
لكونه من المثقفين العرب القلائل، الذين برعوا في مدِّ مجساتهم المتبصِّرة في عتمِ صرامة وجبروت الموروث العالمي والعربي والعراقي، بكلِّ جرأة وبسالة، نشأت بيني وبينه صداقة حميمة. وتعزّزت هذه الصداقة، بعرى ثقافية قائمة على تقاربنا المتواصل، في منطلقاتنا النظرية ورؤيتنا التحليلية، حول الحياة والنص معا. ولعله من أهم أسباب اعتزازي بشخصية الباحث اللامع الراحل (ناجح المعموري) هو وعيه الثاقب ورجاحة عقله في التعامل مع الرأي الآخر. كما أنه في وقوفه عندَ أيِّ نصٍّ، مهما علا شأنه، ومهما اختلفت مكانة سلطاته المرجعية، فهو يتعامل مع النص بوصفه خزين معارفٍ موجهةٍ للقارئ، ضمنَ صيغٍ كتابيةٍ قابلةٍ للصوابِ والخطأ.
وأنا أتّفق معه تماما في علاقته القائمة على جدلية الحوار مع النص الماثل للفحص، وربما نتطابق في رؤيتنا لأي نصٍّ مدونٍ، سواءً كان موروثا أو مجاورا. وذلك من خلال محاولتنا للتنقيب عن إجاباتٍ لجميع الأسئلة التي تثيرها جدلية الحوار خلال عملية الاتصال والتلقي. إن علاقتنا الاتصالية، تقوم حتما على (توافقٍ أو اختلافٍ) مع أية قضية يطرحها النص، ولكن على وفق مخيلةٍ فاحصةٍ تتوازن فيها كفتي العاطفة والعقل، لتكون غنّاء في نتائجها الرؤيوية. وهذا لن يتم إلّا بالاعتماد على مبدأ الشك، الذي يحفر في تفاصيل قضايا النص، بمحراثٍ واحدٍ غير منحازٍ لجهة، فنحن "حين نشك في قضية فإننا لا نعتقد فيها ولا ننكرها، بل نعلّق الحكم بحيث نعتبر السؤال الذي يستفسر عن قيم صدقها سؤالا مفتوحا"(1).
ولشدَّ ما جذب انتباهي ونال اهتمامي، هو مشروعه البحثي النشيط والمتواصل، حول التناص المتنوع، بين النص الديني التوراتي، وبين النص الأسطوري. وهذا ما يراه الكثير من الدارسين والمختصين، ويبدو لنا جليا في المقاربات النصية، التي أجراها الباحث والمترجم (فراس السواح) في كتابه (مغامرة العقل الأولى) وعلى سبعة أسفار، أشارت الى الأساطير التي توارثتها الشعوب عبر الأزمنة، وهي (البداية/ الطوفان/ التنين/ الفردوس المفقود/ قابيل وهابيل/ العالم الأسفل/ الإله الميّت) ونورد أدناه مجتزءات نصية حول خلق الإنسان من الكتاب أعلاه، التكوين السومري: "أي بني، انهض من مضجعك، من [......] واصنعْ أمرا حكيما، اجعل للآلهةِ خدما، يصنعونَ [لهم معاشهم]..."(2).
- التكوين البابلي: "نعم، سوف أخلقُ لالو الإنسان، وسنفرضُ عليهِ خدمةَ الآلهة، فيخلدون للراحة"(3).
- التكوين التوراتي: "وجبلَ الربُّ آدمَ تُرابا من الأرضِ ونفخَ في أنفِهِ نسمةَ الحياةِ فصارَ آدَمَ نفسا حيّةً. وغرسَ الربُّ الإلهُ جنّةً في عدن شرقا ووضعَ هناكَ آدمَ الذي جبلهُ"(4).
وانشغال (ناجح المعموري) الطويل في البحث عن العلاقة بين الموروث الديني (التوراة) نموذجا، والموروث الأسطوري، ينطلق من كونه يرى في التوراة، مجموعة من النصوص التي تشبه غيرها من النصوص الأدبية الأسطورية، وهو لا يهدف إلّا لتحليلها ودراستها فقط، بعيدا عن أيِّ هدف، للتقليل من شأنها أو الإساءة لها، كم يظن البعض، الذين بالغوا في توجيه التهم الباطلة له. حسب رأيه الوارد في كتابه (التوراة السياسي) والذي قال فيه "كان وسيظل اهتمامي بالتوراة، اهتماما لا يتجاوز كونها مجموعة من النصوص الأدبية الأسطورية، لا تختلف عن غيرها من النصوص التي خضعت للدراسة والبحث، بعيدا، وبعيدا، عن كونها مقدسة"(5).
