آذار/مارس 16
   

    نحن قبيلة كبيرة نسكن احدى المحافظات، حتى أن العشائر والقبائل الأخرى التي تشاركنا المحافظة عددها قليل لا يكاد يذكر، قرر بعضهم الانتساب لقبيلتنا كي يتدثر بحمايتها ولا يقترب منهم اللصوص وقطاع الطرق وحتى يحسب لهم ألف حساب عند مداهمتهم من قبل القوى الأمنية لجرم ما أو حين المثول أمام القضاء، كان الشيخ راضي هو سيد القبيلة، حين يمر في شارع كانت السيارات تتوقف والسابلة تبعد عنه أمتارا حتى لا تضايق ظلالها ظله الفارع ويتخفف من عبوسه وتجهمه. لم يحتج أبناء المدينة الذهاب الى مراكز الشرطة أو المحاكم لتسوية قضية مالية أو صراع عائلي أو اختلاف في الرأي سياسيا كان أو دينيا، الجميع ينعم بالسعادة والرضى والحياة تمضي منسابة وهادئة وسماء المدينة صاف لا تعكرة غيوم المشاكل أو بخار غليان التهديدات من الداخل أو الخارج لأنها بحماية الشيخ راضي الذي غامر بحياته حين تعرضت المدينة الى هجوم عصابة كبيرة أرادت أن تستولي على كل ما يملكه أبناؤها من أموال وبيوت وأراض زراعية وحيوانات، تصدى الشيخ ومعه كل أبناء المدينة وأجبر اللصوص على التراجع وأوقع بهم الخسائر الفادحة قتلى وجرحى وغَنِم أسلحة متنوعة. أصيب الشيخ بطلق ناري في فخذه الأيمن تهشم له العظم، لم يستطع أمهر الأطباء أن يعيد له خطواته المستقيمة الراكزة في الأرض على الرغم من ربط عظام الفخذ بالمسامير المعدنية وعانى من العرج طيلة حياته، لم يفقد اتكاءه على العصا هيبته وخشية الناس منه بل شعروا أنهم مدينون له طيلة حياتهم فهو منقذهم من الموت أو من أسر محقق في تلك المعركة. كان للشيخ راضي ولد وحيد عاق يدعى علاء ويسميه أبناء المدينة، بخفاء، عليوي خوفَ أن تصل هذه السخرية الى أبيه الشيخ، كان علاء صديقي فقد كنا بعمر واحد، دخلنا المدرسة سوية ولكنه حين وصل للسادس الابتدائي ترك المدرسة ولم تنفع كل تهديدات المدير والمعلمين ولا قصاص الشيخ له من ارجاعه الى مقاعد الدراسة، تعلم منذ صباه شرب السكائر وعند سن الخامسة عشر كان يتناول الخمر مع أصدقاء سوء مدمنين كانوا يستغلونه، كان يملك مسحة من جمال أنثوي فقد تربى في بيت عز ويتناول أفخر الأطعمة، يسرقون ما في جيبه وعندما يثمل وصلني أنهم يحاولون الاعتداء عليه جنسيا. كان علاء مشكلة الشيخ راضي وعقبته الوحيدة وحين يناديه البعض بأبي علاء كانت ملامحه تكفهر وتطعن بشرته السمراء بصفرة تزيدها سمارا.. يجيبهم قائلا:

_ يا أخوان، أنا أرغب أن تنادونني بالشيخ راضي وليس بأي اسم آخر..

