
حين يختار شاعر عراقي معاصر أن يسُمّي ديوانه "خارطة الريح"*، فإنه يضعنا منذ العتبة الأولى أمام مفارقة تأسيسية: كيف ترُسم خارطة لما يتحرك دوما؟ً كيف يثُبتَّ ما طبيعته الانفلات؟ هذا السؤال يحمل في طياته جوهر التجربة الشعرية عند عصام كاظم جري، تجربة تتأرجح بين الرغبة في الإمساك بالمعنى واستحالة تثبيته، بين الحنين إلى المكان وتشظّيه في الذاكرة، بين صوت الذات الفردية وهدير التاريخ الجمعي. الديوان يشتغل على طبقات متعددة من الدلالة، ويستدعي قراءة تتجاوز السطح اللغوي لتحفر في البنى العميقة التي تشُكّل النص وتمنحه كثافته، ومن هنا تأتي ضرورة المقاربة التفكيكية التي تفُكك المركزيات وتكشف عن التوترات .الداخلية في النص، وتصُغي إلى ما يقوله النص وما يسُكت عنه في آن
يؤُسس الشاعر هنا لأنطولوجيا شعرية قوامها الزعزعة والتقويض، حيث تتحول الريح من عنصر طبيعي إلى استعارة وجودية كبرى تختزل حالة الإنسان المعاصر في عالم فقد يقينياته. في قصيدة "عندما نتبوأ خارطة الريح" يصُرّح الشاعر: "هؤلاء الأصدقاء / سدنة الأحزان/ يجلسون على أريكة الريح / ويسمونها المنفى"، والجلوس على الريح فعل مستحيل فيزيائياً، لكنه يصف بدقة حالة المنفي الذي يسكن اللامكان، ذلك الذي فقد أرضه الصلبة وصار معلقاً في فراغ الاغتراب. هذا التوظيف يستدعي مفهوم "الرمي في العالم" عند هايدغر، ذلك المفهوم الذي يصف حالة الإنسان الملقى في وجود لم يختره، المُطالَب بصنع معنى من عبثية .موقعه
الريح في الديوان تتخذ تجليات متعددة: هي المصير حين يقول "صارت الريح أكثر احمراراً من المصير"، وهي الخارطة التي يتبوأها المنفيون، وهي الأريكة التي يجلس عليها الأصدقاء الحزانى، وهذا التعدد في التجليات يكشف عن بنية رمزية مُركّبة، حيث الريح تصير علامة سيميائية مفتوحة على تأويلات متعددة، كلها تدور .في فلك الضياع والتشظي والبحث عن موطئ قدم في عالم منفلت في قصيدة "الليل موسم خامس" يعُمّق الشاعر هذا البعد الأنطولوجي حين يكتب:
"على حين غرة / أخذتنا الريح ونحن نلهو / دون يقين / دون قوس الأرض ،"
وغياب اليقين هنا يتجاوز المعنى المعرفي ليصل إلى المستوى الوجودي، فالذات المتكلمة تجد نفسها مأخوذة، مسلوبة الإرادة، تائهة في فضاء أفُقد فيه "قوس الأرض "- ذلك القوس الذي يمنح الإنسان إحساساً بالانتماء والتجذر. هذا الفقدان للأرض يحُيل إلى ما سماه إدوارد سعيد "الوعي الطباقي" - وعي المنفي الذي يعيش .في مكانين وزمانين، حاضر جسدياً في منفاه وغائب روحياً في وطنه المفقود
يتخذ الديوان موقفاً شكياً معرفياً من إمكانية الوصول إلى حقيقة ثابتة، وهو شك يتجاوز الشك الديكارتي المنهجي ليصل إلى ما يمكن تسميته "شك وجودي" يطال .أسس المعرفة والقيم والهويات