وقد اعتبر أن البحث في الموروث الديني ليس سبةً، كما يتصور البعض من الواهمين، بل هو جهد معرفي يقوم على جدل لتبادل الآراء حول القضايا التي تتطلّب تأويلا جديدا يتناسب والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتي تتطلّب رؤية مغايرة وسلوكا حداثيا يتواءم مع كل عصر. ولأنّ النصَّ حمّالُ أوجهٍ، فلا ضير أن تتباين الآراءُ حول نصٍّ ما، وإن كانَ مقدّسا، فالنصوص الأسطورية، كانت نصوص ديانات قديمة ومقدسة أيضا، لدى معتنقي تلك الديانات. لذلك خضع كتاب التوراة لدراسات تأويلية عديدة من قبل فلاسفة ومفكري العالم وعلى مرِّ الزمن، وهذا من الطبيعي أن ينسحب على الدارسين والمهتمين العرب والعراقيين. من هنا فقد اعتمد المعموري في بحوثه على علماء ومفكري العالم ومنهم، عالم الآثار الفرنسي (جان بوتيرو) الذي أكدَ أن الأمر، لا يتعدى كونه بحثا علميا تاريخيا في نصوص سالفة. وقد أشار المعموري الى رأيه الذي أورده في الكتاب "سيظل المؤمنون يعتبرون التوراة كتابا مقدسا، ينبوع الحقيقة والحياة الدينية، ولكن في نظر التاريخ وفي نظر الحقيقة المجردة أصبحت التوراة عبارة عن ديوان، عبارة عن نصوص مختارة من الأدب الديني أعدَّها بنو إسرائيل خلال ألف سنة من تاريخهم"(6).
ومن شواهد التناص كذلك (الرثاء) وهو سلوك عادي يمارسه الإنسان (فردا أو جماعة) بعد كلّ حدثٍ مؤلمٍ، جراءَ موت فردٍ أو جماعة، وكذلك بعد كارثةِ حربٍ، أو كارثة طبيعية، أو رثاء الآلهة. وتتطابق رثائية الملك داود لصديقه الملك يوناثان وإبنه، مع رثائية الملك كلكامش لصديقه الملك إنكيدو، كما يتبين في النصّين الذين ذكرهما المعموري: "يا أخي يوناثان يا أعزَّ صديق مليئا بالألمِ والحزنِ أبكيكَ لأنَّ صداقتكَ لي أولى من حبِّ النساءِ كيف سقطَ الجبابرةُ الى الأبدِ سقطوا"(7).
"من أجلِ انكيدو خلّي وصاحبي، أبكي وأنوحُ نواح الثكلى إنَّه الفأس الذي في جنبي وقوة ساعدي والخنجر الذي في حزامي، والمِجَنُّ الذي عنّي وفرحتي وبهجتي وكسوة عيدي"(8).
وما يتعلق برثاء المدن، فقد أشار المعموري، الى تقارب تأثر النصوص التوراتية بالنصوص السومرية، وذلك في رأيه الوارد في كتابه "أما رثاء المدن - أور- فقد تبدت في رثاء أورشليم، على الرغم من الفروق الكثيرة بين أور/ وأور شليم، حيث قدمها التاريخي وعناصرها الحضارية"(9).
أما موضوع الجنة لدى السومريين، فقد كشفت لنا أسطورة دلمون، كل ما يتعلق بأوصافها ومكانها وحسب هذا المجتزأ: "أرض دلمون مكان طاهر، أرض دلمون مكان نظيف أرض دلمون مكان نظيف، أرض دلمون مكان مضيء في أرض دلمون لا تنعق الغربان ولا تصرخ الشوحةُ صراخها المعروف حيث الأسدُ لا يفترسُ أحدا ولا الذّبُ ينقضُّ على الحمل"(10). وقد جاء موضوع الجنة كذلك في العهد القديم – سفر التكوين، وذلك وفق صياغة أكثر توضيحا وتوسعةً، كما هو مبيّنٌ في هذا النص: "وأخذ الربُّ الإله آدمَ ووضعه في جنةِ عدنٍ ليعملها ويحفظها. وأوصى الربُّ الإلهُ آدمَ قائلا: من شجر الجنةِ تأكلُ أكلا وأما شجرة معرفة الخيرِ والشرِّ فلا تأكلُ منها"(11).
