آذار/مارس 15
   

    يبدو ان المجتمع العراقي محكوم عليه بألاّ يصحو من سباته، وألاّ ينهض من كبوته، وألاّ يخرج من محنته. وإذا ما حدثت معجزة ما وأراد هذا المجتمع أن يسترد عافيته، وأن يستعيد قدراته، وأن يستأنف مسيرته، فإنه سرعان من يسقط مجددا في حبائل تخلفه الأزلية التي غالبا ما تثنيه عن المحاولة وتعمل على شده الى الوراء، وذلك على خلفية استمرار تذكيره وتواتر تحذيره بعوامل عجزه وقلة حيلته وضعف إرادته.

وإذا ما رغبنا في معرفة ماهية هذه العوامل التي لم تفتأ تكبل إرادة هذا المجتمع المتهرئ، وتعيق تطلعات مكوناته المتجهة نحو التحرر من قيودها الاجتماعية تبذل مساعيها للإفلات من خوانقها التاريخية ، والانخراط من ثم في أتون ديناميات التطور الحضاري والتفاعل الإنساني، تلك التي تستهدي بقيم التنوير ومثل الحداثة ومعايير العقلنة؛ فإننا سنصادف العديد من الآراء والمعتقدات التي تبلورت في اتجاهين رئيسيين: (الاتجاه الأول) ويمثله ثلة من المؤرخين التقليديين الذين يعتقدون أن كل مصائب العراق والعراقيين حصلت بسبب عواقب (القطيعة) التي أحدثها (الغزو الاليخاني - التتري) عام 1258م ، بعد أن كان المجتمع العراقي يعيش حالة من الاستقرار والازدهار في ظل سلطة الخلفاء العباسيين. وأما (الاتجاه الثاني) فيمثله مجموعة من المؤرخين الحداثيين الذين أنتجتهم دول ما بعد الاستقلال كصناع رأي وحماة إيديولوجيا، حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه ان السبب الجوهري الذي يحول بين المجتمع العراقي وبين ولوجه عوالم تلك القيم والمثل والمعايير، يكمن في تداعيات الظاهرة (الكولونيالية) التي سبقت - وترافقت – لحظة تعرض هذا المجتمع لصدمة الاستعمار البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914 . بحيث أنها أحدثت (قطيعة) بنيوية كلية وجذرية عطلت جميع المسارات الإصلاحية والتنموية، التي كانت السلطات العثمانية قد شرعت بانتهاجها مع ظهور بوادر تراجع قدراتها العسكرية والتكنولوجية، إزاء تفوق الدول الغربية في تلك المضامير فضلا "عن تدخلها المباشر في توجيه سياسات السلطنة داخليا وخارجيا.

وكما هو واضح، فقد تمحورت آراء وتصورات مؤرخي كلا الاتجاهين المار ذكرهما حول دور العوامل (الخارجية) فقط ، محملين إياها كامل المسؤولية بشأن خلقها الظروف المؤاتية لاستمرار تلك الإعاقة (الحداثية) المتواصلة، هذا من دون أن ينبسوا ببنت شفة حيال ما كانت – ولا تزال - تمارسه العوامل (الداخلية) من تأثيرات قوية وما تتركه من آثار عميقة ، ليس فقط داخل السيرورة السوسيولوجية للمجتمع العراقي ككل فحسب، بل وكذلك فيما يجري بين عناصرها المادية والمعنوية من تفاعلات جدلية وتنافذات قيمية وصراعات بينية ، والتي غالبا ما كانت حاضرة وفاعلة في تحديد مآل تلك السيرورة. وهو الأمر الذي يستوجب منا إعادة الاعتبار لأهمية تلك العوامل ومن ثم تشخيص دورها الكبير في حالات تقدم أو تأخر ديناميات التغير والتطور. والحال، لن نجانب الصواب حين نعمد الى تصنيف تلك العوامل (الداخلية) الى مجاميع (ثلاثية) متلازمة عضويا ومتخادمة وظيفيا، نعتقد أنها كانت السبب الأساسي في عمليات توطين حالة (التخلف) المزمنة التي ما برح المجتمع العراقي يرزح تحت نيرها ويكتوي بنارها منذ قرون وحتى كتابة هذه السطور.

وبضوء ما تقدم، يمكننا تشخيص (الثلاثية الأولى) على أساس طبيعة مضامينها الموسومة بعوامل (الفقر والجهل والمرض)، التي أفاضت عن مظاهرها الغالبية العظمى من البحوث والدراسات المعنية بالتاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي خلال ما يعرف بالحقبة (الملكية) وما قبلها، والتي كانت (المظاهر) متفشية في أغلب جغرافيات المجتمع العراقي دون استثناء، للحدّ الذي أنها تركت بصماتها السلبية على مختلف الجماعات والقطاعات والبيئات. هذا في حين يمكننا رصد (الثلاثية الثانية) من خلال تمثلها بعوامل (الاثنية والقبيلة والطائفة)، التي لا يخفى على الباحثين والمهتمين والمتابعين للشأن العراقي مستوى سيادة مظاهرها خلال ما يوصف بالحقبة (الجمهورية) وما تلاها ولحد يومنا هذا، لا سيما بعد أن تخلت الدولة (الوطنية) المزعومة عن طابعها المواطني (المؤسساتي) النسبي، لصالح طابعها الرعوي (الشمولي) المطلق.

وهنا نسارع الى القول بأن هذه التحديد والتعيين لا ينبغي له أن يولد لدينا انطباعا خاطئا مفاده ان مسار الحقبة الأولى اقتصر على ديناميات (الثلاثية الأولى) وما انطوت عليه من عوامل ومظاهر نوعية. كما أن مسار الحقبة الثانية اقتصر على ديناميات (الثلاثية) الثانية وما اشتملت عليه من عوامل ومظاهر فريدة؛ بحيث ان هوة عميقة تفصل ما بين البنيات المختلفة والسياقات المتباينة كانت تحول بين كلا المسارين، قد حصل – وغالبا ما يحصل – هو ان عوامل (الثلاثية الأولى) التي كانت سائدة ومهيمنة على المستويين الجغرافي والاجتماعي في الحقبة (الملكية) السابقة ، لم تكن – بأي حال من الأحوال – خالية أو منزّهة من تبعات وتأثيرات عوامل (الثلاثية الثانية) التي تصدرت المشهد في المجالين الجغرافي والاجتماعي في الحقبة (الجمهورية) اللاحقة . بمعنى ان ما كان المجتمع العراقي يتخبط فيه ويعاني منه، ليس فقط مظاهر (الجوع والأمية والأوبئة) التي كانت نسبة شيوعها بين غالبية مكوناته عالية جدا فحسب، وإنما كان – في الوقت ذاته – يكابد مصائب ونوائب ما تسببت به عواقب الحساسيات الأقوامية والانقسامات الطوائفية والصراعات القبائلية، التي طالما تواتر ذكرها في السرديات واستمر تأثيرها بين الأجيال.

ولهذا كان من الصعب، لا بل من شبه المستحيل، على أية محاولة/ مغامرة تخطي أو تجاوز هذه السلسلة الحديدة من (الموانع) السوسيولوجية و(العوائق) الانثربولوجية ، التي طالما كانت حائلا دون انخراط المجتمع في سيرورات التغير الاجتماعي والتطور الحضاري، ومن ثم الولوج الى رحاب (الحداثة) و(التنوير) و(العقلنة) وما تنطوي عليه من وعود مجزية وآمال مبشرة.