توصلات الفنان الزبيدي الذي يشير الى القيمة الفلسفية الغائبة بسبب انشغال الذات الانسانية بصراع الديكة والثيران للجلوس على الكرسي حتى على شكل خراب وتعفن بفعل الزمن ومرارته، واذا تتبعنا السلسلة للوحاته فانها تتحول من الانسان فاقد الاهلية الى الغراب وشهادته عن الفجيعة الى التدوين الاسود على السبورة وتكرار الارقام حتى نصل الى لوحته الاخيرة بعنوان "نتيجة" حيث يضرب بريشته السبورة بعلامة اكس والنتيجة صفر من (10) وهو بذلك يقدم لنا معرضا يسير على وفق رؤيا مدروسة تريد ابلاغنا بان العاصفة ستقلب الكرسي ولن يبقى في المشهد سوى بقايا حياة، وهذا لا يعني السوداوية او اليأس بمقدار ما يعني التذكير واشهار الصدمة للانتباه من ان صراع الوجود يبدأ ملونا ومن ثم يتحول الى سبورة سوداء تحمل تواريخ الخراب دون ان نستطيع محو اثارها.

يقول الفيسلوف الالماني هيجل ((ان الرسم يقلص الابعاد الثلاثة للفضاء الى السطح)) لذا فان الفن هنا تعبير ومحاولة اختزال وخلق اشارات وليس مرآة عاكسة بالمعنى الفوتوغرافي البحت في وظيفته الاولى القديمة، ويعمد الفنان اياد الزبيدي الى رسم شخوصه الانسانية على وفق مسار معارضه السابقة التي تظهر براعته في رسم الخطوط السوداء والمنمنمات التي تحتاج الى تقنية وصبر شديدين وهذه واحدة من بصماته التي تشير الى اشتغاله الاثير.

ومن الملامح البارزة في سطح لوحاته فانها تظهر دائما بعلامات خشنة بارزة على شكل حروف او ارقام حيث تتجلى هذه الظاهرة في لوحاته بالابيض والاسود في سبورات توحي بالزمن المنقرض لانسان غائب عن المشهد.

ويظهر الكرسي وهو الرمز الاثير ومحور هذا المعرض باشكال مختلفة فهو لا يستثني كرسيا او يختار شكلا واحدا، بل رسم اكثر من شكل لكرسي من الخشب او البلاستك كناية عن رخص الاستعمال والقابلية للزوال سيما في لوحة الغراب الواقف على قائمة كرسي مقلوب وسط عاصفة من الالوان.

ويرجع الفنان اياد الزبيدي الى عملية العنونة لكل لوحة والتي اهملها الدرس الفني الحديث في اغلب المعارض لانه يعرف ماهي الغاية من سلسلته القصدية في لوحاته المترابطة فكريا ومن اللوحات التي تحتاج الى تأويل شخصي لانها جاءت بعنوان عام وهي لوحة "طاولة مستديرة" ويقترب مقصدها الفني الى طاولة تشريح او اقتسام غنائم وما اللون الاحمر وسط المائدة الا اشارة واضحة لمجرى دم تحيط به كائنات مشوهة بانياب بارزة.

واذا اعتبرنا مقولة الفنان الخالد بيكاسو ((الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية)) فان هذا المعرض صرخة روحية تستفز البصر لتتفتح البصيرة على غواية المطامع والصراعات التي تحيط بالانسان المعاصر محليا وعالميا.

يبقى معرض الفنان إياد الزبيدي "غواية" قابلا لاكثر من تأويل من خلال الرسم التعبيري للوصول الى غاية واقعية تمس جوهر مناقشة الوجود وتأثيرات العيش في سجن كبير يشير الى سلطة ما او فكرة مشوهة للسيطرة وقمع الحرية والتشبث بالقعود على الكرسي لاطول مدة متاحة، وبذلك يبقى الباب مفتوحا على مصراعيه لمشهد فني يثير اكثر من سؤال في مشاهدة لا تخلو من المتعة البصرية.