ولعلَّ من يطّلعُ على كتب الباحثين والدارسين، سيتعرف على عمق العلاقة بين الأساطير السومرية والبابلية والآشورية في العراق، والأوغاريتية في سوريا، وما تلاها من أساطير، وبين كتاب التوراة. في مختلف الأفكار والتصورات التي تهم حياة الإنسان، والتي جرى توارثها عبر الزمن. ومن هذه الأفكار: ألواح وأيام التكوين السبعة، وكذلك قصة الطوفان، وسفر التنين، وفكرة قتل قابيل لهابيل التي تتكرر في عدة صياغات وعصور، وسفر العالم الأسفل، وهبوط الآلهة للأسفل وصعودها للسماء، والإله المخلّص وسواها.
المفكر والباحث (ناجح المعموري) بدأ قاصا وروائيا، حيث أصدر مجموعته القصصية ذات العنوان المثير (أغنية في قاعٍ ضيّقٍ) النجف 1969، تواصل في اصدار حزمة كتبه السردية، التي اكتنزت على مجموعتينِ قصصيتينِ، وثلاث روايات. غير أنه، بعد أن أصدر آخرَ رواياته (مدينة البحر) وزارة الثقافة 1986، دَسَّ كتبه الصادرة في (جعبةٍ سرديةٍ) بعدها ركنَ الجعبةَ جانبا، لينصرفَ الى اهتمامٍ جديدٍ هو النقد والبحث. إذْ وجدَ فيه، متعةَ فحصٍ في النصِّ، ولذَّةَ تأويل في جمالياته، وذلك عبر رحلةٍ مكوكيةٍ مع النص حول مدارات الفكرِ وبين كواكب الفلسفة. ليبزغ نجمه ويعلو شأنه عراقيا وعربيا، كباحثٍ مقتحمٍ لشتى حقول ألغام (الدوكسا Doxa)(12)، التي يمكن تصنيفها الى عدة أنواع مثل: الاستبداد/ القداسة/ الفحولة/ الأعراف/ وسواها. وكذلك كمفكرٍ جريءٍ عابرٍ لعراقيل الراهن على سبيل احتمالات الآتي، المزدانة بالإضاءات والكشوفات عن حداثات علمية واجتماعية وثقافية داكَّةٍ، لكلِّ اليقينياتِ البالية.
وذلك منذ اصداره لكتاب (موسى وأساطير الشرق) عمان 2001، وكتاب (الأسطورة والتوراة) بيروت 2002، وكتابي (التوراة السياسي) و(أقنعة التوراة) عمان 2002، وحتى آخر إصداراته البحثية، مثل كتاب (الأصول المصرية لتابوت العهد) دمشق 2014، وكتاب (المسكوت عنه في ملحمة كلكامش) دار المدى 2015، وكتاب (تأويل النص التوراتي/ قميص يوسف انموذجا) دمشق 2015، وكتاب (التوراة وطقوس الجنس المقدس) دار المدى 2016، وكتاب (عنف المقدس في الأساطير العراقية) دار المدى 2021.
الهوامش:
- تِد هُنْدرتْش (تحرير)، دليل أكسفورد في الفلسفة، ترجمة: نجيب الحصادي، هيئة البحرين للثقافة والآثار، ج1، ط1، ص
- فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، منشورات دار علاء الدين، ط1، دمشق 1976، ص
- المصدر السابق، ص 82.
- المصدر السابق، ص142.
- ناجح المعموري، التوراة السياسي، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، عمان 2002، ص
- المصدر السابق، ص11.
- المصدر السابق، ص106.
- المصدر السابق، ص19.
- المصدر السابق، ص153.
- فراس السواح، مصدر سابق، ص238.
- المصدر السابق، ص235.
- سمير الخليل، دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، ط1، بغداد،
ونقرأ في الصفحة 355 من الكتاب [يدلُّ مصطلح (الدوكسا) عند (بورديو) على مجموع الاعتقادات المرتبطة بنظام الأشياءِ الخاصَّةِ بكونٍ اجتماعيٍّ مُعطى، وتفرضُ نفسَها بطريقةٍ (قبانعكاسية) لا جدالَ فيها، كما أنها بداهات لا مَفَرَّ منها].