في قصيدة "الإفلاس أحسن أحوال الملوك" يصُرّح: "الوصايا تريد الحكمة / والفضيلة والثواب / لذا لم تترك لنا فسحة للأزياء"، وهذا النقد يستهدف الخطابات الكبرى التي تحتكر الحقيقة وتصُادر حق الفرد في التجربة الذاتية. الوصايا - سواء كانت دينية أو أخلاقية أو سياسية - تفرض قوالب جاهزة تلُغي الاختلاف والتعدد، والشاعر يستخدم استعارة "الأزياء" للدلالة على الحرية الفردية في اختيار الهوية وتشكيلها، تلك الحرية التي تصُادرها المنظومات الشمولية. هذا الموقف يتقاطع مع نقد ليوتار للسرديات الكبرى في كتابه "الوضع ما بعد الحداثي"، حيث يرى أن عصرنا يتميز بانهيار تلك السرديات التي كانت تمنح الحياة معناها الموحد - سردية .التقدم، سردية التحرر، سردية الخلاص الشاعر يجُسّد هذا الانهيار شعرياً حين يكتب في قصيدة "نهايات": "ماذا أتحدث / عن الموج الذي لا يثور؟ / عن النفايات التي تشُير بسبابة من رصاص؟"، والسؤال البلاغي هنا يكشف عن أزمة الخطاب ذاته، عن عجز اللغة عن مقاربة واقع صار يتجاوز قدرة الكلمات على وصفه، فالموج الذي لا يثور والنفايات التي تشُير برصاص صور تجُسّ د عالماً انقلبت فيه الطبائع وتبدلت فيه الوظائف، عالماً يحتاج لغة جديدة .لفهمه ينشغل الديوان بتشريح بنى السلطة وآليات الهيمنة بأشكالها المتعددة، مُوظفاً ما يمكن تسميته "الحفر الأركيولوجي" بتعبير فوكو - ذلك الحفر الذي يكشف عن الطبقات .المتراكمة من القمع والإخضاع وفي قصيدة "أمام نصب الحرية" يكتب: "العبيد / غارسو الأمل وبائعو النحيب / قادمون بأحزمة تحفر الأوطان / وتؤجل الذباب / علقوا أوزارهم بعد أن خانتهم البيانات / وناموا ملء أجسادهم / أمام نصب الحرية"، والمفارقة صارخة: العبيد ينامون أمام نصب الحرية، ذلك النصب الذي صنعه جواد سليم ليخُلدّ انتفاضة الشعب العراقي، صار شاهداً على نوم العبيد واستسلامهم. هذا التوظيف للرمز الوطني يفُكك الخطاب القومي ويكشف عن الفجوة بين الرمز ومدلوله، بين الشعار والواقع.

الشاعر عصام كاظم يتتبع سلسلة القمع عبر التاريخ حين يكتب: "الإفلاس أجيال / من الأغاوات / والباشوات / والملوك"، وهذا التتابع الزمني يكشف عن بنية القمع المتوارثة، تلك البنية التي تعُيد إنتاج نفسها عبر الأجيال مع تبدل الأسماء والأقنعة، فالأغاوات والباشوات والملوك يمثلون حلقات في سلسلة واحدة، ووراثة الإفلاس تشُير إلى استمرارية الفشل التاريخي في تحقيق العدالة والحرية. هذا التحليل يتقاطع مع مفهوم "العنف الرمزي" عند بورديو، ذلك العنف الناعم الذي يمُارَس بموافقة .الضحايا أنفسهم، حين يتبنون منظومة القيم التي تبُرر إخضاعهم الشاعر يكشف عن هذا العنف حين يكتب في قصيدة "غواية": "يرمون العلب الفارغة / كبقايا من البشر"، وتشيئ الإنسان وتحويله إلى "بقايا" و"علب فارغة "يجُسّد أقصى درجات العنف الرمزي، حين يفقد الإنسان إنسانيته ويتحول إلى مجرد .نفاية يمكن التخلص منها المنفى في الديوان يتجاوز بعُده الجغرافي ليصير حالة وجودية شاملة، ما يمكنتسميته "المنفى الأنطولوجي "- ذلك الشعور بالغربة حتى في الوطن، بالضياع حتى .في المكان المألوف في قصيدة "نهايات" يكتب: "وحدي / على بابك المسافر / أهيم مع مصابيح المدن الباردة / أيها المسافر / في ضوء الغفلة / دعني أبتهل / دعني أجمع الغربة / في بريد أوطاننا"، والغربة هنا تجُمع في "بريد الأوطان"، استعارة تشُير إلى تحول الوطن من مكان للإقامة إلى مجرد رسائل ومراسلات، علاقة عن بعُد، حنين .مؤجل، ذاكرة تتآكل مع الزمن الشاعر "يبتهل "- فعل ديني يكشف عن تحول المنفى إلى حالة روحية تستدعي طقوساً خاصة للتعامل معها.