أنا وعلاء ولدنا في العام نفسه منتصف الخمسين من القرن العشرين، كان الشيخ عمره، حين تفتحت عيناي على الرؤيا وتمييز البشر وطباعتهم في الذاكرة وأنا في السادسة من العمر، يقترب من الخمسة وثلاثين عاما. لقد تزوج الشيخ عدة زيجات قبل أن يقترن بوالدة علاء ولم ينجب منهن، غالبا ما كانت تهدى له الفتيات حين يفض نزاعا كبيرا يقع بين العشائر والعوائل، كما أن أي أب فتاة منهن يفتخر بأن الشيخ راضي متزوج من ابنته، وإن كان الزواج عرفيا. لم تمض سوى أشهر قليلة حتى يطلّق الفتاة، بعد أن يأخذ وطره منها، وحين دخل في الثلاثين من عمره أحس بحاجته الى زوجة تخدمه في بيته، لم يفكر أن يقترن بأية عائلة في القرية لشعورة بأنهم أدنى مرتبة منه، تزوج من ابنة عمه التي أنجبت له علاء وتوفت حين بلغ علاء العشرين من العمر، لم يفكر بالزواج ثانية لأن عمره تجاوز الخمسين عاما وآلام العرج استفحلت لديه، كان جل وقته يقضيه في البيت أو المضيف وكانت العوائل القريبة منه تتكفل بتغذيته وتوفر له وجبات الطعام الثلاث. كان الشيخ راضي ميسور الحال وكان يحصل على مبالغ كبيرة في فض النزاعات الكبيرة ليس بين أبناء قبيلته بل حتى بين القبائل الأخرى، عدا ما تدره مؤسساته التي يديرها أتباعه والأراضي الزراعية التي اشتراها من أموال المتبرعين له وتكفل بزراعتها العديد من الفلاحين. القبيلة تعرف بأنه أغنى رجل فيها. كان الجميع يحسده في سره وحتى ابنه علاء تأكله البغضاء والغيرة والكراهية ولا يحمل الود لأبيه خاصة بعد أن فاح سلوكه المشين وعربداته المخزية وادمانه الخمر مع المشردين واللصوص والمنحرفين. أصبح مضربا للأمثال يتندر بها الكارهون والحاقدون على الشيخ راضي وبسببه كثُر المتنافسون على المشيخة وكرسيها خاصة بعد أن كبر الشيخ راضي وتجاوز السبعين من العمر وبطأت حركته بسبب العرج الذي فاقم الألم لديه حتى أنه أغلق بابه بوجه المتخاصمين الا في النزاعات الكبيرة، كان يغيب ولا تصر باب بيته الخشبية أشهرا حتى أن كثيرا من الشائعات أطلقت عليه ومقربون اليه يقولون أنه ربما مرض مرضا شديدا أو توفى. لكن يصادف أن تُفتح باب بيته مرة واحدة، نصف فتحة، لتسقط تلك الشائعات ميتة عند العتبة. كنت ألتقي علاء في فترات متباعدة، كان يحترمني ويسمعني بانتباه ويتذكر ما بيننا من ود في مرحلة الشباب، على الرغم من أن عمرينا قاربا الخمسين عاما.. مرة سألته.

_ أخي علاء، لم لا تعتني بأبيك وهو الآن وحيد ويهتم به جيرانه..؟

زفر بقوة، أخذ نفسا عميقا من سيكارته الدائمة الاشتعال، السكائر التي صبغت اصبعيه وشفتيه وأسنانه بصفرة داكنة..   

_ أخي واثق، هو لا يطيقني وطردني من البيت قبل سنين، وأخبرني أنه لا يريد أن يرى وجهي وقال لي بأني سوف لن أرثه.. اضطررت أن أؤجر بيتا وأتزوج امرأة من محافظة بعيدة، بيني وبينك أنا لا أحبه، هو لم يرعاني ويربيني، كان مشغولا بالمشيخة وجمع الأموال والصيت أكثر من أن يلتفت لي وينتبه الى ما يفيدني ويضرني وهو شيخ القبيلة ولسانها وعقلها.

حاولت أن أخفف من لوعته أكثر من سيكارته التي كان يجهز عليها بأنفاس متلاحقة.. قلت له:

_ ولكنه على الرغم من كل شيء هو أبوك، هو سيد القبيلة وثريها وحلال مشاكلها والقبيلة تحتاج الى من يخلفه، وأنت ترى المتصيدين الكثر المنتظرين موته كي يجلسوا مكانه.. حاول أن تقترب منه وتلاطفه وتمسح الجفاف الذي في قلبه نحوك وهو في النهاية والدك، حاول أن تظهر معه ليمسح من سمعتك، ما تلوكه الناس عنك من قصص ومن أدران، رضى والدك الشيخ عنك، رضى القبيلة كلها.

لم يجبني، تأملني طويلا، أشعل سيكارة جديدة من نقطة حمراء في رماد سيكارته القديمة، هز رأسه عدة مرات، ابتعد عني دون أن يرد علي بكلمة واحدة أو يودعني.

