أيار 20
   
 
حدث هذا مرة في صباحٍ عراقيٍّ شتويٍّ قاسٍ، من تلك الصباحات التي تعصف بها الرياح في الأزقة الضيقة لبغداد القديمة، فتحوِّلها إلى ناياتٍ تُصدر صفيرًا حادًّا يثير التوتر والترقب، تتسلل رائحة الخبز الساخن والشاي والسجائر وأغاني الحرب والحب من نوافذ المنازل المتراصة في الحي الشعبي. وبخفةٍ كذلك، يتسلل البرد من تحت الأبواب، ويلعق الوجوه والعظام بلسانه الأزرق.
نستنشق رائحة الشاي السيلاني الداكن  الدافئ، وتفوح من بين أنفاسنا رائحة الخبز الحار، وكأننا نستنشق معها أيضاً صوت فيروز المترقرق من صندوق الراديو الترانزستور ، ذلك الصوت الذي يملأ الأرجاء بعذوبته، ويغمرها برطوبة غابات الصنوبر، حيث تمتزج النغمات بالنعومة التي تثير فينا تساؤلاً عميقاً، تضادًا غريبًا لم أفهمه إلى الآن.
كانت الإذاعة العراقية، في صباحاتها الباكرة، تبدأ ببثٍ دافئ يختلط فيه صوت البلبل العذب، يعلن عن قدوم يوم جديد، ليُتبع بعدة آيات من القرآن الكريم، وتتساقط الكلمات السماوية في الفضاء، ثم يأتي بعد ذلك صوت فيروز، كأنما يحمل في ترنمه رسالة غير معلنة، رسالة تبعث الأمل في النفوس، وكأن صوتها هو ترانيم إنجيل موجهة لإخوتنا المسيحيين.
كان الأمر يتجاوز مجرد تتابع أصوات، كان هناك تناغم لطيف بين الأديان والثقافات، وكأن صوت فيروز يعانق ترتيل القرآن الكريم في عدالة مدهشة، يُظهر أن التعايش ليس مجرد حلم، بل هو تناغم روحاني يسمو على كل التباينات. كان في تلك اللحظات العذبة.
"خِدني يا حبيبي عَ بيت مالُو بواب
خِدني يا حبيبي عَ قمر الغِيَّاب
انْسَاني بالغَفا .. بإيّام الصفا
تَ ترجع الليالي ويرجعوا الأحباب
يا حبيبي يا حبيبي يا حبيبي
خدني ولا تاخدني .. الفرح عَ الطريق
حُبَّك بيحصدني .. وما عندك رفيق
يا أمير السيف .. وين أخذت الصيف
بشوفك وما بشوفك ضايِع بالضباب"
مُجبرًا بطلب زوجتي على شراء الخبز الساخن الطازج من فرن الحي القريب، حملتني ساقاي المتردين إلى خارج المنزل. الراديو يغير مسلكه بعد هذا الدفق من الحياة السائلة كعادته ليبشر بالموت الكاكي في كل مكان .الراديو يحشد ويصدر عويلا لا ينقطع كصوت غراب جريح . تحشيد  وعسكرة للمشاعر و الطعام والجنس والشراب والحياة والهواء من خلال البيانات العسكرية بصوت المذيع المتشنج. الصحف، والسيارات، والحياة بأكملها ترتدي الكاكي؛ زيّ الجنود وزيّ (الرئيس) الذي أعلن نفسه، في لحظة فاصلة، أنّه ربّ الحرب الرافديني الجديد. كان علينا أن ننخرط في هذا الجو العام، لا لننجو من الموت، ولكن لنبعد فاصلةً زمنيةً ما، وإلا فإنّ قدومه هو الحقيقة الوحيدة الآن في البلاد.
عودة إلى ذلك الصباح الذي لم يكن فيه ما يشي بشيء ذي قيمةٍ في مجرى نهر أيّامي المتشابهة، المدسوسة بين التخفي ومرارة القلق وقسوة الخوف والحذر من الاعتقال والإعدام كجنديٍّ رافدينيٍّ فارٍّ من حروب الماضي أو الحاضر.لم أكن أدرك وقتها أنّ حياتي بأكملها ستتوقف في ثانيةٍ وتعكس مسارها؛ كان مجرد صباحٍ عاديٍّ كسائر الصباحات التي كانت تتشابه فيها الأيام، والملامح، والمخاوف من الحرب المستعرة.. ولكن، ما لم أكن أدركه حينها هو أنّني لن أعود إلى منزلي إلا بعد أربعين عامًا؛ أربعين عامًا من الضياع، من التيه، من الغياب الذي يأكل الروح ويبتلع ماء العمر حتى آخر قطرة.وحينما عدت أخيرًا، بجسدٍ أرهقته السنوات المثقلة بالصبر والأمل الزائف وروحٍ قتلها الانتظار لعقود من الزمن المر، حين وصلتُ لم أجد أيّ أثرٍ لحياتي الماضية.
 
 
*للكاتب رواية تحت ذات العنوان