هذا التوظيف يستدعي ما كتبته جوليا كريستيفا عن "الغريب في ذواتنا"، ذلك الإحساس بالغربة الذي يسكن أعماق كل منا، المنفي الداخلي الذي يحمله الإنسان أينما ذهب الشاعر يجُسّد هذا البعد حين يكتب في قصيدة "لعبة": "هذا اسمي / أنا الضمير الغائب / اترك واشطب / لغة أخرى"، والذات تتحول إلى "ضمير غائب"، تتموضع في موقع الغياب اللغوي، تنسحب من حضورها لتصير أثراً ومرجعاً، وهذا الانسحاب يجُسّد ما سماه بلانشو "الكتابة كاختفاء"، حيث الكاتب يغيب في نصه .ويتحول إلى صوت مجهول يتكلم من مكان اللامكان تفُتتح قصيدة "غواية" بضمير الغائب الجمعي "أولئك"، مُؤسسةً منذ البداية لمسافة بين الذات المتكلمة والآخرين: "أولئك / - أصحاب الأصوات العالية - / يلعنون بأصابعهم خرس العزلة"، والتقابل بين "الأصوات العالية" و"خرس العزلة" يكشف عن صراع مركزي في القصيدة: صراع بين الصخب والصمت، بين السلطة التي تفرض حضورها بالضجيج والذات التي تختار الانسحاب إلى العزلة. اللعن بالأصابع - وليس بالكلمات - يشُير إلى عنف جسدي مباشر يمُارس ضد الصامتين، إلى سلطة تجُرّم الصمت و تعده تهديدا الشاعر يعُلن موقفه بوضوح: "لن أمارس الغواية مع الأدغال / آثمون"، ورفض
"الغواية مع الأدغال" يشُير إلى رفض الانخراط في لعبة السلطة والتنافس على مواقعها، فالأدغال هنا استعارة للفضاء البري الذي تسود فيه شريعة الغاب، حيث البقاء للأقوى، والشاعر يفُضّل الإثم - بمعناه الاجتماعي، أي الخروج عن المألوف والمقبول - على المشاركة في هذه اللعبة. هذا الموقف يستدعي مفهوم "الرفض الكبير" عند هربرت ماركوز، ذلك الرفض الجذري للمشاركة في منظومة القمع حتى لو كان ثمن ذلك التهميش والإقصاء، فالشاعر يختار الهامش بوصفه موقعاً .للمقاومة، ويحُوّل العزلة من عقوبة إلى اختيار وجودي القصيدة مشحونة بصور كثيفة تجُسّد حالة الفساد والانحطاط: "يشخرون في بروج من المصابيح الذهبية / ويشربون لمعان الدم"، والشخير في البروج الذهبية يشُير إلى السلطة النائمة، المترهلة، التي تسكن قصورها المُذهّبة بينما الدماء تسيل في الخارج، و"شرب لمعان الدم" استعارة مُركّبة تجمع بين الجمالي واللمعان والمأساوي والدم، وتكشف عن سلطة تتغذى على معاناة الآخرين وتستمد بريقها من
.آلامهم .