أنا الآن في الواحد والسبعين عاما، انقطعت أخبار الشيخ راضي وابنه علاء ولم تفتح باب الشيخ الا قبل خمس سنوات، لم أجد أثرا لعلاء ولم أسمع أحدا أن رآه يوما حتى بيته أغلقه ولا يعلم ندماءه أين يسكن اليوم هل في محافظتنا أم في محافظة أخرى..؟ انتبهت أن عمر الشيخ راضي اليوم أكثر من مئة عام، كيف هي صحته وهو منذ ثلاثة عقود نهاية القرن العشرين أغلق باب بيته أمام زائريه فكيف هو الآن في كهولته وقد عاش قرنا كاملا أكيد لا يحتمل الجلوس والتحدث مع أحد..؟ الحقيقة لقد لعب الفأر في عبي كما يقول المثل، انقطاع الشيخ عن استقبال الناس قبل ثلاثين سنة، ذوبان أي ذكر عن علاء، فَتحُ باب مضيف الشيخ راضي ثانية، وحين سألت الناس عنه قالوا بأنهم التقوا بالشيخ راضي وهو في تمام الصحة والعافية. هذا الأمر شغلني منذ خمس سنين ولا أستطيع أن أجهر به هل أن الجالس في المضيف هو الشيخ راضي أم شخص آخر..؟ في أحد الأعياد زرت قبري أبي وأمي في مقبرة النجف، وشاءت الصدف أن ألتقي بدفان قبيلتنا الذي كانت تربطني به علاقة جيدة لأني لم اتأخر يوما عن الذهاب الى المقبرة مع أبناء قبيلتي والمساعدة في دفن الميت فقيرا كان أم غنيا، هذا التردد ربطني بعلاقة طيبة مع الدفان. بعد السلام عليه، طفر الى ذهني السؤال الذي يجول في عقلي وخاطري منذ سنين:

_ قل لي، هل حضر علاء ابن الشيخ راضي مع جنازة لوحده في الليل أو النهار قبل سنين..؟

غرق الدفان في نوبة من التفكير، عيناه شاردتان سابحتان بين القبور.. بعد فترة صمت ثقيل أجابني:

_ قبل ست سنوات أو خمس جاء ليلا مع جنازة على سيارة أجرة وأخبرني بأن والده الشيخ راضي يرسل لي السلام ويخبرني أن أهيئ قبرا واسعا لهذا الفقير من أبناء القبيلة، هذا الميت مسكين طيب القلب ولا ابن أو عائلة له.

_ هل تستطيع أن تدلني على القبر الآن؟

الدفانون لا ينسون قبور الموتى على الرغم من كثرة ما يستقبلون من جنائز يوميا، علامة تعجب شخصت على وجهه.. أجابني:

_ وماذا تريد من القبر؟

_ هذا القبر يعود الى قريب لي لم يتزوج ومقطوع من شجرة، أريد أن أقرأ سورة الفاتحة عليه.. أين هو هذا القبر..؟

عيناه تدوران، كعيني صقر، بين القبور، تحرك خطوات ثم التفت لي وقال:

_ اتبعني.

وقفنا عند أحد القبور الأرضية المحشور بين عدد من القبور المهدمة وقسم منها سقطت شواهدها، قبور مهملة يبدو أنها بلا أهل ربما لمتسولين أو لجثث مشوهة لم يتعرف عليها أحد مرمية في الطرقات في حروب الكراهية، قبور بلا عناوين منذ سنين.. قال الدفان:

_ هذا القبر، لم يذكر علاء اسم الميت، أنظر أنه بلا شاهدة، حفرت القبر وصليت عليه حتى أنه لم يعطني دينارا واحدا، طيلة هذه السنين لم يزر علاء ولا أحد هذا القبر أو هذه الساحة من القبور المنسية. 

حجزت ليلة في أحد فنادق مدينة النجف، وعند الساعة الواحدة ليلا نزلت من الفندق وبيدي كيس فيه فأس وتوجهت الى المقبرة، وقفت عند القبر، كان السكون المخيف يلف المكان لا يرشح منه سوى أنين الموتى التي تلتقطها الآذان الصاغية الخائفة من هذا الصمت المدوي بالترقب والقلق الذي يضاهي ضجيج اكثر الأماكن صخبا في العالم.. بدأت الحفر في القبر برفق بفأسي الحاد أزحت طبقة الجص التي تغلف القبر المحدب، وصلت منطقة التراب الهش، نزعت سترتي ومصباح هاتفي النقال ينير لي حوافي القبر إنارة ضئيلة. بعد أكثر من ساعة، أزحت التراب بالكيس خارج القبر، ارتطمت فأسي بقطعة صلدة رنت بقوة، خمنت أنها عظام الميت، كنت حذرا أن لا أهشم هذه العظام التي تقتات عليها الديدان والبكتيريا النهمة، أزحت التراب الخفيف بيدي برفق عن الهيكل العظمي ومسحت الهيكل المسجى عميقا على الأرض بنور هاتفي. كانت العظام لرجل طويل يقترب بطوله من الشيخ راضي، لم تشغلني كل العظام ولا صرخة الرعب في فمه المتحجر، ما كنت أبحث عنه عظم الفخذ الايمن، حين نظرت اليه، كان العظم مهشما من الوسط وشظايا العظم مرتبطة ببعض بمسامير البلاتين التي أصابها الصدأ تربط نهايتي عظم الفخذ المكسور، تيقنت عندها أن هذه الجثة تعود الى الشيخ راضي الذي كان يعاني العرج من اصابته في قتال اللصوص، مسحت الهيكل كاملا وبعناية كي أتأكد أن لا كسر ثانيا في عظم آخر. أهلت التراب على الهيكل، بعد اطمئناني ويقيني بما كنت أفكر فيه طيلة هذه السنوات الخمس ورتبت قطع الطابوق والجص وكأن لا يد عابثة حاقدة قد امتدت اليه، غادرت المقبرة مهرولا وقد شارف الفجر على الحضور ودقات قلبي تكاد تطرش أذنيّ.

