أيار 20
   
هل سينما السيرة قابلة للتأليف وما هو أحقية المؤلف في اختيارات الجوانب السوداء من الشخصية او نقاط ضعفها وتسليط الضوء عليها وهل تحتكم بها النوايا والاثر المتروك؟
دفاعا عن سيدة الغناء العربي، للعشاق واصحاب الكلمة المغمسة بالحب النقي الملحن ببذخ مطعم بالصوت الاستثنائي!
فيلم (الست) حدث ضخم انتظره الملايين؛ تطاول على سيدة الغناء العربي كوكب الشرق، بتلصيق الفيلم بمشاهد تركز على الاستخفاف بالثورة وزعمائها وايضا جدلية لشخصية ام كلثوم..
لنبدأ بها انسانه اوتيت الصوت الذي جعلها الحالة المتفردة عربيا، اجتمعت عليها كل الالسن واللهجات من المحيط إلى الخليج، في وقت كانت اوروبا لديها ماري كاري اديت بياث وآماليا رودريغز من الأصوات النسائية الاوبرالية وجودي غارلند الاميريكية، بطبقات صوت مختلفة.. تمس كل الاذواق.
ام كلثوم كانت زمنا وتاريخا، بدايات التخت العربي بعراقته والملحنين وكتاب الكلمة الذين ذهبوا معها إلى ابعد الحدود وغادروا معها، حقبة تاريخية لا تتكرر.
لم فكر الكاتب بالعبث وقسوة الظروف المعيشية الطبقية والثقافية الى جانب فكر مجتمعي اتجاه المغنواتي والمشخصاتي وطبقة مجتمعية أخرى..عملت على دعم انواع فنية جديدة في بيئة خام مثّل المسرح و الغناء والرقص الذي كان في ذلك الوقت محصورا على تسلية الطبقة الحاكمة والباشاوات وكبار الشخصيات!
إما لإضحاكه أو سلطنته، وإتخاذها ذريعة لاستعراض الازياء والجواهر والفراء وارتداء البدلات الاوروبية بربطات عنق فرنسية للرجال في ثلاثينيات القرن..
 
أم كلثوم جاءت من عمق الريف المصري (قرية السنبلاوين)، من بيئة تستهجن انشاد البنت او ظهورها خارج البيت، فالبسوها اللبس العربي للاولاد و لولا قوة شخصيتها وذكائها الفطري، لما استطاعت مواكبة الموضة لتصنع النقلة الكبرى في حياتها من فتاة ريفية مغمورة متخفية الى صاحبة العصمة التي تسكن فيلا على النيل !
حين يكون الكاتب ذكيا والمخرج لديه ثقافة فنية راقية تُصنع السينما التي تظل في الذاكرة للأبد، سينما يصنعها الصغار تخليدا وتكريما للكبار.. عمل فني ينعش الذاكرة والحنين لمن عاصر هذا القرن وتحبيبه لجيل يظن انه بلا تاريخ ولا اساطير، فام كلثوم ذاكرة الاجداد والاباء، تاريخ الاحبة الذين اجتمعوا على حفلة غنائية او دارت اسطواناتها في الصالونات بين الضيوف!
 