قصيدة "غواية" في جوهرها قصيدة رفض وجودي تؤُسس لموقف أخلاقي قائم على الانسحاب الواعي من دوائر السلطة والصخب، والشاعر يختار "حدائق المجهولين "و"أعمدة الرماد" بوصفها فضاءات بديلة للوجود، فضاءات هامشية تتُيح للذات أن .تحتفظ بنقائها بعيداً عن تلوث السلطة.أما قصيدة "عندما نتبوأ خارطة الريح" فعنوانها يجمع بين الفعل الإرادي "نتبوأ "- بما يحمله من دلالات التسلمّ واتخاذ الموقع - والمستحيل الدلالي "خارطة الريح ،"وهذا التناقض يؤُسس لشعرية قائمة على السعي نحو المستحيل، على محاولة الإمساك بما يفلت بطبيعته
القصيدة تتضمن مشهداً افتتاحياً بالغ الكثافة: "جرح هذا الجندي المجهول الذي فر إلى شرفة من يحُب / وعلقّ خوذته كزينة وبكى / في ظلمة الجدران"، والجندي المجهول - ذلك الرمز العالمي للتضحية المنسية - يتحول هنا إلى شخصية درامية حية، وفراره "إلى شرفة من يحُب" يكشف عن الصراع بين الواجب والرغبة، بين متطلبات الحرب ونداء الحب، وتعليق الخوذة "كزينة" فعل رمزي يشُير إلى تحويل أداة الحرب إلى مجرد ديكور، إلى إعلان نهاية القتال واختيار الحب، والبكاء "في ظلمة الجدران" يكشف عن .خصوصية الألم ،عن دموع لا ترُى، عن حداد صامت القصيدة تقُدم موقفاً جذرياً من ثنائية النصر والهزيمة: "حلفت ألا أكون أميراً لزمن ما / وحلفت ألا أشرب كأس الفوز / فالهزيمة سمة أبوية"، ورفض الإمارة ورفض كأس الفوز يشُيران إلى تقويض أيديولوجيا النصر السائدة في الخطاب القومي العربي، والشاعر يكشف أن "الهزيمة سمة أبوية "- أي موروث بنيوي يتجاوز الأفراد ويعُيد إنتاج نفسه عبر الأجيال. هذا الاعتراف بالهزيمة كقدر موروث يحُيل إلى ما سماه عبد الله العروي "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، تلك الأيديولوجيا .التي ترُاوح بين أحلام النهضة وكوابيس الانكسارالقصيدة مُحمّلة بتناصات تفُعلّ الذاكرة الثقافية العراقية: "تذكرت الشعراء الذين شربوا أيامهم في مقهى الزهاوي / فبكيتُ لأجل جندي من الشطرنج / وآخر وزير / بكيتُ على أرضة الرشيد التي أكلتها العصا"، ومقهى الزهاوي - ذلك الفضاء الثقافي البغدادي الذي شهد ولادة الحداثة الشعرية العراقية - يتحول إلى موضوع للحنين والرثاء، والشعراء الذين "شربوا أيامهم" استعارة تشُير إلى استهلاك الزمن، إلى حياة أنُفقت في الإبداع والسهر والحوار، أما "أرضة الرشيد" فتحُيل إلى شارع الرشيد، الشريان الثقافي لبغداد، الذي "أكلته العصا "- استعارة للتدمير والإهمال والعنف الذي طال المدينة وذاكرتها. رغم كل هذا الألم، تنتهي القصيدة بدعوة إلى فعل: "علينا أن نشرب العاصفة / ونتبوأ خارطة الريح / دعنا ننزف صمت هديرنا / ونملأ الأشواط التي تغوص في الأدغال / عطراً جديداً"، و"شرب العاصفة" فعل يجمع بين الاستيعاب والمواجهة، تحويل الكارثة إلى طاقة داخلية، و"تتويج الرغبة بنافورة الدمع" يشُير إلى تحويل الألم إلى جمال، إلى كيمياء شعرية تحُوّل الدموع
.إلى نافورة - أي إلى شكل فني منظم وجميل يوُظف الشاعر تقنيات الانزياح اللغوي بكثافة لافتة، مُحققاً ما سماه شكلوفسكي