اعتكفت الدار لعدة أيام، في اليوم السابع قصدت مضيف الشيخ راضي، وضعت على وجهي كمامة ولففت رأسي باليشماغ حتى لا يتعرفوا عليّ.. طلبت مقابلة الشيخ لمشكلة ألمت بي، سمح لي أتباعه بالدخول، كان يجلس في وسط المضيف وكأني أقابل الشيخ راضي كما في السابق، الوجه المتجهم نفسه والرأس الثابت بالعقال الثخين الأسود واليشماغ النظيف المطرز بالخيوط الخضر، ما لفت نظري أن يديه لا تشيران الى أن عمره تجاوز المئة عام وعظامهما ليست ناتئة فما زالت بشرتهما فيهما بقايا من نضارة لا تتلاءم مع غضون وجهه الجافة السوداء العميقة، حتى نبرة صوته كانت ضعيفة كي تقنع المقابل بكبر سنه، كانت نظرت الشيخ تتأملني بريبة. بادرت بالكلام كي أشغله بالحديث ولا يستجمع ذاكرته ويلملم ما مكشوف من ملامحي ونبرة صوتي ويخيطها لبعض ويكتشف أمري.. كنت أجلس على كرسي بالقرب منه، أجابني بما طلبت بصوت ضعيف، كنت أنتظر غفلة منه كي أنقض عليه. غرز عينيه في الأرض مفكرا، قفزت وأنا أرفع ما يغطي رأسه من عقال ويشماغ وأمسك بأصابع قوية فروة رأسه وأسحبها الى الأعلى لأجد في يدي قناعا من النايلون الثخين وقد رسمت عليه بدقة فنان ماهر ملامح الشيخ راضي وأكون وجها لوجه مع علاء.. جحظت عيناه وتصلبت كل قسماته.. سألني بصوت متحشرج:

_ ماذا فعلت..؟

وقفت أمامه وأنا أحمل القناع وأنظر اليه مصعوقا، أنزلت الكمامة عن وجهي، أجبته وكأن ما بيني وبينه حساب عسير..

_ أنا واثق صديقك سابقا، أنت مجرم، أنت قتلت والدك واخفيت الأمر وعملت قناعا شبيها به كي تستولي على كرسيه وثروته وتخفي عارك وشذوذك وفشلك الذي يلاحقك من يوم ولدت وأنت الآن في الحادي والسبعين من العمر.

التقط مني القناع، مد يده الى جيب سترته وأخرج مسدسا، لبس القناع بسرعة وصرخ بقوة قائلا:

_ أيها الرجال، ساعدوني، هذا الرجل يريد أن يقتلني.

دخل الى المضيف مجموعة من الرجال، لم يفهموا ماذا كان يقصد الشيخ وأنا رجل كبير لا أقوى بنظرهم على قتل نملة، خرجت من بينهم منسلا هاربا من المضيف، كنت أركض في طرقات المدينة تتبعني، في كل الأوقات، خطى الذين يحاولون قتلي. لم يصدق من يعرفني حين أخبره أن شيخ القبيلة الآن هو علاء وليس الشيخ راضي، وقالوا بأسى وحزن وحسرة إني انسان مجنون أصيب عقلي بلوثة وأنهم لن يتخلوا أبدا عن الشيخ راضي هو حقيقتهم التي لا يعرفون ولا يعترفون بغيرها، لم أجد لحد هذا اليوم مكانا آمنا لا في مدينتي ولا في المدن الأخرى، في كل زقاق وساحة وفندق وبيت هناك من يتربص بي ويشم آثاري للنيل مني والحصول على جائزة الشيخ التي يسيل لها اللعاب.