أيار 20
   
 
في عالم اليوم، تلعب المتغيرات المتعددة السريعة في أنماط الحياة وايقاعها، جراء التطورات التقنية، دورا كبيرا في اساليب وسلوكيات العيش الجديدة، بما يمنح اي متغير دافعية عالية في سمة التأثير على أنظمة الحياة، الأمر الذي انعكس على سياقات السلوك والعمل والذائقة ومستوى التقبل والتفاعل والاستجابة والفعل والحركة والرغبة والمزاج وكذلك السعي الاكثر تنافسا في العديد من الحقول، كل ذلك يدعو للارتقاء والوصول إلى النتائج المتقدمة. ان افترضنا ذلك فسمة المتغير المستوفي لخصائص التطور يجدر بها ان تدفع بالاتجاه الإيجابي لنهضة الحياة وانعاشها، دون أن تشكل معضلة في السلوك والنظام واطر الحياة، فهناك حقول وميادين كثيرة قد خضعت لمجرى التأثير التقني الحديث مثلا طريقة العمل في المطارات وأنظمة السوق الحديثة واسلوب انجاز المعاملات وأنظمة الجامعات والمستشفيات كافة واسلوب السكن في الابراج الجديدة ومرافقها وانتشار عدد السيارات وأنظمة النقل والتأثير الفعال للأنترنت والنشر الإلكتروني واساليب الاعلان والتوزيع والتوصيل الفوري وأنظمة المطاعم والفنادق واساليب الهكر والابتزاز، وانتشار الوثائق والإصدارات الهالة المتاحة اليكترونيا وأنظمة الحاسوب وبرامجه الرقمية الحديثة، والأنشطة العلمية والثقافية عبر منصات الزوم وغيرها وعروض الافلام والمسلسلات انيا، وتعدد منافذ الاتصال والتواصل دون أدنى معاناة. مع المواكبة الدقيقة للموديلات والماركات الحديثة في الأزياء والإكسسوارات ومجمل التصاميم، مما انعكس على مستوى الاداء، ولكن ليس من المفيد ان تثبت عكس ذلك وبما يتقاطع مع الأصول واللوائح والسياقات، وللمرء مساحة من الحرية ان يسعى لان يتقدم في تصدر الخطوة التي يراها من استحقاقه.
فالأغلب الاعم من الناس يرغب ان يتصدر، اي يرغب ان يكون في المرتبة الأولى في الحقل او الهيئة التي يعمل أن يكون فيها، بل وحتى المكان الذي يتواجد فيه، فهي نزعة ان يكون المتصدر هو الرقم الذي لا يسبقه رقم اخر، ولكن، لطالما هي نزعة كما وصفناها، فعلينا ان نبحث بجذور هذه النزعة، هل هي نفسية أم مرضية أم شعور بالتفوق أو شعور بتغطية النقص أو لأغراض الكسب والطمع والاستحواذ على الفرص الذهبية مهما كلف ذلك من متاعب واعاقات؟ فجذور الفعل يتصدر جاءت في قاموس المعاني الجامع من الفعل (صدر) الذي يحمل معنى: (مقدم كل شيء)، صدر الكتاب وصدر النهار وصدر الأمر. وان صدر القوم هو رئيسه، وذات الصدر: علَّة تحدث فيه، وذات الصدور: أسرار النفوس وخباياها، واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ذَاتِ الصُّدُورِ.
 ورغم بعض المعاني الاخرى التي دل عليها الفعل يتصدر، الا ان بنا حاجة إلى المعنى الذي يشير إلى المرتبة الأولى في الصدر، ففي حقل الفلسفة تصدرت اسماء كبيرة، وسجلت اسسا ونظريات واتجاهات اقترنت باسماءهم وهم كثر، وتطورت العلوم والفلسفة، وتجددت الافكار والنظريات، وظهرت اسماء جديدة أيضا تصدرت المشهد الفلسفي، وهذا ما ينطبق على حقول المعارف والعلوم الاخرى في الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والهندسة والتاريخ والآداب والفنون وغيرها.