."التغريب "- جعل المألوف غريباً لإثارة الوعي وكسر الآلية الإدراكية الانزياح التركيبي يتجلى في قوله "صارت الريح أكثر احمراراً من المصير"، فإسناد اللون الأحمر للريح، وجعلها أكثر احمراراً من المصير، يخلق صورة غير مسبوقة تجُبر القارئ على التوقف والتأملوالانزياح الدلالي يظهر في "يشربون لمعان الدم"، حيث الجمع بين فعل الشرب واللمعان يخلق تركيباً غرائبياً يكشف عن علاقة السلطة بالعنف. والانزياح الإسنادي يبرز في "طاولتي تنتحر"، فإسناد فعل إنساني كالانتحار إلى جماد كالطاولة يجُسّد .حالة اليأس الشامل التي تطال حتى الأشياء الشاعر يتخلى عن الوزن الخليلي التقليدي ليؤُسس لإيقاع داخلي قائم على توزيع الأسطر وفق منطق بصري يعُادل التجربة الشعورية، فالقصائد تتشكل على الصفحة
.كأنها لوحات، حيث الفراغات وتأجيل المعنى والتقطيعات تحمل دلالاتها الخاصة ويستخدم الشاعر التكرار كأداة لبناء الإيقاع والدلالة معاً: "بكيتُ لأجل جندي من الشطرنج / وآخر وزير / بكيتُ على أرضة الرشيد... / بكيتُ يوم نالت من جيوبنا رسائل الحبيبة"، والتكرار هنا يرُاكم الألم ويعُمّقه، يحُوّل البكاء من فعل عابر إلى طقس متواصل، إلى حالة وجودية مستمرة
يتخذ الشاعر موقفاً مُركّباً من اللغة، يراها قيداً وانعتاقاً في آن، ففي قوله "وتحت السياط / التي تلغي الكلمات" تشُير السياط التي تلُغي الكلمات إلى سلطة تصُادر حق الكلام، إلى قمع يطال اللغة ذاتها، وفي هذا السياق، الكتابة الشعرية تصير فعل مقاومة، محاولة لاستعادة الكلمات المُصادرة لكن الشاعر يدُرك أيضاً أن اللغة ذاتها قد تكون أداة للقمع، ولذلك يكتب: "هذا اسمي / أنا الضمير الغائب / اترك واشطب / لغة أخرى"، والرغبة في "لغة أخرى "تكشف عن وعي بقصور اللغة المتاحة، عن حاجة إلى أدوات تعبيرية جديدة تتجاوز القوالب المُ ستهلكة.
يحتفي الديوان بالصمت بوصفه خطاباً بديلاً: "دعنا ننزف صمت هديرنا"، والصمت هنا يهدر، أي يحمل طاقة الثورة والفيضان، إنه صمت مُحتقن، مشحون، ينتظر لحظة الانفجار، وهذا التوظيف يستدعي ما كتبه سوزان سونتاغ عن "جماليات الصمت "- الصمت بوصفه موقفاً فنياً ووجودياً، اختياراً واعياً في مواجهة ثرثرة العالم خارطة الريح" ديوان يقُاوم الاختزال والتصنيف، يتملصّ من كل محاولة للإمساك "به في تأويل نهائي، وهذا التملصّ هو جزء من استراتيجيته الجمالية، فالنص يصُرّ على انفتاحه، على تعدد مداخله ومخارجه، على كونه "خارطة ريح" بالفعل -
خارطة تتبدل مع كل قراءة، وتمنح كل قارئ مساراً مختلفاً. الشاعر يقُدّم نموذجاً للشاعر-المفكر الذي يتجاوز التعبير عن تجربته الذاتية ليحُوّلها إلى أداة معرفية لفهم العالم ونقده، يمارس ما سماه أدورنو "الفن الملتزم "- ذلك الفن الذي يقُاوم بجمالياته لا بشعاراته،الديوان في نهايته كما في بدايته يظل في مهب الريح، باحثاً عن خارطة للمستحيل، مُصرّاً على الأمل رغم كل شيء، يختم بقوله: "ليس ثمة شيء آخر / هذا الطيف / آخر الحكايات"، وهكذا ينتهي الديوان كما بدأ - سؤالاً مفتوحاً على الريح، وخارطةً لا تكتمل أبد اً
كاظم اللامي: ناقد وكاتب ومخرج مسرحي من محافظة ميسان صدرت له رواية بعنوان (الماجدية) .
خارطة الريح (شعر) عصام كاظم جري ، صدرت من اتحاد ادباء ميسان 2011