إن فيلم (آماليا) عن المغنية البرتغالية اماليا رودريغز اخراج كارلوس ويلو دا سيلفا ، انتاج عام 2008 عد انموذجا مذهلا لأفلام السيرة الفنية لامرأة كانت تغني في المقاهي الصغيرة في البرتغال حتى ذاع صيتها عبر مسيرة طويلة في الفن وعاطفتها وزيجاتها وتأثيرها على فنها .
الفيلم الأكثر انسيابية وأكثر اشباعا لنهم المعرفة للفنانة التي صنعت اغنية (مونا مور) وبات من النادر الا يعرفها احد..
إن السيرة لايحدث ابدا ان يسقط الكاتب وجهة نظره الخاصة او رؤيته وهو لم يلتق هذا الفنان، بل يرتكز على يومياته وعلى البحث الدقيق في الصحافة والاعلام والجيران وحواديت المقاهي الثقافية والمهتمين .
فكيف للكاتب هنا الاعتماد على  احساسة و على الحقيقة الواضحة والروايات المتداولة وعلى الموقف العاطفي  في السرد التاريخي بحيث لا يفقد الحقيقة وضوحها ،يبين ان من اهم عناصر صناعة السينما السردية اللعب على الدراما في اظهار نقاط او مواقف حقيقية واختيار الوقت المناسب ، لا افتعال مواقف خارج المألوف لابتزاز المُشاهد عاطفيا او تغيير فكره ، لان افتقاد المصداقية سقوط !.
أن تبذل جهدا للوصول الى العالمية على حساب الاساطير ، سقوط المريع ، من يملك في تاريخه ما يريد ان يخفيه ، يستخدم هذا التجني .
 ام كلثوم عاشت عصر التحدي ، في اثبات حضورها ثم جدارتها في الاستمرار ، حضورا لايمحيه ظهور نجم فنان آخر كما حدث للمهدية ونور الهدى اللتان نسي الجمهور وجودهما لمجرد ان ظهر نجم السيدة ام كلثوم ، هذا الدرس الاول الذي تعلمته .
فلماذا نسيء لقاماتنا واساطيرنا، بلا حقائق ولا شهود!
هل هي بداية لإذلال الاموات بصناعة الترند كما يطلق عليه حاليا، مؤكد ان أم كلثوم، مرت بمواقف حرجة ومهينة حين كانت تنشد المدائح النبوية في بيئة معدمة تعتاش على الموالد والمناسبات الدينية والاعياد والاحتفالات المتعارفة في فترة الحكم العثماني، حفلات الطهور في القرى او الذهاب الى الحج او مناسبات أعيان القرى واصحاب (العزب) الاغنياء.
كيف لنا ان نقاضي عصر امتلأ بالفن الحقيقي والراقي الموسيقى العربية الخالدة، التي صُنعت بحفنة جنيهات؟
 
والان مع كل هذا الدعم، لم يخرج للنور فنان حقيقي أو فيلم او مسلسل للتاريخ، بل معظمها تنعق بخراب الذوق العام، واشارات لنهاية الهوية العربية الفنية بمجاراة افلام الكاوبوي والامراض العقلية او الكوميديا الرخيصة، كيف لنا ان نحاكم او. نستهجن ما لا نملك ان نجاريه في الموهبة والرقي الفني.
لقد عاشت (الست) حيوات أخرى امتدت الى اجيال وأجيال.
وبالنظر الى ان الافلام الاوروبية في صناعة نجوم وتخليد ذكراهم لم نجد هناك ما يسيء إليهم فقد ذكروا ما هو مشهور عنهم وتم تداولهم ومن اساء إليهم كذلك وتسبب في صنع هذه الموهبة؛ لا ان تذكر لهم مناقب او نزق الا اذا استدعى الامر، وكان فعلا من طبيعة الشخصية لا ان تصل الى حد الكراهية والابتذال فالطعن في الشخصيات التاريخية ان لم في السرد فإنها تضر في الكاتب الذي يتصيد السقطات كمن يظهر رأيا وشعورا شخصيا.
هناك مواقف وموضوعات غفل عنها الكاتب توقعنا مشاهدتها في الفيلم.
 ان السيدة لم تحب فن فريد الاطرش وقد صرحت بذلك، كما انها عملت على اقصائه من نقابة الفنانين المصريين وهو حامل للجنسية المصرية، ربما كان المسار القومي الذي كانت تعتنقه في تلك الفترة هو الاقرب الى الحقيقية.. هكذا تدار الحوارات لا ان يلقن الجيل الجديد سقطات شخصية هزيلة!
ظهر كليب (الست) في الفيلم وكنا نأمل تذكر قصة قصيدة (الفاجومي) في فيلم الست!
كما غاب الملحنون الكبار: السنباطي وزكريا احمد وبلبغ حمدي وتطوير التخت العربي ودخول الغيتار الالكتروني!
امامنا جيل يتذكر وقد واجه احباطا وهو جيل لن يتذكر الا إذا احتفينا بتراثنا وهويتنا وقاماتنا الفنية!
سأطلق على الفيلم الست والضغينة المستهلكة!
والا ماذا وراء الهجوم على هذا التاريخ، بقليل من المقارنة بينه وبين أفلام السيرة الفنية، نتصالح مع فكرة جديدة، تطاول يهدم، واثارة غضب الجمهور لارتفاع المشاهدة!!
كما ان التطاول الذي يكمن وراءه ألف استفهام.
 جيل معبأ يرفض التخلف والرجعية والمبهور بقيم من زجاج هش زخرفتها الهوية الغربية بالميديا عن طريق الانفتاح والحريات والاختلاف وسهولة التصريحات والتصرفات بلا ضوابط ولا عواقب، استعدادا لانصهار جيل كامل في اللاهوية والاكتفاء بالفرد وحريته المطلقة!
فرد يسهل التحكم به وقيادته بعيدا عن الانتماء!