   ولهذا المفهوم ثقافة لدى الفرد هي ان يترأس المجموعة المحيطة به وان يجلس في المقام الأول وان يحتل المرتبة الأولى في المهنة التي يمارسها أو في الحقل الذي يعمل فيه، ونزعة امتلاك هذه المرتبة ليست محرمة ابدا، وإنما، يجب أن تخضع لمعايير الاستحقاق واكتمال المواصفات المطلوبة من جدارة لهذا الهدف، ويتصدر هو الفعل الاقرب إلى الفائز، الشاطر، الماهر، القائد، ذا المقام، كبير القوم، رئيس المجموعة، الحائز على جميع السمات الأروع والامثل والأفضل والارقى والاشطر، وغيرها. ويكسب الصراع في المنافسة هو من ينتج الأفضل والاكثر رقيا وتطورا، فيستحق الصدارة كما يستحقها الفريق الفائز عندما يتصدر مجموعته في دوريات الكرة. وفي جانب المفاضلة هناك ايضا أفضل طائرة في العالم وافضل مطار، وافضل باخرة واكبر ميناء  وافضل قطار، بل حتى في الحروب من يمتلك ارقى الأسلحة وأكثرها فتكا  وخطورة. وغيرها، ولكن هناك من يسعى إلى ذلك بكل اجتهاد وشروط التنافس، ولكن أيضا هنالك من يكسر هذه الاشتراطات ويتخلى عنها، بل يعمل جاهدا لكسر هذا المعيار، والدخول في مرحلة منافسة غير متكافئة،
 فالصدارة، هي ليست ان نكتفي بالجلوس في مقدمة المواقع والاماكن، وإنما هي حيازة لقب، أفضل شخصية، وافضل مبدع، "سياسيا، اقتصاديا اجتماعيا ادبيا علميا" وغيرها، او اشهر نحات، او رسام وموسيقي وكاتب ومخرج وشاعر وصحفي واعلامي وحاكم وقائد أو قاضي وغيرها، وهي ليست السعي للحصول على التأهل بالمرتبة (ا) بأسلوب المقايضة والاغراء والدفع بالمقابل أو لانه قريب أو صديق أو ما يسمى بالمحسوبية، وما يتعلق بالمصالح والنفعية والمناطقية والمذهبية، وهنا يمكن الاشارة الى ما يلي:
*الصدارة هدف واستحقاق مشروع لمن يسعى ان يسجل رقما مهما متفردا في الخير، والعطاء والكرم والشجاعة والتضحية والإيمان والثقافة والفن والمعارف والعلوم وغيرها من الحقول، والمواقف.
* في حقل العلوم كافة علميا وانسانيا، هنالك جامعات تهتم بالحفاظ على سمة الصدارة والمرتبة العلمية العليا من بين غيرها من الجامعات اذ بنيت على أسس مستوفية الشروط المتقدمة العليا في "صنع مكانة جامعة" بمواصفات متطورة منهجيا وتعليميا، وقد تحصل على مرتبة ذات  تسلسل مميز، تنفرد به دون غيرها. بما يجعلها تستحق سمة الصدارة بامتياز .
*من يستطيع أن ينافس الجواهري مثلا؟  أو أحمد شوقي؟ أو زها حديد؟ او فرويد؟  ماركيز؟ أو تولستوي؟ . أو نجيب محفوظ؟ وطه حسين؟ ، وام كلثوم؟ وعبد الوهاب؟ وفيروز؟ او اي نجم متصدر في اختصاصه؟ ومن يستطيع أن يضع اسمه قبل اسم بيتهوفن، او باخ أو موزارت؟ ،  فليطرح نفسه منافسا، لعله يكسب الموقع ذلك ما تحدده اكيد جملة اعتبارات سواء كانت لجان التقييم أو الذائقة العامة، ففي الصحافة مثلا، هناك كبريات الصحف المتصدرة المشهد الصحفي لما تتمتع به من خصائص صحفية مهنية وجمالية وفكرية  وحرفية،كالواشنطن بوست والنيويورك تايمز والشرق الأوسط والاهرام وغيرها، ، وكذا الحال في المنتجات الشهيرة التي حققت (تصدرا) في غاية الاستحقاق. وفي مختلف ألاجناس والانواع، مثل المرسيدس والبي ام دبليو والفيراري والشوفروليت والفورد والتويوتا والفيليبس والسوني والناشيونال والبيبسي كولا والكوكا كولا وغيرها، فضلا عن الماركات الشهيرة في العالم مثل الساعات والازياء والجواهر والعطور والسجائر والأجهزة الكهربائية والاليكترونية  والمأكولات التي لا يضاهيها اي منافس.  فالصدارة هي تنفيذ جملة المعايير والمواصفات، التي تقدم خدمة نافعة بأعلى المستويات، بحيث تكتسب السمة الأولى دون تقليد أو أقل من ذلك، فهي استحقاق ووجه حق، لا شك فيه.
. * وهناك تقليد شائع عند بعض الدول، في منح سمة (السيدة الأولى) لزوجة الرئيس، لمجرد انها زوجة الرئيس، دون النظر إلى معايير اكتساب هذه السمة، فبعضهن قد لا نجدها امرأة عالمة او عظيمة بكفاءة أو مهارة أو شهادة أبداعية يشار لها بهذا الاستحقاق. ،فهو مجرد سياق إداري أنساق بفعل التقليد والتعود.في حين لا يمكن ان تحصل طبيبة مثلا سمة "الصدارة" وهي بمستوى بسيط جدا دون مهارة عالية.
* يسهم المتغير الثقافي أو  التقني أو في مستويات الاداء في مؤسسات الحياة والتخصصات كافة   في نهضة تفاصيل الحياة، وبميادينها كافة، الأمر الذي يدفع بارتقاء نسبة التحضر في التعامل المهني والاجتماعي، ولابد ان لا  يدفع ذلك إلى الغرور والانفلات والتهور والطيش وطمع الاستحواذ على المزيد من الفرص دون استحقاق وبنزعة التلذذ في الحصول على كل شيء.فمثل هذه الرغبات والنزعات. لن تنتمي إلى مفهوم الصدارة ابدا.
 
       سجلت الوقائع على ان البعض من الأشخاص قد تصدر مواقع متقدمة في مهن وإدارات ودوائر مهمة، ومنظمات ومؤسسات ومسؤوليات متعددة وغيرها  ،ومنهم من نجح في ذلك، ومنهم من اخفق، دون أشتراطات التفوق والتميز، مما جعله يتمسك بهذا الموقع،الذي لم يكن يحلم به، الأمر الذي جعله يشتغل بشتى الأساليب المشروعة وغيرها من أجل أن يبقى (متصدرا) لهذا الموقع الذي لا يخلو من  الاستفهام،. وهذا النوع يعد كما لو كان علامة من سمات  "الاستحواذ" الذي تتهيأ له الظروف المساعدة، ويعد ايضا تسجيلا لصفحة مشوشة في (نظرية الاستحقاق) وتكافؤ الفرص.
       * الصدارة ترافقها معان متعددة، تقرب وتعظم هذه السمة، منها النفسية والعاطفية والانسانية الأخلاقية والمهنية والمعرفية والعلمية والمهارات المتفوقة ، بما تتضمن من رفعة عالية في المواصفات الإيجابية المتفردة والكاريزما التي تمنحه المزيد من القدرات التي تجعله أكثر قربا وتقبلا من قبل الفضاء المحيط بالشخصية مهنيا واجتماعيا ونفسيا.
       * الصدارة هي مسؤولية، وهي ان تحمل مشروعا للحقل الذي تعمل لأجله، وان تطرح برنامج عمل ناهض، نحو التغيير والتطوير، فالصدارة ليست ديكورا، ولا تشريفا، بل هي ان استحقاق الدرجة الأولى الممتازة في الحقل الذي تعمل فيه،حتى وان دخلت في سياق التنافس،
     * الصدارة الحقة هي ان لا نستكثر السمة الأولى في شخصية اديسون والكهرباء واينشتاين والفيزياء 
وغوتنبيرغ والطباعة وغراهام بيل والهاتف واكثر من عالم في الانترنيت وتطويره لاحقا .وسجلت الصدارة اسم بنيامين كارسو كاشهر جراح في العالم، ويعد فيرنر فون براون اشهر مهندس فضاء،وكذلك يعد اليوناني هيرودوت اشهر مؤرخ في العالم الذي وضع منهج البحث التاريخي،اما ادم سميث فيعد اشهر رجل اقتصاد في التاريخ، الذي يلقب بابو الاقتصاد الحديث ومؤسس علم الاقتصاد، وصاحب كتاب "ثروة الأمم" ومايكل انجلو اشهر نحات في الكون، صاحب تمثال (داوود) الكبير..وغيرهم من المتصدرين في حقول أخرى.كالعلماء والمفكرين في علوم النفس والاجتماع والسياسة والقانون والفنون   وغيرها ..
*الصدارة هي استحقاق التفوق علميا ومعرفيا واجتماعيا وانسانيا ومهنيا وجماليا، وهي تسجيل الرقم الصعب في أداء الحقل والمحيط الذي نعمل فيه..فحقل الرسم، لا بد أن نذكر دافنشي وفان كوخ وبيكاسو ورامبرانت ومونيه وميخاىيل انجلو وسيزار وغيرهم هؤلاء هم الاستحقاق الأمثل في الصدارة، كما في السينما من عباقرة أمثال بريغمان وانطونيوني، وفرانسيس كوبولا، والفريد هيتشكوك وسبيلبيرغ وايستوود وستانلي كوبريك و وجميس كاميرون وكريستوفر نولان،و مارتن سكور سيزي ، وكوينتن ترانتينو،وغودار، وفيلليني، واخرين..
 
*هناك من يستحق ان تبقى هذه السمة مقترنة باسمه دون تراجع، "كما اقترن الاستبداد في شخصية هتلر" أو المفكر س والشجاعة عند ص وهكذا..
والأهم من ذلك هو ان تبقى هذه السمة ملازمة لاسم الشخصية، لما تتسم به من حيوية ونشاط وتطور وتواصل وتفوق في الاختصاص، ذلك لانها تمتلك قوة التفاعل الكبير مع الفرد والحقل والمجتمع، وبقاء الاستمرارية في ضخ كل ما هو جديد ونافع في أداء السمة التي تصدرها واقترنت باسمه.